وحشية - الجزء 1
لقد كان إليان يقِف خارج القرية المخفية، وسط غابة كثيفة مألوفة وخلفه يُفترض أن يكون الحجر المكاني الذي فتح لهما حاجز القرية سابقًا، وهو ما كان! لقد كان يقف في منتصف غابةٍ تملؤها أشجار عملاقة دون وجودٍ يُذكر لقرية أنصاف البشر، كما لو أن الثلوج العاتية طمستها للأبد.
وبذلك توجَّه فامي بسُرعة بين الظلال وسط الغابة الكثيفة ليقِف أمام إليان المُتعب بابتسامةٍ باردة تعلو محياه.
بدأ يجري نحو مخرج الغابة محاولًا التَّوجُّه لمكان قتال فانيسا وآلتوس، ومن ثم العودة للموقع الذي افترق فيه مع رايندار وليارا. كانت هذه الخطة. ركض وركض تحت السماء الغائمة، وسط الأشجار الكثيفة، وهو يخطو على ثلوج كثيفة تغطي الأرض بعلوٍّ مرتفع، لقد كانت رِجلاه تغرقُ مع كل خطوةٍ يخطوها كثيرًا من السنتمترات، ماجعله يتباطئ مع كل خطوة، ويتعب مع كل أخرى. لقد كان الجوُّ بردًا قارسًا لكنه كان يرتدي معطفه هذا الذي أهدته إليه ليارا. ذكراها هي ورايندار والدفء الذي عاشه في شهوره الأخيرة معهما كان دافعًا قويًّا يحُثُّه على الاستمرار بحثًا عنهما.
رائحة حريق… رائحة دم… رائحة خوفٍ أول مرة تشعر به هذه الأرض.
أعلى شجرة كان يقِف آلتوس على غُصنٍ كثيفٍ يُراقب إليان من نقطته العمياء. أجاد إخفاء حضوره القوي فهو يظلُّ شيئًا ثابتًا كفيلًا ببثِّ الرُّعب في قلبِ إليان لو استشعره.
“هي طفلةٌ بالفعل… وأنتِ كذلك نينا، سيكُون والدُكِ سعيدًا لو قمتِ بتصرُّفاتِ سيِّدةٍ صغيرة بعمرك!” قال سولدات
عيناه بلونِ الجليد القاتم كانا مركِّزتان جلَّ انتباههما على إليان الذي يجري لاحول له ولاقوة بحثًا عن رفيقيه.
لم يشعُر أحدٌ في القرية بالكارثة أول الأمر. كان الليل على وشك تغطيةِ سطحِ الأرضِ على القريةِ مُخفيًا وراءه حُمرةَ وداع النور مع الغُروب، تعانِق رائحة الثلج دفءَ الشُّموع المعلَّقة على الجُدران الخشبية. لكنّ النسيم تغيّر فَصَار أثقل، أبرد، وكأنّ الهواءَ نفسهُ يعرِف أن شيئًا شريرًا يقترب.
“الشَّمسُ على وشكِ الغُروب…” قال آلتوس بهدوء
“نينا أنتِ طفلةٌ كذلك…” قالت ميدميل
نظر إلى إليان نظرةً مطوَّلةً وهو يبتعِدُ مغادِرًا الغابة.
**********
“لقد جعلتني أنتظرُ طويلًا أيُّها الأحمق…”
“ماذا يا أخي… أَ لم ترى كيفَ تعَامل معنَا بتكبُّرٍ عند افتِراقنا وقتَها؟!” أجاب هيو
نظر باتجاه النقطة التي جاء منها إليان راكِضًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفةً، بسيطةً، ماكرةً…
“حسنًا إذًا… مادُمتَ أنتَ من طلبَ ذلك فأعِدك أنني سأُحاول.” قالت نينا
“أظنُّ أن تَسليتنا الليلة ستكُون عبارة عن بِضعة قطط خائفة!” قال بمكرٍ
“حسنًا إذًا وقتُ العمل بالنسبة لنا! نينا، مارين، ريك، سيلف، جيفان، و لانغ، فلتبدأوا بتجهيز الزينة والعصائر!” طلبَت ميدميل
“فامي” نادى بهدوء
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
من بين الظلَال وبسُرعة انتشارها، أسرع فامي ليقِف قُرب سيِّده على يمينه. “هنا!” قال فامي
آخرون كانوا يدخلون البيوت الصغيرة ويخرجون منها حاملين جثثًا، يرشقونها على الطرقات كما لو أنها غنائم والضحكات تتعالى بينهم.
لقد كان فامي أحد تابعي آلتوس من إلف الجليد، أقل منه بهاءً، لكن حضوره لا يقلُّ رهبة. بشرته زرقاء أفتح بدرجةٍ من بشرة آلتوس، وشعره فضي إلى ناصع البياض لكنه أقصر من شعر آلتوس، فالبكاد يتجاوز أذنيه مع خِصلات شعرٍ تتدلَّى على أعينه الباردتين المائلة إلى درجاتٍ فاتحة من الأزرق أو الرمادي الكريستالي. يرتدي درعاً خفيفًا مصنوعًا من صفائحٍ جليدية لا تذوب، مزخرفة بنقوشٍ تمثل العواصف الثلجية.
“أما زوفيا، ماركو، إيرما، ميكارد، زينوف، جوزيف، فتولُّوا فوزِّعوا المهام بينكم أنتم و هيو لمن سيرتِّب الغُرف ومن سيُساعد في المطبخ!” أضافت ميدميل
“سيكوُن من السيئ أن نجعل هذا البشريَّ يبحث وحيدًا عن رفيقيه والظلام على وشك تغطية الأرض، ألا توافقني؟” قال آلتوس
ابتسم فامي وهو يحدِّق بإليان المُتعب يتحداه بسؤاله.
“بماذا تأمر سيد آلتوس؟” أجاب فامي سائلًا
“ع-عودا بسُرعة…” قالت إري الصغيرة بلُطف
خذهُ ليرى رفيقيه بينما سآخذ عددًا من الجنود لنغزُو قرية القطط المخفية تِلك… أحضِره بعد ذلك ليرى المفاجأة التي سأجهِّزُها له في هذه القرية السخيفة…” قال آلتوس
لقد كان إليان يقِف خارج القرية المخفية، وسط غابة كثيفة مألوفة وخلفه يُفترض أن يكون الحجر المكاني الذي فتح لهما حاجز القرية سابقًا، وهو ما كان! لقد كان يقف في منتصف غابةٍ تملؤها أشجار عملاقة دون وجودٍ يُذكر لقرية أنصاف البشر، كما لو أن الثلوج العاتية طمستها للأبد.
“هل ستتَّبِع أثر المانا الضئيلة التي خلَّفها وراءه عند مغادرته القرية؟” سأل فامي
**********
“نعم… لقد كان قرارًا حكيمًا منك احتجازُ رفيقيه وإخفاء حُضورهما. كنتُ على عِلمٍ أن تلك القطة الفاسقة ستشعُر بذلك وتُخبره… كلامه سابقًا عن العائلة كان مؤثرًا لدرجة أنَّه حرَّك مشاعري، أتصدِّق ذلك فامي؟” قال آلتوس ساخرًا
“لا عجب، لقد كانت الأشجارُ التي قطعناها اليومَ ذات قوامٍ قويٍّ متين.” أجاب سولدات
“لا أفعل سيدي آلتوس!” ردَّ فامي
“دعكُما منه… ذلك المُنعزِل المُمل لن يأتي غالب الظَّن… هو يرى نفسهُ فوق الجميع بعد كلِّ شيئ!” قال هيو
“بالطبع لن تفعل… لكنني قد كنت أعلم يقينًا أنه سيُسرع وحيدًا للبحث عنهما بدافع المسؤولية والعائلة وتلك الأوهام التي تُثقل كاهله، وحينها سأنقضُّ على القرية متجاوزًا سحرها المكاني البغيض…” أضاف آلتوس
بدأت الشموع المتساقطة من الذعر إثر هرب السُّكان تسقط على الأرض، فتشتعل في القشّ الجاف. سرعان ما تحولت الأزقة إلى خطوط نار متقطعة، تبتلع القشّ وتعكس على الثلج لونًا برتقاليًا مخيفًا… كأن القرية تستغيث بلونٍ حارٍّ وسط هذا الجليد المميت.
“تبدو سعيدًا للغاية سيدي!” قال فامي
ظهروا من الضباب… إلف الجليد… عشرات منهم، ثم مئات في الخلف، يقودهم آلتوس الماثِل أمامهم بكلِّ جبروث ينفثُ الجليد من راحة كلتا يديهِ ليطفوَ عاليًا في السماء، كأن وجوده وحده قادر على تجميد الهواء إلى حد الاختناق.
“بالطبع أنا كذلك فبعد استيقاظنا من سُباتنا الطويل أخيرًا وجدتُ موقع هذه القرية البغيضة التي عادَتني منذ عقود… المانا خاصته يبدأ أثرها من تلك النقطة وسط الغابة هناك وتُستكمل…” أشار بإصبعه بعيدًا وهو يتحدَّث. “هناك عند الجبال!” ابتسَم
“حسنًا إذًا… مادُمتَ أنتَ من طلبَ ذلك فأعِدك أنني سأُحاول.” قالت نينا
“هي ليست بعدًا بديلًا بعد كل شيئ… مجرد قرية مخفيَّة بغيضة… وجدتُها أخيرًا!” قال بابتسامة ماكرة
صعدَ أحدُ أهل القريةِ إلى سطح بنايةٍ مُرتفعة، حيث يقبعُ جرسُ الإنذار، فقرعهُ مُنذِرًا باقتراب الخطر. لكن سُرعان ما سقطَ قتيلًا من أعلى البناية إلى أسفلهَا إثرَ سهمٍ جليديٍّ كبير يخترق قلبه. امتصَّ السهم روحه كما تُمتصُّ الحياة من أرضٍ قاحلة، حتى تجاوز وجهه كونهُ شاحبًا إلى لونٍ رماديٍّ كما لو أن روحه امتُصَّت حتى آخر قطرةٍ منها.
“سعيد من أجلك!” قال فامي ببرودٍ ساخر
لقد كان إليان يقِف خارج القرية المخفية، وسط غابة كثيفة مألوفة وخلفه يُفترض أن يكون الحجر المكاني الذي فتح لهما حاجز القرية سابقًا، وهو ما كان! لقد كان يقف في منتصف غابةٍ تملؤها أشجار عملاقة دون وجودٍ يُذكر لقرية أنصاف البشر، كما لو أن الثلوج العاتية طمستها للأبد.
“لعِلمك أنت كثيرُ الكلام اليوم، فامي!” قال آلتوس
“السيد إليان… متأكدةٌ أنني حرِصتُ على تأكيد عودته في هذا الوقتِ…” قالت مارلا
“ما كنتُ لأنطق بذلك لو كنتُ مكانك فهذا مُحرج حين يَخرُج من فمِ الثرثار الحقيقي هنا سيدي!” قال فامي
“أنتُما حقًا تُعاملَانها كطِفلة…” قالت نينا
نظر آلتوس نظرةً سخيفة لفامي الواقف بجانبه بملامح جدِّية لا تُناسب ما قاله. “إنطلق!” أمَرَ آلتوس
“هل تُريد توصيلة سريعة لمُقابلة أصدقاءك في أرضِنا؟” قال فامي بابتسامة
“حاضِر!” ردَّ فامي
“…” وقف إليان مذهولًا في حالة فراغ
وبذلك توجَّه فامي بسُرعة بين الظلال وسط الغابة الكثيفة ليقِف أمام إليان المُتعب بابتسامةٍ باردة تعلو محياه.
رفع كبار القرية المتمركِزون هناك رؤوسهم بقلق. بينما حدّق الصغار في الظلام وكأنهم يسمعون نبضة الموت قادمة تُدق ببطء.
نظرَ آلتوس نحوَ الجبال البعيدة التي يُفترض أن تقبع القرية المخفيَّة بجوارها.
“لا عجب، لقد كانت الأشجارُ التي قطعناها اليومَ ذات قوامٍ قويٍّ متين.” أجاب سولدات
“اتبعوني!” أمر بهدوء
“لكن… أردتُ الإعتذار من إليان على ما بدرَ مني حين كنتُ أُكلِّمه دون أخدٍ بعين الاعتبار وضعيته…” قال هيو
بذلك عشرات إلف الجليد بمظهرٍ مقاربٍ لما يبدو عليه فامي مع اختلاف تسريحات الشعر والطول وأشكال الوجه، ظهروا كما لو انبثقوا من الظلال واتبعوا قائدهم نحو هذفه وبعضهم مُسلَّحون بسهام جليديَّة وآخرون بالسُّيوف.
بدأت الشموع المتساقطة من الذعر إثر هرب السُّكان تسقط على الأرض، فتشتعل في القشّ الجاف. سرعان ما تحولت الأزقة إلى خطوط نار متقطعة، تبتلع القشّ وتعكس على الثلج لونًا برتقاليًا مخيفًا… كأن القرية تستغيث بلونٍ حارٍّ وسط هذا الجليد المميت.
“حاضر!” قالوا بصوت جماعيِّ
“بالطبع لن تفعل… لكنني قد كنت أعلم يقينًا أنه سيُسرع وحيدًا للبحث عنهما بدافع المسؤولية والعائلة وتلك الأوهام التي تُثقل كاهله، وحينها سأنقضُّ على القرية متجاوزًا سحرها المكاني البغيض…” أضاف آلتوس
أما إليان فقد وقف خارج الغابة مرعوبًا ويدُه على غمده أمام فامي المُبتسم بهالة قوية تُبعث منه. “تنحَّى عن الطَّريق” قال إليان بتردُّد وشيئ من الحزم
نظر آلتوس نظرةً سخيفة لفامي الواقف بجانبه بملامح جدِّية لا تُناسب ما قاله. “إنطلق!” أمَرَ آلتوس
“هل تُريد توصيلة سريعة لمُقابلة أصدقاءك في أرضِنا؟” قال فامي بابتسامة
يُتبع…
نظرَ إليان لفامي بدهشةٍ تملؤ عينيه إثر سماع شيئٍ غير متوقع.
“لا أفعل سيدي آلتوس!” ردَّ فامي
“هل رايندار وليارا بخير؟!” سأل إليان بقوَّة
“هيَّا بنَا ماما!” قالت إري
ابتسم فامي وهو يحدِّق بإليان المُتعب يتحداه بسؤاله.
كانت الرِّياح قويَّة فلم تسمح بانتشار الصوتِ لمدى أكبر، لكنه كان كافيًا لإعلام أهل القرية المتمركزين قربه بأمتار باقتراب الشُّؤم.
“أنت تُعجبني!” قال فامي بابتسامة
هجمُوا.
“…” وقف إليان مذهولًا في حالة فراغ
“سعيد من أجلك!” قال فامي ببرودٍ ساخر
“لنُسرع!” قال فامي
“حاضر!” قالوا بصوت جماعيِّ
كانت ملامح التَّوتر باديةً على وجه إليان المُرهق، لكن ماكان لديه خيارٌ آخر عدا الذَّهاب معه كما طَلب.
“سنخرُج إذًا! إري… إحرصي على استقبالنا عندما نعود عند الباب والكعكة على يديك لاستقبال ضيفِك إليان.” قال فرانكي
**********
لقد كان فامي أحد تابعي آلتوس من إلف الجليد، أقل منه بهاءً، لكن حضوره لا يقلُّ رهبة. بشرته زرقاء أفتح بدرجةٍ من بشرة آلتوس، وشعره فضي إلى ناصع البياض لكنه أقصر من شعر آلتوس، فالبكاد يتجاوز أذنيه مع خِصلات شعرٍ تتدلَّى على أعينه الباردتين المائلة إلى درجاتٍ فاتحة من الأزرق أو الرمادي الكريستالي. يرتدي درعاً خفيفًا مصنوعًا من صفائحٍ جليدية لا تذوب، مزخرفة بنقوشٍ تمثل العواصف الثلجية.
لم يشعُر أحدٌ في القرية بالكارثة أول الأمر. كان الليل على وشك تغطيةِ سطحِ الأرضِ على القريةِ مُخفيًا وراءه حُمرةَ وداع النور مع الغُروب، تعانِق رائحة الثلج دفءَ الشُّموع المعلَّقة على الجُدران الخشبية. لكنّ النسيم تغيّر فَصَار أثقل، أبرد، وكأنّ الهواءَ نفسهُ يعرِف أن شيئًا شريرًا يقترب.
نظر إلى إليان نظرةً مطوَّلةً وهو يبتعِدُ مغادِرًا الغابة.
في أحد البيوتِ المألوفةِ في القريَة، وتحديدًا في كوخ عائلة فرانكي وسولدات، اجتمع الجميعُ تحتَ سقفٍ واحدٍ في غرفةِ المعيشَة مُحتمِين من البرد بدفء المِدفأة بنيرانها المُشتعِلة.
ثم اهتزت الأرض عندَ غربِ القريَة… لم يكن الصوت مدويًا، بل مكتومًا كخطوات حيوان ضخم يسير فوق طبقات من الثلج المتجمد.
“إنه حطبٌ جيِّد، هذا الذي جلبنَاه اليوم!” قال فرانكي
“لنُسرع!” قال فامي
“لا عجب، لقد كانت الأشجارُ التي قطعناها اليومَ ذات قوامٍ قويٍّ متين.” أجاب سولدات
“بماذا تأمر سيد آلتوس؟” أجاب فامي سائلًا
كان كلٌّ من فرانكي وسولدات يجلسان على أرائكَ صوفيَّة، وحولهما نينا الصغيرة الحيويَّة التي كانت جالسةً بأدبٍ عند والدها سولدات، يبدو أنها تلتزم بصمتٍ وأدبٍ أكبر في حضوره. بينما كانت إري تقِف أمامهما والطحين يملأ خدودها وملابسها وهي تُراقبُ النافذة من بعيدٍ بترقُّب وكأنها تنتظرُ وصول أحدِهم.
بدأت الأمهات بجمع أطفالهن كمن يجمع فتات حياة. ركض البعض نحو البيوت، والبعض الآخر بقي مشدودًا في مكانه كدمية هشّة. بينما كان الصغار يصرخون، يقفزون بخوف، يبحثون عن أم، عن يد، عن باب لم يُغلق بعد.
“لقد تأخَّر السيِّد إليان…” قالت ميدميل
ثم اهتزت الأرض عندَ غربِ القريَة… لم يكن الصوت مدويًا، بل مكتومًا كخطوات حيوان ضخم يسير فوق طبقات من الثلج المتجمد.
يبدو أن إري الصغيرة الصامتة كانت تنتظرُ وصول إليان، لكنه تأخَّر فاعتراها القلق.
كان أحدهم يمسك نصف بشريٍّ من أذنه ويرفعه في الهواء قبل أن يقطع أنفاسه بحد سيفه المثلّج، مخلِّفًا خلفه بقع دمٍ حمراء على ثلجٍ أبيض لم يعرف لون الحُمرةِ يومًا.
“السيد إليان… متأكدةٌ أنني حرِصتُ على تأكيد عودته في هذا الوقتِ…” قالت مارلا
أما إليان فقد وقف خارج الغابة مرعوبًا ويدُه على غمده أمام فامي المُبتسم بهالة قوية تُبعث منه. “تنحَّى عن الطَّريق” قال إليان بتردُّد وشيئ من الحزم
“دعكُما منه… ذلك المُنعزِل المُمل لن يأتي غالب الظَّن… هو يرى نفسهُ فوق الجميع بعد كلِّ شيئ!” قال هيو
“أما زوفيا، ماركو، إيرما، ميكارد، زينوف، جوزيف، فتولُّوا فوزِّعوا المهام بينكم أنتم و هيو لمن سيرتِّب الغُرف ومن سيُساعد في المطبخ!” أضافت ميدميل
“هيو!” وبَّخ لانغ
آخرون كانوا يدخلون البيوت الصغيرة ويخرجون منها حاملين جثثًا، يرشقونها على الطرقات كما لو أنها غنائم والضحكات تتعالى بينهم.
“ماذا يا أخي… أَ لم ترى كيفَ تعَامل معنَا بتكبُّرٍ عند افتِراقنا وقتَها؟!” أجاب هيو
ابتسم فرانكي وسولدات مغادرين.
“صحيح… لكن هذا لا يعني أن تقولها هكذا…” قال لانغ
“يا لها من طِفلةٍ صغيرة لتنام في وقتٍ باكرٍ كهذا!” سخَرت نينا قائلةً
“هل إليان هذا هو شخصٌ سيِّئ؟” قال أحدُ الإخوة
“لا عجب، لقد كانت الأشجارُ التي قطعناها اليومَ ذات قوامٍ قويٍّ متين.” أجاب سولدات
توقَّف جميع الإخوة عن أنشِطتِهم وركَّز الجميع انتباههم على هذا الموضوع، حيث بدا نوعٌ من التَّوتر بين هذا وذاك، بدت على الأطفال ملامح الرَّيبة والتساؤل.
“لعِلمك أنت كثيرُ الكلام اليوم، فامي!” قال آلتوس
“مُتأكِّدٌ أنه شخصٌ طيِّب… إنهُ شخصٌ طيِّبٌ بالتأكيد!” قال فرانكي بنبرةٍ مُطمئِنة
“لكن إري تُريد الاحتفالَ به كضيفِنا، لقد جهَّزَتْ له كعكةً للتَّرحيب به وتريد الاحتفال معهُ بها قبل موعدِ نومها…” قالت ميدميل
“لقد مرَّ بالكثير بعد كلِّ شيئٍ حتى أنقذتهُ القائدة… ليس من السَّهل أن تعيشَ مُغتربًا وأنت فاقد لذاكرتك.” قال سولدات
“لكن إري تُريد الاحتفالَ به كضيفِنا، لقد جهَّزَتْ له كعكةً للتَّرحيب به وتريد الاحتفال معهُ بها قبل موعدِ نومها…” قالت ميدميل
“مُتأكِّدٌ أنه شخصٌ طيِّب… إنهُ شخصٌ طيِّبٌ بالتأكيد!” قال فرانكي بنبرةٍ مُطمئِنة
“يا لها من طِفلةٍ صغيرة لتنام في وقتٍ باكرٍ كهذا!” سخَرت نينا قائلةً
بدأت الشموع المتساقطة من الذعر إثر هرب السُّكان تسقط على الأرض، فتشتعل في القشّ الجاف. سرعان ما تحولت الأزقة إلى خطوط نار متقطعة، تبتلع القشّ وتعكس على الثلج لونًا برتقاليًا مخيفًا… كأن القرية تستغيث بلونٍ حارٍّ وسط هذا الجليد المميت.
“نينا أنتِ طفلةٌ كذلك…” قالت ميدميل
صعدَ أحدُ أهل القريةِ إلى سطح بنايةٍ مُرتفعة، حيث يقبعُ جرسُ الإنذار، فقرعهُ مُنذِرًا باقتراب الخطر. لكن سُرعان ما سقطَ قتيلًا من أعلى البناية إلى أسفلهَا إثرَ سهمٍ جليديٍّ كبير يخترق قلبه. امتصَّ السهم روحه كما تُمتصُّ الحياة من أرضٍ قاحلة، حتى تجاوز وجهه كونهُ شاحبًا إلى لونٍ رماديٍّ كما لو أن روحه امتُصَّت حتى آخر قطرةٍ منها.
“لكن أينَ يُمكن أن يكون في وقتٍ كهذا؟” قالت مارلا
رائحة حريق… رائحة دم… رائحة خوفٍ أول مرة تشعر به هذه الأرض.
“لابُدَّ أنه يُناقشُ شيئًا ما مع القائدة في بيتِ الأم الشريفة.” قال سولدات
“حسنًا هيَّا بنا نُجهِّز آخر اللمسات إري!” قالت مارلا
“لمَا لا نذهبُ لاصطحابه أخي؟” قال فرانكي
بدأت الشموع المتساقطة من الذعر إثر هرب السُّكان تسقط على الأرض، فتشتعل في القشّ الجاف. سرعان ما تحولت الأزقة إلى خطوط نار متقطعة، تبتلع القشّ وتعكس على الثلج لونًا برتقاليًا مخيفًا… كأن القرية تستغيث بلونٍ حارٍّ وسط هذا الجليد المميت.
“فكرةٌ سديدة… قد يكُون خجلُا من القدوم وحيدًا.” أجاب سولدات
عيناه بلونِ الجليد القاتم كانا مركِّزتان جلَّ انتباههما على إليان الذي يجري لاحول له ولاقوة بحثًا عن رفيقيه.
“ع-عودا بسُرعة…” قالت إري الصغيرة بلُطف
“نعم!” قالت إري بحماس
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
“بالطبع لن تفعل… لكنني قد كنت أعلم يقينًا أنه سيُسرع وحيدًا للبحث عنهما بدافع المسؤولية والعائلة وتلك الأوهام التي تُثقل كاهله، وحينها سأنقضُّ على القرية متجاوزًا سحرها المكاني البغيض…” أضاف آلتوس
“بطبيعة الحال… ما دامت إري من طلبَت ذلك.” قال سولدات
لقد كانتِ الأجواء السائدةُ في الكوخ لطيفةً، حيث بدا البيتُ دافئًا. كان كلُّ فردٍ يقوم بالدور الموكَل إليه دون خِصامٍ أو ذرَّة قلق… من رأى تلك الأجواء حيث تلتحم العائلةُ معًا سيتمنَّى استمرار هذه الأجواء العائلية الدافئَة للأبد.
وضع سولدات نينا أرضًا، ووقف مع فرانكي للذهاب إلى كوخ العجوز سيرا واصطحاب إليان للاحتفال.
يبدو أن إري الصغيرة الصامتة كانت تنتظرُ وصول إليان، لكنه تأخَّر فاعتراها القلق.
“أنتُما حقًا تُعاملَانها كطِفلة…” قالت نينا
“السيد إليان… متأكدةٌ أنني حرِصتُ على تأكيد عودته في هذا الوقتِ…” قالت مارلا
“هي طفلةٌ بالفعل… وأنتِ كذلك نينا، سيكُون والدُكِ سعيدًا لو قمتِ بتصرُّفاتِ سيِّدةٍ صغيرة بعمرك!” قال سولدات
“يا لها من طِفلةٍ صغيرة لتنام في وقتٍ باكرٍ كهذا!” سخَرت نينا قائلةً
“حسنًا إذًا… مادُمتَ أنتَ من طلبَ ذلك فأعِدك أنني سأُحاول.” قالت نينا
كانت الرِّياح قويَّة فلم تسمح بانتشار الصوتِ لمدى أكبر، لكنه كان كافيًا لإعلام أهل القرية المتمركزين قربه بأمتار باقتراب الشُّؤم.
“حسنًا إذًا هذه هي الرُّوح!” قال سولدات
“هل رايندار وليارا بخير؟!” سأل إليان بقوَّة
“سنخرُج إذًا! إري… إحرصي على استقبالنا عندما نعود عند الباب والكعكة على يديك لاستقبال ضيفِك إليان.” قال فرانكي
“أنتُما حقًا تُعاملَانها كطِفلة…” قالت نينا
“نعم!” قالت إري بخجل وحزم
“كلُّ ما عليك إذًا هو إنتظار عودتنا معه وحماية البيتِ بينما نعود بصفتك الأخ الأكبر مع لانغ هنا.” قال فرانكي
“سأذهبُ معكُما.” قال هيو
نظر إلى إليان نظرةً مطوَّلةً وهو يبتعِدُ مغادِرًا الغابة.
“لا نستطيع الذهاب بعددٍ كبير إلى بيت الأم الشريفة كما تعلَم هيو.” قال فرانكي
“هل إليان هذا هو شخصٌ سيِّئ؟” قال أحدُ الإخوة
“لكن… أردتُ الإعتذار من إليان على ما بدرَ مني حين كنتُ أُكلِّمه دون أخدٍ بعين الاعتبار وضعيته…” قال هيو
“دعكُما منه… ذلك المُنعزِل المُمل لن يأتي غالب الظَّن… هو يرى نفسهُ فوق الجميع بعد كلِّ شيئ!” قال هيو
“كلُّ ما عليك إذًا هو إنتظار عودتنا معه وحماية البيتِ بينما نعود بصفتك الأخ الأكبر مع لانغ هنا.” قال فرانكي
“لا أفعل سيدي آلتوس!” ردَّ فامي
“لكن…” قال هيو بنبرةٍ قلقة
“نينا أنتِ طفلةٌ كذلك…” قالت ميدميل
“هل أستطيع الاعتماد عليكُما في ذلك؟” قال فرانكي بابتسامة
“لا أفعل سيدي آلتوس!” ردَّ فامي
“نعم!” قال لانغ و هيو بثقة
“حسنًا هيَّا بنا نُجهِّز آخر اللمسات إري!” قالت مارلا
ابتسم فرانكي وسولدات مغادرين.
“لمَا لا نذهبُ لاصطحابه أخي؟” قال فرانكي
“حسنًا إذًا وقتُ العمل بالنسبة لنا! نينا، مارين، ريك، سيلف، جيفان، و لانغ، فلتبدأوا بتجهيز الزينة والعصائر!” طلبَت ميدميل
“لعِلمك أنت كثيرُ الكلام اليوم، فامي!” قال آلتوس
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
كانت وجوههم بلا ملامح، مغموسة في البهتان، خلف عاصفة ثلج، ترتجف رياحُها حولهم من سحر الصقيع.
“أما زوفيا، ماركو، إيرما، ميكارد، زينوف، جوزيف، فتولُّوا فوزِّعوا المهام بينكم أنتم و هيو لمن سيرتِّب الغُرف ومن سيُساعد في المطبخ!” أضافت ميدميل
“لمَا لا نذهبُ لاصطحابه أخي؟” قال فرانكي
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
“إنه حطبٌ جيِّد، هذا الذي جلبنَاه اليوم!” قال فرانكي
“ماذا عنِّي؟!” سألت إري بهدوء
رائحة حريق… رائحة دم… رائحة خوفٍ أول مرة تشعر به هذه الأرض.
“ستُساعدكِ ماما مارلا في آخر لمساتِ الكعكة ثم ستقفين عند الباب كما اتَّفقنا لاستقبال ضيفِنا إليان… أنتِ تُريدين التَّرحيب به أ ليس كذلك؟” قالت ميدميل
أعلى شجرة كان يقِف آلتوس على غُصنٍ كثيفٍ يُراقب إليان من نقطته العمياء. أجاد إخفاء حضوره القوي فهو يظلُّ شيئًا ثابتًا كفيلًا ببثِّ الرُّعب في قلبِ إليان لو استشعره.
“نعم!” قالت إري بحماس
رائحة حريق… رائحة دم… رائحة خوفٍ أول مرة تشعر به هذه الأرض.
“حسنًا هيَّا بنا نُجهِّز آخر اللمسات إري!” قالت مارلا
“نعم… لقد كان قرارًا حكيمًا منك احتجازُ رفيقيه وإخفاء حُضورهما. كنتُ على عِلمٍ أن تلك القطة الفاسقة ستشعُر بذلك وتُخبره… كلامه سابقًا عن العائلة كان مؤثرًا لدرجة أنَّه حرَّك مشاعري، أتصدِّق ذلك فامي؟” قال آلتوس ساخرًا
“هيَّا بنَا ماما!” قالت إري
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
لقد كانتِ الأجواء السائدةُ في الكوخ لطيفةً، حيث بدا البيتُ دافئًا. كان كلُّ فردٍ يقوم بالدور الموكَل إليه دون خِصامٍ أو ذرَّة قلق… من رأى تلك الأجواء حيث تلتحم العائلةُ معًا سيتمنَّى استمرار هذه الأجواء العائلية الدافئَة للأبد.
“ماذا يا أخي… أَ لم ترى كيفَ تعَامل معنَا بتكبُّرٍ عند افتِراقنا وقتَها؟!” أجاب هيو
حينها فقط، انطفأت أول شمعةٍ على طرفِ الطريق…
ليس بفعل الريح، بل كأن يدًا غير مرئية خنقتها.
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
ثم اهتزت الأرض عندَ غربِ القريَة… لم يكن الصوت مدويًا، بل مكتومًا كخطوات حيوان ضخم يسير فوق طبقات من الثلج المتجمد.
أما إليان فقد وقف خارج الغابة مرعوبًا ويدُه على غمده أمام فامي المُبتسم بهالة قوية تُبعث منه. “تنحَّى عن الطَّريق” قال إليان بتردُّد وشيئ من الحزم
رفع كبار القرية المتمركِزون هناك رؤوسهم بقلق. بينما حدّق الصغار في الظلام وكأنهم يسمعون نبضة الموت قادمة تُدق ببطء.
“ما كنتُ لأنطق بذلك لو كنتُ مكانك فهذا مُحرج حين يَخرُج من فمِ الثرثار الحقيقي هنا سيدي!” قال فامي
“…”
“لنُسرع!” قال فامي
ثم اخترق السكون نصلٌ أبيض… سهم جليدي سقط فوق أحد أسقف المنازل، فحطَّم الخشب بصوت جاف.
“ما كنتُ لأنطق بذلك لو كنتُ مكانك فهذا مُحرج حين يَخرُج من فمِ الثرثار الحقيقي هنا سيدي!” قال فامي
صرخت امرأة… صرخة واحدة… كانت كافية ليبدأ الجحيم.
كانت وجوههم بلا ملامح، مغموسة في البهتان، خلف عاصفة ثلج، ترتجف رياحُها حولهم من سحر الصقيع.
ظهروا من الضباب… إلف الجليد… عشرات منهم، ثم مئات في الخلف، يقودهم آلتوس الماثِل أمامهم بكلِّ جبروث ينفثُ الجليد من راحة كلتا يديهِ ليطفوَ عاليًا في السماء، كأن وجوده وحده قادر على تجميد الهواء إلى حد الاختناق.
نظر إلى إليان نظرةً مطوَّلةً وهو يبتعِدُ مغادِرًا الغابة.
كانت وجوههم بلا ملامح، مغموسة في البهتان، خلف عاصفة ثلج، ترتجف رياحُها حولهم من سحر الصقيع.
“سعيد من أجلك!” قال فامي ببرودٍ ساخر
رفع آلتوس إحدى يديه. فارتفعت خلفه جدران جليدية تشبه الأنياب، أغلقت مخرج القرية.
“لقد جعلتني أنتظرُ طويلًا أيُّها الأحمق…”
ارتبك الجميع مع اقتراب جيش إلف الجليد أكثر فأكثر.
نظرَ آلتوس نحوَ الجبال البعيدة التي يُفترض أن تقبع القرية المخفيَّة بجوارها.
صعدَ أحدُ أهل القريةِ إلى سطح بنايةٍ مُرتفعة، حيث يقبعُ جرسُ الإنذار، فقرعهُ مُنذِرًا باقتراب الخطر. لكن سُرعان ما سقطَ قتيلًا من أعلى البناية إلى أسفلهَا إثرَ سهمٍ جليديٍّ كبير يخترق قلبه. امتصَّ السهم روحه كما تُمتصُّ الحياة من أرضٍ قاحلة، حتى تجاوز وجهه كونهُ شاحبًا إلى لونٍ رماديٍّ كما لو أن روحه امتُصَّت حتى آخر قطرةٍ منها.
في أحد البيوتِ المألوفةِ في القريَة، وتحديدًا في كوخ عائلة فرانكي وسولدات، اجتمع الجميعُ تحتَ سقفٍ واحدٍ في غرفةِ المعيشَة مُحتمِين من البرد بدفء المِدفأة بنيرانها المُشتعِلة.
سقطت الضحيَّة الأولى بالفِعل.
“هي طفلةٌ بالفعل… وأنتِ كذلك نينا، سيكُون والدُكِ سعيدًا لو قمتِ بتصرُّفاتِ سيِّدةٍ صغيرة بعمرك!” قال سولدات
كانت الرِّياح قويَّة فلم تسمح بانتشار الصوتِ لمدى أكبر، لكنه كان كافيًا لإعلام أهل القرية المتمركزين قربه بأمتار باقتراب الشُّؤم.
“السيد إليان… متأكدةٌ أنني حرِصتُ على تأكيد عودته في هذا الوقتِ…” قالت مارلا
بدأت الأمهات بجمع أطفالهن كمن يجمع فتات حياة. ركض البعض نحو البيوت، والبعض الآخر بقي مشدودًا في مكانه كدمية هشّة. بينما كان الصغار يصرخون، يقفزون بخوف، يبحثون عن أم، عن يد، عن باب لم يُغلق بعد.
“لقد جعلتني أنتظرُ طويلًا أيُّها الأحمق…”
لكن الإلف لم ينتظروا استعداد أحدٍ للكارثة.
ابتسم فرانكي وسولدات مغادرين.
هجمُوا.
“فامي” نادى بهدوء
لم تكن معركة…
كانت عملية صيد!
خذهُ ليرى رفيقيه بينما سآخذ عددًا من الجنود لنغزُو قرية القطط المخفية تِلك… أحضِره بعد ذلك ليرى المفاجأة التي سأجهِّزُها له في هذه القرية السخيفة…” قال آلتوس
استُخدم سحر الجليد خاصَّتهم كما المناجيق، يقذفون حجارةً من جليد تستهذف كلَّ روحٍ هاربة، ساحقةً جثتهم تحت وطأة الحجارة الجليديَّة. لقد كانت الهجمات تستهذف حتى البيوتُ، المعالِم، وكلُّ مكانٍ كان ضمن نطاقِ هجماتهم إلَّا وتضرَّر مخلِّفًا خلفه خسائِر ماديَّة و بشريَّة.
“نعم!” قال لانغ و هيو بثقة
كان أحدهم يمسك نصف بشريٍّ من أذنه ويرفعه في الهواء قبل أن يقطع أنفاسه بحد سيفه المثلّج، مخلِّفًا خلفه بقع دمٍ حمراء على ثلجٍ أبيض لم يعرف لون الحُمرةِ يومًا.
ثم اخترق السكون نصلٌ أبيض… سهم جليدي سقط فوق أحد أسقف المنازل، فحطَّم الخشب بصوت جاف.
آخرون كانوا يدخلون البيوت الصغيرة ويخرجون منها حاملين جثثًا، يرشقونها على الطرقات كما لو أنها غنائم والضحكات تتعالى بينهم.
“مُتأكِّدٌ أنه شخصٌ طيِّب… إنهُ شخصٌ طيِّبٌ بالتأكيد!” قال فرانكي بنبرةٍ مُطمئِنة
بدأت الشموع المتساقطة من الذعر إثر هرب السُّكان تسقط على الأرض، فتشتعل في القشّ الجاف. سرعان ما تحولت الأزقة إلى خطوط نار متقطعة، تبتلع القشّ وتعكس على الثلج لونًا برتقاليًا مخيفًا… كأن القرية تستغيث بلونٍ حارٍّ وسط هذا الجليد المميت.
نظر إلى إليان نظرةً مطوَّلةً وهو يبتعِدُ مغادِرًا الغابة.
رائحة حريق…
رائحة دم…
رائحة خوفٍ أول مرة تشعر به هذه الأرض.
“هل تُريد توصيلة سريعة لمُقابلة أصدقاءك في أرضِنا؟” قال فامي بابتسامة
صوت صُراخ نساء…
صوت بكاء أطفال…
أصوات طلب الرَّحمة من العجزة…
أصوات محاولة المقاومة من الرجال…
أصوات لم تُسمع في هذه القرية قطّ.
“هيَّا بنَا ماما!” قالت إري
كانت أصوات الأطفال ترتفع ثم تنقطع فجأة.
كبار السن يزحفون بأجسادهم الضعيفة ليحموا ما يمكنهم… لكن السيوف كانت أسرع في اختراق أجسادهم.
“ما كنتُ لأنطق بذلك لو كنتُ مكانك فهذا مُحرج حين يَخرُج من فمِ الثرثار الحقيقي هنا سيدي!” قال فامي
كانت الدماء تتناثر على الثلج، فتحوله من أبيض نقي إلى خليط مرعب من الأحمر والرمادي.
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
يُتبع…
سقطت الضحيَّة الأولى بالفِعل.
يبدو أن إري الصغيرة الصامتة كانت تنتظرُ وصول إليان، لكنه تأخَّر فاعتراها القلق.
