وحشية - الجزء 1
لقد كان إليان يقِف خارج القرية المخفية، وسط غابة كثيفة مألوفة وخلفه يُفترض أن يكون الحجر المكاني الذي فتح لهما حاجز القرية سابقًا، وهو ما كان! لقد كان يقف في منتصف غابةٍ تملؤها أشجار عملاقة دون وجودٍ يُذكر لقرية أنصاف البشر، كما لو أن الثلوج العاتية طمستها للأبد.
يُتبع…
بدأ يجري نحو مخرج الغابة محاولًا التَّوجُّه لمكان قتال فانيسا وآلتوس، ومن ثم العودة للموقع الذي افترق فيه مع رايندار وليارا. كانت هذه الخطة. ركض وركض تحت السماء الغائمة، وسط الأشجار الكثيفة، وهو يخطو على ثلوج كثيفة تغطي الأرض بعلوٍّ مرتفع، لقد كانت رِجلاه تغرقُ مع كل خطوةٍ يخطوها كثيرًا من السنتمترات، ماجعله يتباطئ مع كل خطوة، ويتعب مع كل أخرى. لقد كان الجوُّ بردًا قارسًا لكنه كان يرتدي معطفه هذا الذي أهدته إليه ليارا. ذكراها هي ورايندار والدفء الذي عاشه في شهوره الأخيرة معهما كان دافعًا قويًّا يحُثُّه على الاستمرار بحثًا عنهما.
هجمُوا.
أعلى شجرة كان يقِف آلتوس على غُصنٍ كثيفٍ يُراقب إليان من نقطته العمياء. أجاد إخفاء حضوره القوي فهو يظلُّ شيئًا ثابتًا كفيلًا ببثِّ الرُّعب في قلبِ إليان لو استشعره.
كانت الرِّياح قويَّة فلم تسمح بانتشار الصوتِ لمدى أكبر، لكنه كان كافيًا لإعلام أهل القرية المتمركزين قربه بأمتار باقتراب الشُّؤم.
عيناه بلونِ الجليد القاتم كانا مركِّزتان جلَّ انتباههما على إليان الذي يجري لاحول له ولاقوة بحثًا عن رفيقيه.
في أحد البيوتِ المألوفةِ في القريَة، وتحديدًا في كوخ عائلة فرانكي وسولدات، اجتمع الجميعُ تحتَ سقفٍ واحدٍ في غرفةِ المعيشَة مُحتمِين من البرد بدفء المِدفأة بنيرانها المُشتعِلة.
“الشَّمسُ على وشكِ الغُروب…” قال آلتوس بهدوء
“هيَّا بنَا ماما!” قالت إري
نظر إلى إليان نظرةً مطوَّلةً وهو يبتعِدُ مغادِرًا الغابة.
ثم اخترق السكون نصلٌ أبيض… سهم جليدي سقط فوق أحد أسقف المنازل، فحطَّم الخشب بصوت جاف.
“لقد جعلتني أنتظرُ طويلًا أيُّها الأحمق…”
“لكن…” قال هيو بنبرةٍ قلقة
نظر باتجاه النقطة التي جاء منها إليان راكِضًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفةً، بسيطةً، ماكرةً…
“نعم!” قال لانغ و هيو بثقة
“أظنُّ أن تَسليتنا الليلة ستكُون عبارة عن بِضعة قطط خائفة!” قال بمكرٍ
آخرون كانوا يدخلون البيوت الصغيرة ويخرجون منها حاملين جثثًا، يرشقونها على الطرقات كما لو أنها غنائم والضحكات تتعالى بينهم.
“فامي” نادى بهدوء
كانت أصوات الأطفال ترتفع ثم تنقطع فجأة. كبار السن يزحفون بأجسادهم الضعيفة ليحموا ما يمكنهم… لكن السيوف كانت أسرع في اختراق أجسادهم.
من بين الظلَال وبسُرعة انتشارها، أسرع فامي ليقِف قُرب سيِّده على يمينه. “هنا!” قال فامي
“بالطبع لن تفعل… لكنني قد كنت أعلم يقينًا أنه سيُسرع وحيدًا للبحث عنهما بدافع المسؤولية والعائلة وتلك الأوهام التي تُثقل كاهله، وحينها سأنقضُّ على القرية متجاوزًا سحرها المكاني البغيض…” أضاف آلتوس
لقد كان فامي أحد تابعي آلتوس من إلف الجليد، أقل منه بهاءً، لكن حضوره لا يقلُّ رهبة. بشرته زرقاء أفتح بدرجةٍ من بشرة آلتوس، وشعره فضي إلى ناصع البياض لكنه أقصر من شعر آلتوس، فالبكاد يتجاوز أذنيه مع خِصلات شعرٍ تتدلَّى على أعينه الباردتين المائلة إلى درجاتٍ فاتحة من الأزرق أو الرمادي الكريستالي. يرتدي درعاً خفيفًا مصنوعًا من صفائحٍ جليدية لا تذوب، مزخرفة بنقوشٍ تمثل العواصف الثلجية.
“نعم!” قال لانغ و هيو بثقة
“سيكوُن من السيئ أن نجعل هذا البشريَّ يبحث وحيدًا عن رفيقيه والظلام على وشك تغطية الأرض، ألا توافقني؟” قال آلتوس
ثم اهتزت الأرض عندَ غربِ القريَة… لم يكن الصوت مدويًا، بل مكتومًا كخطوات حيوان ضخم يسير فوق طبقات من الثلج المتجمد.
“بماذا تأمر سيد آلتوس؟” أجاب فامي سائلًا
رفع كبار القرية المتمركِزون هناك رؤوسهم بقلق. بينما حدّق الصغار في الظلام وكأنهم يسمعون نبضة الموت قادمة تُدق ببطء.
خذهُ ليرى رفيقيه بينما سآخذ عددًا من الجنود لنغزُو قرية القطط المخفية تِلك… أحضِره بعد ذلك ليرى المفاجأة التي سأجهِّزُها له في هذه القرية السخيفة…” قال آلتوس
هجمُوا.
“هل ستتَّبِع أثر المانا الضئيلة التي خلَّفها وراءه عند مغادرته القرية؟” سأل فامي
“هيَّا بنَا ماما!” قالت إري
“نعم… لقد كان قرارًا حكيمًا منك احتجازُ رفيقيه وإخفاء حُضورهما. كنتُ على عِلمٍ أن تلك القطة الفاسقة ستشعُر بذلك وتُخبره… كلامه سابقًا عن العائلة كان مؤثرًا لدرجة أنَّه حرَّك مشاعري، أتصدِّق ذلك فامي؟” قال آلتوس ساخرًا
“لقد مرَّ بالكثير بعد كلِّ شيئٍ حتى أنقذتهُ القائدة… ليس من السَّهل أن تعيشَ مُغتربًا وأنت فاقد لذاكرتك.” قال سولدات
“لا أفعل سيدي آلتوس!” ردَّ فامي
وضع سولدات نينا أرضًا، ووقف مع فرانكي للذهاب إلى كوخ العجوز سيرا واصطحاب إليان للاحتفال.
“بالطبع لن تفعل… لكنني قد كنت أعلم يقينًا أنه سيُسرع وحيدًا للبحث عنهما بدافع المسؤولية والعائلة وتلك الأوهام التي تُثقل كاهله، وحينها سأنقضُّ على القرية متجاوزًا سحرها المكاني البغيض…” أضاف آلتوس
“أنتُما حقًا تُعاملَانها كطِفلة…” قالت نينا
“تبدو سعيدًا للغاية سيدي!” قال فامي
آخرون كانوا يدخلون البيوت الصغيرة ويخرجون منها حاملين جثثًا، يرشقونها على الطرقات كما لو أنها غنائم والضحكات تتعالى بينهم.
“بالطبع أنا كذلك فبعد استيقاظنا من سُباتنا الطويل أخيرًا وجدتُ موقع هذه القرية البغيضة التي عادَتني منذ عقود… المانا خاصته يبدأ أثرها من تلك النقطة وسط الغابة هناك وتُستكمل…” أشار بإصبعه بعيدًا وهو يتحدَّث. “هناك عند الجبال!” ابتسَم
“هي ليست بعدًا بديلًا بعد كل شيئ… مجرد قرية مخفيَّة بغيضة… وجدتُها أخيرًا!” قال بابتسامة ماكرة
“هي ليست بعدًا بديلًا بعد كل شيئ… مجرد قرية مخفيَّة بغيضة… وجدتُها أخيرًا!” قال بابتسامة ماكرة
لقد كانتِ الأجواء السائدةُ في الكوخ لطيفةً، حيث بدا البيتُ دافئًا. كان كلُّ فردٍ يقوم بالدور الموكَل إليه دون خِصامٍ أو ذرَّة قلق… من رأى تلك الأجواء حيث تلتحم العائلةُ معًا سيتمنَّى استمرار هذه الأجواء العائلية الدافئَة للأبد.
“سعيد من أجلك!” قال فامي ببرودٍ ساخر
“أنتُما حقًا تُعاملَانها كطِفلة…” قالت نينا
“لعِلمك أنت كثيرُ الكلام اليوم، فامي!” قال آلتوس
“بطبيعة الحال… ما دامت إري من طلبَت ذلك.” قال سولدات
“ما كنتُ لأنطق بذلك لو كنتُ مكانك فهذا مُحرج حين يَخرُج من فمِ الثرثار الحقيقي هنا سيدي!” قال فامي
في أحد البيوتِ المألوفةِ في القريَة، وتحديدًا في كوخ عائلة فرانكي وسولدات، اجتمع الجميعُ تحتَ سقفٍ واحدٍ في غرفةِ المعيشَة مُحتمِين من البرد بدفء المِدفأة بنيرانها المُشتعِلة.
نظر آلتوس نظرةً سخيفة لفامي الواقف بجانبه بملامح جدِّية لا تُناسب ما قاله. “إنطلق!” أمَرَ آلتوس
“مُتأكِّدٌ أنه شخصٌ طيِّب… إنهُ شخصٌ طيِّبٌ بالتأكيد!” قال فرانكي بنبرةٍ مُطمئِنة
“حاضِر!” ردَّ فامي
“ماذا يا أخي… أَ لم ترى كيفَ تعَامل معنَا بتكبُّرٍ عند افتِراقنا وقتَها؟!” أجاب هيو
وبذلك توجَّه فامي بسُرعة بين الظلال وسط الغابة الكثيفة ليقِف أمام إليان المُتعب بابتسامةٍ باردة تعلو محياه.
“لا أفعل سيدي آلتوس!” ردَّ فامي
نظرَ آلتوس نحوَ الجبال البعيدة التي يُفترض أن تقبع القرية المخفيَّة بجوارها.
“الشَّمسُ على وشكِ الغُروب…” قال آلتوس بهدوء
“اتبعوني!” أمر بهدوء
بدأت الأمهات بجمع أطفالهن كمن يجمع فتات حياة. ركض البعض نحو البيوت، والبعض الآخر بقي مشدودًا في مكانه كدمية هشّة. بينما كان الصغار يصرخون، يقفزون بخوف، يبحثون عن أم، عن يد، عن باب لم يُغلق بعد.
بذلك عشرات إلف الجليد بمظهرٍ مقاربٍ لما يبدو عليه فامي مع اختلاف تسريحات الشعر والطول وأشكال الوجه، ظهروا كما لو انبثقوا من الظلال واتبعوا قائدهم نحو هذفه وبعضهم مُسلَّحون بسهام جليديَّة وآخرون بالسُّيوف.
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
“حاضر!” قالوا بصوت جماعيِّ
وبذلك توجَّه فامي بسُرعة بين الظلال وسط الغابة الكثيفة ليقِف أمام إليان المُتعب بابتسامةٍ باردة تعلو محياه.
أما إليان فقد وقف خارج الغابة مرعوبًا ويدُه على غمده أمام فامي المُبتسم بهالة قوية تُبعث منه. “تنحَّى عن الطَّريق” قال إليان بتردُّد وشيئ من الحزم
كان أحدهم يمسك نصف بشريٍّ من أذنه ويرفعه في الهواء قبل أن يقطع أنفاسه بحد سيفه المثلّج، مخلِّفًا خلفه بقع دمٍ حمراء على ثلجٍ أبيض لم يعرف لون الحُمرةِ يومًا.
“هل تُريد توصيلة سريعة لمُقابلة أصدقاءك في أرضِنا؟” قال فامي بابتسامة
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
نظرَ إليان لفامي بدهشةٍ تملؤ عينيه إثر سماع شيئٍ غير متوقع.
“حسنًا إذًا… مادُمتَ أنتَ من طلبَ ذلك فأعِدك أنني سأُحاول.” قالت نينا
“هل رايندار وليارا بخير؟!” سأل إليان بقوَّة
“لقد جعلتني أنتظرُ طويلًا أيُّها الأحمق…”
ابتسم فامي وهو يحدِّق بإليان المُتعب يتحداه بسؤاله.
ثم اهتزت الأرض عندَ غربِ القريَة… لم يكن الصوت مدويًا، بل مكتومًا كخطوات حيوان ضخم يسير فوق طبقات من الثلج المتجمد.
“أنت تُعجبني!” قال فامي بابتسامة
كان كلٌّ من فرانكي وسولدات يجلسان على أرائكَ صوفيَّة، وحولهما نينا الصغيرة الحيويَّة التي كانت جالسةً بأدبٍ عند والدها سولدات، يبدو أنها تلتزم بصمتٍ وأدبٍ أكبر في حضوره. بينما كانت إري تقِف أمامهما والطحين يملأ خدودها وملابسها وهي تُراقبُ النافذة من بعيدٍ بترقُّب وكأنها تنتظرُ وصول أحدِهم.
“…” وقف إليان مذهولًا في حالة فراغ
حينها فقط، انطفأت أول شمعةٍ على طرفِ الطريق… ليس بفعل الريح، بل كأن يدًا غير مرئية خنقتها.
“لنُسرع!” قال فامي
“تبدو سعيدًا للغاية سيدي!” قال فامي
كانت ملامح التَّوتر باديةً على وجه إليان المُرهق، لكن ماكان لديه خيارٌ آخر عدا الذَّهاب معه كما طَلب.
صعدَ أحدُ أهل القريةِ إلى سطح بنايةٍ مُرتفعة، حيث يقبعُ جرسُ الإنذار، فقرعهُ مُنذِرًا باقتراب الخطر. لكن سُرعان ما سقطَ قتيلًا من أعلى البناية إلى أسفلهَا إثرَ سهمٍ جليديٍّ كبير يخترق قلبه. امتصَّ السهم روحه كما تُمتصُّ الحياة من أرضٍ قاحلة، حتى تجاوز وجهه كونهُ شاحبًا إلى لونٍ رماديٍّ كما لو أن روحه امتُصَّت حتى آخر قطرةٍ منها.
**********
“نينا أنتِ طفلةٌ كذلك…” قالت ميدميل
لم يشعُر أحدٌ في القرية بالكارثة أول الأمر. كان الليل على وشك تغطيةِ سطحِ الأرضِ على القريةِ مُخفيًا وراءه حُمرةَ وداع النور مع الغُروب، تعانِق رائحة الثلج دفءَ الشُّموع المعلَّقة على الجُدران الخشبية. لكنّ النسيم تغيّر فَصَار أثقل، أبرد، وكأنّ الهواءَ نفسهُ يعرِف أن شيئًا شريرًا يقترب.
“حسنًا إذًا هذه هي الرُّوح!” قال سولدات
في أحد البيوتِ المألوفةِ في القريَة، وتحديدًا في كوخ عائلة فرانكي وسولدات، اجتمع الجميعُ تحتَ سقفٍ واحدٍ في غرفةِ المعيشَة مُحتمِين من البرد بدفء المِدفأة بنيرانها المُشتعِلة.
“دعكُما منه… ذلك المُنعزِل المُمل لن يأتي غالب الظَّن… هو يرى نفسهُ فوق الجميع بعد كلِّ شيئ!” قال هيو
“إنه حطبٌ جيِّد، هذا الذي جلبنَاه اليوم!” قال فرانكي
“نعم… لقد كان قرارًا حكيمًا منك احتجازُ رفيقيه وإخفاء حُضورهما. كنتُ على عِلمٍ أن تلك القطة الفاسقة ستشعُر بذلك وتُخبره… كلامه سابقًا عن العائلة كان مؤثرًا لدرجة أنَّه حرَّك مشاعري، أتصدِّق ذلك فامي؟” قال آلتوس ساخرًا
“لا عجب، لقد كانت الأشجارُ التي قطعناها اليومَ ذات قوامٍ قويٍّ متين.” أجاب سولدات
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
كان كلٌّ من فرانكي وسولدات يجلسان على أرائكَ صوفيَّة، وحولهما نينا الصغيرة الحيويَّة التي كانت جالسةً بأدبٍ عند والدها سولدات، يبدو أنها تلتزم بصمتٍ وأدبٍ أكبر في حضوره. بينما كانت إري تقِف أمامهما والطحين يملأ خدودها وملابسها وهي تُراقبُ النافذة من بعيدٍ بترقُّب وكأنها تنتظرُ وصول أحدِهم.
“إنه حطبٌ جيِّد، هذا الذي جلبنَاه اليوم!” قال فرانكي
“لقد تأخَّر السيِّد إليان…” قالت ميدميل
أعلى شجرة كان يقِف آلتوس على غُصنٍ كثيفٍ يُراقب إليان من نقطته العمياء. أجاد إخفاء حضوره القوي فهو يظلُّ شيئًا ثابتًا كفيلًا ببثِّ الرُّعب في قلبِ إليان لو استشعره.
يبدو أن إري الصغيرة الصامتة كانت تنتظرُ وصول إليان، لكنه تأخَّر فاعتراها القلق.
“ماذا عنِّي؟!” سألت إري بهدوء
“السيد إليان… متأكدةٌ أنني حرِصتُ على تأكيد عودته في هذا الوقتِ…” قالت مارلا
“هيو!” وبَّخ لانغ
“دعكُما منه… ذلك المُنعزِل المُمل لن يأتي غالب الظَّن… هو يرى نفسهُ فوق الجميع بعد كلِّ شيئ!” قال هيو
“لقد جعلتني أنتظرُ طويلًا أيُّها الأحمق…”
“هيو!” وبَّخ لانغ
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
“ماذا يا أخي… أَ لم ترى كيفَ تعَامل معنَا بتكبُّرٍ عند افتِراقنا وقتَها؟!” أجاب هيو
“لكن إري تُريد الاحتفالَ به كضيفِنا، لقد جهَّزَتْ له كعكةً للتَّرحيب به وتريد الاحتفال معهُ بها قبل موعدِ نومها…” قالت ميدميل
“صحيح… لكن هذا لا يعني أن تقولها هكذا…” قال لانغ
لم تكن معركة… كانت عملية صيد!
“هل إليان هذا هو شخصٌ سيِّئ؟” قال أحدُ الإخوة
“تبدو سعيدًا للغاية سيدي!” قال فامي
توقَّف جميع الإخوة عن أنشِطتِهم وركَّز الجميع انتباههم على هذا الموضوع، حيث بدا نوعٌ من التَّوتر بين هذا وذاك، بدت على الأطفال ملامح الرَّيبة والتساؤل.
“حسنًا إذًا… مادُمتَ أنتَ من طلبَ ذلك فأعِدك أنني سأُحاول.” قالت نينا
“مُتأكِّدٌ أنه شخصٌ طيِّب… إنهُ شخصٌ طيِّبٌ بالتأكيد!” قال فرانكي بنبرةٍ مُطمئِنة
“أنتُما حقًا تُعاملَانها كطِفلة…” قالت نينا
“لقد مرَّ بالكثير بعد كلِّ شيئٍ حتى أنقذتهُ القائدة… ليس من السَّهل أن تعيشَ مُغتربًا وأنت فاقد لذاكرتك.” قال سولدات
“ع-عودا بسُرعة…” قالت إري الصغيرة بلُطف
“لكن إري تُريد الاحتفالَ به كضيفِنا، لقد جهَّزَتْ له كعكةً للتَّرحيب به وتريد الاحتفال معهُ بها قبل موعدِ نومها…” قالت ميدميل
“ستُساعدكِ ماما مارلا في آخر لمساتِ الكعكة ثم ستقفين عند الباب كما اتَّفقنا لاستقبال ضيفِنا إليان… أنتِ تُريدين التَّرحيب به أ ليس كذلك؟” قالت ميدميل
“يا لها من طِفلةٍ صغيرة لتنام في وقتٍ باكرٍ كهذا!” سخَرت نينا قائلةً
“لكن إري تُريد الاحتفالَ به كضيفِنا، لقد جهَّزَتْ له كعكةً للتَّرحيب به وتريد الاحتفال معهُ بها قبل موعدِ نومها…” قالت ميدميل
“نينا أنتِ طفلةٌ كذلك…” قالت ميدميل
بدأ يجري نحو مخرج الغابة محاولًا التَّوجُّه لمكان قتال فانيسا وآلتوس، ومن ثم العودة للموقع الذي افترق فيه مع رايندار وليارا. كانت هذه الخطة. ركض وركض تحت السماء الغائمة، وسط الأشجار الكثيفة، وهو يخطو على ثلوج كثيفة تغطي الأرض بعلوٍّ مرتفع، لقد كانت رِجلاه تغرقُ مع كل خطوةٍ يخطوها كثيرًا من السنتمترات، ماجعله يتباطئ مع كل خطوة، ويتعب مع كل أخرى. لقد كان الجوُّ بردًا قارسًا لكنه كان يرتدي معطفه هذا الذي أهدته إليه ليارا. ذكراها هي ورايندار والدفء الذي عاشه في شهوره الأخيرة معهما كان دافعًا قويًّا يحُثُّه على الاستمرار بحثًا عنهما.
“لكن أينَ يُمكن أن يكون في وقتٍ كهذا؟” قالت مارلا
ثم اخترق السكون نصلٌ أبيض… سهم جليدي سقط فوق أحد أسقف المنازل، فحطَّم الخشب بصوت جاف.
“لابُدَّ أنه يُناقشُ شيئًا ما مع القائدة في بيتِ الأم الشريفة.” قال سولدات
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
“لمَا لا نذهبُ لاصطحابه أخي؟” قال فرانكي
نظر آلتوس نظرةً سخيفة لفامي الواقف بجانبه بملامح جدِّية لا تُناسب ما قاله. “إنطلق!” أمَرَ آلتوس
“فكرةٌ سديدة… قد يكُون خجلُا من القدوم وحيدًا.” أجاب سولدات
“نعم… لقد كان قرارًا حكيمًا منك احتجازُ رفيقيه وإخفاء حُضورهما. كنتُ على عِلمٍ أن تلك القطة الفاسقة ستشعُر بذلك وتُخبره… كلامه سابقًا عن العائلة كان مؤثرًا لدرجة أنَّه حرَّك مشاعري، أتصدِّق ذلك فامي؟” قال آلتوس ساخرًا
“ع-عودا بسُرعة…” قالت إري الصغيرة بلُطف
كان أحدهم يمسك نصف بشريٍّ من أذنه ويرفعه في الهواء قبل أن يقطع أنفاسه بحد سيفه المثلّج، مخلِّفًا خلفه بقع دمٍ حمراء على ثلجٍ أبيض لم يعرف لون الحُمرةِ يومًا.
لقد كان طلبُها اللطيف شيئًا لا يُمكن لأحدٍ رفضه، لقد كانت خدودها مُحمرَّة بالخجل إثر طلبها الشُّجاع، لن يستطيعَ لا سودلت ولا والدها فرانكي رفضِه.
“نينا أنتِ طفلةٌ كذلك…” قالت ميدميل
“بطبيعة الحال… ما دامت إري من طلبَت ذلك.” قال سولدات
من بين الظلَال وبسُرعة انتشارها، أسرع فامي ليقِف قُرب سيِّده على يمينه. “هنا!” قال فامي
وضع سولدات نينا أرضًا، ووقف مع فرانكي للذهاب إلى كوخ العجوز سيرا واصطحاب إليان للاحتفال.
“بالطبع أنا كذلك فبعد استيقاظنا من سُباتنا الطويل أخيرًا وجدتُ موقع هذه القرية البغيضة التي عادَتني منذ عقود… المانا خاصته يبدأ أثرها من تلك النقطة وسط الغابة هناك وتُستكمل…” أشار بإصبعه بعيدًا وهو يتحدَّث. “هناك عند الجبال!” ابتسَم
“أنتُما حقًا تُعاملَانها كطِفلة…” قالت نينا
“نينا أنتِ طفلةٌ كذلك…” قالت ميدميل
“هي طفلةٌ بالفعل… وأنتِ كذلك نينا، سيكُون والدُكِ سعيدًا لو قمتِ بتصرُّفاتِ سيِّدةٍ صغيرة بعمرك!” قال سولدات
“لعِلمك أنت كثيرُ الكلام اليوم، فامي!” قال آلتوس
“حسنًا إذًا… مادُمتَ أنتَ من طلبَ ذلك فأعِدك أنني سأُحاول.” قالت نينا
صوت صُراخ نساء… صوت بكاء أطفال… أصوات طلب الرَّحمة من العجزة… أصوات محاولة المقاومة من الرجال… أصوات لم تُسمع في هذه القرية قطّ.
“حسنًا إذًا هذه هي الرُّوح!” قال سولدات
ثم اهتزت الأرض عندَ غربِ القريَة… لم يكن الصوت مدويًا، بل مكتومًا كخطوات حيوان ضخم يسير فوق طبقات من الثلج المتجمد.
“سنخرُج إذًا! إري… إحرصي على استقبالنا عندما نعود عند الباب والكعكة على يديك لاستقبال ضيفِك إليان.” قال فرانكي
“ستُساعدكِ ماما مارلا في آخر لمساتِ الكعكة ثم ستقفين عند الباب كما اتَّفقنا لاستقبال ضيفِنا إليان… أنتِ تُريدين التَّرحيب به أ ليس كذلك؟” قالت ميدميل
“نعم!” قالت إري بخجل وحزم
“هل ستتَّبِع أثر المانا الضئيلة التي خلَّفها وراءه عند مغادرته القرية؟” سأل فامي
“سأذهبُ معكُما.” قال هيو
“كلُّ ما عليك إذًا هو إنتظار عودتنا معه وحماية البيتِ بينما نعود بصفتك الأخ الأكبر مع لانغ هنا.” قال فرانكي
“لا نستطيع الذهاب بعددٍ كبير إلى بيت الأم الشريفة كما تعلَم هيو.” قال فرانكي
“بالطبع لن تفعل… لكنني قد كنت أعلم يقينًا أنه سيُسرع وحيدًا للبحث عنهما بدافع المسؤولية والعائلة وتلك الأوهام التي تُثقل كاهله، وحينها سأنقضُّ على القرية متجاوزًا سحرها المكاني البغيض…” أضاف آلتوس
“لكن… أردتُ الإعتذار من إليان على ما بدرَ مني حين كنتُ أُكلِّمه دون أخدٍ بعين الاعتبار وضعيته…” قال هيو
لم يشعُر أحدٌ في القرية بالكارثة أول الأمر. كان الليل على وشك تغطيةِ سطحِ الأرضِ على القريةِ مُخفيًا وراءه حُمرةَ وداع النور مع الغُروب، تعانِق رائحة الثلج دفءَ الشُّموع المعلَّقة على الجُدران الخشبية. لكنّ النسيم تغيّر فَصَار أثقل، أبرد، وكأنّ الهواءَ نفسهُ يعرِف أن شيئًا شريرًا يقترب.
“كلُّ ما عليك إذًا هو إنتظار عودتنا معه وحماية البيتِ بينما نعود بصفتك الأخ الأكبر مع لانغ هنا.” قال فرانكي
ثم اخترق السكون نصلٌ أبيض… سهم جليدي سقط فوق أحد أسقف المنازل، فحطَّم الخشب بصوت جاف.
“لكن…” قال هيو بنبرةٍ قلقة
“الشَّمسُ على وشكِ الغُروب…” قال آلتوس بهدوء
“هل أستطيع الاعتماد عليكُما في ذلك؟” قال فرانكي بابتسامة
رفع كبار القرية المتمركِزون هناك رؤوسهم بقلق. بينما حدّق الصغار في الظلام وكأنهم يسمعون نبضة الموت قادمة تُدق ببطء.
“نعم!” قال لانغ و هيو بثقة
**********
ابتسم فرانكي وسولدات مغادرين.
“هيَّا بنَا ماما!” قالت إري
“حسنًا إذًا وقتُ العمل بالنسبة لنا! نينا، مارين، ريك، سيلف، جيفان، و لانغ، فلتبدأوا بتجهيز الزينة والعصائر!” طلبَت ميدميل
“يا لها من طِفلةٍ صغيرة لتنام في وقتٍ باكرٍ كهذا!” سخَرت نينا قائلةً
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
لقد كانتِ الأجواء السائدةُ في الكوخ لطيفةً، حيث بدا البيتُ دافئًا. كان كلُّ فردٍ يقوم بالدور الموكَل إليه دون خِصامٍ أو ذرَّة قلق… من رأى تلك الأجواء حيث تلتحم العائلةُ معًا سيتمنَّى استمرار هذه الأجواء العائلية الدافئَة للأبد.
“أما زوفيا، ماركو، إيرما، ميكارد، زينوف، جوزيف، فتولُّوا فوزِّعوا المهام بينكم أنتم و هيو لمن سيرتِّب الغُرف ومن سيُساعد في المطبخ!” أضافت ميدميل
ابتسم فرانكي وسولدات مغادرين.
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
“هي ليست بعدًا بديلًا بعد كل شيئ… مجرد قرية مخفيَّة بغيضة… وجدتُها أخيرًا!” قال بابتسامة ماكرة
“ماذا عنِّي؟!” سألت إري بهدوء
“لكن إري تُريد الاحتفالَ به كضيفِنا، لقد جهَّزَتْ له كعكةً للتَّرحيب به وتريد الاحتفال معهُ بها قبل موعدِ نومها…” قالت ميدميل
“ستُساعدكِ ماما مارلا في آخر لمساتِ الكعكة ثم ستقفين عند الباب كما اتَّفقنا لاستقبال ضيفِنا إليان… أنتِ تُريدين التَّرحيب به أ ليس كذلك؟” قالت ميدميل
“هل ستتَّبِع أثر المانا الضئيلة التي خلَّفها وراءه عند مغادرته القرية؟” سأل فامي
“نعم!” قالت إري بحماس
“الشَّمسُ على وشكِ الغُروب…” قال آلتوس بهدوء
“حسنًا هيَّا بنا نُجهِّز آخر اللمسات إري!” قالت مارلا
وبذلك توجَّه فامي بسُرعة بين الظلال وسط الغابة الكثيفة ليقِف أمام إليان المُتعب بابتسامةٍ باردة تعلو محياه.
“هيَّا بنَا ماما!” قالت إري
بدأت الشموع المتساقطة من الذعر إثر هرب السُّكان تسقط على الأرض، فتشتعل في القشّ الجاف. سرعان ما تحولت الأزقة إلى خطوط نار متقطعة، تبتلع القشّ وتعكس على الثلج لونًا برتقاليًا مخيفًا… كأن القرية تستغيث بلونٍ حارٍّ وسط هذا الجليد المميت.
لقد كانتِ الأجواء السائدةُ في الكوخ لطيفةً، حيث بدا البيتُ دافئًا. كان كلُّ فردٍ يقوم بالدور الموكَل إليه دون خِصامٍ أو ذرَّة قلق… من رأى تلك الأجواء حيث تلتحم العائلةُ معًا سيتمنَّى استمرار هذه الأجواء العائلية الدافئَة للأبد.
“سيكوُن من السيئ أن نجعل هذا البشريَّ يبحث وحيدًا عن رفيقيه والظلام على وشك تغطية الأرض، ألا توافقني؟” قال آلتوس
حينها فقط، انطفأت أول شمعةٍ على طرفِ الطريق…
ليس بفعل الريح، بل كأن يدًا غير مرئية خنقتها.
كانت الدماء تتناثر على الثلج، فتحوله من أبيض نقي إلى خليط مرعب من الأحمر والرمادي.
ثم اهتزت الأرض عندَ غربِ القريَة… لم يكن الصوت مدويًا، بل مكتومًا كخطوات حيوان ضخم يسير فوق طبقات من الثلج المتجمد.
كانت وجوههم بلا ملامح، مغموسة في البهتان، خلف عاصفة ثلج، ترتجف رياحُها حولهم من سحر الصقيع.
رفع كبار القرية المتمركِزون هناك رؤوسهم بقلق. بينما حدّق الصغار في الظلام وكأنهم يسمعون نبضة الموت قادمة تُدق ببطء.
“إنه حطبٌ جيِّد، هذا الذي جلبنَاه اليوم!” قال فرانكي
“…”
يُتبع…
ثم اخترق السكون نصلٌ أبيض… سهم جليدي سقط فوق أحد أسقف المنازل، فحطَّم الخشب بصوت جاف.
كانت وجوههم بلا ملامح، مغموسة في البهتان، خلف عاصفة ثلج، ترتجف رياحُها حولهم من سحر الصقيع.
صرخت امرأة… صرخة واحدة… كانت كافية ليبدأ الجحيم.
ظهروا من الضباب… إلف الجليد… عشرات منهم، ثم مئات في الخلف، يقودهم آلتوس الماثِل أمامهم بكلِّ جبروث ينفثُ الجليد من راحة كلتا يديهِ ليطفوَ عاليًا في السماء، كأن وجوده وحده قادر على تجميد الهواء إلى حد الاختناق.
صعدَ أحدُ أهل القريةِ إلى سطح بنايةٍ مُرتفعة، حيث يقبعُ جرسُ الإنذار، فقرعهُ مُنذِرًا باقتراب الخطر. لكن سُرعان ما سقطَ قتيلًا من أعلى البناية إلى أسفلهَا إثرَ سهمٍ جليديٍّ كبير يخترق قلبه. امتصَّ السهم روحه كما تُمتصُّ الحياة من أرضٍ قاحلة، حتى تجاوز وجهه كونهُ شاحبًا إلى لونٍ رماديٍّ كما لو أن روحه امتُصَّت حتى آخر قطرةٍ منها.
كانت وجوههم بلا ملامح، مغموسة في البهتان، خلف عاصفة ثلج، ترتجف رياحُها حولهم من سحر الصقيع.
“صحيح… لكن هذا لا يعني أن تقولها هكذا…” قال لانغ
رفع آلتوس إحدى يديه. فارتفعت خلفه جدران جليدية تشبه الأنياب، أغلقت مخرج القرية.
“لكن… أردتُ الإعتذار من إليان على ما بدرَ مني حين كنتُ أُكلِّمه دون أخدٍ بعين الاعتبار وضعيته…” قال هيو
ارتبك الجميع مع اقتراب جيش إلف الجليد أكثر فأكثر.
“تبدو سعيدًا للغاية سيدي!” قال فامي
صعدَ أحدُ أهل القريةِ إلى سطح بنايةٍ مُرتفعة، حيث يقبعُ جرسُ الإنذار، فقرعهُ مُنذِرًا باقتراب الخطر. لكن سُرعان ما سقطَ قتيلًا من أعلى البناية إلى أسفلهَا إثرَ سهمٍ جليديٍّ كبير يخترق قلبه. امتصَّ السهم روحه كما تُمتصُّ الحياة من أرضٍ قاحلة، حتى تجاوز وجهه كونهُ شاحبًا إلى لونٍ رماديٍّ كما لو أن روحه امتُصَّت حتى آخر قطرةٍ منها.
أما إليان فقد وقف خارج الغابة مرعوبًا ويدُه على غمده أمام فامي المُبتسم بهالة قوية تُبعث منه. “تنحَّى عن الطَّريق” قال إليان بتردُّد وشيئ من الحزم
سقطت الضحيَّة الأولى بالفِعل.
“بماذا تأمر سيد آلتوس؟” أجاب فامي سائلًا
كانت الرِّياح قويَّة فلم تسمح بانتشار الصوتِ لمدى أكبر، لكنه كان كافيًا لإعلام أهل القرية المتمركزين قربه بأمتار باقتراب الشُّؤم.
كانت ملامح التَّوتر باديةً على وجه إليان المُرهق، لكن ماكان لديه خيارٌ آخر عدا الذَّهاب معه كما طَلب.
بدأت الأمهات بجمع أطفالهن كمن يجمع فتات حياة. ركض البعض نحو البيوت، والبعض الآخر بقي مشدودًا في مكانه كدمية هشّة. بينما كان الصغار يصرخون، يقفزون بخوف، يبحثون عن أم، عن يد، عن باب لم يُغلق بعد.
نظر إلى إليان نظرةً مطوَّلةً وهو يبتعِدُ مغادِرًا الغابة.
لكن الإلف لم ينتظروا استعداد أحدٍ للكارثة.
صرخت امرأة… صرخة واحدة… كانت كافية ليبدأ الجحيم.
هجمُوا.
“إنه حطبٌ جيِّد، هذا الذي جلبنَاه اليوم!” قال فرانكي
لم تكن معركة…
كانت عملية صيد!
بدأ يجري نحو مخرج الغابة محاولًا التَّوجُّه لمكان قتال فانيسا وآلتوس، ومن ثم العودة للموقع الذي افترق فيه مع رايندار وليارا. كانت هذه الخطة. ركض وركض تحت السماء الغائمة، وسط الأشجار الكثيفة، وهو يخطو على ثلوج كثيفة تغطي الأرض بعلوٍّ مرتفع، لقد كانت رِجلاه تغرقُ مع كل خطوةٍ يخطوها كثيرًا من السنتمترات، ماجعله يتباطئ مع كل خطوة، ويتعب مع كل أخرى. لقد كان الجوُّ بردًا قارسًا لكنه كان يرتدي معطفه هذا الذي أهدته إليه ليارا. ذكراها هي ورايندار والدفء الذي عاشه في شهوره الأخيرة معهما كان دافعًا قويًّا يحُثُّه على الاستمرار بحثًا عنهما.
استُخدم سحر الجليد خاصَّتهم كما المناجيق، يقذفون حجارةً من جليد تستهذف كلَّ روحٍ هاربة، ساحقةً جثتهم تحت وطأة الحجارة الجليديَّة. لقد كانت الهجمات تستهذف حتى البيوتُ، المعالِم، وكلُّ مكانٍ كان ضمن نطاقِ هجماتهم إلَّا وتضرَّر مخلِّفًا خلفه خسائِر ماديَّة و بشريَّة.
من بين الظلَال وبسُرعة انتشارها، أسرع فامي ليقِف قُرب سيِّده على يمينه. “هنا!” قال فامي
كان أحدهم يمسك نصف بشريٍّ من أذنه ويرفعه في الهواء قبل أن يقطع أنفاسه بحد سيفه المثلّج، مخلِّفًا خلفه بقع دمٍ حمراء على ثلجٍ أبيض لم يعرف لون الحُمرةِ يومًا.
“ما كنتُ لأنطق بذلك لو كنتُ مكانك فهذا مُحرج حين يَخرُج من فمِ الثرثار الحقيقي هنا سيدي!” قال فامي
آخرون كانوا يدخلون البيوت الصغيرة ويخرجون منها حاملين جثثًا، يرشقونها على الطرقات كما لو أنها غنائم والضحكات تتعالى بينهم.
“حسنًا!” قالوا بصوتٍ واحد
بدأت الشموع المتساقطة من الذعر إثر هرب السُّكان تسقط على الأرض، فتشتعل في القشّ الجاف. سرعان ما تحولت الأزقة إلى خطوط نار متقطعة، تبتلع القشّ وتعكس على الثلج لونًا برتقاليًا مخيفًا… كأن القرية تستغيث بلونٍ حارٍّ وسط هذا الجليد المميت.
“لابُدَّ أنه يُناقشُ شيئًا ما مع القائدة في بيتِ الأم الشريفة.” قال سولدات
رائحة حريق…
رائحة دم…
رائحة خوفٍ أول مرة تشعر به هذه الأرض.
يبدو أن إري الصغيرة الصامتة كانت تنتظرُ وصول إليان، لكنه تأخَّر فاعتراها القلق.
صوت صُراخ نساء…
صوت بكاء أطفال…
أصوات طلب الرَّحمة من العجزة…
أصوات محاولة المقاومة من الرجال…
أصوات لم تُسمع في هذه القرية قطّ.
عيناه بلونِ الجليد القاتم كانا مركِّزتان جلَّ انتباههما على إليان الذي يجري لاحول له ولاقوة بحثًا عن رفيقيه.
كانت أصوات الأطفال ترتفع ثم تنقطع فجأة.
كبار السن يزحفون بأجسادهم الضعيفة ليحموا ما يمكنهم… لكن السيوف كانت أسرع في اختراق أجسادهم.
“حسنًا إذًا هذه هي الرُّوح!” قال سولدات
كانت الدماء تتناثر على الثلج، فتحوله من أبيض نقي إلى خليط مرعب من الأحمر والرمادي.
خذهُ ليرى رفيقيه بينما سآخذ عددًا من الجنود لنغزُو قرية القطط المخفية تِلك… أحضِره بعد ذلك ليرى المفاجأة التي سأجهِّزُها له في هذه القرية السخيفة…” قال آلتوس
يُتبع…
“هل إليان هذا هو شخصٌ سيِّئ؟” قال أحدُ الإخوة
“لا عجب، لقد كانت الأشجارُ التي قطعناها اليومَ ذات قوامٍ قويٍّ متين.” أجاب سولدات
