بطل المسار الصالح
“كل ما تحتاجه سيوفره لك المسار الصالح، بشرط أن تبقى حياً.. تذكر ذلك جيداً.”
“عشيرتنا تضم عشرة من المرتبة الرابعة وواحدًا من المرتبة الخامسة…”
سحب أوريون الزجاجة بحنق: “أيها اللعين، وكأنك تحصي الضحايا. أتريدها أم أرمي بها؟”
قاطعه تايتوس بتهكم: “هل هو مزارع شيطاني؟”
تصلب جسد بايرون.
كان يقصد من أباد أولئك المسخرين على الطريق. كان المسار ضيقاً، وبتلات الزهور الضخمة تكاد تحتك بهيكل العربة، بينما تُسمع أنفاس الأيل المنهكة وهو يتوسل الهواء.
(لو كنت مكانهم لأطلقت لساقي العنان هرباً، فأن تترك نسلك عبيداً طوال عمرهم هو الأسوأ،) فكر تايتوس ببرود. فمنذ نهاية الحرب قبل 150 عاماً، صار استعباد أبناء البحر الشرقي أمراً معتاداً لحين انتهاء مدة العقوبة.
“مسخر أو شيطاني.. أه، أنا على وشك الموت على أي حال، أتمنى فقط أن أرحل بدون ألم.” وضع تايتوس يده على صدره، وأردف بسخرية: “جنرال، كيف تظن أننا سنموت على يد سيد العناصر هذا؟”
اقترب فلاحون آخرون بخوف، وحدق أوريون بهم بحزم.
حدق في عمه؛ كان رأس أوريون يتحرك في كل اتجاه، وعلى الرغم من أن الرياح الباردة كانت تلسع الأعين، إلا أن تايتوس لاحظ قطرات العرق تتجمع على رقبة العجوز.
“من أين تأتي بهذه الأفكار المريضة؟” تنهد أوريون وعيناه مغمضتان، وأخرج من كيسه الصغير زجاجة يلمع زجاجها بألوان قوس قزح. “خذ هذا.. سفر الصيف.”
“لديك التاليزمن. هل هناك خطر حقيقي؟”
وعرف المصدر فوراً؛ كانت حوالي ثلاثين تمثالاً غريباً تصطف على الطريق الحجري المؤدي للباب. كانت تماثيل لبشر حقيقيين تحولوا إلى حجارة كعقاب. بايرون الصغير يمتلك هذه الهواية المريضة، مستغلاً غطاء “المسار الصالح” لتبرير تحويل كل من يكرههم إلى صخور.
كانت «التاليزمن» أسلحة ميكانيكية متطورة تعتمد على طاقة سادة العناصر، تتفرع وتتخذ أشكالاً مختلفة، مثل أداة أوريون التي تقارب في حجمها إصبعاً سميكاً ومحاطة بأشواك حادة تشبه الزجاج المكسور. ومع ذلك، لم يره تايتوس يستعملها قط.
تلاقت عينا تايتوس وعمه؛ كانت ابتسامة أوريون خالية من أي دفء.
“هل سننجو؟ أم أن العشيرة تحاول التخلص منا أصلاً؟”
رد أوريون بجفاء: “لدينا مطاردة، نقطة الموارد تعرضت للتخريب، وجثث مسخرين من المرتبة الرابعة تملأ الطرق.”
أجاب أوريون ببرود: “ولماذا ستفعل العشيرة ذلك؟”
حدق في عمه؛ كان رأس أوريون يتحرك في كل اتجاه، وعلى الرغم من أن الرياح الباردة كانت تلسع الأعين، إلا أن تايتوس لاحظ قطرات العرق تتجمع على رقبة العجوز.
“عن نفسي، أفضّل أن يُقطع رأسي بسرعة. أرجو ألا نواجه مسخراً من مسار الأرض؛ فكرة أن أُهرس بين صخرتين تبدو مزعجة للغاية.”
لمعت عينا العجوز ببريق طريدة خبيثة، وأدار ظهره بتهكم: “أستطيع أن أشفيك.”
حاول تايتوس النهوض، لكن هبة ريح عاتية دفعت أوراقاً جافة لتستقر في عينه. فركها بعنف وعاد للاستلقاء: “أنت تملك جزيرة النعناع، أفضل نقطة للموارد الطبية، وهذا يعني ثروة طائلة.”
تم تقييدهم فوراً وسحبهم مع وضع أكياس من الخيش على وجوههم. بعد مسيرة قصيرة، رُفع الكيس عن رأس تايتوس.
حدق تايتوس في السماء الرمادية الممتدة أمامه، وأضاف: “من آثار المعركة، كانوا مجموعة. فكرة أن تكون بقوة تجعلهم يرسلون خلفك رجالاً من المرتبة الرابعة والثالثة تجعلني…”
التفت أوريون، وحدق في تايتوس بعينين تلمعان تحت ضوء القمر: “إذاً.. صرتَ وريثي وستكمل مهمتي حتى النهاية…”
توقفت الرياح المفاجئة، لكن صمت أوريون محق أي شعور بالأمان خلف سلاح التاليزمن.
“هل سننجو؟ أم أن العشيرة تحاول التخلص منا أصلاً؟”
(في ماذا ينفع سكين صغير أمام سيد عناصر بمثل هذه القوة؟)
قاطعه تايتوس بلهفة خفية: “أه، سفر الصيف!”
كان أوريون يهمهم بكلمات غير مسموعـة، تلتها زفرة حادة.
قال أوريون بوجه مصفر وصوت منخفض: “يبدو أن من ارتكب هذا قد مات هنا أيضاً.. لا أثر لطاقة، أو سيرة ذاتية، أو ميراث خالد.”
ابتسم تايتوس بمرارة: “هل وصلت إلى حافة اليأس يا جنرال؟”
ثبت أوريون عينيه الكهربائيتين عليه دون أن يرمش، قبل أن تحيط عصبة من الجنود بالمكان محاصرين العربة ومن فيها.
“لا.. لكن الأيل قد يلفظ أنفاسه الأخيرة.”
(هكذا إذن.. بطل المسار الصالح يجب أن يكون أوقح من كل شياطين العالم،) فكر تايتوس بملل.
استوى تايتوس جالساً، وشعر بنظرة عمه الحادة تثبت عليه.
“كما ترى، لا أريد أن أتحول إلى عجينة لحم، أو أسوأ، أن أقع أسيراً لدى سيد عناصر شيطاني. سأرميك كطُعم أولاً، ثم لا تقلق، سألحق بك فوراً برصاصة في رأسي..”
التفت أوريون، وحدق في تايتوس بعينين تلمعان تحت ضوء القمر: “إذاً.. صرتَ وريثي وستكمل مهمتي حتى النهاية…”
“من أين تأتي بهذه الأفكار المريضة؟” تنهد أوريون وعيناه مغمضتان، وأخرج من كيسه الصغير زجاجة يلمع زجاجها بألوان قوس قزح. “خذ هذا.. سفر الصيف.”
تكلم الفلاح بعينين غائرتين تشبهان الهاوية، مشيراً بيمناه نحو الطريق الخلفي: “يا مولاي.. لم أر شيئاً بنفسي، لكن جارتي أقسمت أن الغربان حامت بكثافة فوق حقل الزهور قرب البلدة القديمة.”
قاطعه تايتوس بلهفة خفية: “أه، سفر الصيف!”
حاول تايتوس النهوض، لكن هبة ريح عاتية دفعت أوراقاً جافة لتستقر في عينه. فركها بعنف وعاد للاستلقاء: “أنت تملك جزيرة النعناع، أفضل نقطة للموارد الطبية، وهذا يعني ثروة طائلة.”
بشكل لا إرادي، سرى شعور دافئ وغريب في صدره. «سفر الصيف» كان أداة نادرة ومخادعة؛ يشرب المرء منها قطرة فينتقل إلى مكان عشوائي تماماً، قد يجد نفسه في أعماق جبل الصعود أو في قاع البحار. تنهد بأسى.
“مسخر أو شيطاني.. أه، أنا على وشك الموت على أي حال، أتمنى فقط أن أرحل بدون ألم.” وضع تايتوس يده على صدره، وأردف بسخرية: “جنرال، كيف تظن أننا سنموت على يد سيد العناصر هذا؟”
“هل هذا ما يعنيه أن تكون جنرال حرب؟ تحرر شعوباً لم تطلب شيئاً، وفي المقابل تقبض جزيرة كمنجم ذهب؟ كم جثة سقطت قبل أن تحصل على سفر الصيف هذا؟”
“خذ كل القادرين على حمل السلاح من البلدة، وامشطوا نقطة الموارد شبرًا بشبر، وتأكد أن تكون في مقدمة الفرقة بنفسك.”
سحب أوريون الزجاجة بحنق: “أيها اللعين، وكأنك تحصي الضحايا. أتريدها أم أرمي بها؟”
التفت أوريون، وحدق في تايتوس بعينين تلمعان تحت ضوء القمر: “إذاً.. صرتَ وريثي وستكمل مهمتي حتى النهاية…”
“هاتها.” مد تايتوس يده واختطفها بحذر. “سفر الصيف.. وكأنك كنت تعرفني منذ الولادة، تعطيني آخر ما تملك. عندما أموت، سأدون في سيرتي الذاتية موقفك الشجاع هذا، وكيف انتزعتُ هذه الزجاجة.”
امتد حقل شاسع من الزهور العملاقة على مرأى البصر. لمح تايتوس زهوراً تشبه التي استخلص منها الرحيق سابقاً، لكنها بدت كحبات رمل أمام هذه العمالقة النباتية التي تغطي ببتلاتها عدة رجال.
بصق أوريون على الأرض، ووكز الأيل بعنف لتطلق الدابة أنيناً بائساً: “هذا أقل ما يمكنني فعله لأجلك.”
التفت أوريون، وحدق في تايتوس بعينين تلمعان تحت ضوء القمر: “إذاً.. صرتَ وريثي وستكمل مهمتي حتى النهاية…”
انسحبت الشمس تدريجياً، وحلت ظلمة الليل الباردة. انتشرت رائحة الرحيق الأصفر الكثيف في الأرجاء، مشبهة عاصفة رملية ناعمة جعلت حلق تايتوس يحكّه بإزعاج. بصق على الطريق، فأصاب بتلات زهرة حمراء عملاقة. كانت العربة تبدو بجانب ساق تلك الزهرة كحصاة صغيرة بجوار شجرة عتيقة.
“عشيرتنا تضم عشرة من المرتبة الرابعة وواحدًا من المرتبة الخامسة…”
تمتم تايتوس وهو يعبث بقطعة قش وجدها على الأرض: “كم تعتقد سنربح لو سرقنا محصول الرحيق من نقطة الموارد هذه؟”
وضع أوريون يده على أنفه بضجر: “تفوح منك رائحة الخمر والنساء. كنت أود قتلك الآن، لكن المسار الصالح يعلمنا الصفح.. أليس كذلك؟”
“ستحصل على قبضتي وحدها.. وعلى أي حال، كل ما سنجمعه هنا لا يساوي واحدًا بالمئة مما تجنيه جزيرتي يومياً.”
قاطعه تايتوس بلهفة خفية: “أه، سفر الصيف!”
التفت أوريون، وحدق في تايتوس بعينين تلمعان تحت ضوء القمر: “إذاً.. صرتَ وريثي وستكمل مهمتي حتى النهاية…”
ثبت أوريون عينيه الكهربائيتين عليه دون أن يرمش، قبل أن تحيط عصبة من الجنود بالمكان محاصرين العربة ومن فيها.
تحركت قطعة القش في فم تايتوس، فقاطعه ساخراً: “أي مهمة؟ طوال الوقت نقوم بدور المنقذين والأطياب. لقد علمتني كيف أتلاعب بمشاعر الناس لخدمة مصالحنا، بطريقتك الملتوية. هيا، هات عرضك؛ إن كان مغرياً، سأقسم أن أكمل طريقك.”
“عشيرتنا تضم عشرة من المرتبة الرابعة وواحدًا من المرتبة الخامسة…”
لمعت عينا العجوز ببريق طريدة خبيثة، وأدار ظهره بتهكم: “أستطيع أن أشفيك.”
شحب بايرون أكثر: “لا، لا أستطيع.. وليس لدي وريث…”
سقطت قطعة القش من فم تايتوس لبرهة، وتجمد لسانه.
تراجع بايرون كالتمثال المذعور، وصاح بصوت مهزوز: “سأذهب حالاً إلى سهل الصعود وأتصدق بكل ما أملك.. فقط خذني معك!”
“أه، نعم.. وأكثر من ذلك، كل ما تتمنى.”
“لا.. وعليك أن تنجو بنفسك أولاً. مع الفجر سنغادر نحو حدود لورد البرج لنكون بأمان، أنا والأمير تايتوس…”
فكر تايتوس باضطراب: (سأعيش بشكل طبيعي.. ربما لن تخونني دقات قلبي مجدداً.)
وضع أوريون يده على أنفه بضجر: “تفوح منك رائحة الخمر والنساء. كنت أود قتلك الآن، لكن المسار الصالح يعلمنا الصفح.. أليس كذلك؟”
أخرجه صوت أوريون من شروده. كان تايتوس يعاني من ضعف مزمن في عضلة القلب، وكان والده يوبخه دوماً واصفاً إياه بـ “غباء القلب”، تاركاً إياه على حافة الموت مراراً، لولا أن علمه أوريون كيف يدفن مشاعره خلف قناع جليدي.
(في ماذا ينفع سكين صغير أمام سيد عناصر بمثل هذه القوة؟)
“أين ذهبت؟ هل تتخيل كيف ستكون حياتك السهلة.. ربما تتزوج فتاة أطول منك؟”
تمتم تايتوس وهو يعبث بقطعة قش وجدها على الأرض: “كم تعتقد سنربح لو سرقنا محصول الرحيق من نقطة الموارد هذه؟”
“لقد فعلت.. لكن لماذا فتاة أطول مني بالذات؟”
“أه، نعم.. وأكثر من ذلك، كل ما تتمنى.”
امتد حقل شاسع من الزهور العملاقة على مرأى البصر. لمح تايتوس زهوراً تشبه التي استخلص منها الرحيق سابقاً، لكنها بدت كحبات رمل أمام هذه العمالقة النباتية التي تغطي ببتلاتها عدة رجال.
كان يقصد من أباد أولئك المسخرين على الطريق. كان المسار ضيقاً، وبتلات الزهور الضخمة تكاد تحتك بهيكل العربة، بينما تُسمع أنفاس الأيل المنهكة وهو يتوسل الهواء.
غمغم تايتوس: “ربما هو المسخر الشيطاني صاحب المجزرة؟”
فكر تايتوس باضطراب: (سأعيش بشكل طبيعي.. ربما لن تخونني دقات قلبي مجدداً.)
أضاءت المشاعل أطراف الحقل، حيث تمايلت ملايين البتلات بينما تناثر الثلج الناعم ليعكس ضوء القمر والمصابيح.
“عشيرتنا تضم عشرة من المرتبة الرابعة وواحدًا من المرتبة الخامسة…”
(يبدو أن هذا الحقير بايرون الصغير لا يلتزم بشروط اتفاقية جزر البحر الشرقي أبداً،) فكر تايتوس متذكراً تلك البنود القاسية التي فرضت تعويضات لقرن ونصف وحلّت جيش البحر الشرقي. وهي الاتفاقية التي وُقِعت في جزيرة النعناع ذاتها، والتي فاز بها أوريون وسط دماء ثلاثة جنرالات، مما جعله “الخائن الأكبر” في نظر العشيرة.
قاطعهم تايتوس ببرود: “لورد بايرون.. أليس لديكم حليب هنا؟ أوشكت على الهلاك عطشاً قبل أن يقتلني ذلك السيد الشيطاني.”
ما لفت انتباهه حين اقتربوا من أسوار قلعة اللورد بايرون لم يكن حجمها الضخم فحسب، بل رائحة بشعة نافذة أشبه بالجثث المتحللة.
“هاتها.” مد تايتوس يده واختطفها بحذر. “سفر الصيف.. وكأنك كنت تعرفني منذ الولادة، تعطيني آخر ما تملك. عندما أموت، سأدون في سيرتي الذاتية موقفك الشجاع هذا، وكيف انتزعتُ هذه الزجاجة.”
وعرف المصدر فوراً؛ كانت حوالي ثلاثين تمثالاً غريباً تصطف على الطريق الحجري المؤدي للباب. كانت تماثيل لبشر حقيقيين تحولوا إلى حجارة كعقاب. بايرون الصغير يمتلك هذه الهواية المريضة، مستغلاً غطاء “المسار الصالح” لتبرير تحويل كل من يكرههم إلى صخور.
كانت «التاليزمن» أسلحة ميكانيكية متطورة تعتمد على طاقة سادة العناصر، تتفرع وتتخذ أشكالاً مختلفة، مثل أداة أوريون التي تقارب في حجمها إصبعاً سميكاً ومحاطة بأشواك حادة تشبه الزجاج المكسور. ومع ذلك، لم يره تايتوس يستعملها قط.
سمع صوت اصطدام خافت، واهتزت العربة. نزل أوريون بخفة خاطفة لم يتبينها تايتوس.
كانت «التاليزمن» أسلحة ميكانيكية متطورة تعتمد على طاقة سادة العناصر، تتفرع وتتخذ أشكالاً مختلفة، مثل أداة أوريون التي تقارب في حجمها إصبعاً سميكاً ومحاطة بأشواك حادة تشبه الزجاج المكسور. ومع ذلك، لم يره تايتوس يستعملها قط.
(أهكذا يكون فتح البحر الروحي.. قوة خارقة حقاً،) فكر تايتوس وهو يراقب ببلادة. البحر الروحي هو مركز الطاقة في أسفل البطن، حين يبلغه المرء في السادسة عشرة، ينفتح مساره ليتجه نحو أحد العناصر.
“هاتها.” مد تايتوس يده واختطفها بحذر. “سفر الصيف.. وكأنك كنت تعرفني منذ الولادة، تعطيني آخر ما تملك. عندما أموت، سأدون في سيرتي الذاتية موقفك الشجاع هذا، وكيف انتزعتُ هذه الزجاجة.”
ترجل تايتوس متعثراً بحفرة عميقة على جانب الطريق، انبعثت منها رائحة حديد متعفن تشبه الدماء المتخثرة. بجانب الحفرة كانت هناك صخور ضخمة ممزقة، وأمام أوريون مباشرة، توقفت بضع برك دموية تعكس ضوء القمر بلون قاني.
(هكذا إذن.. بطل المسار الصالح يجب أن يكون أوقح من كل شياطين العالم،) فكر تايتوس بملل.
فكر تايتوس بضيق: (مسار الأرض.. تباً لذلك.) كان يدرك جيداً أن سادة عناصر الأرض يملكون القدرة على قذف الصخور وسحق الأعداء بها دون رحمة.
امتد حقل شاسع من الزهور العملاقة على مرأى البصر. لمح تايتوس زهوراً تشبه التي استخلص منها الرحيق سابقاً، لكنها بدت كحبات رمل أمام هذه العمالقة النباتية التي تغطي ببتلاتها عدة رجال.
بانوراما الدمار امتدت كأن هاوية ابتلعت جزءاً من البلدة القديمة.
حدق تايتوس في السماء الرمادية الممتدة أمامه، وأضاف: “من آثار المعركة، كانوا مجموعة. فكرة أن تكون بقوة تجعلهم يرسلون خلفك رجالاً من المرتبة الرابعة والثالثة تجعلني…”
قال أوريون بوجه مصفر وصوت منخفض: “يبدو أن من ارتكب هذا قد مات هنا أيضاً.. لا أثر لطاقة، أو سيرة ذاتية، أو ميراث خالد.”
ترجمة Joy in the water
استند تايتوس على ظل بتلة ضخمة ريثما دفع أوريون العربة وحده، وسأله ببرود: “ما هو مسارك الأساسي يا عمي؟”
توقفت الرياح المفاجئة، لكن صمت أوريون محق أي شعور بالأمان خلف سلاح التاليزمن.
بعد قليل، تبادلا مواقع القيادة، وتدريجياً ظهرت تجمعات لفلاحين حفاة، تبدو حالاتهم أرثى من الجثث التي فحصها أوريون. ترجل العجوز مجدداً.
ترجمة Joy in the water
“أرنا الاستعراض الحقيقي للمسار الصالح، عمي.” قال تايتوس بسخرية صامتة.
ضغط أوريون على معصمه، ليعود التاليزمن إلى شكله الخشن، وأطلق تنهيدة محبطة: “لندعهم يقتادوننا إذن.”
أخرج أوريون أداة التاليزمن التي تشبه إصبعاً سميكاً بحواف حادة كالزجاج المكسور، فسرى شعور بالبرد في عمود تايتوس الفقري. انبعث من الأداة وميض أحمر وصدوع كهرمانية عوضاً عن الدم، وتشكّل السلاح ليأخذ هيئة مسدس قاسٍ.
حدق في عمه؛ كان رأس أوريون يتحرك في كل اتجاه، وعلى الرغم من أن الرياح الباردة كانت تلسع الأعين، إلا أن تايتوس لاحظ قطرات العرق تتجمع على رقبة العجوز.
أطلق أوريون رصاصتين تحذيريتين بجانب قدم أحد الفلاحين المرتجفين، فوقع الأخير صريع الرعب يلتف حول نفسه كالجمبري. أمسك أوريون بياقة قميصه بقسوة: “ما الذي حدث هنا هذا الأسبوع؟ انطق!”
وعرف المصدر فوراً؛ كانت حوالي ثلاثين تمثالاً غريباً تصطف على الطريق الحجري المؤدي للباب. كانت تماثيل لبشر حقيقيين تحولوا إلى حجارة كعقاب. بايرون الصغير يمتلك هذه الهواية المريضة، مستغلاً غطاء “المسار الصالح” لتبرير تحويل كل من يكرههم إلى صخور.
اقترب فلاحون آخرون بخوف، وحدق أوريون بهم بحزم.
تداخلت الأصوات والهمسات، واختفى أوريون وسط الحشد المتربص.
(لو كنت مكانهم لأطلقت لساقي العنان هرباً، فأن تترك نسلك عبيداً طوال عمرهم هو الأسوأ،) فكر تايتوس ببرود. فمنذ نهاية الحرب قبل 150 عاماً، صار استعباد أبناء البحر الشرقي أمراً معتاداً لحين انتهاء مدة العقوبة.
حدق في عمه؛ كان رأس أوريون يتحرك في كل اتجاه، وعلى الرغم من أن الرياح الباردة كانت تلسع الأعين، إلا أن تايتوس لاحظ قطرات العرق تتجمع على رقبة العجوز.
تكلم الفلاح بعينين غائرتين تشبهان الهاوية، مشيراً بيمناه نحو الطريق الخلفي: “يا مولاي.. لم أر شيئاً بنفسي، لكن جارتي أقسمت أن الغربان حامت بكثافة فوق حقل الزهور قرب البلدة القديمة.”
حدق في عمه؛ كان رأس أوريون يتحرك في كل اتجاه، وعلى الرغم من أن الرياح الباردة كانت تلسع الأعين، إلا أن تايتوس لاحظ قطرات العرق تتجمع على رقبة العجوز.
تداخلت الأصوات والهمسات، واختفى أوريون وسط الحشد المتربص.
“كل ما تحتاجه سيوفره لك المسار الصالح، بشرط أن تبقى حياً.. تذكر ذلك جيداً.”
بعد لحظات، علت صرخة مدوية رافقها تيار هوائي جارف أطاح ببعض الفلاحين.
بعد قليل، تبادلا مواقع القيادة، وتدريجياً ظهرت تجمعات لفلاحين حفاة، تبدو حالاتهم أرثى من الجثث التي فحصها أوريون. ترجل العجوز مجدداً.
“لدي عائلة، أرجوك اتركني!” صرخ أحدهم وهو يجري مذعوراً نحو البوابة الحجرية، بينما أطلق أوريون طلقة أخرى بالقرب منه لتسريع خطواته.
ترجل تايتوس متعثراً بحفرة عميقة على جانب الطريق، انبعثت منها رائحة حديد متعفن تشبه الدماء المتخثرة. بجانب الحفرة كانت هناك صخور ضخمة ممزقة، وأمام أوريون مباشرة، توقفت بضع برك دموية تعكس ضوء القمر بلون قاني.
اقترب جندي يمتطي جواداً مطهماً رمادياً فاتحاً، مستلاً سيفه بذعر: “أيها اللورد المسخر، هل لديك شأن بهؤلاء الرعاع؟”
استند تايتوس على ظل بتلة ضخمة ريثما دفع أوريون العربة وحده، وسأله ببرود: “ما هو مسارك الأساسي يا عمي؟”
ثبت أوريون عينيه الكهربائيتين عليه دون أن يرمش، قبل أن تحيط عصبة من الجنود بالمكان محاصرين العربة ومن فيها.
(في ماذا ينفع سكين صغير أمام سيد عناصر بمثل هذه القوة؟)
قال تايتوس بتهكم: “وماذا ستفعلون بسيد عناصر وأنتم مجرد بشر فانين؟”
ثم صرخ مجدداً: ” الأمير المنفي يوشك أن يموت عطشاً هنا، ألا يشفق أحدكم على قلبي المريض؟”
رد أحدهم بحماس زائف: “نحن فرسان البلدة الجديدة، أقسمنا على حماية الأبرياء حتى الموت!”
“ستحصل على قبضتي وحدها.. وعلى أي حال، كل ما سنجمعه هنا لا يساوي واحدًا بالمئة مما تجنيه جزيرتي يومياً.”
ضغط أوريون على معصمه، ليعود التاليزمن إلى شكله الخشن، وأطلق تنهيدة محبطة: “لندعهم يقتادوننا إذن.”
كان أوريون يهمهم بكلمات غير مسموعـة، تلتها زفرة حادة.
تم تقييدهم فوراً وسحبهم مع وضع أكياس من الخيش على وجوههم. بعد مسيرة قصيرة، رُفع الكيس عن رأس تايتوس.
سقطت قطعة القش من فم تايتوس لبرهة، وتجمد لسانه.
كان في قاعة حجرية كئيبة يجلس فيها رجل ذو لحية كثيفة وبشرة سمراء. ما إن تنبه له حتى شحب وجهه وبصق، مرسماً ابتسامة باهتة ومرتجفة.
“أين ذهبت؟ هل تتخيل كيف ستكون حياتك السهلة.. ربما تتزوج فتاة أطول منك؟”
هب اللورد بايرون الصغير واقفاً، وهرع لفك وثاق أوريون بنفسه: “يا ابن العم.. أهذه طريقة للاستقبال؟”
___
رد أوريون بجفاء: “لدينا مطاردة، نقطة الموارد تعرضت للتخريب، وجثث مسخرين من المرتبة الرابعة تملأ الطرق.”
“من أين تأتي بهذه الأفكار المريضة؟” تنهد أوريون وعيناه مغمضتان، وأخرج من كيسه الصغير زجاجة يلمع زجاجها بألوان قوس قزح. “خذ هذا.. سفر الصيف.”
ارتجف شاربا بايرون وسأل بذعر: “تخريب ونقاط موارد مدمرة؟ ماذا نفعل؟ هل أخبرت العشيرة يا جنرال؟”
اقترب فلاحون آخرون بخوف، وحدق أوريون بهم بحزم.
“لا.. وعليك أن تنجو بنفسك أولاً. مع الفجر سنغادر نحو حدود لورد البرج لنكون بأمان، أنا والأمير تايتوس…”
سحب أوريون الزجاجة بحنق: “أيها اللعين، وكأنك تحصي الضحايا. أتريدها أم أرمي بها؟”
“أمير سابق.” صحح تايتوس بصوت هادئ.
امتد حقل شاسع من الزهور العملاقة على مرأى البصر. لمح تايتوس زهوراً تشبه التي استخلص منها الرحيق سابقاً، لكنها بدت كحبات رمل أمام هذه العمالقة النباتية التي تغطي ببتلاتها عدة رجال.
انهار بايرون على ركبتيه ممسكاً بساق أوريون: “خذني معك يا بطل الحرب، أرجوك! سأكتفي بالقليل من الجبال الذهبية والفضية ونرحل معاً.”
“أرنا الاستعراض الحقيقي للمسار الصالح، عمي.” قال تايتوس بسخرية صامتة.
وضع أوريون يده على أنفه بضجر: “تفوح منك رائحة الخمر والنساء. كنت أود قتلك الآن، لكن المسار الصالح يعلمنا الصفح.. أليس كذلك؟”
قال أوريون بوجه مصفر وصوت منخفض: “يبدو أن من ارتكب هذا قد مات هنا أيضاً.. لا أثر لطاقة، أو سيرة ذاتية، أو ميراث خالد.”
تراجع بايرون كالتمثال المذعور، وصاح بصوت مهزوز: “سأذهب حالاً إلى سهل الصعود وأتصدق بكل ما أملك.. فقط خذني معك!”
“عن نفسي، أفضّل أن يُقطع رأسي بسرعة. أرجو ألا نواجه مسخراً من مسار الأرض؛ فكرة أن أُهرس بين صخرتين تبدو مزعجة للغاية.”
قاطعهم تايتوس ببرود: “لورد بايرون.. أليس لديكم حليب هنا؟ أوشكت على الهلاك عطشاً قبل أن يقتلني ذلك السيد الشيطاني.”
ارتجف شاربا بايرون وسأل بذعر: “تخريب ونقاط موارد مدمرة؟ ماذا نفعل؟ هل أخبرت العشيرة يا جنرال؟”
التفت أوريون ببطء، وابتسم ببرود لم يصل إلى عينيه: “لا تقلق يا ابن العم؛ ستُخلد بطولاتك لأجيال. الآن.. اسمعني جيداً.”
استند تايتوس على ظل بتلة ضخمة ريثما دفع أوريون العربة وحده، وسأله ببرود: “ما هو مسارك الأساسي يا عمي؟”
تصلب جسد بايرون.
بشكل لا إرادي، سرى شعور دافئ وغريب في صدره. «سفر الصيف» كان أداة نادرة ومخادعة؛ يشرب المرء منها قطرة فينتقل إلى مكان عشوائي تماماً، قد يجد نفسه في أعماق جبل الصعود أو في قاع البحار. تنهد بأسى.
“خذ كل القادرين على حمل السلاح من البلدة، وامشطوا نقطة الموارد شبرًا بشبر، وتأكد أن تكون في مقدمة الفرقة بنفسك.”
أطلق أوريون رصاصتين تحذيريتين بجانب قدم أحد الفلاحين المرتجفين، فوقع الأخير صريع الرعب يلتف حول نفسه كالجمبري. أمسك أوريون بياقة قميصه بقسوة: “ما الذي حدث هنا هذا الأسبوع؟ انطق!”
شحب بايرون أكثر: “لا، لا أستطيع.. وليس لدي وريث…”
وضع أوريون يده على كتفه وقال بصوت حنون مخادع: “كن في المقدمة، ولا تعودوا حتى نغادر حدود لورد البرج بعد الفجر بسبع ساعات. حينها، ستكونون قد مسحتم كل نبتة وزهرة هناك. وأنا سأنشر بطولتك بنفسي، وأرسل لك ملايين الجبال الذهبية والفضية، ومسخرين جدد ليكونوا حرساً لك.”
“لا.. لكن الأيل قد يلفظ أنفاسه الأخيرة.”
“حتى.. مسخرات إناث للخدمة؟” سأل بايرون بلهفة طماعة.
قال أوريون بوجه مصفر وصوت منخفض: “يبدو أن من ارتكب هذا قد مات هنا أيضاً.. لا أثر لطاقة، أو سيرة ذاتية، أو ميراث خالد.”
“كل ما تحتاجه سيوفره لك المسار الصالح، بشرط أن تبقى حياً.. تذكر ذلك جيداً.”
“أين ذهبت؟ هل تتخيل كيف ستكون حياتك السهلة.. ربما تتزوج فتاة أطول منك؟”
تلاقت عينا تايتوس وعمه؛ كانت ابتسامة أوريون خالية من أي دفء.
ضغط أوريون على معصمه، ليعود التاليزمن إلى شكله الخشن، وأطلق تنهيدة محبطة: “لندعهم يقتادوننا إذن.”
(هكذا إذن.. بطل المسار الصالح يجب أن يكون أوقح من كل شياطين العالم،) فكر تايتوس بملل.
بشكل لا إرادي، سرى شعور دافئ وغريب في صدره. «سفر الصيف» كان أداة نادرة ومخادعة؛ يشرب المرء منها قطرة فينتقل إلى مكان عشوائي تماماً، قد يجد نفسه في أعماق جبل الصعود أو في قاع البحار. تنهد بأسى.
ثم صرخ مجدداً: ” الأمير المنفي يوشك أن يموت عطشاً هنا، ألا يشفق أحدكم على قلبي المريض؟”
“أين ذهبت؟ هل تتخيل كيف ستكون حياتك السهلة.. ربما تتزوج فتاة أطول منك؟”
___
“خذ كل القادرين على حمل السلاح من البلدة، وامشطوا نقطة الموارد شبرًا بشبر، وتأكد أن تكون في مقدمة الفرقة بنفسك.”
ترجمة Joy in the water
توقفت الرياح المفاجئة، لكن صمت أوريون محق أي شعور بالأمان خلف سلاح التاليزمن.
امتد حقل شاسع من الزهور العملاقة على مرأى البصر. لمح تايتوس زهوراً تشبه التي استخلص منها الرحيق سابقاً، لكنها بدت كحبات رمل أمام هذه العمالقة النباتية التي تغطي ببتلاتها عدة رجال.
