بطل المسار الصالح
تحركت قطعة القش في فم تايتوس، فقاطعه ساخراً: “أي مهمة؟ طوال الوقت نقوم بدور المنقذين والأطياب. لقد علمتني كيف أتلاعب بمشاعر الناس لخدمة مصالحنا، بطريقتك الملتوية. هيا، هات عرضك؛ إن كان مغرياً، سأقسم أن أكمل طريقك.”
“عشيرتنا تضم عشرة من المرتبة الرابعة وواحدًا من المرتبة الخامسة…”
“أين ذهبت؟ هل تتخيل كيف ستكون حياتك السهلة.. ربما تتزوج فتاة أطول منك؟”
قاطعه تايتوس بتهكم: “هل هو مزارع شيطاني؟”
“هل سننجو؟ أم أن العشيرة تحاول التخلص منا أصلاً؟”
كان يقصد من أباد أولئك المسخرين على الطريق. كان المسار ضيقاً، وبتلات الزهور الضخمة تكاد تحتك بهيكل العربة، بينما تُسمع أنفاس الأيل المنهكة وهو يتوسل الهواء.
كان يقصد من أباد أولئك المسخرين على الطريق. كان المسار ضيقاً، وبتلات الزهور الضخمة تكاد تحتك بهيكل العربة، بينما تُسمع أنفاس الأيل المنهكة وهو يتوسل الهواء.
“مسخر أو شيطاني.. أه، أنا على وشك الموت على أي حال، أتمنى فقط أن أرحل بدون ألم.” وضع تايتوس يده على صدره، وأردف بسخرية: “جنرال، كيف تظن أننا سنموت على يد سيد العناصر هذا؟”
قال أوريون بوجه مصفر وصوت منخفض: “يبدو أن من ارتكب هذا قد مات هنا أيضاً.. لا أثر لطاقة، أو سيرة ذاتية، أو ميراث خالد.”
حدق في عمه؛ كان رأس أوريون يتحرك في كل اتجاه، وعلى الرغم من أن الرياح الباردة كانت تلسع الأعين، إلا أن تايتوس لاحظ قطرات العرق تتجمع على رقبة العجوز.
وضع أوريون يده على كتفه وقال بصوت حنون مخادع: “كن في المقدمة، ولا تعودوا حتى نغادر حدود لورد البرج بعد الفجر بسبع ساعات. حينها، ستكونون قد مسحتم كل نبتة وزهرة هناك. وأنا سأنشر بطولتك بنفسي، وأرسل لك ملايين الجبال الذهبية والفضية، ومسخرين جدد ليكونوا حرساً لك.”
“لديك التاليزمن. هل هناك خطر حقيقي؟”
كان في قاعة حجرية كئيبة يجلس فيها رجل ذو لحية كثيفة وبشرة سمراء. ما إن تنبه له حتى شحب وجهه وبصق، مرسماً ابتسامة باهتة ومرتجفة.
كانت «التاليزمن» أسلحة ميكانيكية متطورة تعتمد على طاقة سادة العناصر، تتفرع وتتخذ أشكالاً مختلفة، مثل أداة أوريون التي تقارب في حجمها إصبعاً سميكاً ومحاطة بأشواك حادة تشبه الزجاج المكسور. ومع ذلك، لم يره تايتوس يستعملها قط.
تصلب جسد بايرون.
“هل سننجو؟ أم أن العشيرة تحاول التخلص منا أصلاً؟”
بصق أوريون على الأرض، ووكز الأيل بعنف لتطلق الدابة أنيناً بائساً: “هذا أقل ما يمكنني فعله لأجلك.”
أجاب أوريون ببرود: “ولماذا ستفعل العشيرة ذلك؟”
(في ماذا ينفع سكين صغير أمام سيد عناصر بمثل هذه القوة؟)
“عن نفسي، أفضّل أن يُقطع رأسي بسرعة. أرجو ألا نواجه مسخراً من مسار الأرض؛ فكرة أن أُهرس بين صخرتين تبدو مزعجة للغاية.”
تداخلت الأصوات والهمسات، واختفى أوريون وسط الحشد المتربص.
حاول تايتوس النهوض، لكن هبة ريح عاتية دفعت أوراقاً جافة لتستقر في عينه. فركها بعنف وعاد للاستلقاء: “أنت تملك جزيرة النعناع، أفضل نقطة للموارد الطبية، وهذا يعني ثروة طائلة.”
___
حدق تايتوس في السماء الرمادية الممتدة أمامه، وأضاف: “من آثار المعركة، كانوا مجموعة. فكرة أن تكون بقوة تجعلهم يرسلون خلفك رجالاً من المرتبة الرابعة والثالثة تجعلني…”
بعد قليل، تبادلا مواقع القيادة، وتدريجياً ظهرت تجمعات لفلاحين حفاة، تبدو حالاتهم أرثى من الجثث التي فحصها أوريون. ترجل العجوز مجدداً.
توقفت الرياح المفاجئة، لكن صمت أوريون محق أي شعور بالأمان خلف سلاح التاليزمن.
(في ماذا ينفع سكين صغير أمام سيد عناصر بمثل هذه القوة؟)
كان أوريون يهمهم بكلمات غير مسموعـة، تلتها زفرة حادة.
لمعت عينا العجوز ببريق طريدة خبيثة، وأدار ظهره بتهكم: “أستطيع أن أشفيك.”
ابتسم تايتوس بمرارة: “هل وصلت إلى حافة اليأس يا جنرال؟”
“لا.. لكن الأيل قد يلفظ أنفاسه الأخيرة.”
ارتجف شاربا بايرون وسأل بذعر: “تخريب ونقاط موارد مدمرة؟ ماذا نفعل؟ هل أخبرت العشيرة يا جنرال؟”
استوى تايتوس جالساً، وشعر بنظرة عمه الحادة تثبت عليه.
ارتجف شاربا بايرون وسأل بذعر: “تخريب ونقاط موارد مدمرة؟ ماذا نفعل؟ هل أخبرت العشيرة يا جنرال؟”
“كما ترى، لا أريد أن أتحول إلى عجينة لحم، أو أسوأ، أن أقع أسيراً لدى سيد عناصر شيطاني. سأرميك كطُعم أولاً، ثم لا تقلق، سألحق بك فوراً برصاصة في رأسي..”
“حتى.. مسخرات إناث للخدمة؟” سأل بايرون بلهفة طماعة.
“من أين تأتي بهذه الأفكار المريضة؟” تنهد أوريون وعيناه مغمضتان، وأخرج من كيسه الصغير زجاجة يلمع زجاجها بألوان قوس قزح. “خذ هذا.. سفر الصيف.”
ما لفت انتباهه حين اقتربوا من أسوار قلعة اللورد بايرون لم يكن حجمها الضخم فحسب، بل رائحة بشعة نافذة أشبه بالجثث المتحللة.
قاطعه تايتوس بلهفة خفية: “أه، سفر الصيف!”
تصلب جسد بايرون.
بشكل لا إرادي، سرى شعور دافئ وغريب في صدره. «سفر الصيف» كان أداة نادرة ومخادعة؛ يشرب المرء منها قطرة فينتقل إلى مكان عشوائي تماماً، قد يجد نفسه في أعماق جبل الصعود أو في قاع البحار. تنهد بأسى.
اقترب فلاحون آخرون بخوف، وحدق أوريون بهم بحزم.
“هل هذا ما يعنيه أن تكون جنرال حرب؟ تحرر شعوباً لم تطلب شيئاً، وفي المقابل تقبض جزيرة كمنجم ذهب؟ كم جثة سقطت قبل أن تحصل على سفر الصيف هذا؟”
أطلق أوريون رصاصتين تحذيريتين بجانب قدم أحد الفلاحين المرتجفين، فوقع الأخير صريع الرعب يلتف حول نفسه كالجمبري. أمسك أوريون بياقة قميصه بقسوة: “ما الذي حدث هنا هذا الأسبوع؟ انطق!”
سحب أوريون الزجاجة بحنق: “أيها اللعين، وكأنك تحصي الضحايا. أتريدها أم أرمي بها؟”
شحب بايرون أكثر: “لا، لا أستطيع.. وليس لدي وريث…”
“هاتها.” مد تايتوس يده واختطفها بحذر. “سفر الصيف.. وكأنك كنت تعرفني منذ الولادة، تعطيني آخر ما تملك. عندما أموت، سأدون في سيرتي الذاتية موقفك الشجاع هذا، وكيف انتزعتُ هذه الزجاجة.”
“لديك التاليزمن. هل هناك خطر حقيقي؟”
بصق أوريون على الأرض، ووكز الأيل بعنف لتطلق الدابة أنيناً بائساً: “هذا أقل ما يمكنني فعله لأجلك.”
“ستحصل على قبضتي وحدها.. وعلى أي حال، كل ما سنجمعه هنا لا يساوي واحدًا بالمئة مما تجنيه جزيرتي يومياً.”
انسحبت الشمس تدريجياً، وحلت ظلمة الليل الباردة. انتشرت رائحة الرحيق الأصفر الكثيف في الأرجاء، مشبهة عاصفة رملية ناعمة جعلت حلق تايتوس يحكّه بإزعاج. بصق على الطريق، فأصاب بتلات زهرة حمراء عملاقة. كانت العربة تبدو بجانب ساق تلك الزهرة كحصاة صغيرة بجوار شجرة عتيقة.
“لقد فعلت.. لكن لماذا فتاة أطول مني بالذات؟”
تمتم تايتوس وهو يعبث بقطعة قش وجدها على الأرض: “كم تعتقد سنربح لو سرقنا محصول الرحيق من نقطة الموارد هذه؟”
وعرف المصدر فوراً؛ كانت حوالي ثلاثين تمثالاً غريباً تصطف على الطريق الحجري المؤدي للباب. كانت تماثيل لبشر حقيقيين تحولوا إلى حجارة كعقاب. بايرون الصغير يمتلك هذه الهواية المريضة، مستغلاً غطاء “المسار الصالح” لتبرير تحويل كل من يكرههم إلى صخور.
“ستحصل على قبضتي وحدها.. وعلى أي حال، كل ما سنجمعه هنا لا يساوي واحدًا بالمئة مما تجنيه جزيرتي يومياً.”
“لا.. وعليك أن تنجو بنفسك أولاً. مع الفجر سنغادر نحو حدود لورد البرج لنكون بأمان، أنا والأمير تايتوس…”
التفت أوريون، وحدق في تايتوس بعينين تلمعان تحت ضوء القمر: “إذاً.. صرتَ وريثي وستكمل مهمتي حتى النهاية…”
(هكذا إذن.. بطل المسار الصالح يجب أن يكون أوقح من كل شياطين العالم،) فكر تايتوس بملل.
تحركت قطعة القش في فم تايتوس، فقاطعه ساخراً: “أي مهمة؟ طوال الوقت نقوم بدور المنقذين والأطياب. لقد علمتني كيف أتلاعب بمشاعر الناس لخدمة مصالحنا، بطريقتك الملتوية. هيا، هات عرضك؛ إن كان مغرياً، سأقسم أن أكمل طريقك.”
تحركت قطعة القش في فم تايتوس، فقاطعه ساخراً: “أي مهمة؟ طوال الوقت نقوم بدور المنقذين والأطياب. لقد علمتني كيف أتلاعب بمشاعر الناس لخدمة مصالحنا، بطريقتك الملتوية. هيا، هات عرضك؛ إن كان مغرياً، سأقسم أن أكمل طريقك.”
لمعت عينا العجوز ببريق طريدة خبيثة، وأدار ظهره بتهكم: “أستطيع أن أشفيك.”
غمغم تايتوس: “ربما هو المسخر الشيطاني صاحب المجزرة؟”
سقطت قطعة القش من فم تايتوس لبرهة، وتجمد لسانه.
“مسخر أو شيطاني.. أه، أنا على وشك الموت على أي حال، أتمنى فقط أن أرحل بدون ألم.” وضع تايتوس يده على صدره، وأردف بسخرية: “جنرال، كيف تظن أننا سنموت على يد سيد العناصر هذا؟”
“أه، نعم.. وأكثر من ذلك، كل ما تتمنى.”
ترجل تايتوس متعثراً بحفرة عميقة على جانب الطريق، انبعثت منها رائحة حديد متعفن تشبه الدماء المتخثرة. بجانب الحفرة كانت هناك صخور ضخمة ممزقة، وأمام أوريون مباشرة، توقفت بضع برك دموية تعكس ضوء القمر بلون قاني.
فكر تايتوس باضطراب: (سأعيش بشكل طبيعي.. ربما لن تخونني دقات قلبي مجدداً.)
تكلم الفلاح بعينين غائرتين تشبهان الهاوية، مشيراً بيمناه نحو الطريق الخلفي: “يا مولاي.. لم أر شيئاً بنفسي، لكن جارتي أقسمت أن الغربان حامت بكثافة فوق حقل الزهور قرب البلدة القديمة.”
أخرجه صوت أوريون من شروده. كان تايتوس يعاني من ضعف مزمن في عضلة القلب، وكان والده يوبخه دوماً واصفاً إياه بـ “غباء القلب”، تاركاً إياه على حافة الموت مراراً، لولا أن علمه أوريون كيف يدفن مشاعره خلف قناع جليدي.
(لو كنت مكانهم لأطلقت لساقي العنان هرباً، فأن تترك نسلك عبيداً طوال عمرهم هو الأسوأ،) فكر تايتوس ببرود. فمنذ نهاية الحرب قبل 150 عاماً، صار استعباد أبناء البحر الشرقي أمراً معتاداً لحين انتهاء مدة العقوبة.
“أين ذهبت؟ هل تتخيل كيف ستكون حياتك السهلة.. ربما تتزوج فتاة أطول منك؟”
التفت أوريون، وحدق في تايتوس بعينين تلمعان تحت ضوء القمر: “إذاً.. صرتَ وريثي وستكمل مهمتي حتى النهاية…”
“لقد فعلت.. لكن لماذا فتاة أطول مني بالذات؟”
“هاتها.” مد تايتوس يده واختطفها بحذر. “سفر الصيف.. وكأنك كنت تعرفني منذ الولادة، تعطيني آخر ما تملك. عندما أموت، سأدون في سيرتي الذاتية موقفك الشجاع هذا، وكيف انتزعتُ هذه الزجاجة.”
امتد حقل شاسع من الزهور العملاقة على مرأى البصر. لمح تايتوس زهوراً تشبه التي استخلص منها الرحيق سابقاً، لكنها بدت كحبات رمل أمام هذه العمالقة النباتية التي تغطي ببتلاتها عدة رجال.
هب اللورد بايرون الصغير واقفاً، وهرع لفك وثاق أوريون بنفسه: “يا ابن العم.. أهذه طريقة للاستقبال؟”
غمغم تايتوس: “ربما هو المسخر الشيطاني صاحب المجزرة؟”
توقفت الرياح المفاجئة، لكن صمت أوريون محق أي شعور بالأمان خلف سلاح التاليزمن.
أضاءت المشاعل أطراف الحقل، حيث تمايلت ملايين البتلات بينما تناثر الثلج الناعم ليعكس ضوء القمر والمصابيح.
لمعت عينا العجوز ببريق طريدة خبيثة، وأدار ظهره بتهكم: “أستطيع أن أشفيك.”
(يبدو أن هذا الحقير بايرون الصغير لا يلتزم بشروط اتفاقية جزر البحر الشرقي أبداً،) فكر تايتوس متذكراً تلك البنود القاسية التي فرضت تعويضات لقرن ونصف وحلّت جيش البحر الشرقي. وهي الاتفاقية التي وُقِعت في جزيرة النعناع ذاتها، والتي فاز بها أوريون وسط دماء ثلاثة جنرالات، مما جعله “الخائن الأكبر” في نظر العشيرة.
وضع أوريون يده على كتفه وقال بصوت حنون مخادع: “كن في المقدمة، ولا تعودوا حتى نغادر حدود لورد البرج بعد الفجر بسبع ساعات. حينها، ستكونون قد مسحتم كل نبتة وزهرة هناك. وأنا سأنشر بطولتك بنفسي، وأرسل لك ملايين الجبال الذهبية والفضية، ومسخرين جدد ليكونوا حرساً لك.”
ما لفت انتباهه حين اقتربوا من أسوار قلعة اللورد بايرون لم يكن حجمها الضخم فحسب، بل رائحة بشعة نافذة أشبه بالجثث المتحللة.
ابتسم تايتوس بمرارة: “هل وصلت إلى حافة اليأس يا جنرال؟”
وعرف المصدر فوراً؛ كانت حوالي ثلاثين تمثالاً غريباً تصطف على الطريق الحجري المؤدي للباب. كانت تماثيل لبشر حقيقيين تحولوا إلى حجارة كعقاب. بايرون الصغير يمتلك هذه الهواية المريضة، مستغلاً غطاء “المسار الصالح” لتبرير تحويل كل من يكرههم إلى صخور.
“أين ذهبت؟ هل تتخيل كيف ستكون حياتك السهلة.. ربما تتزوج فتاة أطول منك؟”
سمع صوت اصطدام خافت، واهتزت العربة. نزل أوريون بخفة خاطفة لم يتبينها تايتوس.
فكر تايتوس بضيق: (مسار الأرض.. تباً لذلك.) كان يدرك جيداً أن سادة عناصر الأرض يملكون القدرة على قذف الصخور وسحق الأعداء بها دون رحمة.
(أهكذا يكون فتح البحر الروحي.. قوة خارقة حقاً،) فكر تايتوس وهو يراقب ببلادة. البحر الروحي هو مركز الطاقة في أسفل البطن، حين يبلغه المرء في السادسة عشرة، ينفتح مساره ليتجه نحو أحد العناصر.
قاطعه تايتوس بتهكم: “هل هو مزارع شيطاني؟”
ترجل تايتوس متعثراً بحفرة عميقة على جانب الطريق، انبعثت منها رائحة حديد متعفن تشبه الدماء المتخثرة. بجانب الحفرة كانت هناك صخور ضخمة ممزقة، وأمام أوريون مباشرة، توقفت بضع برك دموية تعكس ضوء القمر بلون قاني.
بانوراما الدمار امتدت كأن هاوية ابتلعت جزءاً من البلدة القديمة.
فكر تايتوس بضيق: (مسار الأرض.. تباً لذلك.) كان يدرك جيداً أن سادة عناصر الأرض يملكون القدرة على قذف الصخور وسحق الأعداء بها دون رحمة.
وعرف المصدر فوراً؛ كانت حوالي ثلاثين تمثالاً غريباً تصطف على الطريق الحجري المؤدي للباب. كانت تماثيل لبشر حقيقيين تحولوا إلى حجارة كعقاب. بايرون الصغير يمتلك هذه الهواية المريضة، مستغلاً غطاء “المسار الصالح” لتبرير تحويل كل من يكرههم إلى صخور.
بانوراما الدمار امتدت كأن هاوية ابتلعت جزءاً من البلدة القديمة.
“حتى.. مسخرات إناث للخدمة؟” سأل بايرون بلهفة طماعة.
قال أوريون بوجه مصفر وصوت منخفض: “يبدو أن من ارتكب هذا قد مات هنا أيضاً.. لا أثر لطاقة، أو سيرة ذاتية، أو ميراث خالد.”
امتد حقل شاسع من الزهور العملاقة على مرأى البصر. لمح تايتوس زهوراً تشبه التي استخلص منها الرحيق سابقاً، لكنها بدت كحبات رمل أمام هذه العمالقة النباتية التي تغطي ببتلاتها عدة رجال.
استند تايتوس على ظل بتلة ضخمة ريثما دفع أوريون العربة وحده، وسأله ببرود: “ما هو مسارك الأساسي يا عمي؟”
استند تايتوس على ظل بتلة ضخمة ريثما دفع أوريون العربة وحده، وسأله ببرود: “ما هو مسارك الأساسي يا عمي؟”
بعد قليل، تبادلا مواقع القيادة، وتدريجياً ظهرت تجمعات لفلاحين حفاة، تبدو حالاتهم أرثى من الجثث التي فحصها أوريون. ترجل العجوز مجدداً.
أجاب أوريون ببرود: “ولماذا ستفعل العشيرة ذلك؟”
“أرنا الاستعراض الحقيقي للمسار الصالح، عمي.” قال تايتوس بسخرية صامتة.
“هل سننجو؟ أم أن العشيرة تحاول التخلص منا أصلاً؟”
أخرج أوريون أداة التاليزمن التي تشبه إصبعاً سميكاً بحواف حادة كالزجاج المكسور، فسرى شعور بالبرد في عمود تايتوس الفقري. انبعث من الأداة وميض أحمر وصدوع كهرمانية عوضاً عن الدم، وتشكّل السلاح ليأخذ هيئة مسدس قاسٍ.
انهار بايرون على ركبتيه ممسكاً بساق أوريون: “خذني معك يا بطل الحرب، أرجوك! سأكتفي بالقليل من الجبال الذهبية والفضية ونرحل معاً.”
أطلق أوريون رصاصتين تحذيريتين بجانب قدم أحد الفلاحين المرتجفين، فوقع الأخير صريع الرعب يلتف حول نفسه كالجمبري. أمسك أوريون بياقة قميصه بقسوة: “ما الذي حدث هنا هذا الأسبوع؟ انطق!”
كان يقصد من أباد أولئك المسخرين على الطريق. كان المسار ضيقاً، وبتلات الزهور الضخمة تكاد تحتك بهيكل العربة، بينما تُسمع أنفاس الأيل المنهكة وهو يتوسل الهواء.
اقترب فلاحون آخرون بخوف، وحدق أوريون بهم بحزم.
(لو كنت مكانهم لأطلقت لساقي العنان هرباً، فأن تترك نسلك عبيداً طوال عمرهم هو الأسوأ،) فكر تايتوس ببرود. فمنذ نهاية الحرب قبل 150 عاماً، صار استعباد أبناء البحر الشرقي أمراً معتاداً لحين انتهاء مدة العقوبة.
“أمير سابق.” صحح تايتوس بصوت هادئ.
تكلم الفلاح بعينين غائرتين تشبهان الهاوية، مشيراً بيمناه نحو الطريق الخلفي: “يا مولاي.. لم أر شيئاً بنفسي، لكن جارتي أقسمت أن الغربان حامت بكثافة فوق حقل الزهور قرب البلدة القديمة.”
كانت «التاليزمن» أسلحة ميكانيكية متطورة تعتمد على طاقة سادة العناصر، تتفرع وتتخذ أشكالاً مختلفة، مثل أداة أوريون التي تقارب في حجمها إصبعاً سميكاً ومحاطة بأشواك حادة تشبه الزجاج المكسور. ومع ذلك، لم يره تايتوس يستعملها قط.
تداخلت الأصوات والهمسات، واختفى أوريون وسط الحشد المتربص.
تراجع بايرون كالتمثال المذعور، وصاح بصوت مهزوز: “سأذهب حالاً إلى سهل الصعود وأتصدق بكل ما أملك.. فقط خذني معك!”
بعد لحظات، علت صرخة مدوية رافقها تيار هوائي جارف أطاح ببعض الفلاحين.
بانوراما الدمار امتدت كأن هاوية ابتلعت جزءاً من البلدة القديمة.
“لدي عائلة، أرجوك اتركني!” صرخ أحدهم وهو يجري مذعوراً نحو البوابة الحجرية، بينما أطلق أوريون طلقة أخرى بالقرب منه لتسريع خطواته.
استوى تايتوس جالساً، وشعر بنظرة عمه الحادة تثبت عليه.
اقترب جندي يمتطي جواداً مطهماً رمادياً فاتحاً، مستلاً سيفه بذعر: “أيها اللورد المسخر، هل لديك شأن بهؤلاء الرعاع؟”
تكلم الفلاح بعينين غائرتين تشبهان الهاوية، مشيراً بيمناه نحو الطريق الخلفي: “يا مولاي.. لم أر شيئاً بنفسي، لكن جارتي أقسمت أن الغربان حامت بكثافة فوق حقل الزهور قرب البلدة القديمة.”
ثبت أوريون عينيه الكهربائيتين عليه دون أن يرمش، قبل أن تحيط عصبة من الجنود بالمكان محاصرين العربة ومن فيها.
ترجمة Joy in the water
قال تايتوس بتهكم: “وماذا ستفعلون بسيد عناصر وأنتم مجرد بشر فانين؟”
لمعت عينا العجوز ببريق طريدة خبيثة، وأدار ظهره بتهكم: “أستطيع أن أشفيك.”
رد أحدهم بحماس زائف: “نحن فرسان البلدة الجديدة، أقسمنا على حماية الأبرياء حتى الموت!”
“لديك التاليزمن. هل هناك خطر حقيقي؟”
ضغط أوريون على معصمه، ليعود التاليزمن إلى شكله الخشن، وأطلق تنهيدة محبطة: “لندعهم يقتادوننا إذن.”
بعد لحظات، علت صرخة مدوية رافقها تيار هوائي جارف أطاح ببعض الفلاحين.
تم تقييدهم فوراً وسحبهم مع وضع أكياس من الخيش على وجوههم. بعد مسيرة قصيرة، رُفع الكيس عن رأس تايتوس.
تلاقت عينا تايتوس وعمه؛ كانت ابتسامة أوريون خالية من أي دفء.
كان في قاعة حجرية كئيبة يجلس فيها رجل ذو لحية كثيفة وبشرة سمراء. ما إن تنبه له حتى شحب وجهه وبصق، مرسماً ابتسامة باهتة ومرتجفة.
“هل هذا ما يعنيه أن تكون جنرال حرب؟ تحرر شعوباً لم تطلب شيئاً، وفي المقابل تقبض جزيرة كمنجم ذهب؟ كم جثة سقطت قبل أن تحصل على سفر الصيف هذا؟”
هب اللورد بايرون الصغير واقفاً، وهرع لفك وثاق أوريون بنفسه: “يا ابن العم.. أهذه طريقة للاستقبال؟”
قاطعه تايتوس بلهفة خفية: “أه، سفر الصيف!”
رد أوريون بجفاء: “لدينا مطاردة، نقطة الموارد تعرضت للتخريب، وجثث مسخرين من المرتبة الرابعة تملأ الطرق.”
“لا.. وعليك أن تنجو بنفسك أولاً. مع الفجر سنغادر نحو حدود لورد البرج لنكون بأمان، أنا والأمير تايتوس…”
ارتجف شاربا بايرون وسأل بذعر: “تخريب ونقاط موارد مدمرة؟ ماذا نفعل؟ هل أخبرت العشيرة يا جنرال؟”
توقفت الرياح المفاجئة، لكن صمت أوريون محق أي شعور بالأمان خلف سلاح التاليزمن.
“لا.. وعليك أن تنجو بنفسك أولاً. مع الفجر سنغادر نحو حدود لورد البرج لنكون بأمان، أنا والأمير تايتوس…”
ترجمة Joy in the water
“أمير سابق.” صحح تايتوس بصوت هادئ.
قاطعهم تايتوس ببرود: “لورد بايرون.. أليس لديكم حليب هنا؟ أوشكت على الهلاك عطشاً قبل أن يقتلني ذلك السيد الشيطاني.”
انهار بايرون على ركبتيه ممسكاً بساق أوريون: “خذني معك يا بطل الحرب، أرجوك! سأكتفي بالقليل من الجبال الذهبية والفضية ونرحل معاً.”
غمغم تايتوس: “ربما هو المسخر الشيطاني صاحب المجزرة؟”
وضع أوريون يده على أنفه بضجر: “تفوح منك رائحة الخمر والنساء. كنت أود قتلك الآن، لكن المسار الصالح يعلمنا الصفح.. أليس كذلك؟”
ابتسم تايتوس بمرارة: “هل وصلت إلى حافة اليأس يا جنرال؟”
تراجع بايرون كالتمثال المذعور، وصاح بصوت مهزوز: “سأذهب حالاً إلى سهل الصعود وأتصدق بكل ما أملك.. فقط خذني معك!”
ارتجف شاربا بايرون وسأل بذعر: “تخريب ونقاط موارد مدمرة؟ ماذا نفعل؟ هل أخبرت العشيرة يا جنرال؟”
قاطعهم تايتوس ببرود: “لورد بايرون.. أليس لديكم حليب هنا؟ أوشكت على الهلاك عطشاً قبل أن يقتلني ذلك السيد الشيطاني.”
“عشيرتنا تضم عشرة من المرتبة الرابعة وواحدًا من المرتبة الخامسة…”
التفت أوريون ببطء، وابتسم ببرود لم يصل إلى عينيه: “لا تقلق يا ابن العم؛ ستُخلد بطولاتك لأجيال. الآن.. اسمعني جيداً.”
قاطعه تايتوس بلهفة خفية: “أه، سفر الصيف!”
تصلب جسد بايرون.
“كما ترى، لا أريد أن أتحول إلى عجينة لحم، أو أسوأ، أن أقع أسيراً لدى سيد عناصر شيطاني. سأرميك كطُعم أولاً، ثم لا تقلق، سألحق بك فوراً برصاصة في رأسي..”
“خذ كل القادرين على حمل السلاح من البلدة، وامشطوا نقطة الموارد شبرًا بشبر، وتأكد أن تكون في مقدمة الفرقة بنفسك.”
قاطعه تايتوس بلهفة خفية: “أه، سفر الصيف!”
شحب بايرون أكثر: “لا، لا أستطيع.. وليس لدي وريث…”
(لو كنت مكانهم لأطلقت لساقي العنان هرباً، فأن تترك نسلك عبيداً طوال عمرهم هو الأسوأ،) فكر تايتوس ببرود. فمنذ نهاية الحرب قبل 150 عاماً، صار استعباد أبناء البحر الشرقي أمراً معتاداً لحين انتهاء مدة العقوبة.
وضع أوريون يده على كتفه وقال بصوت حنون مخادع: “كن في المقدمة، ولا تعودوا حتى نغادر حدود لورد البرج بعد الفجر بسبع ساعات. حينها، ستكونون قد مسحتم كل نبتة وزهرة هناك. وأنا سأنشر بطولتك بنفسي، وأرسل لك ملايين الجبال الذهبية والفضية، ومسخرين جدد ليكونوا حرساً لك.”
وضع أوريون يده على أنفه بضجر: “تفوح منك رائحة الخمر والنساء. كنت أود قتلك الآن، لكن المسار الصالح يعلمنا الصفح.. أليس كذلك؟”
“حتى.. مسخرات إناث للخدمة؟” سأل بايرون بلهفة طماعة.
أجاب أوريون ببرود: “ولماذا ستفعل العشيرة ذلك؟”
“كل ما تحتاجه سيوفره لك المسار الصالح، بشرط أن تبقى حياً.. تذكر ذلك جيداً.”
حاول تايتوس النهوض، لكن هبة ريح عاتية دفعت أوراقاً جافة لتستقر في عينه. فركها بعنف وعاد للاستلقاء: “أنت تملك جزيرة النعناع، أفضل نقطة للموارد الطبية، وهذا يعني ثروة طائلة.”
تلاقت عينا تايتوس وعمه؛ كانت ابتسامة أوريون خالية من أي دفء.
أخرج أوريون أداة التاليزمن التي تشبه إصبعاً سميكاً بحواف حادة كالزجاج المكسور، فسرى شعور بالبرد في عمود تايتوس الفقري. انبعث من الأداة وميض أحمر وصدوع كهرمانية عوضاً عن الدم، وتشكّل السلاح ليأخذ هيئة مسدس قاسٍ.
(هكذا إذن.. بطل المسار الصالح يجب أن يكون أوقح من كل شياطين العالم،) فكر تايتوس بملل.
أضاءت المشاعل أطراف الحقل، حيث تمايلت ملايين البتلات بينما تناثر الثلج الناعم ليعكس ضوء القمر والمصابيح.
ثم صرخ مجدداً: ” الأمير المنفي يوشك أن يموت عطشاً هنا، ألا يشفق أحدكم على قلبي المريض؟”
كان يقصد من أباد أولئك المسخرين على الطريق. كان المسار ضيقاً، وبتلات الزهور الضخمة تكاد تحتك بهيكل العربة، بينما تُسمع أنفاس الأيل المنهكة وهو يتوسل الهواء.
___
كان أوريون يهمهم بكلمات غير مسموعـة، تلتها زفرة حادة.
ترجمة Joy in the water
أطلق أوريون رصاصتين تحذيريتين بجانب قدم أحد الفلاحين المرتجفين، فوقع الأخير صريع الرعب يلتف حول نفسه كالجمبري. أمسك أوريون بياقة قميصه بقسوة: “ما الذي حدث هنا هذا الأسبوع؟ انطق!”
انهار بايرون على ركبتيه ممسكاً بساق أوريون: “خذني معك يا بطل الحرب، أرجوك! سأكتفي بالقليل من الجبال الذهبية والفضية ونرحل معاً.”
