خوف
“أمي…”؛ تمتم نومريس بها مرة أخرى وهو ينكس رأسه متطلعاً نحو الأرض الباردة. كان قلبه يقرع صدره بضربات متسارعة وغير طبيعية، كطبول حرب توشك أن تقتلع أحشاءه؛ لقد كان الذعر الناهش في عروقه نابعاً من فكرة واحدة تزداد رسوخاً: رعب فقدانها الأبدي.
جزيرة إيرانور، جنوب العاصمة؛ حيث يتمركز جيش إمبراطورية “زورف” بقيادة ليروين في خطوط متراصة مهيبة. وفي المقابل، وتحديداً في جهة الشمال، كان يقبع جنود إمبراطورية “نوركيث” تحت الإمرة الصارمة للداهية “برونز بالوت”. وفي هذه اللحظة بالذات، انقشع الغبار عن جبهة ثالثة لتعلن ظهور جيش آخر أطبق على شرق العاصمة؛ كان فصيلاً متقدماً يتقدم طليعته “روكي”، أما بالنسبة للقبطان “فولكس فاجن”، فيبدو أنه آثر الاختفاء عن الأنظار تاركاً الساحة لرفيقه.
تساقطت دموع عينيه الدموية وهي تمتزج بالثلج، بينما كان يهمس في أعماق نفسه بمرارة تفتت الصخر: «أمي…». على نقيض بقية الأهالي الذين جرى تصفيدهم وسوقهم معاً، تم عزل أمه واقتيادها بعيداً عن القافلة، ليبقى مصيرها ومكانها مجهولاً تماماً بالنسبة إليه.
كان الجميع متسمرين في مواقعهم، يحبسون أنفاسهم تكتيكياً وينتظرون الفرصة المواتية لتسديد الضربة الأولى، حتى لاح فجأة في الأفق أثر لشيء ذهبي وهاج، يشع بريقاً ساطعاً يكاد يخطف الأبصار من مسافات بعيدة. وما إن وقعت عيون قادة الجيوش الثلاثة على هذا الوميض المقدس، حتى تبدلت ملامحهم الصارمة واعتراها الوجوم؛ فقد أدركوا يقيناً ما الذي يعنيه هذا الظهور المباغت.
نهاية الفصل
فتمتم ليروين بنبرة هادئة حملت وزناً ثقيلاً: “جيش الكنيسة…”.
“خوف…”
—
«آه.. أهكذا سيكون الحال دائماً؟»؛ صدح صوت السلاسل الحديدية وهي تصطك بين يدي نومريس، بينما كان فمه يغص بطعم ملوحة الدماء الناتجة عما هو فيه. كانت عيناه تقطران دماً أحمر قانياً، يتساقط في خطوط رفيعة فوق البياض الطهور للثلج، في حين كانت قدماه العاريتان ترتعدان بقوة تحت وطأة الصقيع القارس.
وعند الجبهة المشتعلة حول العاصمة، وتحديداً أمام القوة الضاربة لجيش الكنيسة الذهبي التابع لاتحاد الأمم، كان ينتصب قائد المحاربين؛ رجل في أواخر عشرينياته، يفيض هيبة بدرعه الذهبي المصقول وشعره الأشقر المسترسل. وفي اللحظة التي عبرت فيها تلك الهالة الخفية وصداها أثير المكان، التفت برأسه نحو مصدرها البعيد، لكنه لم ينطق ببنت شفة، بل اكتفى بنظرة غامضة والتزام صمت مطبق.
تجولت عينا نومريس الذابلتان وهو يتطلع بصعوبة نحو الأمام، من بين خصلات شعره المبعثرة التي انسدلت فوق جبهته؛ كان أبناء قريته بأسرهم يساقون مكبلين في طابور طويل، لكن نظراته الفاحصة سرعان ما اصطدمت بحقيقة مرعبة.. ثمة شخص ناقص!
تساقطت دموع عينيه الدموية وهي تمتزج بالثلج، بينما كان يهمس في أعماق نفسه بمرارة تفتت الصخر: «أمي…». على نقيض بقية الأهالي الذين جرى تصفيدهم وسوقهم معاً، تم عزل أمه واقتيادها بعيداً عن القافلة، ليبقى مصيرها ومكانها مجهولاً تماماً بالنسبة إليه.
خوف…
تجولت عينا نومريس الذابلتان وهو يتطلع بصعوبة نحو الأمام، من بين خصلات شعره المبعثرة التي انسدلت فوق جبهته؛ كان أبناء قريته بأسرهم يساقون مكبلين في طابور طويل، لكن نظراته الفاحصة سرعان ما اصطدمت بحقيقة مرعبة.. ثمة شخص ناقص!
وما إن تعثرت خطواته المنهكة لبرهة، حتى جاءته دفعة عنيفة من الخلف من كعب رمح أحد الجنود، وصاح به بنبرة جافة: “تقدم أيها العبد! أتبحث عن حتفك؟ لقد تسببت في تأخيرنا بعد أن فقدت وعيك!”.
قبل أن تمرو إلى الفصل التالي شاركوني تعاليقكم عن الاشياء المتوقع حدوثها
استجمع نومريس بقايا قوته وتقدم، وفي تلك الأثناء رمق زعيم قريته العجوز في مقدمة الركب؛ كان مشهداً يدمي القلوب، إذ جرى تعليقه بوحشية بين عربتين خشبيتين من أطرافه، والدماء تغطي جسده بالكامل كأنه ذبيحة. لم يحتمل العجوز هذا الإذلال، فصرخ بكل ما أوتي من قوة والشرر يتطاير من عينيه النازفتين نحو الجندي: “إن لمسته.. سأصلخ جلدك!”.
انتاب الجندي نوع من الهلع المباغت للحظة رغماً عنه؛ إذ صدمته حدة النبرة المنبعثة من هذا العجوز المكبل، قبل أن يسترخي ويزمجر وهو يجز على أسنانه بغيظ: “أيها العبد الغبي! أتهددني أنا؟! انتظر فقط حتى نصل إلى السفينة، وسأريك كيف تُعالج غطرستك هذه!”.
وهنا، تدخل جندي آخر كان يسير على مقربة منه، وقال ببرود وهو يربت على كتف زميله: “لا تبتئس بكلمات هذا العبد، فالعبد لا يعدو كونه عبداً مهما تعالى صوته.. حين نصل إلى أراضي الإمبراطورية، سيُعرض ذلك العجوز في أسواق النخاسة لبيعه؛ فرغم تقدمه في السن، لا يزال يُعتبر سلعة ثمينة”.
خوف…
—
“أمي…”؛ تمتم نومريس بها مرة أخرى وهو ينكس رأسه متطلعاً نحو الأرض الباردة. كان قلبه يقرع صدره بضربات متسارعة وغير طبيعية، كطبول حرب توشك أن تقتلع أحشاءه؛ لقد كان الذعر الناهش في عروقه نابعاً من فكرة واحدة تزداد رسوخاً: رعب فقدانها الأبدي.
جاءه الرد سريعاً ومشحوناً بتوتر: “نعم.. ثمة شخص يوقظ مرضه للمرة الأولى، وليس مرضاً عادياً بالمرة! أحذرك أن تعود لأن…”.
أما روبي، فقد كان يسير خلفه يفصلهما رجلان وامرأة من أهالي القرية. كان يرمق ظهر صديقه بنظرات حذرة وثاقبة، لكن الحيلة كانت غائبة عنه في هذه اللحظة؛ ورغم بروده المعتاد، إلا أنه كان يرى بوضوح كيف يهتز جسد نومريس بعنف، حتى إن السلاسل الحديدية الملتفة حول معصميه بدأت تصطك وتجاري ذلك الارتجاج الجسدي المتسارع.
“أمي…”؛ عاد نومريس ليهمس بها كأنها طوق نجاته الوحيد في هذا الجحيم. لقد كانت هي كل ما يملك في هذا العالم، والملجأ المتبقي له بعد أن هجرهم والده وغاب عن حياتهم قبل سنوات طوال. «لماذا يتحتم علينا أن نعاني بهذه الطريقة؟ لماذا يعاملوننا بكل هذه القسوة؟ ألسنا بشراً مثلهم؟ لماذا ينظرون إلينا دائماً بدونية وازدراء؟ لماذا يحدث هذا.. لماذا هذا كله؟!».
كان المضيق ضيقاً كأنه شق في صخرة عملاقة، لا يتسع لعربتين متجاورتين، بل لعربة واحدة بالكاد. وأمام هذا العائق التضاريسي، اضطر الجنود لفك وثاق الزعيم العجوز وإنزاله من بين العربتين، لكنهم لم يمنحوه حريته؛ بل أبقوه مقيداً ومعلقاً بوحشية على جانب إحدى العربات العسكرية السوداء لتسير به في المقدمة.
وسط هذه التساؤلات المريرة التي تعصف برأسه، وصلت المجموعة أخيراً إلى مشارف مضيق جبال هيماز؛ ذلك الممر المظلم الذي كان أهالي القرية يبتغون اللياذ به، لولا أن القدر ساق هؤلاء الجنود ليخرجوا لهم من أحشائه بالذات.
كان المضيق ضيقاً كأنه شق في صخرة عملاقة، لا يتسع لعربتين متجاورتين، بل لعربة واحدة بالكاد. وأمام هذا العائق التضاريسي، اضطر الجنود لفك وثاق الزعيم العجوز وإنزاله من بين العربتين، لكنهم لم يمنحوه حريته؛ بل أبقوه مقيداً ومعلقاً بوحشية على جانب إحدى العربات العسكرية السوداء لتسير به في المقدمة.
فجأة، ومن بين جميع الأوقات، شق سكون ذلك الممر المظلم صوت غريب وغير متوقع؛ صوت احتكاك ريشة حبر مدببة وهي تخط فوق ورقة جافة. لم يكن نومريس وحده من التقط هذا الصوت، بل تناهى إلى مسامع الجميع بوضوح غريب، لتقف العربة الأمامية بغتة وسط غياهب ذلك الظلام.
فجأة، ومن بين جميع الأوقات، شق سكون ذلك الممر المظلم صوت غريب وغير متوقع؛ صوت احتكاك ريشة حبر مدببة وهي تخط فوق ورقة جافة. لم يكن نومريس وحده من التقط هذا الصوت، بل تناهى إلى مسامع الجميع بوضوح غريب، لتقف العربة الأمامية بغتة وسط غياهب ذلك الظلام.
وسط هذه التساؤلات المريرة التي تعصف برأسه، وصلت المجموعة أخيراً إلى مشارف مضيق جبال هيماز؛ ذلك الممر المظلم الذي كان أهالي القرية يبتغون اللياذ به، لولا أن القدر ساق هؤلاء الجنود ليخرجوا لهم من أحشائه بالذات.
ما إن اخترق هذا الصوت مسامع نومريس، حتى انقدحت في ذاكرته شرارة من ماضٍ قريب؛ تذكر شيئاً طالما استمتع بتمضية وقته في صنيعه.. الرسم. كانت هناك أخيلة وصور لا حصر لها تزدحم في خياله الصغير، ولطالما خطت يداه على الورق كائنات وأشياء لا يتقبلها عقل بشر.
“أمي…”؛ عاد نومريس ليهمس بها كأنها طوق نجاته الوحيد في هذا الجحيم. لقد كانت هي كل ما يملك في هذا العالم، والملجأ المتبقي له بعد أن هجرهم والده وغاب عن حياتهم قبل سنوات طوال. «لماذا يتحتم علينا أن نعاني بهذه الطريقة؟ لماذا يعاملوننا بكل هذه القسوة؟ ألسنا بشراً مثلهم؟ لماذا ينظرون إلينا دائماً بدونية وازدراء؟ لماذا يحدث هذا.. لماذا هذا كله؟!».
ومن بين كل تلك الأشياء التي رسمها في خلوته….
وسط هذه التساؤلات المريرة التي تعصف برأسه، وصلت المجموعة أخيراً إلى مشارف مضيق جبال هيماز؛ ذلك الممر المظلم الذي كان أهالي القرية يبتغون اللياذ به، لولا أن القدر ساق هؤلاء الجنود ليخرجوا لهم من أحشائه بالذات.
«خوف…»؛ ترددت هذه الكلمة كفحيح خفي في أرجاء المكان، حتى شعر كل من في المضيق وكأنها هُمست في آذانهم مباشرة.
وعند الجبهة المشتعلة حول العاصمة، وتحديداً أمام القوة الضاربة لجيش الكنيسة الذهبي التابع لاتحاد الأمم، كان ينتصب قائد المحاربين؛ رجل في أواخر عشرينياته، يفيض هيبة بدرعه الذهبي المصقول وشعره الأشقر المسترسل. وفي اللحظة التي عبرت فيها تلك الهالة الخفية وصداها أثير المكان، التفت برأسه نحو مصدرها البعيد، لكنه لم ينطق ببنت شفة، بل اكتفى بنظرة غامضة والتزام صمت مطبق.
في ركن قاصٍ من أركان الجزيرة، كان رالرل يقف شامخاً فوق أعلى تلك القمم الحمراء؛ ذات القمم التي طالما أحب نومريس الجلوس فوقها ليرسم ويراقب قطعان الغنم وهي ترعى في الوديان. في تلك اللحظة، ترددت ذات الكلمة في عمق مسمعه، واجتاحت كيانه هالة غريبة جعلت فرائص جسده تضطرب، فقال بنبرة غلب عليها الفضول والوجوم: “خوف… ما هذا؟ ومن يا تُرى هذا الشخص الذي أيقظ مرضه في هذا الوقت بالذات؟!”.
وفي جهة أخرى من الجزيرة، كان القبطان فولكس فاجن يخطو بخطوات متزنة وهادئة بين جذوع أشجار ميتة ومتهالكة، وخلفه جنديان يجران بقسوة امرأة فائقة الجمال؛ كانت هي بذاتها أم نومريس. وفجأة، تيبست خطوات القبطان إثر شعوره الصادم بهذه الهالة العنيفة وتردد صدى الكلمة في وعيه، ليحدث نفسه بتوجس: «ما معنى هذا؟ وما طبيعة هذه الهالة الغريبة الكامنة في الأجواء؟».
تجولت عينا نومريس الذابلتان وهو يتطلع بصعوبة نحو الأمام، من بين خصلات شعره المبعثرة التي انسدلت فوق جبهته؛ كان أبناء قريته بأسرهم يساقون مكبلين في طابور طويل، لكن نظراته الفاحصة سرعان ما اصطدمت بحقيقة مرعبة.. ثمة شخص ناقص!
وعند الجبهة المشتعلة حول العاصمة، وتحديداً أمام القوة الضاربة لجيش الكنيسة الذهبي التابع لاتحاد الأمم، كان ينتصب قائد المحاربين؛ رجل في أواخر عشرينياته، يفيض هيبة بدرعه الذهبي المصقول وشعره الأشقر المسترسل. وفي اللحظة التي عبرت فيها تلك الهالة الخفية وصداها أثير المكان، التفت برأسه نحو مصدرها البعيد، لكنه لم ينطق ببنت شفة، بل اكتفى بنظرة غامضة والتزام صمت مطبق.
تساقطت دموع عينيه الدموية وهي تمتزج بالثلج، بينما كان يهمس في أعماق نفسه بمرارة تفتت الصخر: «أمي…». على نقيض بقية الأهالي الذين جرى تصفيدهم وسوقهم معاً، تم عزل أمه واقتيادها بعيداً عن القافلة، ليبقى مصيرها ومكانها مجهولاً تماماً بالنسبة إليه.
نيلام، وهاربر، وليروين، وروكي.. جميع القادة والأشخاص على أرض الجزيرة ترددت هذه الكلمة في مسامعهم كهمس غامض يخرق الحجب، لكن لم يكن الجميع مؤهلين للشعور بتلك الهالة الجليدية القارسة التي رافقتها، بل التقطها فقط أولئك الممتدون في غياهب القوة.
حتى ذلك الملك السمين القابع داخل جدران قصره المحصن، والذي كان يراقب بارتعاد الجيوش المحيطة بأسوار عاصمته وهي تترصد به الدوائر، سمع الكلمة تتردد كأزيز مرعب في أذنيه. اضطرب في جلسته وتمتم بذعر: “ما الذي يحدث داخل هذه الجزيرة اللعينة؟! لقد أخبرني أنه سيأتي، لكنه تأخر كثيراً.. ما الذي يؤخرك أيها الوغد ترامبر؟! لقد أصبحت على الحافة!”.
وفي تلك الأثناء، ومن داخل السفينة الحربية السوداء الراسية عند شاطئ الجزيرة، انبعث صوت ساحق شق الأثير ليصل إلى القبطان فولكس فاجن وهو في جوف الجزيرة: “فولكس.. عد نحو الشاطئ فوراً! ليس لدي المتسع من الوقت لشرح أي شيء، لكن تحرك في الحال!”.
فتمتم ليروين بنبرة هادئة حملت وزناً ثقيلاً: “جيش الكنيسة…”.
عقد فولكس فاجن حاجبيه، وسأل بنبرة خفيضة مستنكرة: “هل شعرت أنت أيضاً بهذه الهالة؟”.
وهنا، تدخل جندي آخر كان يسير على مقربة منه، وقال ببرود وهو يربت على كتف زميله: “لا تبتئس بكلمات هذا العبد، فالعبد لا يعدو كونه عبداً مهما تعالى صوته.. حين نصل إلى أراضي الإمبراطورية، سيُعرض ذلك العجوز في أسواق النخاسة لبيعه؛ فرغم تقدمه في السن، لا يزال يُعتبر سلعة ثمينة”.
جاءه الرد سريعاً ومشحوناً بتوتر: “نعم.. ثمة شخص يوقظ مرضه للمرة الأولى، وليس مرضاً عادياً بالمرة! أحذرك أن تعود لأن…”.
صمت فولكس فاجن لبرهة، وهو ينظر إلى رداءة الأشجار الميتة من حوله وإلى الأسيرة الجميلة خلفه، ثم قال بعناد وغطرسة: “ولماذا عليّ فعل ذلك؟ لطالما أردنا غزو هذه الجزيرة وإخضاعها، فلماذا سأتراجع الآن بعد أن وطئت أقدامنا أرضها وبدأنا بجمع الغنائم؟”.
وفي جهة أخرى من الجزيرة، كان القبطان فولكس فاجن يخطو بخطوات متزنة وهادئة بين جذوع أشجار ميتة ومتهالكة، وخلفه جنديان يجران بقسوة امرأة فائقة الجمال؛ كانت هي بذاتها أم نومريس. وفجأة، تيبست خطوات القبطان إثر شعوره الصادم بهذه الهالة العنيفة وتردد صدى الكلمة في وعيه، ليحدث نفسه بتوجس: «ما معنى هذا؟ وما طبيعة هذه الهالة الغريبة الكامنة في الأجواء؟».
تجولت عينا نومريس الذابلتان وهو يتطلع بصعوبة نحو الأمام، من بين خصلات شعره المبعثرة التي انسدلت فوق جبهته؛ كان أبناء قريته بأسرهم يساقون مكبلين في طابور طويل، لكن نظراته الفاحصة سرعان ما اصطدمت بحقيقة مرعبة.. ثمة شخص ناقص!
تنهد الطرف الآخر ببرود وتخلٍّ تام قائلاً: “لم يعد الأمر شأني.. لقد حذرتك بما يمليه علي واجبي، فإن كنت تريد البقاء والمخاطرة برأسك فليس لدي ما أقوله لك بعد الآن، يمكنك البقاء وتحمل العواقب وحدك!”.
تساقطت دموع عينيه الدموية وهي تمتزج بالثلج، بينما كان يهمس في أعماق نفسه بمرارة تفتت الصخر: «أمي…». على نقيض بقية الأهالي الذين جرى تصفيدهم وسوقهم معاً، تم عزل أمه واقتيادها بعيداً عن القافلة، ليبقى مصيرها ومكانها مجهولاً تماماً بالنسبة إليه.
“خوف…”
نهاية الفصل
قبل أن تمرو إلى الفصل التالي شاركوني تعاليقكم عن الاشياء المتوقع حدوثها
خوف…
نيلام، وهاربر، وليروين، وروكي.. جميع القادة والأشخاص على أرض الجزيرة ترددت هذه الكلمة في مسامعهم كهمس غامض يخرق الحجب، لكن لم يكن الجميع مؤهلين للشعور بتلك الهالة الجليدية القارسة التي رافقتها، بل التقطها فقط أولئك الممتدون في غياهب القوة.
