جيوش
أطلق قهقهة دوت في أرجاء المكان، قبل أن يستدير ببطء، ليرتفع مع حركته رداؤه الأسود القاتم، مطايراً الرقاقات البيضاء التي تراكمت فوقه وفوق شعره الأسود المسترسل الذي غطاه الثلج.
خوف….
حمل نومريس كيساً مصنوعاً من جلد خروف ذي صوف شديد البياض، وحشاه بالأمتعة حتى كاد ينفجر من امتلائه. أقبلت عليه أمه وهي تعلق حقيبة قماشية صغيرة على كتفها، وسألته بتوجس: “هذا يكفي، أليس كذلك؟ أهو ثقيل عليك؟”.
—
رد عليها مطمئناً: “لا تقلقي يا أمي، يمكنني تدبر أمري.. وإن تبين أن المسافة بعيدة وشعرت بالتعب، سنتخلص من بعض الأشياء الزائدة لاحقاً”.
وفجأة، شق الأفق مشهد دروع براقة تشع ببريقها الخاطف من بعيد؛ لقد كان جيشاً آخر يزحف بنسق مهيب نحو العاصمة، متخذاً موقعه في الجهة المقابلة للمدينة. كان ذلك جحفل إمبراطورية “نوركيث”، ويترأس طليعته العقيد “برونز بالوت”، الذي ما إن لمح ببصره الحاد فيلق إمبراطورية “زورف” الرابض من بعيد، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، أتبعها بقهقهة مكتومة دامت لبرهة من الزمن.
لكن تلك الفرحة العابرة لم تدم طويلاً؛ إذ توقفت عربة زعيم القرية فجأة في مقدمة المسار. تطلع الجميع بنظراتهم نحو الأمام لاستكشاف سبب التوقف، وحينها.. تجمدت الدماء في عروقهم بالكامل.
هزت رونيا رأسها بالموافقة وعقّبت: “حسناً، لكنني أحذرك.. إن كان الحمل ثقيلاً فلا تتحامل على نفسك ولا ترهق جسدك”.
كان الجميع يرمقون العاصمة بصمت مطبق ودون أدنى حركة؛ ساد سكون مهيب وكأن على رؤوسهم الطير، فالكل بانتظار كلمات ليروين الحاسمة، وما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، وما دام لم ينطق بكلمة واحدة فلن يجرؤ أحد على خطو خطوة واحدة.
ومن خلف الثنائي، برزت جبهة مظلمة تقدمت مخترقةً بياض الثلج الساقط؛ ولم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى تجلى ذلك السواد تدريجياً أمام الأعين المتسعة ذهولاً. لم يكلف فولكس فاجن ولا روكي نفسهما عناء الالتفات، فقد كانا يعلمان يقيناً هوية القادم.
خرج نومريس وأمه من عتبة المنزل، ففوجئا بروبي يقف برفقة والديه خارجاً؛ كانوا يبدون وكأنهم يقفون بانتظارهم، وبجوارهم حصان يجر عربة خشبية صغيرة، وضع فيها روبي وعائلته أمتعتهم المنظمة بدقة.
خوف…
كان الجميع يرمقون العاصمة بصمت مطبق ودون أدنى حركة؛ ساد سكون مهيب وكأن على رؤوسهم الطير، فالكل بانتظار كلمات ليروين الحاسمة، وما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، وما دام لم ينطق بكلمة واحدة فلن يجرؤ أحد على خطو خطوة واحدة.
ابتسم روبي بخبثه المعتاد، ثم ربت على حافة العربة وقال بمرح: “لن أنساك يا صديقي في مثل هذه الأوقات! تعال وضع أمتعتكما هنا”.
“أوه؟!”؛ فتح روكي فمه بابتسامة ساخرة متهكمة. وفجأة، تغلغل في الآذان صوت وقع أقدام ثقيلة ومتراصة أخذت تهز أركان المضيق بقوة؛ التفت نومريس وجسّ الجميع بأبصارهم كل بقعة محيطة، لكن مصدر ذلك الصوت الهادر ظل مجهولاً للحظات.
بدت هيئة ليروين متجددة ومهيبة؛ إذ ارتدى حلة عسكرية مبتكرة؛ رداءً علوياً أحمر قانياً، تنسدل من تحته سترة داخلية بيضاء ناصعة، زُينت بصفوف من الأصداف الصفراء اللامعة التي انحدرت بنسق عمودي منظم، يكملها سروال أبيض متناسق، ينتهي عند حذاء جلدي أسود شديد الصقل.
تفاجأ نومريس من هذه المبادرة، لكن روبي لم ينتظر؛ بل تقدم بخفة وأخذ الحقيبة الصغيرة من يد رونيا قائلاً بوقار: “خالتي، لا تتعبي نفسك بحمل شيء”. سارع نومريس بوضع كيسه الثقيل هو الآخر داخل العربة، وما إن أفلتت يداه الحمل حتى شعر بخفة تسري في جسده، رغم أنه لم يحمله إلا لخطوات معدودة.
“مضيق هيماز…”؛ ابتلع نومريس ريقه بصعوبة وهو يردد كلمات الزعيم في عقله بتوجس. كان يخشى ذلك المضيق أكثر من أي مكان آخر على وجه الأرض، نظراً للظلام الدامس الذي يبتلع الأفق في أحشائه، وكأنه فجوة لا قاع لها.
في تلك الأثناء، كان والد روبي يقف ممسكاً بزمام الحصان، وتحدث بنبرة وقورة وخفيضة متوجهاً نحو رونيا: “أهلاً بكِ معنا يا أخت رونيا.. في مثل هذه الظروف، الاندماج والتعاون هما طوق النجاة الوحيد لعرقنا”.
أومأت رونيا بامتنان حقيقي، بينما ألقى نومريس نظرة سريعة نحو الساحة العامة؛ كانت أصوات الجلبة والصراخ قد بدأت تخفت، لتحل محلها همهمات متوترة لأهالي القرية وهم يجرون ماشيتهم ويحزمون ما تبقى من متاعهم الخفيف. كانت القافلة البدائية للقرية تتشكل بسرعة عجيبة، كأن الجميع يدركون بغريزتهم أن الدقائق القادمة تساوي حياتهم.
—
في تلك الأثناء، تراجع نومريس غريزياً خطوة إلى الوراء ليصبح حائلاً بين أمه وبين الجنود المتقدمين. التفت نحو روبي الذي كان يقف بجانبه، ليرى تعابير وجهه وقد تبدلت تماماً؛ اختفت ابتسامته الخبيثة المعتادة، وحلت مكانها نظرة حادة، باردة، ومركزة للغاية وهو يراقب توزيع الجنود وثغرات المضيق، وكأن عقله يعمل كآلة حسابية في وضع المعركة.
تحركت العربة ببطء لتأخذ موقعها وسط الجموع المغادرة، والتفت نومريس نحو روبي الذي كان يسير بجانبه بذهن حائر، وسأله بصوت خافت: “يا تُرى أين اختفى ذلك المخلوق؟ وأين سنجده كي يقودنا نحو موطننا الأصلي؟”.
خوف…
نهاية الفصل
لم يترك زعيم القرية الفرصة لروبي كي يجيب؛ إذ قاطع حيرتهما وهو يصعد فوق عربته المتقدمة قائلاً بصوت جهوري بعث الطمأنينة في النفوس: “بما أن ذلك المخلوق الأسطوري قد اختفى عن الأنظار الآن، فمن المؤكد أنه ينتظرنا في مكان ما عند الشاطئ.. لهذا، سيكون مسار طريقنا من الآن فصاعداً نحو الشاطئ مباشرة! سنتخذ مضيق جبال هيماز مسلكاً لنا تجنباً لجذب انتباه أي أحد من الإمبراطورية؛ فليس هذا بالوقت المناسب للتصادم مع أحد”.
خوف…
“مضيق هيماز…”؛ ابتلع نومريس ريقه بصعوبة وهو يردد كلمات الزعيم في عقله بتوجس. كان يخشى ذلك المضيق أكثر من أي مكان آخر على وجه الأرض، نظراً للظلام الدامس الذي يبتلع الأفق في أحشائه، وكأنه فجوة لا قاع لها.
تقدم زعيم القرية بخطوات مرتجفة ليعترض طريقهما، ووقف بثبات أمام فولكس فاجن مستنكراً: “ما الذي تعنيه بالعبيد؟! لم أفهم الأمر.. عن أي شيء تهذيان به؟”.
—
استشعرت رونيا اضطراب جسد ابنها، فأحكمت قبضتها حول يده بلطف؛ ومن ذا الذي يشعر بقلب الصبي وخفايا روعه غير أمه التي حوته في بطنها طويلاً؟
بعد مسيرة مضنية استمرت لنصف يوم، بدأ بياض مفاجئ يلوح أمامهم في الأفق، متزامناً مع سقوط شرائط بيضاء رقيقة نسجتها السماء؛ إنه الثلج. رفع روبي يده متأملاً الرقاقات البيضاء وهي تذوب فوق جلده، مستشعراً برودتها المباغتة. عمت الفرحة قلوب الأطفال الصغار في القافلة، يتهللون ببهجة بريئة؛ وهو أمر طبيعي، فذلك البياض نقي وطهور يشبه تماماً قلوبهم الرهيفة التي لم تلوثها أهوال العالم بعد.
تتابع خروج الجموع من قريتهم المتهالكة، سالكين طريقاً سرياً مخفياً في التضاريس لا يعرف سرها سواهم؛ طريقاً وعراً ممتلئاً بالصخور الناتئة والمسارات المائية الضيقة التي حفرت الأخاديد عبر الزمن، لتعلن بدء مسيرتهم المحفوفة بالمخاطر.
“أوه؟!”؛ فتح روكي فمه بابتسامة ساخرة متهكمة. وفجأة، تغلغل في الآذان صوت وقع أقدام ثقيلة ومتراصة أخذت تهز أركان المضيق بقوة؛ التفت نومريس وجسّ الجميع بأبصارهم كل بقعة محيطة، لكن مصدر ذلك الصوت الهادر ظل مجهولاً للحظات.
وفجأة، شق الأفق مشهد دروع براقة تشع ببريقها الخاطف من بعيد؛ لقد كان جيشاً آخر يزحف بنسق مهيب نحو العاصمة، متخذاً موقعه في الجهة المقابلة للمدينة. كان ذلك جحفل إمبراطورية “نوركيث”، ويترأس طليعته العقيد “برونز بالوت”، الذي ما إن لمح ببصره الحاد فيلق إمبراطورية “زورف” الرابض من بعيد، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، أتبعها بقهقهة مكتومة دامت لبرهة من الزمن.
بين الصخور العملاقة وبقايا الأشجار الميتة، ساروا جميعاً في صمت مطبق، لم يقطعه سوى أزيز العربات الخافت وهي تتهادى فوق الأرض الوعرة. لم يطق نومريس هذا المسلك قط؛ فمنذ وطئت قدماه أولى خطواته فيه، وهو يشعر بضيق شديد يتسلل إلى صدره ليجعل تنفسه صعباً وثقيلاً.
خوف….
تحركت العربة ببطء لتأخذ موقعها وسط الجموع المغادرة، والتفت نومريس نحو روبي الذي كان يسير بجانبه بذهن حائر، وسأله بصوت خافت: “يا تُرى أين اختفى ذلك المخلوق؟ وأين سنجده كي يقودنا نحو موطننا الأصلي؟”.
رفع يده المرتجفة نحو موضع قلبه الذي يخفق بعنف، وتملكه تساؤل مرير: «ما الذي يحدث لي حقاً؟ ولماذا يتملكني كل هذا الذعر؟».
حمل نومريس كيساً مصنوعاً من جلد خروف ذي صوف شديد البياض، وحشاه بالأمتعة حتى كاد ينفجر من امتلائه. أقبلت عليه أمه وهي تعلق حقيبة قماشية صغيرة على كتفها، وسألته بتوجس: “هذا يكفي، أليس كذلك؟ أهو ثقيل عليك؟”.
أشار صاحب الرداء الأزرق—روكي—نحو فولكس فاجن ملوحاً بيده، بينما انزاحت أطراف ردائه لتبرز سترته الداخلية المصنوعة من دروع معدنية مشبكة ومعقدة، وانسدلت فوق سرواله الأسود تفاصيل غريبة؛ إذ كان ممتلئاً بريش فضي كثيف يلمع تحت الرقاقات البيضاء الساقطة.
خوف…
أومأت رونيا بامتنان حقيقي، بينما ألقى نومريس نظرة سريعة نحو الساحة العامة؛ كانت أصوات الجلبة والصراخ قد بدأت تخفت، لتحل محلها همهمات متوترة لأهالي القرية وهم يجرون ماشيتهم ويحزمون ما تبقى من متاعهم الخفيف. كانت القافلة البدائية للقرية تتشكل بسرعة عجيبة، كأن الجميع يدركون بغريزتهم أن الدقائق القادمة تساوي حياتهم.
بعد مسيرة مضنية استمرت لنصف يوم، بدأ بياض مفاجئ يلوح أمامهم في الأفق، متزامناً مع سقوط شرائط بيضاء رقيقة نسجتها السماء؛ إنه الثلج. رفع روبي يده متأملاً الرقاقات البيضاء وهي تذوب فوق جلده، مستشعراً برودتها المباغتة. عمت الفرحة قلوب الأطفال الصغار في القافلة، يتهللون ببهجة بريئة؛ وهو أمر طبيعي، فذلك البياض نقي وطهور يشبه تماماً قلوبهم الرهيفة التي لم تلوثها أهوال العالم بعد.
“أوه؟!”؛ فتح روكي فمه بابتسامة ساخرة متهكمة. وفجأة، تغلغل في الآذان صوت وقع أقدام ثقيلة ومتراصة أخذت تهز أركان المضيق بقوة؛ التفت نومريس وجسّ الجميع بأبصارهم كل بقعة محيطة، لكن مصدر ذلك الصوت الهادر ظل مجهولاً للحظات.
لكن تلك الفرحة العابرة لم تدم طويلاً؛ إذ توقفت عربة زعيم القرية فجأة في مقدمة المسار. تطلع الجميع بنظراتهم نحو الأمام لاستكشاف سبب التوقف، وحينها.. تجمدت الدماء في عروقهم بالكامل.
خوف…
هناك، كان يقف فولكس فاجن وهو يرمق جماعة نومريس بنظرات ثاقبة ومتفحصة، وابتسامة ساخرة باردة ترتسم على شفتيه. رفع فأسه العملاق ببطء وخفة لا تتناسب مع وزنه المرعب، ثم أراحه على كتفه العريض، وقال بصوت فحيحٍ يشبه الأفعى: “يا له من عدد مهول.. من المال!”.
خوف…
أطلق قهقهة دوت في أرجاء المكان، قبل أن يستدير ببطء، ليرتفع مع حركته رداؤه الأسود القاتم، مطايراً الرقاقات البيضاء التي تراكمت فوقه وفوق شعره الأسود المسترسل الذي غطاه الثلج.
“أليس حظنا رائعاً يا روكي؟ لم نتوغل كثيراً في أحشاء هذه الأرض، وها نحن نجد هذه الكمية الوفيرة من العبيد!”؛ قالها فولكس فاجن وهو يوجه حديثه لرفيقه.
خرج نومريس وأمه من عتبة المنزل، ففوجئا بروبي يقف برفقة والديه خارجاً؛ كانوا يبدون وكأنهم يقفون بانتظارهم، وبجوارهم حصان يجر عربة خشبية صغيرة، وضع فيها روبي وعائلته أمتعتهم المنظمة بدقة.
هناك، كان ليروين يقف بثبات ممشوق، وخلفه يحتشد جحفل مهول من الجنود، قد اصطفوا بدقة متناهية في ستة صفوف عريضة ممتدة. وفي طليعة كل صف، انتصب قائد يترأس رجاله؛ ومن بين أولئك القادة الأشداء، برز “نيلام هاربر”، و”تارفيت”، و”مارلين”، وإلى جانبهم رجلان آخران بدت عليهما سيماء الصرامة والخبرة العسكرية.
ابتسم الآخر، ورفع رأسه متطلعاً نحو الممر الذي أتوا منه وعقّب: “أرجو أن يظل حظنا جيداً كهذا عندما نتوغل أكثر؛ فهذا الصيد الثمين يستحق العناء فعلاً”.
تقدم زعيم القرية بخطوات مرتجفة ليعترض طريقهما، ووقف بثبات أمام فولكس فاجن مستنكراً: “ما الذي تعنيه بالعبيد؟! لم أفهم الأمر.. عن أي شيء تهذيان به؟”.
ابتسم روبي بخبثه المعتاد، ثم ربت على حافة العربة وقال بمرح: “لن أنساك يا صديقي في مثل هذه الأوقات! تعال وضع أمتعتكما هنا”.
تبادل الرجلان النظرات الساخرة لبرهة، قبل أن ينفجر روكي ضاحكاً بقهقهة هزت أركان الصخور المحيطة، وصاح متهكماً: “ألم تسمع أيها العجوز ما قاله قبطاني؟!”.
أشار صاحب الرداء الأزرق—روكي—نحو فولكس فاجن ملوحاً بيده، بينما انزاحت أطراف ردائه لتبرز سترته الداخلية المصنوعة من دروع معدنية مشبكة ومعقدة، وانسدلت فوق سرواله الأسود تفاصيل غريبة؛ إذ كان ممتلئاً بريش فضي كثيف يلمع تحت الرقاقات البيضاء الساقطة.
ومن خلف الثنائي، برزت جبهة مظلمة تقدمت مخترقةً بياض الثلج الساقط؛ ولم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى تجلى ذلك السواد تدريجياً أمام الأعين المتسعة ذهولاً. لم يكلف فولكس فاجن ولا روكي نفسهما عناء الالتفات، فقد كانا يعلمان يقيناً هوية القادم.
“لا يهم ما قاله قبطانك.. أرجو منكما فتح الطريق، فنحن بصدد مغادرة المكان، وليس لدينا وقت لنضيعه هنا”؛ قالها زعيم القرية بنبرة حاول جعلها صارمة وجادة قدر الإمكان.
خوف…
“أوه؟!”؛ فتح روكي فمه بابتسامة ساخرة متهكمة. وفجأة، تغلغل في الآذان صوت وقع أقدام ثقيلة ومتراصة أخذت تهز أركان المضيق بقوة؛ التفت نومريس وجسّ الجميع بأبصارهم كل بقعة محيطة، لكن مصدر ذلك الصوت الهادر ظل مجهولاً للحظات.
ومن خلف الثنائي، برزت جبهة مظلمة تقدمت مخترقةً بياض الثلج الساقط؛ ولم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى تجلى ذلك السواد تدريجياً أمام الأعين المتسعة ذهولاً. لم يكلف فولكس فاجن ولا روكي نفسهما عناء الالتفات، فقد كانا يعلمان يقيناً هوية القادم.
حمل نومريس كيساً مصنوعاً من جلد خروف ذي صوف شديد البياض، وحشاه بالأمتعة حتى كاد ينفجر من امتلائه. أقبلت عليه أمه وهي تعلق حقيبة قماشية صغيرة على كتفها، وسألته بتوجس: “هذا يكفي، أليس كذلك؟ أهو ثقيل عليك؟”.
دروع حديدية سوداء داكنة، ورماح مدببة طويلة تتلألأ أطرافها الحادة ببريق قاتل، تعلوها خوذات صلبة لا يختلف قتامها عن لون الدروع، وسيوف ثقيلة متدلية على الأخصار بجاهزية تامة؛ كان هؤلاء هم النخبة.. الجنود المتمرسون التابعون لإمبراطورية سورلوت.
بعد مسيرة مضنية استمرت لنصف يوم، بدأ بياض مفاجئ يلوح أمامهم في الأفق، متزامناً مع سقوط شرائط بيضاء رقيقة نسجتها السماء؛ إنه الثلج. رفع روبي يده متأملاً الرقاقات البيضاء وهي تذوب فوق جلده، مستشعراً برودتها المباغتة. عمت الفرحة قلوب الأطفال الصغار في القافلة، يتهللون ببهجة بريئة؛ وهو أمر طبيعي، فذلك البياض نقي وطهور يشبه تماماً قلوبهم الرهيفة التي لم تلوثها أهوال العالم بعد.
خوف…
شلت الصدمة أركان نومريس وجماعته فور رؤية ذلك الفيلق المطبق؛ صدمة نابعة من هول ذلك العدد الضخم الذي فاق تعداد القافلة بأسرها، حتى إن حبات العرق البارد أخذت تتصبب على جباههم رغم قسوة الصقيع المحيط بهم.
نهاية الفصل
سحب روكي سيفه بخفة خاطفة، ومرر نصله المصقول في الهواء ليحدث صفيراً حاداً، ثم صاح بالجنود بنبرة حازمة وآمرة: “لا تقتلوهم! فقط أحكموا قبضتكم عليهم وقيّدوهم بالحديد.. إنهم بضاعتنا الثمينة، والبضاعة لا يجب أن تُتلف أو تفقد قيمتها!”.
حمل نومريس كيساً مصنوعاً من جلد خروف ذي صوف شديد البياض، وحشاه بالأمتعة حتى كاد ينفجر من امتلائه. أقبلت عليه أمه وهي تعلق حقيبة قماشية صغيرة على كتفها، وسألته بتوجس: “هذا يكفي، أليس كذلك؟ أهو ثقيل عليك؟”.
لم يمنح الجنود أهل القرية فرصة لاستيعاب المأزق؛ إذ تحركت الصفوف الأمامية لجنود سورلوت بخطوات عسكرية حاسمة، وبدؤوا بتضييق الخناق وشق طريقهم بين العربات كأنهم يطوقون قطيعاً من الماشية.
تقدم زعيم القرية بخطوات مرتجفة ليعترض طريقهما، ووقف بثبات أمام فولكس فاجن مستنكراً: “ما الذي تعنيه بالعبيد؟! لم أفهم الأمر.. عن أي شيء تهذيان به؟”.
تعالت صرخات الذعر بين النساء والأطفال، واختلطت بأصوات وقع الحوافر وصليل السلاسل الحديدية التي أخرجها الجنود ببرود تام لبدء تصفيد الرجال. حاول بعض شبان القرية إبداء المقاومة أو التراجع، لكن الرماح الطويلة استقرت قريباً من نحورهم، ليرتدوا إلى الخلف بقلوب واجفة.
—
في تلك الأثناء، تراجع نومريس غريزياً خطوة إلى الوراء ليصبح حائلاً بين أمه وبين الجنود المتقدمين. التفت نحو روبي الذي كان يقف بجانبه، ليرى تعابير وجهه وقد تبدلت تماماً؛ اختفت ابتسامته الخبيثة المعتادة، وحلت مكانها نظرة حادة، باردة، ومركزة للغاية وهو يراقب توزيع الجنود وثغرات المضيق، وكأن عقله يعمل كآلة حسابية في وضع المعركة.
“أمي.. تمسكي بي جيداً”، همس نومريس بصوت متحشرج، بينما كان يشعر بقلبه يقرع صدره بعنف غير مسبوق، والبرودة تزداد قسوة مع كل ثانية تمر، محولة المضيق المظلم إلى زنزانة جليدية تخنق أنفاسهم.
“لا يهم ما قاله قبطانك.. أرجو منكما فتح الطريق، فنحن بصدد مغادرة المكان، وليس لدينا وقت لنضيعه هنا”؛ قالها زعيم القرية بنبرة حاول جعلها صارمة وجادة قدر الإمكان.
تبادل الرجلان النظرات الساخرة لبرهة، قبل أن ينفجر روكي ضاحكاً بقهقهة هزت أركان الصخور المحيطة، وصاح متهكماً: “ألم تسمع أيها العجوز ما قاله قبطاني؟!”.
خوف….
لم يمنح الجنود أهل القرية فرصة لاستيعاب المأزق؛ إذ تحركت الصفوف الأمامية لجنود سورلوت بخطوات عسكرية حاسمة، وبدؤوا بتضييق الخناق وشق طريقهم بين العربات كأنهم يطوقون قطيعاً من الماشية.
—
بين الصخور العملاقة وبقايا الأشجار الميتة، ساروا جميعاً في صمت مطبق، لم يقطعه سوى أزيز العربات الخافت وهي تتهادى فوق الأرض الوعرة. لم يطق نومريس هذا المسلك قط؛ فمنذ وطئت قدماه أولى خطواته فيه، وهو يشعر بضيق شديد يتسلل إلى صدره ليجعل تنفسه صعباً وثقيلاً.
خوف….
—
خوف….
—
مرت الساعات مسرعة، ليتجلى المشهد مع بزوغ فجر اليوم التالي على “العاصمة”، الحاضرة المركزية لمملكة “إيرانور” التي تأسست قبل عشر سنوات خلت، وحملت هذا الاسم تيمناً بعهدها الجديد؛ لم تكن شاسعة المدى، لكنها لم تكن ضئيلة الشأن بأي حال.
شلت الصدمة أركان نومريس وجماعته فور رؤية ذلك الفيلق المطبق؛ صدمة نابعة من هول ذلك العدد الضخم الذي فاق تعداد القافلة بأسرها، حتى إن حبات العرق البارد أخذت تتصبب على جباههم رغم قسوة الصقيع المحيط بهم.
هناك، كان ليروين يقف بثبات ممشوق، وخلفه يحتشد جحفل مهول من الجنود، قد اصطفوا بدقة متناهية في ستة صفوف عريضة ممتدة. وفي طليعة كل صف، انتصب قائد يترأس رجاله؛ ومن بين أولئك القادة الأشداء، برز “نيلام هاربر”، و”تارفيت”، و”مارلين”، وإلى جانبهم رجلان آخران بدت عليهما سيماء الصرامة والخبرة العسكرية.
بدت هيئة ليروين متجددة ومهيبة؛ إذ ارتدى حلة عسكرية مبتكرة؛ رداءً علوياً أحمر قانياً، تنسدل من تحته سترة داخلية بيضاء ناصعة، زُينت بصفوف من الأصداف الصفراء اللامعة التي انحدرت بنسق عمودي منظم، يكملها سروال أبيض متناسق، ينتهي عند حذاء جلدي أسود شديد الصقل.
شلت الصدمة أركان نومريس وجماعته فور رؤية ذلك الفيلق المطبق؛ صدمة نابعة من هول ذلك العدد الضخم الذي فاق تعداد القافلة بأسرها، حتى إن حبات العرق البارد أخذت تتصبب على جباههم رغم قسوة الصقيع المحيط بهم.
“لا يهم ما قاله قبطانك.. أرجو منكما فتح الطريق، فنحن بصدد مغادرة المكان، وليس لدينا وقت لنضيعه هنا”؛ قالها زعيم القرية بنبرة حاول جعلها صارمة وجادة قدر الإمكان.
كان الجميع يرمقون العاصمة بصمت مطبق ودون أدنى حركة؛ ساد سكون مهيب وكأن على رؤوسهم الطير، فالكل بانتظار كلمات ليروين الحاسمة، وما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، وما دام لم ينطق بكلمة واحدة فلن يجرؤ أحد على خطو خطوة واحدة.
تعالت صرخات الذعر بين النساء والأطفال، واختلطت بأصوات وقع الحوافر وصليل السلاسل الحديدية التي أخرجها الجنود ببرود تام لبدء تصفيد الرجال. حاول بعض شبان القرية إبداء المقاومة أو التراجع، لكن الرماح الطويلة استقرت قريباً من نحورهم، ليرتدوا إلى الخلف بقلوب واجفة.
وفجأة، شق الأفق مشهد دروع براقة تشع ببريقها الخاطف من بعيد؛ لقد كان جيشاً آخر يزحف بنسق مهيب نحو العاصمة، متخذاً موقعه في الجهة المقابلة للمدينة. كان ذلك جحفل إمبراطورية “نوركيث”، ويترأس طليعته العقيد “برونز بالوت”، الذي ما إن لمح ببصره الحاد فيلق إمبراطورية “زورف” الرابض من بعيد، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، أتبعها بقهقهة مكتومة دامت لبرهة من الزمن.
نهاية الفصل
هزت رونيا رأسها بالموافقة وعقّبت: “حسناً، لكنني أحذرك.. إن كان الحمل ثقيلاً فلا تتحامل على نفسك ولا ترهق جسدك”.
