خطوات على قمة جبل المزرعة. والوعد الموعود.
وهذا ما جعله يشعر بثقل تلك النظرات الهادئة، ويزن كل حركة بسيطة منها.
في لحظةٍ لا معنى لها كطرفةِ عينٍ في الظلام…
انبعثت أجسادنا من جوف دخانٍ أسودٍ ما لبث أن تبدد بخجلٍ أمام ضوء القمر الخافت.
توقف عن النظر إليها فوراً.
عدلتُ نظارتي بطرقةٍ خفيفةٍ بالخنصر، ثم خطوتُ بهدوءٍ من بين السحب الناعمة كبخارٍ رمادي اللون، وأخذتُ أسير على رأس أحد الجبال العاصية بثباتٍ كما ترى أيها القمر.
اعتدلتُ وابتسامة ضيقة تتمدد في عيناي.
هنالك أيضاً من هو متآكل من الداخل مستنداً بجانبه الممزق على لبنات الأسقف المتصدعة، بعد أن أثقلت كاهله الحياة.
يبدو أننا في العام 1423هـ، في يوم 28 أو 29 من صَفَر.
إنه يلمع على قماشها الناعم، ويجعلها تبدو كالأميرة في حلتها، أو كجوهرة تحاول الاختباء عن الأعين رغم شدة الظروف… إنها غالية الثمن، نادرة، أليس كذلك؟!
وعلى الأرجح نحن نقف على قمة جبل المزرعة المطل على البلدة المشؤومة، تلك البلدة الصغيرة التي بدأ منها كل شيء… توقفتُ على حافته الحادة وقد أخذ بخار السحب يكشف عن منازل صفراء باهتة.
“إلى أين تنظر؟”
حتى لو كنت مفتوناً بجمالها الخلاب في هذا الخمار الأسود، فلا يجب عليك إلا إغلاق عينيك أيها الفاسق.
كانت تبدو كرقائق السميد رُميت من السماء وسقطت على تلك الأرض الذهبية.
يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!
يبدو أنه قد ذاق الأمرين في الرواية السابقة فاشتَدّ عظمه الآن، حتى أن الصدمات أصبحت لا تجعله يرتجف في الأسفل أو يبتل!
النخل يخرج من بين ثراها الناعم نضِرٌ قد أينعت ثماره وتساقطت في فناء قصرٍ ملفتٍ، أو جافٍ ينبثق من بين الرمال المتيبسة، يصطف خلف بعضه محصوراً بين شارعين.
نظر حوله، الجدران المتشققة تبدو وكأنها تمتص الدخان، وتريد احتضانه أيضاً، ومن خلف المرأة الباب الخشبي مقفل.
هنالك أيضاً من هو متآكل من الداخل مستنداً بجانبه الممزق على لبنات الأسقف المتصدعة، بعد أن أثقلت كاهله الحياة.
فور أن قلتُ ذلك، رفعت القارئة عباءتها من جانبيها وأسرعت نحوي كالفراشة.
أليس كذلك أيها القمر؟ على كل حال، انظُر إلى الرياح الباردة تلاعب معطفي الفروي هنا وهناك، وتهمس:
في لحظةٍ لا معنى لها كطرفةِ عينٍ في الظلام…
أطلق بصره نحوهما بينما يقول في داخله بنفَسٍ عميق: أهذا…؟!
(أكشن)
عقد أصابع يديه على جانبي الفراش، وحاول أن يهرع للنهوض من بين نظراتها الخانقة وزوال الضباب من حوله، لكنه توقف عن الحركة فجأةً بعدما تباينت أمامه صورة مألوفة. صورة كالحلم، بل هو الكابوس الآخر.
لذلك أنا أشعر بضيق وانقباضة في صدري، لم أشعر بمثلها من قبل… يبدو أنني… تنفستُ طويلاً ورفعتُ رأسي ويَدَيَّ نحو السماء كأنما أريد احتضانها، وأفكر:
ثم أنزلت رأسها حتى تلاقت عيناها المتوسعتان بعينيه المفتوحتين على مصراعيهما، وهمست:
عندها فقط، أيقن طاهر أن جميع محاولاته ستبوء بالفشل؛ فبدأ قلبه ينتفض ويتقلص من الخوف، بينما تضيق عيناها إليه في تحديق مطول. فجأة، اندفعت الرياح عبر فوهة النافذة، تصدر صوتاً ثقيلاً مع صرير الباب الحديدي.
رائحة الرمال الجافة والرطبة، رائحة النخيل، دخان الحافلاتِ المتنقلة، مع رؤية خيط الفجر هذا يلوح في الأفق بعد طول غياب- تغمرني بحنينِ الأم لمولودها البكر… لقد اشتقت إليك كثيراً أيضاً! بغتةً، أحسست باقتراب وقع أقدامٍ من الخلف.
اعتدلتُ وابتسامة ضيقة تتمدد في عيناي.
أنزلتُ يديَّ ببطء بينما أقول بداخلي كما تسمع:
في لحظةٍ لا معنى لها كطرفةِ عينٍ في الظلام…
يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!
التفتُّ للخلف حيث كان المعطف الفروي يتطاير ويكاد يحجب الرؤية، لكنني استطعتُ أن ألمح ذلك الحارس الشخصي يتجه نحوي، وبالكاد أستطيع رؤية القارئة تصارع هذا الانزياح الذي حدث.
التفتُّ للخلف حيث كان المعطف الفروي يتطاير ويكاد يحجب الرؤية، لكنني استطعتُ أن ألمح ذلك الحارس الشخصي يتجه نحوي، وبالكاد أستطيع رؤية القارئة تصارع هذا الانزياح الذي حدث.
نظرتُ إلى ظلها؛ حيث انكسر الفلجان (فنجان)
عدلتُ نظارتي بطرقةٍ خفيفةٍ بالخنصر، ثم خطوتُ بهدوءٍ من بين السحب الناعمة كبخارٍ رمادي اللون، وأخذتُ أسير على رأس أحد الجبال العاصية بثباتٍ كما ترى أيها القمر.
وتلطخ بالقهوة البيضاء.
ثم أبصرتها تضع يدها على فمها من خلف الخمار الأسود، وتستند بالأخرى على الأرض تحاول النهوض بصعوبة. يا لها من قارئةٍ مثابرةٍ، أليس كذلك؟!
حركت المرأة الدخانية شفتيها بأحرف بدت صامتة لكما الآن، لكنها بالنسبة لطاهر، إنها تحفر عميقاً في جمجمته… رمش رمشة مضطربة فيما يشعر بشتاء بارد يحل على جسده، ويجري من بين عروقه حتى تصلب زخمه في رأسه.
لا تقلق، سيتحسن حالها قريباً بفضل القهوة التي أعدتها ابنتي هاجر… ولكن، لماذا أنت قلق للغاية؟!
حررتُ كتفي من قبضته بحركة خلفيةٍ خشنة، وأشرتُ بسبابتي صوب منزل تستند إليه نخلة متآكلة، وتحلّق حوله بومة داكنة.
توقف عن النظر إليها فوراً.
وبينما كانت تدقق في كل شبر من جسده، تصلب بؤبؤاها الشاحبان عند عينيه النابضتين. في تلك الثانية، كان طاهر يشعر وكأن فصل الربيع قد أحاط به مرة أخرى، وقد أخذ الوقت يتباطأ من حوله لمرة ثانية.
حتى لو كنت مفتوناً بجمالها الخلاب في هذا الخمار الأسود، فلا يجب عليك إلا إغلاق عينيك أيها الفاسق.
إنه يلمع على قماشها الناعم، ويجعلها تبدو كالأميرة في حلتها، أو كجوهرة تحاول الاختباء عن الأعين رغم شدة الظروف… إنها غالية الثمن، نادرة، أليس كذلك؟!
لن تخدعني بنورك هذا، أتفهم!
وبينما كانت تدقق في كل شبر من جسده، تصلب بؤبؤاها الشاحبان عند عينيه النابضتين. في تلك الثانية، كان طاهر يشعر وكأن فصل الربيع قد أحاط به مرة أخرى، وقد أخذ الوقت يتباطأ من حوله لمرة ثانية.
حسناً، لا يزال نورك الخافت يفي بالغرض.
إنه يلمع على قماشها الناعم، ويجعلها تبدو كالأميرة في حلتها، أو كجوهرة تحاول الاختباء عن الأعين رغم شدة الظروف… إنها غالية الثمن، نادرة، أليس كذلك؟!
أتعتقد أنها تستطيع الحفاظ على ثمنها ثابتاً، أم ستنخفض لتصبح كالحجارة على مرمى الطريق؟
في لحظةٍ لا معنى لها كطرفةِ عينٍ في الظلام…
حسناً، سنرى ذلك. ولكن، لقد قلتها كثيراً، هذا مزعج!
لكن.. سحقاً، إنها المرة المئة، ترى ما خطبي؟! على كل حال، ما بال هذا الحارس يجرؤ على لمس كتفي كأنه ميت قد أيقظه الجوع.
راح طاهر يلاعب أصابع قدميه المتباعدة قليلاً ويمسح صدره.
يبدو أنه قد ذاق الأمرين في الرواية السابقة فاشتَدّ عظمه الآن، حتى أن الصدمات أصبحت لا تجعله يرتجف في الأسفل أو يبتل!
تنظر إليه بحدة، هل ستقتله، ستقتص من دمه، أم ماذا؟ لا يعلم.
انظر إلى عينيه… أنا لا أستطيع أيها الأحمق؟!
وبينما كانت تدقق في كل شبر من جسده، تصلب بؤبؤاها الشاحبان عند عينيه النابضتين. في تلك الثانية، كان طاهر يشعر وكأن فصل الربيع قد أحاط به مرة أخرى، وقد أخذ الوقت يتباطأ من حوله لمرة ثانية.
هذا الشيطان يحاول النظر إلى ما في قلبي بأية وسيلة. إنه يعتقد أن سؤاله عن تلك البلدة سيجعلني أغض النظر عن قارئتي الرائعة تلك، كم أنت مضحك أيها الميت الأعزب!
يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!
“ألا يمكنك أن تكون لطيفاً بعض الشيء، ستخلع كَتِفي إن استمررت في ذلك؟”
همستُ له وأنا أرمق الشارع الممتد من فم النفق.
وما إن تهيأت له الحقيقة أمام عينيه، حتى ارتعش أنفه وطرقت القشعريرة جميع فقرات ظهره إلى وركه، مما جعله يصدر صوتاً كالـ “امييه!” حاداً منعزلاً في حنجرته.
يبدو أن إحساسي لن يخطئ أبداً، إنه قارئ منافق بالفعل.
كان صوتها كالجمرة المشعة إذا تساقطت عليها قطرات الندى؛ صوت مبحوح للغاية ورقيق.
يريد التظاهر بالقوة أمام هذه الآنسة بتلك القبضة وهذا الصوت المتعجرف… ألا يعلم بأن السيدات لا يُعجبن بهذه التصرفات المبتذلة؟!
أمسكت فستانها الرمادي الملتف حولها في طبقات متطابقة، ورفعته برقة فيما تنحني باحترام أمامه. كان ينبعث منها دخان كثيف كمن خرجت للتو من دار تشتعل ناراً. تسيل دموعها من فوق ابتسامتها الممتنة لمنقذها.
حررتُ كتفي من قبضته بحركة خلفيةٍ خشنة، وأشرتُ بسبابتي صوب منزل تستند إليه نخلة متآكلة، وتحلّق حوله بومة داكنة.
كانت تبدو كرقائق السميد رُميت من السماء وسقطت على تلك الأرض الذهبية.
“هناك تماماً حيث تبدأ الحكاية…”
وعلى الأرجح نحن نقف على قمة جبل المزرعة المطل على البلدة المشؤومة، تلك البلدة الصغيرة التي بدأ منها كل شيء… توقفتُ على حافته الحادة وقد أخذ بخار السحب يكشف عن منازل صفراء باهتة.
اعتدلتُ وابتسامة ضيقة تتمدد في عيناي.
فور أن قلتُ ذلك، رفعت القارئة عباءتها من جانبيها وأسرعت نحوي كالفراشة.
انخفض ذقنه بين تُرقوَتيه لينظر عبر فتحات القماش الصغيرة، ساقين غير مستقرتين، ساقان تتموجان كدخان داكن يتصاعد للأعلى.
كنت أنظر نحوها مبتسماً بنصف عين، ولم أحرّك شفتي بكلمة حتى اقتربت مني. في تلك اللحظة، أمسكتُ بيدها المرتدية قفازاً أسود قطنياً:
ولكن لسوء حظه، ركل الخوف قلبه بعد خطوتها التالية فاشتد وعيه في أقصى صورة ليدرك شيئاً… إنها تزحف على فراشه الآن.
“احذري من الوقوع هناك، وإلا ستفقدينَ حياتك!”
قلتُ ذلك عند رأسها بصوت مسموع بيني وبينها، فقط.
كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه. ويفكر:
ارتعشت يدها، ونَظَرَت نَحوي من تحت القماش بعين تضيق بحدة، ثم سَحَبَت معصمها للوراء مع صوت كالـ “إهم” مضغوط.
كانت تبدو وكأنها مهتمة بسلامته أيضاً، بل هي المنقذ الذي أطفأ الحريق بدمائه الطاهرة، بعدما فر المسؤول عنه متخاذلاً.
لن تخدعني بنورك هذا، أتفهم!
تراجعت للخلف بتخبط وشدت قبضتيها فيما أبتسم وأفكر كما تسمع: إنها جوهرة ثمينة، لا يمكن لغيري أن يمتلكها!
“داخل ذلك المنزل…”
اعتدلتُ وابتسامة ضيقة تتمدد في عيناي.
وفيما يرفرف لسان طاهر داخل فمه الممتلئ بالهواء، باغته إحساس غريب في الأسفل عند قدميه تماماً.
ثم وجهت بصري إلى القارئ الذي يصرخ بينما هي تقترب من جانبه الآخر. ثم ذهبت يده نحو حزامه فجأةً ليرفع سلاحه الأسود على رقبتي…
كان ذلك كفيلاً بجعله يختنق في أنفاسه. ينظر إليها وهي تتموج أمامه، تقترب وتقترب، تدنو كثيراً، أنفاسها تضرب عينيه.
أخذت أنفاسه الثقيلة ترتطم على سمعه بينما هي تتنفس بغضب، وكأن نظراته الخائفة بدأت تثير حنقها فيما يبدو.
بثبات الملوك الكونيين، لن يزعزعني حارس رديء كهذا، بل كيف يجرؤ على إشهار مس… دوت صرخة عميقة في جوفي عندما سمعت صوتاً كالـ “كليك” يتردد من حولي.
يبدو أن إحساسي لن يخطئ أبداً، إنه قارئ منافق بالفعل.
رفعت يدي وأكملت سرد المشهد بصوت عميق باردٍ، كاد أن ينفلق عن صرخة عظيمة:
حاول أن يصرخ كالوحش… لكنه شعر في لحظةٍ وكأن سدادة فلينية حشرت في عنقه، فانتهى بتلك الصرخة في جوفه المنتفض: ابتعدي! شهق طاهر بعمق بينما تتحرك شفتاها المطليتان بالبياض:
“داخل ذلك المنزل…”
هنالك أيضاً من هو متآكل من الداخل مستنداً بجانبه الممزق على لبنات الأسقف المتصدعة، بعد أن أثقلت كاهله الحياة.
اقتحم صوت الفجرِ من فوهة النافذة الصغيرة، المحفورة في جدار ذلك البيت الشعبي المتهالك.
وعلى إثر ذلك الصوت المهيب، استيقظ “طاهر” -الشاب البالغ من العمر 35 سنة- من نومٍ عميقٍ ومدّد جسده المتيبسِ بصوت كالـ: “هُممم…” يصدر من بين أنفاسه.
حررتُ كتفي من قبضته بحركة خلفيةٍ خشنة، وأشرتُ بسبابتي صوب منزل تستند إليه نخلة متآكلة، وتحلّق حوله بومة داكنة.
أليس كذلك أيها القمر؟ على كل حال، انظُر إلى الرياح الباردة تلاعب معطفي الفروي هنا وهناك، وتهمس:
حرك كتفيه العريضين كالفزاعة القديمة، ليبعد عنه عصافير الصدأ الصفراء التي أثقلته، وتتوالى الأفكار في رأسه الفارغ كأسهم حمراء أخطأت الهدف:
يبدو أن أميرة لم تأتِ هذه الليلة، وإلا لعمّت صرخاتها المكان… أخذه تثاؤب عميق وهو ينظر إلى السقف الذي تحمله ثلاثة أخشاب جاوية -واحدة منها تتقابل فيها الثقوب، والأخرى مشوهة من الخارج، أما الثالثة بينهما، فهي سليمة ونضرة، إلا أننا لا نرى سوى رأسها الصغير عبر الطين المتصلب-
لقد مر شهر إلا يوم على حفل الزفاف، وفيه تماماً، ستنتهي العطلة التي منحني إياها وسيم.
انخفض ذقنه بين تُرقوَتيه لينظر عبر فتحات القماش الصغيرة، ساقين غير مستقرتين، ساقان تتموجان كدخان داكن يتصاعد للأعلى.
كانت أنامله ذات الزوايا الصلبة تتحسس ساقين مُغَطَّيَتَيْنِ بقماش خشن، ويبدو مزدحماً بالتطريز.
يبدو أن أميرة لم تأتِ هذه الليلة، وإلا لعمّت صرخاتها المكان… أخذه تثاؤب عميق وهو ينظر إلى السقف الذي تحمله ثلاثة أخشاب جاوية -واحدة منها تتقابل فيها الثقوب، والأخرى مشوهة من الخارج، أما الثالثة بينهما، فهي سليمة ونضرة، إلا أننا لا نرى سوى رأسها الصغير عبر الطين المتصلب-
لقد مر شهر إلا يوم على حفل الزفاف، وفيه تماماً، ستنتهي العطلة التي منحني إياها وسيم.
راح طاهر يلاعب أصابع قدميه المتباعدة قليلاً ويمسح صدره.
والفأر يشعر كأنما ينظر إلى ساحر هيَّأ الجو المناسب ليسيطر عليه.
كان يحاول أن يتلمس سكينةً غُرِزَت عميقاً في صدره… اهدئي أيتها القارئة، ليست تلك التي في المطبخ، أعني أنه يحاول أن يشعر بطمأنينةٍ نادرة إن صح التعبير.
في جميع الأحوال هذا غير مهم… حسناً، سأكمل السرد، توقف عن دفع ذلك الشيء على عنقي!
وفيما يرفرف لسان طاهر داخل فمه الممتلئ بالهواء، باغته إحساس غريب في الأسفل عند قدميه تماماً.
ارتعشت يدها، ونَظَرَت نَحوي من تحت القماش بعين تضيق بحدة، ثم سَحَبَت معصمها للوراء مع صوت كالـ “إهم” مضغوط.
أغلق فمه فجأة وارتعش رأسه حتى شفتيه.
يتبع…
كانت أنامله ذات الزوايا الصلبة تتحسس ساقين مُغَطَّيَتَيْنِ بقماش خشن، ويبدو مزدحماً بالتطريز.
أطلق بصره نحوهما بينما يقول في داخله بنفَسٍ عميق: أهذا…؟!
انخفض ذقنه بين تُرقوَتيه لينظر عبر فتحات القماش الصغيرة، ساقين غير مستقرتين، ساقان تتموجان كدخان داكن يتصاعد للأعلى.
لا تقلق، سيتحسن حالها قريباً بفضل القهوة التي أعدتها ابنتي هاجر… ولكن، لماذا أنت قلق للغاية؟!
أغلق طاهر عينيه بينما جسده يرتجف، وبدأ يتمتم في جوفه: بسم الله، يا رب احفظني، يا رب… أرجوك… كان يدعو الله أن يحميه من هذا الكابوس الذي يأبى عتقه على مدار الشهر.
ودون أن يشعر ذلك المختل، راحت عيناه تتبعان مسارهما بهدوء فيما يحاول ابتلاع ريقٍ ثقيل عَلِقَ في عنقه.
اقتحم صوت الفجرِ من فوهة النافذة الصغيرة، المحفورة في جدار ذلك البيت الشعبي المتهالك.
لقد أدرك أخيراً أن أميرته التي تصيح عليه في كل صباح من أجله، ليست هناك… إذن، من تكون هذه؟!
عقد أصابع يديه على جانبي الفراش، وحاول أن يهرع للنهوض من بين نظراتها الخانقة وزوال الضباب من حوله، لكنه توقف عن الحركة فجأةً بعدما تباينت أمامه صورة مألوفة. صورة كالحلم، بل هو الكابوس الآخر.
كان سؤالاً لا يريد الإجابة عنه، لا يريد رؤيته، يريد أن يتركه فارغاً فقط. لذلك هو لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله الآن… أتعلمان؟ أما طاهر، فراح يهمس في نفسه بشرود: هذه ليست حقيقة…
كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.
وما إن تهيأت له الحقيقة أمام عينيه، حتى ارتعش أنفه وطرقت القشعريرة جميع فقرات ظهره إلى وركه، مما جعله يصدر صوتاً كالـ “امييه!” حاداً منعزلاً في حنجرته.
تزغلل بصره فيما تتباين امرأة دخانية سوداء، حدقتاها ناصعتان من البياض، ويسكنهما بؤبؤان ذهبيان.
كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه. ويفكر:
تراجعت للخلف بتخبط وشدت قبضتيها فيما أبتسم وأفكر كما تسمع: إنها جوهرة ثمينة، لا يمكن لغيري أن يمتلكها!
كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.
اعتدلتُ وابتسامة ضيقة تتمدد في عيناي.
وهذا ما جعله يشعر بثقل تلك النظرات الهادئة، ويزن كل حركة بسيطة منها.
أمسكت فستانها الرمادي الملتف حولها في طبقات متطابقة، ورفعته برقة فيما تنحني باحترام أمامه. كان ينبعث منها دخان كثيف كمن خرجت للتو من دار تشتعل ناراً. تسيل دموعها من فوق ابتسامتها الممتنة لمنقذها.
ذلك المنقذ المتصلب على فراشه مرتعشاً من الخوف، ولا يستطيع إلا أن يهمس في جوفه بجملة واحدة: من تكونين؟!
وكما تلاحظان، اعتدلت المرأة بعد ذلك، وضمت يديها في الأسفل بينما تتفحصه بعينيها الدافئتين.
حركت المرأة الدخانية شفتيها بأحرف بدت صامتة لكما الآن، لكنها بالنسبة لطاهر، إنها تحفر عميقاً في جمجمته… رمش رمشة مضطربة فيما يشعر بشتاء بارد يحل على جسده، ويجري من بين عروقه حتى تصلب زخمه في رأسه.
يبدو أننا في العام 1423هـ، في يوم 28 أو 29 من صَفَر.
كانت تبدو وكأنها مهتمة بسلامته أيضاً، بل هي المنقذ الذي أطفأ الحريق بدمائه الطاهرة، بعدما فر المسؤول عنه متخاذلاً.
“داخل ذلك المنزل…”
وبينما كانت تدقق في كل شبر من جسده، تصلب بؤبؤاها الشاحبان عند عينيه النابضتين. في تلك الثانية، كان طاهر يشعر وكأن فصل الربيع قد أحاط به مرة أخرى، وقد أخذ الوقت يتباطأ من حوله لمرة ثانية.
حركت المرأة الدخانية شفتيها بأحرف بدت صامتة لكما الآن، لكنها بالنسبة لطاهر، إنها تحفر عميقاً في جمجمته… رمش رمشة مضطربة فيما يشعر بشتاء بارد يحل على جسده، ويجري من بين عروقه حتى تصلب زخمه في رأسه.
لذلك أنا أشعر بضيق وانقباضة في صدري، لم أشعر بمثلها من قبل… يبدو أنني… تنفستُ طويلاً ورفعتُ رأسي ويَدَيَّ نحو السماء كأنما أريد احتضانها، وأفكر:
شهق طاهر وهو ينظر إليها تتسع حدقتا عينيها بحدة. أدارت رأسها قليلاً، وبدأ الدخان الرمادي يسري من أنفها. اندفع طاهر بيديه للخلف، يحاول الزحف نحو النافذة بكل ما أوتي من قوة.
ارتعشت يدها، ونَظَرَت نَحوي من تحت القماش بعين تضيق بحدة، ثم سَحَبَت معصمها للوراء مع صوت كالـ “إهم” مضغوط.
كل حركة تتسبب في حركة صغيرة، وكل حركة أصغر كانت بمثابة رعشة وحش جريح يحاول النهوض، لكنه متجمد في مكانه إلى حد كبير.
كان سؤالاً لا يريد الإجابة عنه، لا يريد رؤيته، يريد أن يتركه فارغاً فقط. لذلك هو لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله الآن… أتعلمان؟ أما طاهر، فراح يهمس في نفسه بشرود: هذه ليست حقيقة…
انبعثت أجسادنا من جوف دخانٍ أسودٍ ما لبث أن تبدد بخجلٍ أمام ضوء القمر الخافت.
نظر حوله، الجدران المتشققة تبدو وكأنها تمتص الدخان، وتريد احتضانه أيضاً، ومن خلف المرأة الباب الخشبي مقفل.
حسناً، سنرى ذلك. ولكن، لقد قلتها كثيراً، هذا مزعج!
حتى لو كنت مفتوناً بجمالها الخلاب في هذا الخمار الأسود، فلا يجب عليك إلا إغلاق عينيك أيها الفاسق.
عندها فقط، أيقن طاهر أن جميع محاولاته ستبوء بالفشل؛ فبدأ قلبه ينتفض ويتقلص من الخوف، بينما تضيق عيناها إليه في تحديق مطول. فجأة، اندفعت الرياح عبر فوهة النافذة، تصدر صوتاً ثقيلاً مع صرير الباب الحديدي.
عندها، خطت المرأة الدخانية إليه في حركة شبحية، فانطلقت القشعريرة في بدن طاهر مع صوتٍ كالـ: “إيـه…!” مختنق وحاد صدر منه.
تنظر إليه بحدة، هل ستقتله، ستقتص من دمه، أم ماذا؟ لا يعلم.
لن تخدعني بنورك هذا، أتفهم!
أخذت أنفاسه الثقيلة ترتطم على سمعه بينما هي تتنفس بغضب، وكأن نظراته الخائفة بدأت تثير حنقها فيما يبدو.
يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!
ارتفعت في الهواء الذي أصبح رمادياً من أنفاسها المندفعة.
تنظر إليه بحدة، هل ستقتله، ستقتص من دمه، أم ماذا؟ لا يعلم.
وهذا ما جعل طاهر يشعر وكأن أعصابه قد تخدرت، أو أنها استهلكت في خضم هذه اللحظة الثقيلة.
فجأةً، أخذت تتموج الحجرة من حوله، وتصبح بعض الألوان الفاتحة حادة البياض، والغامقة داكنة كالسواد. أسرع… قالها في داخله.
انبعثت أجسادنا من جوف دخانٍ أسودٍ ما لبث أن تبدد بخجلٍ أمام ضوء القمر الخافت.
ولكن لسوء حظه، ركل الخوف قلبه بعد خطوتها التالية فاشتد وعيه في أقصى صورة ليدرك شيئاً… إنها تزحف على فراشه الآن.
وهذا ما جعله يشعر بثقل تلك النظرات الهادئة، ويزن كل حركة بسيطة منها.
كان ذلك كفيلاً بجعله يختنق في أنفاسه. ينظر إليها وهي تتموج أمامه، تقترب وتقترب، تدنو كثيراً، أنفاسها تضرب عينيه.
انتفخت حنجرته.
حاول أن يصرخ كالوحش… لكنه شعر في لحظةٍ وكأن سدادة فلينية حشرت في عنقه، فانتهى بتلك الصرخة في جوفه المنتفض: ابتعدي! شهق طاهر بعمق بينما تتحرك شفتاها المطليتان بالبياض:
نظر حوله، الجدران المتشققة تبدو وكأنها تمتص الدخان، وتريد احتضانه أيضاً، ومن خلف المرأة الباب الخشبي مقفل.
“إلى أين تنظر؟”
لكن.. سحقاً، إنها المرة المئة، ترى ما خطبي؟! على كل حال، ما بال هذا الحارس يجرؤ على لمس كتفي كأنه ميت قد أيقظه الجوع.
أما طاهر، فحاول قدر الإمكان ألا يبعد عينيه المنتفضتين عن شفتيها؛ شفتيها اللتين تموجت بينهما ابتسامة عريضة.
لقد مر شهر إلا يوم على حفل الزفاف، وفيه تماماً، ستنتهي العطلة التي منحني إياها وسيم.
ثم أنزلت رأسها حتى تلاقت عيناها المتوسعتان بعينيه المفتوحتين على مصراعيهما، وهمست:
فجأةً، أخذت تتموج الحجرة من حوله، وتصبح بعض الألوان الفاتحة حادة البياض، والغامقة داكنة كالسواد. أسرع… قالها في داخله.
لكن.. سحقاً، إنها المرة المئة، ترى ما خطبي؟! على كل حال، ما بال هذا الحارس يجرؤ على لمس كتفي كأنه ميت قد أيقظه الجوع.
“لا أستطيع الانتظار كثيراً!”
كان صوتها كالجمرة المشعة إذا تساقطت عليها قطرات الندى؛ صوت مبحوح للغاية ورقيق.
يبدو أن أميرة لم تأتِ هذه الليلة، وإلا لعمّت صرخاتها المكان… أخذه تثاؤب عميق وهو ينظر إلى السقف الذي تحمله ثلاثة أخشاب جاوية -واحدة منها تتقابل فيها الثقوب، والأخرى مشوهة من الخارج، أما الثالثة بينهما، فهي سليمة ونضرة، إلا أننا لا نرى سوى رأسها الصغير عبر الطين المتصلب-
هذا الشيطان يحاول النظر إلى ما في قلبي بأية وسيلة. إنه يعتقد أن سؤاله عن تلك البلدة سيجعلني أغض النظر عن قارئتي الرائعة تلك، كم أنت مضحك أيها الميت الأعزب!
أغلق طاهر عينيه بينما جسده يرتجف، وبدأ يتمتم في جوفه: بسم الله، يا رب احفظني، يا رب… أرجوك… كان يدعو الله أن يحميه من هذا الكابوس الذي يأبى عتقه على مدار الشهر.
عدلتُ نظارتي بطرقةٍ خفيفةٍ بالخنصر، ثم خطوتُ بهدوءٍ من بين السحب الناعمة كبخارٍ رمادي اللون، وأخذتُ أسير على رأس أحد الجبال العاصية بثباتٍ كما ترى أيها القمر.
ولم يتوقف طاهر عن الدعاء والتضرع لله، حتى شعر أخيراً بذوبان الثلج من أطرافه. فتح عينيه ببطء وأخذ يتفحص المكان.
حسناً، لا يزال نورك الخافت يفي بالغرض.
هل استيقظتُ أخيراً؟! وبينما يفكر، تصلب بصره على عين حادة تختبئ خلف الضباب المنقشع. كانت تنظر إليه وكأنها ماردة قبضت على الفأر الذي أعاث الخراب في قصرها.
حررتُ كتفي من قبضته بحركة خلفيةٍ خشنة، وأشرتُ بسبابتي صوب منزل تستند إليه نخلة متآكلة، وتحلّق حوله بومة داكنة.
والفأر يشعر كأنما ينظر إلى ساحر هيَّأ الجو المناسب ليسيطر عليه.
“احذري من الوقوع هناك، وإلا ستفقدينَ حياتك!”
عقد أصابع يديه على جانبي الفراش، وحاول أن يهرع للنهوض من بين نظراتها الخانقة وزوال الضباب من حوله، لكنه توقف عن الحركة فجأةً بعدما تباينت أمامه صورة مألوفة. صورة كالحلم، بل هو الكابوس الآخر.
أخذت أنفاسه الثقيلة ترتطم على سمعه بينما هي تتنفس بغضب، وكأن نظراته الخائفة بدأت تثير حنقها فيما يبدو.
لقد وجد أن من كانت تبادله النظرات من بين الظلال الرمادية… هي زوجته أميرة. تلك المرأة التي ترتدي فستاناً كحلياً يلف جسدها برقة، لتمسح ثناياه الفَراشِيَّة كعبها الأسود المرتفع.
كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه. ويفكر:
كل حركة تتسبب في حركة صغيرة، وكل حركة أصغر كانت بمثابة رعشة وحش جريح يحاول النهوض، لكنه متجمد في مكانه إلى حد كبير.
إنها أميرة…
يبدو أننا في العام 1423هـ، في يوم 28 أو 29 من صَفَر.
يتبع…
انبعثت أجسادنا من جوف دخانٍ أسودٍ ما لبث أن تبدد بخجلٍ أمام ضوء القمر الخافت.
“ألا يمكنك أن تكون لطيفاً بعض الشيء، ستخلع كَتِفي إن استمررت في ذلك؟”
