في قصر الأميرة تسكن الملاك... إن لم يكن شيطان!
——————
|في الفصل السابق|
——————
كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه.
أشاحت رأسها مجفلةً فيما يندفع صوت من بين حنجرتها ثم شفتيها شبيهاً بالـ “فوو!”
إنها أميرة…
هزت رأسها فيما تبعد بؤبؤيها عنه لتتفحص محيطه، ثم استقر بصرها عليه مرة أخرى.
التكملة:
قالها في جوفه بينما تعقد ذراعيها الممتلئتين بالنعومة في حِجرها، وينساب صوتها اللطيف على مسامعه:
أنزلت أميرة يدها عند وسطها، وأشارت نحوه بإصبع يدها الآخرى: “ارفع رأسك…”
“يبدو أنني قد أصبحت مزعجة لمؤنسة لياليك، صحيح؟”
كان صوتها ناعماً كالحرير المغلف بالشوك، تشوبه نبرة عميقة.
“لم أعد أحتمل العيش في هذا السج…”
حسناً، هذا لم يحدث عبثاً.
“ابتعد… اتركني وحدي!”
هذا فجر اليوم التاسع والعشرين من حفلهما المتواضع والصاخب.
“لست مهتمة به أيضاً…”
أتعلمان ما الذي حدث فور مجيئهما إلى المنزل؟! خلدا إلى النوم كعروسين أنهكتهما رحلة طويلة.
“أهلاً؟”
نعم، هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.
ولكن بعد مرور سويعات معدودة، أيقظته عروسته -والعروس عادة ما يوقظها أحب الناس إليها بلطف شديد- بينما هي تصيح عليه كما تفعل الآن:
…على الرغم من كل شيء، الحب يمكن أن يغير كل شيء.
“ما هذه الرائحة؟”
هذا فجر اليوم التاسع والعشرين من حفلهما المتواضع والصاخب.
إنها تزعم أن هناك امرأة تتسلل إلى حجرته من خلال النافذة، أو بالأحرى، هو من يقوم باستضافتها سراً. لذلك نهض طاهر مرةً أخرى، بثقل، حتى يبرر موقفه من الأمر مثل اليوم الأول.
كنت أنصت إلى شهيقها العميق وأشعر كأن قلبي يتمزق من ألمها. كلما اختنق صوتها؛ أصبح ألم قلبي لا يُحتمل.
كان صوتها يتسرب من شقوق الباب الصغيرة.
ولكنه جلس على فراشه اليابس كالفلين، ينظر إليها بينما يتدفق نسيم الصباح إلى الداخل…
كان صوتها كالثلج الناعم والجاف، رقيقاً ومبحوحاً لا يكاد يُسمع.
لاعب شعره الرمادي المتموج بعنف على وجهه القمحي الداكن. ثم صعد بؤبؤاه الرماديان في عينيه المشدودتين كعيني الثعلب، قائلاً:
“ما هذه الرائحةُ النتنة!”
“لا تحاول حتى التفكير في الاقتراب مني… أتفهم؟!”
“إنها رائحة النخلة”.
هزت رأسها وهي تميله لتظهر أمام عينيها النخلة ترتعش على عزف الرياح.
ولكنه جلس على فراشه اليابس كالفلين، ينظر إليها بينما يتدفق نسيم الصباح إلى الداخل…
“لا شأن لي…”
“لقد أخبرتك أن تقفل النافذة قبل النوم… ألم أفعل؟”
أما طاهر فكان يفكر في نفس اللحظة: لقد صدق وسيم عندما أخبرني:
أعادت نظرها إليه واعتدلت لتكمل:
في تلك الأثناء، كان طاهر يدفع قنينة المياه بقدمه نحو أحد الأركان، بعدما ملأ منها السطل حتى بدأ يطفح من الأعلى. نظر للخلف بسرعة، ثم أسرع نحو ملابسه المعلقة على مسامير الحائط المدببة في ركن الباب…
“أم أن النخلة من قامت بفتحت بابها أيضاً”.
لم يكن يريد الابتعاد عنها أكثر من ذلك؛ لذلك، هو مجبر على قول شيء حتى لو تلعثم وأبعد عينيه عنها محرجاً:
تنفس طاهر وهو يخفض رأسه، ثم أماله نحو الخط الفاصل بين الحائط والأرضية المتصدعة، قائلاً:
“الأمر ليس كذلك، لماذا قد أكذب عليك؟”
هزت رأسها وهي تميله لتظهر أمام عينيها النخلة ترتعش على عزف الرياح.
أنزلت أميرة يدها عند وسطها، وأشارت نحوه بإصبع يدها الآخرى: “ارفع رأسك…”
وبعد بحث مطول، لم تجد في غرفته سوى المألوف عليه: فراش وغطاؤه الممتلئ بالجروح، وساعة فضية تكاد أن تصبح سوداء.
نظر إلى وجهها الحنطي الذي يلتقط ضوء البدر الخافت.
تنفس طاهر وهو يخفض رأسه، ثم أماله نحو الخط الفاصل بين الحائط والأرضية المتصدعة، قائلاً:
رمشت رموشها الشائكة بلطف على لمسات الرياح الرقيقة، وتحركت شفتاها الحمراوان في الأسفل:
(إنَّ النساءَ يخلقنَ المشكلةَ من العدم…)
“أين ذهبت؟”
أما طاهر فكان يفكر في نفس اللحظة: لقد صدق وسيم عندما أخبرني:
مسح شعره للخلف ونظر عن شماله للممر المشابه، الذي تقبع في آخره دورة المياه. تحرك نحوها وهو يحدث نفسه: كل شيء سيكون على ما يرام، ليس هنالك ما يدعو للغضب.
(إنَّ النساءَ يخلقنَ المشكلةَ من العدم…)
فور أن وصلت إلى هناك، أدارت المقبض بيد مضطربة واندفعت للداخل؛ فارتطمت بالباب المغلق أمامها وأصدرت صوت “آه~”مرتفع ومختنق.
هزَّ رأسَهُ قليلاً نحو الشمال، ثم اليمين، بعد ذلك توجه إليها وقال: “من تقصدين؟”
عندما أعود من العمل، يجب أن أجلب لها هديةً وأعتذر بصدق…
في هذه اللحظة، اشتدت شفتاها واندفعت خيوط الهواء تراقص تيارات شعرها الأسود كالليل، بينما تتقارب رموشها المخلبية بنظرةٍ تحتدُّ.
أتعلمان ما الذي حدث فور مجيئهما إلى المنزل؟! خلدا إلى النوم كعروسين أنهكتهما رحلة طويلة.
هزت رأسها فيما تبعد بؤبؤيها عنه لتتفحص محيطه، ثم استقر بصرها عليه مرة أخرى.
ترى، ما الهدية المناسبة؟
“إن علمتُ، سيكون الحساب عسيراً…”
ثم لوحت بيدها مشيرةً إلى عينيه: “لقد أخبرتكَ فلا تقل أني لم أفعل!”
“اقتربي~”
أما طاهرٌ هذا، فكان يقلب نظراته عليها بينما تتقلب تهديداتها أمامه، لتقول مرة أخرى:
“لا شأن لي…”
“أتعتقد أني كتلك المسكينة التي في الحجرة… تستطيع خداعي؟”
هنا، نهض طاهر على قدميه شيئاً فشيئاً فيما تلوح أميرة بإصبعها، وراح يخطو نحوها حتى وقفت قدماه على الأرضية الباردة أمام الفراش، وهو يفكر:
نعم، هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.
كان ينظر إليها وهي تقذف اللحاف كالقمامة، وتُدَقِّقُ في كلِّ شِبْرٍ داخلَ الحُجرة التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثةَ أمتارٍ في مثلِها.
…على الرغم من كل شيء، الحب يمكن أن يغير كل شيء.
“اقتربي~”
“أُمّي… ما الذي تفعلينه عندك…”
اقترب طاهر وهو يحاول أن يلفها بيديه المبتلتين بالعرق.
كان يفكر وهو يقول ذلك لها: لقد كانت أمي تحب ذلك كثيراً.
أمالت كتفها للخلف وقذفت يديه بعيداً كأنهما لرجل غريب.
تصادم حاجباه قليلاً فيما يعود نصف خطوة للخلف، ويفكر: ما الذي دهاها؟!
فور أن وصلت إلى هناك، أدارت المقبض بيد مضطربة واندفعت للداخل؛ فارتطمت بالباب المغلق أمامها وأصدرت صوت “آه~”مرتفع ومختنق.
“يبدو أنني قد أصبحت مزعجة لمؤنسة لياليك، صحيح؟”
كان يعقد حاجبيه بصعوبة وكأنه شيء محرم عليه فعله، وينظر إلى إشارة أميرة وهي تهم بالصياح.
إنها تزعم أن هناك امرأة تتسلل إلى حجرته من خلال النافذة، أو بالأحرى، هو من يقوم باستضافتها سراً. لذلك نهض طاهر مرةً أخرى، بثقل، حتى يبرر موقفه من الأمر مثل اليوم الأول.
“أنت…”
كنت أنصت إلى شهيقها العميق وأشعر كأن قلبي يتمزق من ألمها. كلما اختنق صوتها؛ أصبح ألم قلبي لا يُحتمل.
قاطعها صوت صرير باب النافذةِ الملتفةِ بالحديد. تفحّصت الخارج ثم اقتربت منه قليلاً وقالتْ بنبرةٍ مكبوحة بينما تنظر إلى قدميه:
لكن، لم تقل ملاك شيئاً للحظة معتبرة، ثم تحركت شفتاها من خلف الغطاء:
“لا تحاول حتى التفكير في الاقتراب مني… أتفهم؟!”
“اقتربي~”
ثم رفعت رأسها فتلاقى بؤبؤاها المشتعلان اشمئزازاً ببؤبؤيه، وأردفت:
أما طاهرٌ هذا، فكان يقلب نظراته عليها بينما تتقلب تهديداتها أمامه، لتقول مرة أخرى:
“إن لم تخبرني بالحقيقة… يمكنك الذهاب إليها”.
تنفس طاهر ورفع حاجبيه ليفكر ويقدّر.
وضعت يدها على الباب لترجع إلى الحجرة وتقفله، لكنها تفاجأت بدفعة اهتز لها ذراعها. أمالت رأسها بنصف عين، تنظر إلى يد أميرة تعيق الباب وهي تقول بنبرة ترتفع في حدٍّ طبيعيٍّ: “لم أكمل حديثي بعد!”
لم يكن يريد الابتعاد عنها أكثر من ذلك؛ لذلك، هو مجبر على قول شيء حتى لو تلعثم وأبعد عينيه عنها محرجاً:
“أحبكِ يا أميرتي!”
كان يفكر وهو يقول ذلك لها: لقد كانت أمي تحب ذلك كثيراً.
ثم قالت وكأنها قد أصابها الملل: “نعم.”
إنه يظن أن جميع النساء قد يذبْنَ كالسكر فور السقوط في الماء. يبدو أن أميرة كانت ليثيوم… إنها تشتعل.
“أقالت للتو حيدر؟!”
أشاحت رأسها مجفلةً فيما يندفع صوت من بين حنجرتها ثم شفتيها شبيهاً بالـ “فوو!”
تفتحت عيناها وتوسعتا بحدة كأنما تنظر إلى فأر يريد أن يعيث الخراب في قصرها… إنها ليست كذلك.
كأنما اشتمت رائحةً ما… يبدو أن طاهراً قد استيقظ من نومه للتو… هههههههـ.
دفعته أميرته وراحتْ تنفضُ لحافَه هنا وهناك بحثاً عن أي أثر، بينما هو ينظر إليها بعينٍ ترمش بذهول، قائلاً في نفسه:
هزت ملاك رأسها لتسقط الغطاء وأرادت أن تضيف شيئاً آخر، لكنها عدلت عن ذلك وأدارت رأسها على صوتٍ صادرٍ من الداخل:
ما الخطأ الذي اقترفته أيضاً؟؟
“أنتِ، لقد كنتِ على علمٍ بكلِّ شيء أليس كذلك؟!”
أدار مقبض الباب الخشبي وأكمل في داخله:
كان ينظر إليها وهي تقذف اللحاف كالقمامة، وتُدَقِّقُ في كلِّ شِبْرٍ داخلَ الحُجرة التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثةَ أمتارٍ في مثلِها.
لكنها تبحث فيها وكأنها مساحة شاسعة…
وضعت يدها على الباب لترجع إلى الحجرة وتقفله، لكنها تفاجأت بدفعة اهتز لها ذراعها. أمالت رأسها بنصف عين، تنظر إلى يد أميرة تعيق الباب وهي تقول بنبرة ترتفع في حدٍّ طبيعيٍّ: “لم أكمل حديثي بعد!”
وبعد بحث مطول، لم تجد في غرفته سوى المألوف عليه: فراش وغطاؤه الممتلئ بالجروح، وساعة فضية تكاد أن تصبح سوداء.
ولولا أن ذلك الخاتم الذهبي سقط من يدها على الأرضية، لما توقفت عن البحث حتى خارج النافذة.
كان يفكر وهو يقول ذلك لها: لقد كانت أمي تحب ذلك كثيراً.
ولكي أبين لكما أمراً هاماً
كان صوتها يتسرب من شقوق الباب الصغيرة.
-ذلك الخاتم الذهبي، هو القطعة التي لا تزال تربطها به حتى الآن-
هوت ابتسامة أميرة أرضاً إثر ذلك، وأخذ الغضب يبني محلها بنشاط وحيوية.
نظرت أميرة للخاتم للحظة، ثم التقطته وأخذت معه اللحاف الذي بجانبه. طوته بين يديها وهي تتقدم نحوه:
“ابتعِد” قالت ذلك بنفَس مكتوم.
“إن لم تخبرني بالحقيقة… يمكنك الذهاب إليها”.
فتنحى طاهر قبل أن تصطدم به، يبتسم كأنه لا يفعل، وينظر إليها تسير بحذرٍ ترفع فستانها بيدها الأخرى حتى لا يلامس تلك الأرضية القذرة.
فقالت بكل جرأة وهي تهز رأسها بتحدٍ: “هيا تحدثي!”
بدأ طاهر يتبع طرقات كعبيها المرتفع على البلاط الباهت، حتى اختفت في ظلمة الممر الذي لا يتسع إلا لشخصين فقط.
توقف عند مدخل حجرته يفرك بيده لحيته الشائكة الطفيفة، ويفكر: أيجب أن أعتذر لها؟
مسح شعره للخلف ونظر عن شماله للممر المشابه، الذي تقبع في آخره دورة المياه. تحرك نحوها وهو يحدث نفسه: كل شيء سيكون على ما يرام، ليس هنالك ما يدعو للغضب.
هذا فجر اليوم التاسع والعشرين من حفلهما المتواضع والصاخب.
عندما أعود من العمل، يجب أن أجلب لها هديةً وأعتذر بصدق…
أدار مقبض الباب الخشبي وأكمل في داخله:
ترى، ما الهدية المناسبة؟
توقف عند مدخل حجرته يفرك بيده لحيته الشائكة الطفيفة، ويفكر: أيجب أن أعتذر لها؟
ثم أقفله بالمفتاح الأصفر، وسار خطوتين ليقف تحت السطل الخشبي المخضّرِ من الأسفل.
أبعد قميصه المصفرَّ وفسخ عنه… ثم حرك السطل لتنصب المياه على رأسه وهو يقول بنبرة مرتجفة:
وفيما تنصبُّ قطراتُ الماء على رأسه ببطء داخل دورة المياه، كانت أميرة تقف أمام حجرةٍ قبالةَ باب المنزل المصنوع من الحديد الصدئ. رأسُ كعبها الصلب يطرق الأرضية المجروحة، وتصطدم قبضتها ببابٍ خشبيٍّ بوسطه قطعةُ حديدٍ عريضة.
“الجوو~ بارد اليوم…”
وفيما تنصبُّ قطراتُ الماء على رأسه ببطء داخل دورة المياه، كانت أميرة تقف أمام حجرةٍ قبالةَ باب المنزل المصنوع من الحديد الصدئ. رأسُ كعبها الصلب يطرق الأرضية المجروحة، وتصطدم قبضتها ببابٍ خشبيٍّ بوسطه قطعةُ حديدٍ عريضة.
تنفس طاهر ورفع حاجبيه ليفكر ويقدّر.
تنفست ملاك طويلاً وضغطت شفتيها بينما تنظر إلى الأرض، ثم رمشت ليتلاقى بعدها بؤبؤاها بعيني أميرة وقالت:
“ما هذا المنزل؟!“
—————— |في الفصل السابق| ——————
فتنحى طاهر قبل أن تصطدم به، يبتسم كأنه لا يفعل، وينظر إليها تسير بحذرٍ ترفع فستانها بيدها الأخرى حتى لا يلامس تلك الأرضية القذرة.
همست بذلك وهي تنظر بحنقٍ إلى خشبة الباب.
وبعد بحث مطول، لم تجد في غرفته سوى المألوف عليه: فراش وغطاؤه الممتلئ بالجروح، وساعة فضية تكاد أن تصبح سوداء.
“الأمر ليس كذلك، لماذا قد أكذب عليك؟”
وأخيراً، قبل أن تطرق بكل قوتها، وتستطيعان أن تريا كم نوت أن تفلقه، فُتح الباب بهدوء مع صوت هادئ وحاد.
هنا، نهض طاهر على قدميه شيئاً فشيئاً فيما تلوح أميرة بإصبعها، وراح يخطو نحوها حتى وقفت قدماه على الأرضية الباردة أمام الفراش، وهو يفكر:
“أقالت للتو حيدر؟!”
تباينت من بين ظلال الحجرة امرأة ترتدي روباً فضفاضاً أبيضَ مبتلاً بالماء، يلتف حول جسدها، من رقبتها حتى يلامس أصابع قدمها.
عندما أعود من العمل، يجب أن أجلب لها هديةً وأعتذر بصدق…
ومن فوقه، عقدت حول رأسها منشفة رقيقة، تنساب من جوفها خصالُ شعرها الذهبية.
“من ستكون إذاً، إنها كاذبة!”
“يبدو أنني قد أصبحت مزعجة لمؤنسة لياليك، صحيح؟”
(إنها ملاك، زوجة طاهر الأولى).
أما طاهرٌ هذا، فكان يقلب نظراته عليها بينما تتقلب تهديداتها أمامه، لتقول مرة أخرى:
امرأة شقراء تبلغ من العمر 23 سنة، أي أنها تصغر أميرة بـسبع سنوات حرفياً.
هزت رأسها فيما تبعد بؤبؤيها عنه لتتفحص محيطه، ثم استقر بصرها عليه مرة أخرى.
تفحّصتْ ما بيدِ أميرة للحظة بينما تنظم خصال شعرها المنزلقة على وجنتيها المحمرّتين بيدها الرقيقة، ثم نظرت إليها بعينيها الزرقاوين كالسماء المحجوبة بغشاء السحب، وقالتْ بابتسامةٍ لا تكاد تُرى:
ثم قالت وكأنها قد أصابها الملل: “نعم.”
“أهلاً؟”
كان صوتها كالثلج الناعم والجاف، رقيقاً ومبحوحاً لا يكاد يُسمع.
وزنتْها أميرةُ بعينيها وهي تحرك رأسها لتعيد جزءاً من شعرها المتلولب خلف كتفها -ألقت نظرة جانبية سريعة للداخل، فلمحت غلاك، تتقلب على سريرٍ منخفض تحت ضوء الفجر- أعادت نظرها إلى ملاك، وحبست نبرة صوتها وكأنها مجبرة على الحديث:
كان يفكر وهو يقول ذلك لها: لقد كانت أمي تحب ذلك كثيراً.
حسناً، هذا المشهد محرج بالنسبة لي، كما تعلمان، هذه شؤون عائلية شديدة الخصوصية. فلنشاهدها بصمت من خلال عين رب الأسرة نفسها:
“أنتِ، لقد كنتِ على علمٍ بكلِّ شيء أليس كذلك؟!”
“أيتها الـ… أتعرفين من أكون؟!”
فدفعته أميرة نحوها وشدته على وجهها، قائلة:
تنفست ملاك طويلاً وضغطت شفتيها بينما تنظر إلى الأرض، ثم رمشت ليتلاقى بعدها بؤبؤاها بعيني أميرة وقالت:
“لقد أخبرتك أن تقفل النافذة قبل النوم… ألم أفعل؟”
“لا شأن لي…”
…على الرغم من كل شيء، الحب يمكن أن يغير كل شيء.
هزت أميرة رأسها وهي تهمهم فيما تتصادم عيناهما لثانية طويلة، ثم قالت:
حسناً، هذا لم يحدث عبثاً.
“أتعلمين…”
“أيتها الـ… أتعرفين من أكون؟!”
نظرت إلى الداخل لمرة أطول قليلاً، مما جعل ملاك تلتف، فإذا بغلاكٍ تتحرك تحت الغطاء وتعطس.
هزت رأسها فيما تبعد بؤبؤيها عنه لتتفحص محيطه، ثم استقر بصرها عليه مرة أخرى.
وضعت يدها على الباب لترجع إلى الحجرة وتقفله، لكنها تفاجأت بدفعة اهتز لها ذراعها. أمالت رأسها بنصف عين، تنظر إلى يد أميرة تعيق الباب وهي تقول بنبرة ترتفع في حدٍّ طبيعيٍّ: “لم أكمل حديثي بعد!”
خطوت للخارج وتوقفت خلف الباب احتياطاً.
رمشت ملاك، قائلة: “لا أعلم من التي…”
وكما رأيتما في دفعتها للباب، فقد سحبت بطرف يدها رأس العقدة دون أن تدرك.
فقالت بكل جرأة وهي تهز رأسها بتحدٍ: “هيا تحدثي!”
سقطت الفوطة على الأرضية، فانساب شعر ملاك كستائر صفراء مجعدة. ضيقت عينيها قليلاً، ثم انحنت ولمت القماش الأبيض بهدوء، طوته في حجرها بينما تعتدل نحو أميرة التي تقول مجدداً:
تنفست ملاك طويلاً وضغطت شفتيها بينما تنظر إلى الأرض، ثم رمشت ليتلاقى بعدها بؤبؤاها بعيني أميرة وقالت:
هوت ابتسامة أميرة أرضاً إثر ذلك، وأخذ الغضب يبني محلها بنشاط وحيوية.
“أجيبيني؟!”
التكملة:
تنفست من عمق جوفها، ثم أردفت بعد ذلك:
رمشت ملاك، قائلة: “لا أعلم من التي…”
ثم توقفت على كف أميرة الذي ارتفع من حجرها وثبت أمامها. “أنتِ تعرفين، هذا صحيح؟!”
كأنما اشتمت رائحةً ما… يبدو أن طاهراً قد استيقظ من نومه للتو… هههههههـ.
قالت أميرة ذلك وهي تنظر إلى اللحاف. تنهدت ملاك.
قالت أميرة ذلك وهي تنظر إلى اللحاف. تنهدت ملاك.
ثم قالت وكأنها قد أصابها الملل: “نعم.”
لقد كانت تلك الصرخة مؤلمة بعض الشيء، ولكنها غير مدركة لما تفعل.
فدفعته أميرة نحوها وشدته على وجهها، قائلة:
هزت ملاك رأسها لتسقط الغطاء وأرادت أن تضيف شيئاً آخر، لكنها عدلت عن ذلك وأدارت رأسها على صوتٍ صادرٍ من الداخل:
“أين ذهبت؟”
“ما هذه الرائحة…”
…على الرغم من كل شيء، الحب يمكن أن يغير كل شيء.
كانت كل كلمة تخرج من فمها تحمل صرختها المبطنة، بينما ملاك تنظر إليها بصمت من خلال الشق الصغير في اللحاف. أغمضت عينيها وأخذت تستنشقه للحظة، يرتجف حاجباها بشكل طفيف، ويتجعد ما بينهما قليلاً.
مسح شعره للخلف ونظر عن شماله للممر المشابه، الذي تقبع في آخره دورة المياه. تحرك نحوها وهو يحدث نفسه: كل شيء سيكون على ما يرام، ليس هنالك ما يدعو للغضب.
ثم أطلقت زفيراً وكأنها تريد التحليق في واقعٍ قد غدا حلماً، وقالت فيما تحشر وجهها في الغطاء القطني:
لكنها تبحث فيها وكأنها مساحة شاسعة…
كانت تبدو وكأنها تغوص في ذكريات لا يمكنها أن تحياها مرة أخرى، فالخريف دائماً ما يعصف بالأوراق بعيداً عن الشجرة الأم.
أما طاهرٌ هذا، فكان يقلب نظراته عليها بينما تتقلب تهديداتها أمامه، لتقول مرة أخرى:
تفتحت عيناها وتوسعتا بحدة كأنما تنظر إلى فأر يريد أن يعيث الخراب في قصرها… إنها ليست كذلك.
لاعب شعره الرمادي المتموج بعنف على وجهه القمحي الداكن. ثم صعد بؤبؤاه الرماديان في عينيه المشدودتين كعيني الثعلب، قائلاً:
ثم أطلقت زفيراً وكأنها تريد التحليق في واقعٍ قد غدا حلماً، وقالت فيما تحشر وجهها في الغطاء القطني:
على كل حال.
ومن فوقه، عقدت حول رأسها منشفة رقيقة، تنساب من جوفها خصالُ شعرها الذهبية.
ابتسمت أميرة دون اهتمام وكأن فعلها قد آتى ثماره، بعدما أشعلت الحقيقة في عيني ملاك.
ثم تماسكت لتصرخ بكل ما تستطيع بينما تطرق بقوة:
نظر إلى وجهها الحنطي الذي يلتقط ضوء البدر الخافت.
فقالت بكل جرأة وهي تهز رأسها بتحدٍ: “هيا تحدثي!”
هذا فجر اليوم التاسع والعشرين من حفلهما المتواضع والصاخب.
لكن، لم تقل ملاك شيئاً للحظة معتبرة، ثم تحركت شفتاها من خلف الغطاء:
هزت ملاك رأسها لتسقط الغطاء وأرادت أن تضيف شيئاً آخر، لكنها عدلت عن ذلك وأدارت رأسها على صوتٍ صادرٍ من الداخل:
أسرعتُ وارتديتُ ثيابي بينما يرن طَرقُها في الداخل.
“هذه رائحة جسده… الذي لم يُنظف منذ مجيئكِ!”
كان صوتها ناعماً كالحرير المغلف بالشوك، تشوبه نبرة عميقة.
كان ينظر إليها وهي تقذف اللحاف كالقمامة، وتُدَقِّقُ في كلِّ شِبْرٍ داخلَ الحُجرة التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثةَ أمتارٍ في مثلِها.
كان صوتها يرتجف بشكل ملحوظ، وكأن الرياح التي بداخلها، بدأت تخلق صدعاً على جسد الثلج الذي ترتديه.
“أتعلمين…”
هوت ابتسامة أميرة أرضاً إثر ذلك، وأخذ الغضب يبني محلها بنشاط وحيوية.
فقلت بتلعثم: “ولكنكِ…” قاطعتني بصرخة مختنقة: “ابتعد عني فقط!!”
“أيتها الـ… أتعرفين من أكون؟!”
في تلك الأثناء، كان طاهر يدفع قنينة المياه بقدمه نحو أحد الأركان، بعدما ملأ منها السطل حتى بدأ يطفح من الأعلى. نظر للخلف بسرعة، ثم أسرع نحو ملابسه المعلقة على مسامير الحائط المدببة في ركن الباب…
كان يعقد حاجبيه بصعوبة وكأنه شيء محرم عليه فعله، وينظر إلى إشارة أميرة وهي تهم بالصياح.
هزت ملاك رأسها لتسقط الغطاء وأرادت أن تضيف شيئاً آخر، لكنها عدلت عن ذلك وأدارت رأسها على صوتٍ صادرٍ من الداخل:
وفي آخر المطاف، لم يستطع قلبي أن يصبر على أكثر من ذلك؛ مما جعلني أحاول أن أهرع إليها. تحركت خطوة سريعة… لكنني عدلت عن ذلك.
“أُمّي… ما الذي تفعلينه عندك…”
هزَّ رأسَهُ قليلاً نحو الشمال، ثم اليمين، بعد ذلك توجه إليها وقال: “من تقصدين؟”
كان صوتُها مثقلاً بالنعاس.
كانت كل كلمة تخرج من فمها تحمل صرختها المبطنة، بينما ملاك تنظر إليها بصمت من خلال الشق الصغير في اللحاف. أغمضت عينيها وأخذت تستنشقه للحظة، يرتجف حاجباها بشكل طفيف، ويتجعد ما بينهما قليلاً.
نظرت ملاك إلى أميرة من فوق كتفيها، ثم أغلقت الباب وراحت تقول: “رتِّبي فراشَكِ…”
يتبع… قد نشاهد البقية، وقد نعود إلى قصر التأسيس بواسطة مركبتيَّ الخاصة!
كان صوتها يتسرب من شقوق الباب الصغيرة.
هزَّ رأسَهُ قليلاً نحو الشمال، ثم اليمين، بعد ذلك توجه إليها وقال: “من تقصدين؟”
بدأ طاهر يتبع طرقات كعبيها المرتفع على البلاط الباهت، حتى اختفت في ظلمة الممر الذي لا يتسع إلا لشخصين فقط.
توقَّفتْ أميرة تنظرُ إلى خشبةِ الحجرة وكأنَّها لن تتحرَّك من هناك. عيناها تلمعان بسخط مكبوتٍ أو خيبة أمل كبيرة.
“أتعتقد أني كتلك المسكينة التي في الحجرة… تستطيع خداعي؟”
تباينت من بين ظلال الحجرة امرأة ترتدي روباً فضفاضاً أبيضَ مبتلاً بالماء، يلتف حول جسدها، من رقبتها حتى يلامس أصابع قدمها.
أدارت ظهرها وعادت إلى الردهة بخطوة طويلة مسرعةً نحو الأريكة القابعة في منتصف الجدار. جلست بنفَس عميق وعقدت قدميها، تشد أصابعها على قماش الأريكة المهترئ حتى تمزق، ثم همست بشفاهٍ مرتجفة:
“حيدر… فقط لو رحمة… لما أتيت إلى.. هنا…”
“من ستكون إذاً، إنها كاذبة!”
ترى، ما الهدية المناسبة؟
وضعت يديها على اللحاف وشدت أصابعها فيه تنظر إليه عن كثب، وتقول:
“ما هذه الرائحةُ النتنة!”
“لا يمكن، إنها ليست رائحته بالتأكيد”.
“كل ما أريده هو العودة إليه”.
وكما رأيتما في دفعتها للباب، فقد سحبت بطرف يدها رأس العقدة دون أن تدرك.
تنفست من عمق جوفها، ثم أردفت بعد ذلك:
ثم رفعت رأسها فتلاقى بؤبؤاها المشتعلان اشمئزازاً ببؤبؤيه، وأردفت:
“لست مهتمة به أيضاً…”
ضيقت عينيها فيما ينخفض رأسها في حجرها لتكمل:
إنه يظن أن جميع النساء قد يذبْنَ كالسكر فور السقوط في الماء. يبدو أن أميرة كانت ليثيوم… إنها تشتعل.
“كل ما أريده هو العودة إليه”.
انحشرت أميرةُ من الشِّقِّ الضيِّق، وأسرعت نحو السطل بصعوبة. حاولت الوصول إليه، لكن أصابعها كانت تلامسه من الأسفل فقط. هرعت نحوها وأنزلت السطل من على حديدٍ معطوف، وقدمته لها وأنا أسأل:
هذا ما كانت تريده، وذلك ما لم يكن يريده.
ابتسمت أميرة دون اهتمام وكأن فعلها قد آتى ثماره، بعدما أشعلت الحقيقة في عيني ملاك.
شدت الغطاء بين أحضانها ونظرت إلى الأسفل طويلاً، همست كأنها محققة تبحث عن رائحة الدليل القاطع:
أدارت ظهرها وعادت إلى الردهة بخطوة طويلة مسرعةً نحو الأريكة القابعة في منتصف الجدار. جلست بنفَس عميق وعقدت قدميها، تشد أصابعها على قماش الأريكة المهترئ حتى تمزق، ثم همست بشفاهٍ مرتجفة:
“يجب أن أجد دليلاً واحداً فقط!”
ثم توقفت على كف أميرة الذي ارتفع من حجرها وثبت أمامها. “أنتِ تعرفين، هذا صحيح؟!”
“من ستكون إذاً، إنها كاذبة!”
ثم أطلقت زفيراً وكأنها تريد التحليق في واقعٍ قد غدا حلماً، وقالت فيما تحشر وجهها في الغطاء القطني:
إنه يظن أن جميع النساء قد يذبْنَ كالسكر فور السقوط في الماء. يبدو أن أميرة كانت ليثيوم… إنها تشتعل.
“أتعلمين…”
“لم أعد أحتمل العيش في هذا السج…”
هزت رأسها فيما تبعد بؤبؤيها عنه لتتفحص محيطه، ثم استقر بصرها عليه مرة أخرى.
فجأةً، أبعدت رأسها وألقت الغطاء بعنفٍ على الأرضية ذات البلاط الباهت، قائلةً:
“أتعلمين…”
“ما هذه الرائحةُ النتنة!”
ثم أقفله بالمفتاح الأصفر، وسار خطوتين ليقف تحت السطل الخشبي المخضّرِ من الأسفل.
أخذ يرتفع شيء في داخلها، فشهقت وكأنها ستختنق نتيجة لذلك مما جعلها تنهض بسرعة وتتوجَّه نحو دورة المياه…
مع أني لا أريدها أن تعاني وحدها؛ إلا أنني سأغادر وأدع لها مساحة للتنفس كما تريد.
فور أن وصلت إلى هناك، أدارت المقبض بيد مضطربة واندفعت للداخل؛ فارتطمت بالباب المغلق أمامها وأصدرت صوت “آه~”مرتفع ومختنق.
ثم أطلقت زفيراً وكأنها تريد التحليق في واقعٍ قد غدا حلماً، وقالت فيما تحشر وجهها في الغطاء القطني:
شدت الغطاء بين أحضانها ونظرت إلى الأسفل طويلاً، همست كأنها محققة تبحث عن رائحة الدليل القاطع:
ثم تماسكت لتصرخ بكل ما تستطيع بينما تطرق بقوة:
سقطت الفوطة على الأرضية، فانساب شعر ملاك كستائر صفراء مجعدة. ضيقت عينيها قليلاً، ثم انحنت ولمت القماش الأبيض بهدوء، طوته في حجرها بينما تعتدل نحو أميرة التي تقول مجدداً:
“اخرجْ الآن!”
في تلك الأثناء، كان طاهر يدفع قنينة المياه بقدمه نحو أحد الأركان، بعدما ملأ منها السطل حتى بدأ يطفح من الأعلى. نظر للخلف بسرعة، ثم أسرع نحو ملابسه المعلقة على مسامير الحائط المدببة في ركن الباب…
دفعته أميرته وراحتْ تنفضُ لحافَه هنا وهناك بحثاً عن أي أثر، بينما هو ينظر إليها بعينٍ ترمش بذهول، قائلاً في نفسه:
“أجيبيني؟!”
حسناً، هذا المشهد محرج بالنسبة لي، كما تعلمان، هذه شؤون عائلية شديدة الخصوصية. فلنشاهدها بصمت من خلال عين رب الأسرة نفسها:
أسرعتُ وارتديتُ ثيابي بينما يرن طَرقُها في الداخل.
ثم أطلقت زفيراً وكأنها تريد التحليق في واقعٍ قد غدا حلماً، وقالت فيما تحشر وجهها في الغطاء القطني:
أدرتُ المفتاحَ بشرود؛ ومن دون أن أشعر، اصطدم الباب بوجهي.
رمشت ملاك، قائلة: “لا أعلم من التي…”
اضطربت خطواتي، كدتُ أسقط، وبالفعل لامست ركبتي الأرضية المبللة، فأسندتُ يدي إلى الحائط، وتمسَّكتُ بحركةٍ لا إرادية.
“لا تحاول حتى التفكير في الاقتراب مني… أتفهم؟!”
انحشرت أميرةُ من الشِّقِّ الضيِّق، وأسرعت نحو السطل بصعوبة. حاولت الوصول إليه، لكن أصابعها كانت تلامسه من الأسفل فقط. هرعت نحوها وأنزلت السطل من على حديدٍ معطوف، وقدمته لها وأنا أسأل:
هزت رأسها وهي تميله لتظهر أمام عينيها النخلة ترتعش على عزف الرياح.
“أميرة، أأنتِ بخير؟!”
“أتعتقد أني كتلك المسكينة التي في الحجرة… تستطيع خداعي؟”
وفيما تنصبُّ قطراتُ الماء على رأسه ببطء داخل دورة المياه، كانت أميرة تقف أمام حجرةٍ قبالةَ باب المنزل المصنوع من الحديد الصدئ. رأسُ كعبها الصلب يطرق الأرضية المجروحة، وتصطدم قبضتها ببابٍ خشبيٍّ بوسطه قطعةُ حديدٍ عريضة.
كانت تبدو في حالةٍ سيئة جداً.
أخذت السطل من يدي بصعوبة، يتصبب الماء منه، ثم ارتفع صوتها بثقل:
تصادم حاجباه قليلاً فيما يعود نصف خطوة للخلف، ويفكر: ما الذي دهاها؟!
“أتعلمين…”
“ابتعد… اتركني وحدي!”
وفيما تنصبُّ قطراتُ الماء على رأسه ببطء داخل دورة المياه، كانت أميرة تقف أمام حجرةٍ قبالةَ باب المنزل المصنوع من الحديد الصدئ. رأسُ كعبها الصلب يطرق الأرضية المجروحة، وتصطدم قبضتها ببابٍ خشبيٍّ بوسطه قطعةُ حديدٍ عريضة.
لم يكن يريد الابتعاد عنها أكثر من ذلك؛ لذلك، هو مجبر على قول شيء حتى لو تلعثم وأبعد عينيه عنها محرجاً:
كان صوتها يتقطع من أنفاسها المختنقة، وهذا ما جعلني أقلق على حياتها والحياة التي قد تأتي من بعد ذلك.
مع أني لا أريدها أن تعاني وحدها؛ إلا أنني سأغادر وأدع لها مساحة للتنفس كما تريد.
فقلت بتلعثم: “ولكنكِ…” قاطعتني بصرخة مختنقة: “ابتعد عني فقط!!”
لقد كانت تلك الصرخة مؤلمة بعض الشيء، ولكنها غير مدركة لما تفعل.
تنفس طاهر ورفع حاجبيه ليفكر ويقدّر.
مع أني لا أريدها أن تعاني وحدها؛ إلا أنني سأغادر وأدع لها مساحة للتنفس كما تريد.
خطوت للخارج وتوقفت خلف الباب احتياطاً.
أخذت السطل من يدي بصعوبة، يتصبب الماء منه، ثم ارتفع صوتها بثقل:
كنت أنصت إلى شهيقها العميق وأشعر كأن قلبي يتمزق من ألمها. كلما اختنق صوتها؛ أصبح ألم قلبي لا يُحتمل.
كنت أنصت إلى شهيقها العميق وأشعر كأن قلبي يتمزق من ألمها. كلما اختنق صوتها؛ أصبح ألم قلبي لا يُحتمل.
“لا تحاول حتى التفكير في الاقتراب مني… أتفهم؟!”
وفي آخر المطاف، لم يستطع قلبي أن يصبر على أكثر من ذلك؛ مما جعلني أحاول أن أهرع إليها. تحركت خطوة سريعة… لكنني عدلت عن ذلك.
مع أني لا أريدها أن تعاني وحدها؛ إلا أنني سأغادر وأدع لها مساحة للتنفس كما تريد.
شعرت فجأةً وكأن وحش الصمت بدأ يلتهم محيطي ليتركني وحيداً أمام صوتها الذي يلهث كأنما تحتضر:
“أجيبيني؟!”
“حيدر… فقط لو رحمة… لما أتيت إلى.. هنا…”
هذا فجر اليوم التاسع والعشرين من حفلهما المتواضع والصاخب.
تصلبت في مكاني وكأن العالم الذي أقف عليه قد تجمد. لم أكن أعلمُ ما أقوله ولا ما أفعل. كنتُ عاجزاً حتّى عن نُطقِ حرفٍ واحدٍ في تلك اللحظات، إلا همسة بيني وبين نفسي:
“أقالت للتو حيدر؟!”
أنزلت أميرة يدها عند وسطها، وأشارت نحوه بإصبع يدها الآخرى: “ارفع رأسك…”
كان ينظر إليها وهي تقذف اللحاف كالقمامة، وتُدَقِّقُ في كلِّ شِبْرٍ داخلَ الحُجرة التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثةَ أمتارٍ في مثلِها.
يتبع… قد نشاهد البقية، وقد نعود إلى قصر التأسيس بواسطة مركبتيَّ الخاصة!
ثم قالت وكأنها قد أصابها الملل: “نعم.”
“أنتِ، لقد كنتِ على علمٍ بكلِّ شيء أليس كذلك؟!”
“ما هذا المنزل؟!“
