Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 1

خطوات على قمة جبل المزرعة. والوعد الموعود.

خطوات على قمة جبل المزرعة. والوعد الموعود.

 

وبينما كانت تدقق في كل شبر من جسده، تصلب بؤبؤاها الشاحبان عند عينيه النابضتين. في تلك الثانية، كان طاهر يشعر وكأن فصل الربيع قد أحاط به مرة أخرى، وقد أخذ الوقت يتباطأ من حوله لمرة ثانية.

في لحظةٍ لا معنى لها كطرفةِ عينٍ في الظلام…

 

انبعثت أجسادنا من جوف دخانٍ أسودٍ ما لبث أن تبدد بخجلٍ أمام ضوء القمر الخافت.

انتفخت حنجرته.

 

 

عدلتُ نظارتي بطرقةٍ خفيفةٍ بالخنصر، ثم خطوتُ بهدوءٍ من بين السحب الناعمة كبخارٍ رمادي اللون، وأخذتُ أسير على رأس أحد الجبال العاصية بثباتٍ كما ترى أيها القمر.

همستُ له وأنا أرمق الشارع الممتد من فم النفق.

 

 

يبدو أننا في العام 1423هـ، في يوم 28 أو 29 من صَفَر.

“ألا يمكنك أن تكون لطيفاً بعض الشيء، ستخلع كَتِفي إن استمررت في ذلك؟”

 

شهق طاهر وهو ينظر إليها تتسع حدقتا عينيها بحدة. أدارت رأسها قليلاً، وبدأ الدخان الرمادي يسري من أنفها. اندفع طاهر بيديه للخلف، يحاول الزحف نحو النافذة بكل ما أوتي من قوة.

وعلى الأرجح نحن نقف على قمة جبل المزرعة المطل على البلدة المشؤومة، تلك البلدة الصغيرة التي بدأ منها كل شيء… توقفتُ على حافته الحادة وقد أخذ بخار السحب يكشف عن منازل صفراء باهتة.

 

 

انبعثت أجسادنا من جوف دخانٍ أسودٍ ما لبث أن تبدد بخجلٍ أمام ضوء القمر الخافت.

كانت تبدو كرقائق السميد رُميت من السماء وسقطت على تلك الأرض الذهبية.

 

 

كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.

النخل يخرج من بين ثراها الناعم نضِرٌ قد أينعت ثماره وتساقطت في فناء قصرٍ ملفتٍ، أو جافٍ ينبثق من بين الرمال المتيبسة، يصطف خلف بعضه محصوراً بين شارعين.

بثبات الملوك الكونيين، لن يزعزعني حارس رديء كهذا، بل كيف يجرؤ على إشهار مس… دوت صرخة عميقة في جوفي عندما سمعت صوتاً كالـ “كليك” يتردد من حولي.

هنالك أيضاً من هو متآكل من الداخل مستنداً بجانبه الممزق على لبنات الأسقف المتصدعة، بعد أن أثقلت كاهله الحياة.

راح طاهر يلاعب أصابع قدميه المتباعدة قليلاً ويمسح صدره.

أليس كذلك أيها القمر؟ على كل حال، انظُر إلى الرياح الباردة تلاعب معطفي الفروي هنا وهناك، وتهمس:

يريد التظاهر بالقوة أمام هذه الآنسة بتلك القبضة وهذا الصوت المتعجرف… ألا يعلم بأن السيدات لا يُعجبن بهذه التصرفات المبتذلة؟!

 

 

(أكشن)

أليس كذلك أيها القمر؟ على كل حال، انظُر إلى الرياح الباردة تلاعب معطفي الفروي هنا وهناك، وتهمس:

 

كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه. ويفكر:

لذلك أنا أشعر بضيق وانقباضة في صدري، لم أشعر بمثلها من قبل… يبدو أنني… تنفستُ طويلاً ورفعتُ رأسي ويَدَيَّ نحو السماء كأنما أريد احتضانها، وأفكر:

 

 

قلتُ ذلك عند رأسها بصوت مسموع بيني وبينها، فقط.

رائحة الرمال الجافة والرطبة، رائحة النخيل، دخان الحافلاتِ المتنقلة، مع رؤية خيط الفجر هذا يلوح في الأفق بعد طول غياب- تغمرني بحنينِ الأم لمولودها البكر… لقد اشتقت إليك كثيراً أيضاً! بغتةً، أحسست باقتراب وقع أقدامٍ من الخلف.

حررتُ كتفي من قبضته بحركة خلفيةٍ خشنة، وأشرتُ بسبابتي صوب منزل تستند إليه نخلة متآكلة، وتحلّق حوله بومة داكنة.

 

كل حركة تتسبب في حركة صغيرة، وكل حركة أصغر كانت بمثابة رعشة وحش جريح يحاول النهوض، لكنه متجمد في مكانه إلى حد كبير.

 

 

أنزلتُ يديَّ ببطء بينما أقول بداخلي كما تسمع:

 

يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!

 

 

 

التفتُّ للخلف حيث كان المعطف الفروي يتطاير ويكاد يحجب الرؤية، لكنني استطعتُ أن ألمح ذلك الحارس الشخصي يتجه نحوي، وبالكاد أستطيع رؤية القارئة تصارع هذا الانزياح الذي حدث.

 

نظرتُ إلى ظلها؛ حيث انكسر الفلجان (فنجان)

 

وتلطخ بالقهوة البيضاء.

 

ثم أبصرتها تضع يدها على فمها من خلف الخمار الأسود، وتستند بالأخرى على الأرض تحاول النهوض بصعوبة. يا لها من قارئةٍ مثابرةٍ، أليس كذلك؟!

تزغلل بصره فيما تتباين امرأة دخانية سوداء، حدقتاها ناصعتان من البياض، ويسكنهما بؤبؤان ذهبيان.

 

 

لا تقلق، سيتحسن حالها قريباً بفضل القهوة التي أعدتها ابنتي هاجر… ولكن، لماذا أنت قلق للغاية؟!

 

 

وفيما يرفرف لسان طاهر داخل فمه الممتلئ بالهواء، باغته إحساس غريب في الأسفل عند قدميه تماماً.

توقف عن النظر إليها فوراً.

 

 

 

حتى لو كنت مفتوناً بجمالها الخلاب في هذا الخمار الأسود، فلا يجب عليك إلا إغلاق عينيك أيها الفاسق.

 

 

أليس كذلك أيها القمر؟ على كل حال، انظُر إلى الرياح الباردة تلاعب معطفي الفروي هنا وهناك، وتهمس:

لن تخدعني بنورك هذا، أتفهم!

هنالك أيضاً من هو متآكل من الداخل مستنداً بجانبه الممزق على لبنات الأسقف المتصدعة، بعد أن أثقلت كاهله الحياة.

حسناً، لا يزال نورك الخافت يفي بالغرض.

ارتعشت يدها، ونَظَرَت نَحوي من تحت القماش بعين تضيق بحدة، ثم سَحَبَت معصمها للوراء مع صوت كالـ “إهم” مضغوط.

إنه يلمع على قماشها الناعم، ويجعلها تبدو كالأميرة في حلتها، أو كجوهرة تحاول الاختباء عن الأعين رغم شدة الظروف… إنها غالية الثمن، نادرة، أليس كذلك؟!

نظر حوله، الجدران المتشققة تبدو وكأنها تمتص الدخان، وتريد احتضانه أيضاً، ومن خلف المرأة الباب الخشبي مقفل.

أتعتقد أنها تستطيع الحفاظ على ثمنها ثابتاً، أم ستنخفض لتصبح كالحجارة على مرمى الطريق؟

ثم أنزلت رأسها حتى تلاقت عيناها المتوسعتان بعينيه المفتوحتين على مصراعيهما، وهمست:

حسناً، سنرى ذلك. ولكن، لقد قلتها كثيراً، هذا مزعج!

النخل يخرج من بين ثراها الناعم نضِرٌ قد أينعت ثماره وتساقطت في فناء قصرٍ ملفتٍ، أو جافٍ ينبثق من بين الرمال المتيبسة، يصطف خلف بعضه محصوراً بين شارعين.

 

وما إن تهيأت له الحقيقة أمام عينيه، حتى ارتعش أنفه وطرقت القشعريرة جميع فقرات ظهره إلى وركه، مما جعله يصدر صوتاً كالـ “امييه!” حاداً منعزلاً في حنجرته.

لكن.. سحقاً، إنها المرة المئة، ترى ما خطبي؟! على كل حال، ما بال هذا الحارس يجرؤ على لمس كتفي كأنه ميت قد أيقظه الجوع.

أغلق فمه فجأة وارتعش رأسه حتى شفتيه.

يبدو أنه قد ذاق الأمرين في الرواية السابقة فاشتَدّ عظمه الآن، حتى أن الصدمات أصبحت لا تجعله يرتجف في الأسفل أو يبتل!

حسناً، سنرى ذلك. ولكن، لقد قلتها كثيراً، هذا مزعج!

انظر إلى عينيه… أنا لا أستطيع أيها الأحمق؟!

 

 

في جميع الأحوال هذا غير مهم… حسناً، سأكمل السرد، توقف عن دفع ذلك الشيء على عنقي!

هذا الشيطان يحاول النظر إلى ما في قلبي بأية وسيلة. إنه يعتقد أن سؤاله عن تلك البلدة سيجعلني أغض النظر عن قارئتي الرائعة تلك، كم أنت مضحك أيها الميت الأعزب!

 

“ألا يمكنك أن تكون لطيفاً بعض الشيء، ستخلع كَتِفي إن استمررت في ذلك؟”

عندها فقط، أيقن طاهر أن جميع محاولاته ستبوء بالفشل؛ فبدأ قلبه ينتفض ويتقلص من الخوف، بينما تضيق عيناها إليه في تحديق مطول. فجأة، اندفعت الرياح عبر فوهة النافذة، تصدر صوتاً ثقيلاً مع صرير الباب الحديدي.

همستُ له وأنا أرمق الشارع الممتد من فم النفق.

 

يبدو أن إحساسي لن يخطئ أبداً، إنه قارئ منافق بالفعل.

 

يريد التظاهر بالقوة أمام هذه الآنسة بتلك القبضة وهذا الصوت المتعجرف… ألا يعلم بأن السيدات لا يُعجبن بهذه التصرفات المبتذلة؟!

“داخل ذلك المنزل…”

حررتُ كتفي من قبضته بحركة خلفيةٍ خشنة، وأشرتُ بسبابتي صوب منزل تستند إليه نخلة متآكلة، وتحلّق حوله بومة داكنة.

 

 

 

“هناك تماماً حيث تبدأ الحكاية…”

إنها أميرة…

 

إنه يلمع على قماشها الناعم، ويجعلها تبدو كالأميرة في حلتها، أو كجوهرة تحاول الاختباء عن الأعين رغم شدة الظروف… إنها غالية الثمن، نادرة، أليس كذلك؟!

فور أن قلتُ ذلك، رفعت القارئة عباءتها من جانبيها وأسرعت نحوي كالفراشة.

 

 

ثم أبصرتها تضع يدها على فمها من خلف الخمار الأسود، وتستند بالأخرى على الأرض تحاول النهوض بصعوبة. يا لها من قارئةٍ مثابرةٍ، أليس كذلك؟!

كنت أنظر نحوها مبتسماً بنصف عين، ولم أحرّك شفتي بكلمة حتى اقتربت مني. في تلك اللحظة، أمسكتُ بيدها المرتدية قفازاً أسود قطنياً:

وهذا ما جعله يشعر بثقل تلك النظرات الهادئة، ويزن كل حركة بسيطة منها.

 

يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!

“احذري من الوقوع هناك، وإلا ستفقدينَ حياتك!”

 

 

اقتحم صوت الفجرِ من فوهة النافذة الصغيرة، المحفورة في جدار ذلك البيت الشعبي المتهالك.

قلتُ ذلك عند رأسها بصوت مسموع بيني وبينها، فقط.

همستُ له وأنا أرمق الشارع الممتد من فم النفق.

 

 

ارتعشت يدها، ونَظَرَت نَحوي من تحت القماش بعين تضيق بحدة، ثم سَحَبَت معصمها للوراء مع صوت كالـ “إهم” مضغوط.

“لا أستطيع الانتظار كثيراً!”

 

لن تخدعني بنورك هذا، أتفهم!

تراجعت للخلف بتخبط وشدت قبضتيها فيما أبتسم وأفكر كما تسمع: إنها جوهرة ثمينة، لا يمكن لغيري أن يمتلكها!

حتى لو كنت مفتوناً بجمالها الخلاب في هذا الخمار الأسود، فلا يجب عليك إلا إغلاق عينيك أيها الفاسق.

 

 

اعتدلتُ وابتسامة ضيقة تتمدد في عيناي.

 

 

كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه. ويفكر:

ثم وجهت بصري إلى القارئ الذي يصرخ بينما هي تقترب من جانبه الآخر. ثم ذهبت يده نحو حزامه فجأةً ليرفع سلاحه الأسود على رقبتي…

حتى لو كنت مفتوناً بجمالها الخلاب في هذا الخمار الأسود، فلا يجب عليك إلا إغلاق عينيك أيها الفاسق.

 

عندها، خطت المرأة الدخانية إليه في حركة شبحية، فانطلقت القشعريرة في بدن طاهر مع صوتٍ كالـ: “إيـه…!” مختنق وحاد صدر منه.

بثبات الملوك الكونيين، لن يزعزعني حارس رديء كهذا، بل كيف يجرؤ على إشهار مس… دوت صرخة عميقة في جوفي عندما سمعت صوتاً كالـ “كليك” يتردد من حولي.

 

 

التفتُّ للخلف حيث كان المعطف الفروي يتطاير ويكاد يحجب الرؤية، لكنني استطعتُ أن ألمح ذلك الحارس الشخصي يتجه نحوي، وبالكاد أستطيع رؤية القارئة تصارع هذا الانزياح الذي حدث.

رفعت يدي وأكملت سرد المشهد بصوت عميق باردٍ، كاد أن ينفلق عن صرخة عظيمة:

وعلى إثر ذلك الصوت المهيب، استيقظ “طاهر” -الشاب البالغ من العمر 35 سنة- من نومٍ عميقٍ ومدّد جسده المتيبسِ بصوت كالـ: “هُممم…” يصدر من بين أنفاسه.

 

فور أن قلتُ ذلك، رفعت القارئة عباءتها من جانبيها وأسرعت نحوي كالفراشة.

“داخل ذلك المنزل…”

عندها فقط، أيقن طاهر أن جميع محاولاته ستبوء بالفشل؛ فبدأ قلبه ينتفض ويتقلص من الخوف، بينما تضيق عيناها إليه في تحديق مطول. فجأة، اندفعت الرياح عبر فوهة النافذة، تصدر صوتاً ثقيلاً مع صرير الباب الحديدي.

 

 

اقتحم صوت الفجرِ من فوهة النافذة الصغيرة، المحفورة في جدار ذلك البيت الشعبي المتهالك.

 

 

 

وعلى إثر ذلك الصوت المهيب، استيقظ “طاهر” -الشاب البالغ من العمر 35 سنة- من نومٍ عميقٍ ومدّد جسده المتيبسِ بصوت كالـ: “هُممم…” يصدر من بين أنفاسه.

 

 

وتلطخ بالقهوة البيضاء.

حرك كتفيه العريضين كالفزاعة القديمة، ليبعد عنه عصافير الصدأ الصفراء التي أثقلته، وتتوالى الأفكار في رأسه الفارغ كأسهم حمراء أخطأت الهدف:

كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.

 

 

لقد مر شهر إلا يوم على حفل الزفاف، وفيه تماماً، ستنتهي العطلة التي منحني إياها وسيم.

 

 

 

 

كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.

يبدو أن أميرة لم تأتِ هذه الليلة، وإلا لعمّت صرخاتها المكان… أخذه تثاؤب عميق وهو ينظر إلى السقف الذي تحمله ثلاثة أخشاب جاوية -واحدة منها تتقابل فيها الثقوب، والأخرى مشوهة من الخارج، أما الثالثة بينهما، فهي سليمة ونضرة، إلا أننا لا نرى سوى رأسها الصغير عبر الطين المتصلب-

 

 

انتفخت حنجرته.

راح طاهر يلاعب أصابع قدميه المتباعدة قليلاً ويمسح صدره.

هذا الشيطان يحاول النظر إلى ما في قلبي بأية وسيلة. إنه يعتقد أن سؤاله عن تلك البلدة سيجعلني أغض النظر عن قارئتي الرائعة تلك، كم أنت مضحك أيها الميت الأعزب!

كان يحاول أن يتلمس سكينةً غُرِزَت عميقاً في صدره… اهدئي أيتها القارئة، ليست تلك التي في المطبخ، أعني أنه يحاول أن يشعر بطمأنينةٍ نادرة إن صح التعبير.

نظرتُ إلى ظلها؛ حيث انكسر الفلجان (فنجان)

 

 

في جميع الأحوال هذا غير مهم… حسناً، سأكمل السرد، توقف عن دفع ذلك الشيء على عنقي!

يريد التظاهر بالقوة أمام هذه الآنسة بتلك القبضة وهذا الصوت المتعجرف… ألا يعلم بأن السيدات لا يُعجبن بهذه التصرفات المبتذلة؟!

وفيما يرفرف لسان طاهر داخل فمه الممتلئ بالهواء، باغته إحساس غريب في الأسفل عند قدميه تماماً.

فجأةً، أخذت تتموج الحجرة من حوله، وتصبح بعض الألوان الفاتحة حادة البياض، والغامقة داكنة كالسواد. أسرع… قالها في داخله.

 

 

أغلق فمه فجأة وارتعش رأسه حتى شفتيه.

أخذت أنفاسه الثقيلة ترتطم على سمعه بينما هي تتنفس بغضب، وكأن نظراته الخائفة بدأت تثير حنقها فيما يبدو.

 

“احذري من الوقوع هناك، وإلا ستفقدينَ حياتك!”

كانت أنامله ذات الزوايا الصلبة تتحسس ساقين مُغَطَّيَتَيْنِ بقماش خشن، ويبدو مزدحماً بالتطريز.

كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.

أطلق بصره نحوهما بينما يقول في داخله بنفَسٍ عميق: أهذا…؟!

 

انخفض ذقنه بين تُرقوَتيه لينظر عبر فتحات القماش الصغيرة، ساقين غير مستقرتين، ساقان تتموجان كدخان داكن يتصاعد للأعلى.

 

 

يبدو أن إحساسي لن يخطئ أبداً، إنه قارئ منافق بالفعل.

ودون أن يشعر ذلك المختل، راحت عيناه تتبعان مسارهما بهدوء فيما يحاول ابتلاع ريقٍ ثقيل عَلِقَ في عنقه.

انظر إلى عينيه… أنا لا أستطيع أيها الأحمق؟!

 

اقتحم صوت الفجرِ من فوهة النافذة الصغيرة، المحفورة في جدار ذلك البيت الشعبي المتهالك.

لقد أدرك أخيراً أن أميرته التي تصيح عليه في كل صباح من أجله، ليست هناك… إذن، من تكون هذه؟!

 

كان سؤالاً لا يريد الإجابة عنه، لا يريد رؤيته، يريد أن يتركه فارغاً فقط. لذلك هو لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله الآن… أتعلمان؟ أما طاهر، فراح يهمس في نفسه بشرود: هذه ليست حقيقة…

ذلك المنقذ المتصلب على فراشه مرتعشاً من الخوف، ولا يستطيع إلا أن يهمس في جوفه بجملة واحدة: من تكونين؟!

 

أتعتقد أنها تستطيع الحفاظ على ثمنها ثابتاً، أم ستنخفض لتصبح كالحجارة على مرمى الطريق؟

وما إن تهيأت له الحقيقة أمام عينيه، حتى ارتعش أنفه وطرقت القشعريرة جميع فقرات ظهره إلى وركه، مما جعله يصدر صوتاً كالـ “امييه!” حاداً منعزلاً في حنجرته.

 

تزغلل بصره فيما تتباين امرأة دخانية سوداء، حدقتاها ناصعتان من البياض، ويسكنهما بؤبؤان ذهبيان.

“إلى أين تنظر؟”

 

فجأةً، أخذت تتموج الحجرة من حوله، وتصبح بعض الألوان الفاتحة حادة البياض، والغامقة داكنة كالسواد. أسرع… قالها في داخله.

كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.

عدلتُ نظارتي بطرقةٍ خفيفةٍ بالخنصر، ثم خطوتُ بهدوءٍ من بين السحب الناعمة كبخارٍ رمادي اللون، وأخذتُ أسير على رأس أحد الجبال العاصية بثباتٍ كما ترى أيها القمر.

 

كانت تنظر إلى عينيه مباشرةً وكأنها تطالبه بدفع دين قديم. دين لا يجب أن ينساه أبداً.

وهذا ما جعله يشعر بثقل تلك النظرات الهادئة، ويزن كل حركة بسيطة منها.

 

 

 

أمسكت فستانها الرمادي الملتف حولها في طبقات متطابقة، ورفعته برقة فيما تنحني باحترام أمامه. كان ينبعث منها دخان كثيف كمن خرجت للتو من دار تشتعل ناراً. تسيل دموعها من فوق ابتسامتها الممتنة لمنقذها.

 

 

 

ذلك المنقذ المتصلب على فراشه مرتعشاً من الخوف، ولا يستطيع إلا أن يهمس في جوفه بجملة واحدة: من تكونين؟!

في لحظةٍ لا معنى لها كطرفةِ عينٍ في الظلام…

وكما تلاحظان، اعتدلت المرأة بعد ذلك، وضمت يديها في الأسفل بينما تتفحصه بعينيها الدافئتين.

يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!

 

 

كانت تبدو وكأنها مهتمة بسلامته أيضاً، بل هي المنقذ الذي أطفأ الحريق بدمائه الطاهرة، بعدما فر المسؤول عنه متخاذلاً.

(أكشن)

 

يتبع…

وبينما كانت تدقق في كل شبر من جسده، تصلب بؤبؤاها الشاحبان عند عينيه النابضتين. في تلك الثانية، كان طاهر يشعر وكأن فصل الربيع قد أحاط به مرة أخرى، وقد أخذ الوقت يتباطأ من حوله لمرة ثانية.

يبدو أنني قد سهوتُ عن ضيفيَّ بسببك أيها القمر… ما المضحك في الأمر؟ أتحاول القول بأن الإنسان من النسيان أو شيء من هذا القبيل، حسناً، سأقبل بذلك إن أصبح جميع البشر وحوشاً خلف العظام… هذا يكفي، فلتصمت فقط!

 

(أكشن)

حركت المرأة الدخانية شفتيها بأحرف بدت صامتة لكما الآن، لكنها بالنسبة لطاهر، إنها تحفر عميقاً في جمجمته… رمش رمشة مضطربة فيما يشعر بشتاء بارد يحل على جسده، ويجري من بين عروقه حتى تصلب زخمه في رأسه.

 

 

 

شهق طاهر وهو ينظر إليها تتسع حدقتا عينيها بحدة. أدارت رأسها قليلاً، وبدأ الدخان الرمادي يسري من أنفها. اندفع طاهر بيديه للخلف، يحاول الزحف نحو النافذة بكل ما أوتي من قوة.

أغلق فمه فجأة وارتعش رأسه حتى شفتيه.

كل حركة تتسبب في حركة صغيرة، وكل حركة أصغر كانت بمثابة رعشة وحش جريح يحاول النهوض، لكنه متجمد في مكانه إلى حد كبير.

ثم وجهت بصري إلى القارئ الذي يصرخ بينما هي تقترب من جانبه الآخر. ثم ذهبت يده نحو حزامه فجأةً ليرفع سلاحه الأسود على رقبتي…

 

انتفخت حنجرته.

نظر حوله، الجدران المتشققة تبدو وكأنها تمتص الدخان، وتريد احتضانه أيضاً، ومن خلف المرأة الباب الخشبي مقفل.

 

 

 

عندها فقط، أيقن طاهر أن جميع محاولاته ستبوء بالفشل؛ فبدأ قلبه ينتفض ويتقلص من الخوف، بينما تضيق عيناها إليه في تحديق مطول. فجأة، اندفعت الرياح عبر فوهة النافذة، تصدر صوتاً ثقيلاً مع صرير الباب الحديدي.

 

 

أطلق بصره نحوهما بينما يقول في داخله بنفَسٍ عميق: أهذا…؟!

عندها، خطت المرأة الدخانية إليه في حركة شبحية، فانطلقت القشعريرة في بدن طاهر مع صوتٍ كالـ: “إيـه…!” مختنق وحاد صدر منه.

 

 

لن تخدعني بنورك هذا، أتفهم!

أخذت أنفاسه الثقيلة ترتطم على سمعه بينما هي تتنفس بغضب، وكأن نظراته الخائفة بدأت تثير حنقها فيما يبدو.

وفيما يرفرف لسان طاهر داخل فمه الممتلئ بالهواء، باغته إحساس غريب في الأسفل عند قدميه تماماً.

 

“احذري من الوقوع هناك، وإلا ستفقدينَ حياتك!”

ارتفعت في الهواء الذي أصبح رمادياً من أنفاسها المندفعة.

انظر إلى عينيه… أنا لا أستطيع أيها الأحمق؟!

تنظر إليه بحدة، هل ستقتله، ستقتص من دمه، أم ماذا؟ لا يعلم.

 

وهذا ما جعل طاهر يشعر وكأن أعصابه قد تخدرت، أو أنها استهلكت في خضم هذه اللحظة الثقيلة.

أليس كذلك أيها القمر؟ على كل حال، انظُر إلى الرياح الباردة تلاعب معطفي الفروي هنا وهناك، وتهمس:

 

حسناً، سنرى ذلك. ولكن، لقد قلتها كثيراً، هذا مزعج!

فجأةً، أخذت تتموج الحجرة من حوله، وتصبح بعض الألوان الفاتحة حادة البياض، والغامقة داكنة كالسواد. أسرع… قالها في داخله.

أما طاهر، فحاول قدر الإمكان ألا يبعد عينيه المنتفضتين عن شفتيها؛ شفتيها اللتين تموجت بينهما ابتسامة عريضة.

 

عدلتُ نظارتي بطرقةٍ خفيفةٍ بالخنصر، ثم خطوتُ بهدوءٍ من بين السحب الناعمة كبخارٍ رمادي اللون، وأخذتُ أسير على رأس أحد الجبال العاصية بثباتٍ كما ترى أيها القمر.

ولكن لسوء حظه، ركل الخوف قلبه بعد خطوتها التالية فاشتد وعيه في أقصى صورة ليدرك شيئاً… إنها تزحف على فراشه الآن.

ارتفعت في الهواء الذي أصبح رمادياً من أنفاسها المندفعة.

كان ذلك كفيلاً بجعله يختنق في أنفاسه. ينظر إليها وهي تتموج أمامه، تقترب وتقترب، تدنو كثيراً، أنفاسها تضرب عينيه.

توقف عن النظر إليها فوراً.

انتفخت حنجرته.

 

حاول أن يصرخ كالوحش… لكنه شعر في لحظةٍ وكأن سدادة فلينية حشرت في عنقه، فانتهى بتلك الصرخة في جوفه المنتفض: ابتعدي! شهق طاهر بعمق بينما تتحرك شفتاها المطليتان بالبياض:

عقد أصابع يديه على جانبي الفراش، وحاول أن يهرع للنهوض من بين نظراتها الخانقة وزوال الضباب من حوله، لكنه توقف عن الحركة فجأةً بعدما تباينت أمامه صورة مألوفة. صورة كالحلم، بل هو الكابوس الآخر.

“إلى أين تنظر؟”

ثم وجهت بصري إلى القارئ الذي يصرخ بينما هي تقترب من جانبه الآخر. ثم ذهبت يده نحو حزامه فجأةً ليرفع سلاحه الأسود على رقبتي…

أما طاهر، فحاول قدر الإمكان ألا يبعد عينيه المنتفضتين عن شفتيها؛ شفتيها اللتين تموجت بينهما ابتسامة عريضة.

بثبات الملوك الكونيين، لن يزعزعني حارس رديء كهذا، بل كيف يجرؤ على إشهار مس… دوت صرخة عميقة في جوفي عندما سمعت صوتاً كالـ “كليك” يتردد من حولي.

ثم أنزلت رأسها حتى تلاقت عيناها المتوسعتان بعينيه المفتوحتين على مصراعيهما، وهمست:

 

 

 

“لا أستطيع الانتظار كثيراً!”

توقف عن النظر إليها فوراً.

 

انبعثت أجسادنا من جوف دخانٍ أسودٍ ما لبث أن تبدد بخجلٍ أمام ضوء القمر الخافت.

كان صوتها كالجمرة المشعة إذا تساقطت عليها قطرات الندى؛ صوت مبحوح للغاية ورقيق.

“لا أستطيع الانتظار كثيراً!”

 

ودون أن يشعر ذلك المختل، راحت عيناه تتبعان مسارهما بهدوء فيما يحاول ابتلاع ريقٍ ثقيل عَلِقَ في عنقه.

أغلق طاهر عينيه بينما جسده يرتجف، وبدأ يتمتم في جوفه: بسم الله، يا رب احفظني، يا رب… أرجوك… كان يدعو الله أن يحميه من هذا الكابوس الذي يأبى عتقه على مدار الشهر.

 

 

“احذري من الوقوع هناك، وإلا ستفقدينَ حياتك!”

ولم يتوقف طاهر عن الدعاء والتضرع لله، حتى شعر أخيراً بذوبان الثلج من أطرافه. فتح عينيه ببطء وأخذ يتفحص المكان.

 

 

ولم يتوقف طاهر عن الدعاء والتضرع لله، حتى شعر أخيراً بذوبان الثلج من أطرافه. فتح عينيه ببطء وأخذ يتفحص المكان.

هل استيقظتُ أخيراً؟! وبينما يفكر، تصلب بصره على عين حادة تختبئ خلف الضباب المنقشع. كانت تنظر إليه وكأنها ماردة قبضت على الفأر الذي أعاث الخراب في قصرها.

أتعتقد أنها تستطيع الحفاظ على ثمنها ثابتاً، أم ستنخفض لتصبح كالحجارة على مرمى الطريق؟

والفأر يشعر كأنما ينظر إلى ساحر هيَّأ الجو المناسب ليسيطر عليه.

 

عقد أصابع يديه على جانبي الفراش، وحاول أن يهرع للنهوض من بين نظراتها الخانقة وزوال الضباب من حوله، لكنه توقف عن الحركة فجأةً بعدما تباينت أمامه صورة مألوفة. صورة كالحلم، بل هو الكابوس الآخر.

راح طاهر يلاعب أصابع قدميه المتباعدة قليلاً ويمسح صدره.

لقد وجد أن من كانت تبادله النظرات من بين الظلال الرمادية… هي زوجته أميرة. تلك المرأة التي ترتدي فستاناً كحلياً يلف جسدها برقة، لتمسح ثناياه الفَراشِيَّة كعبها الأسود المرتفع.

حاول أن يصرخ كالوحش… لكنه شعر في لحظةٍ وكأن سدادة فلينية حشرت في عنقه، فانتهى بتلك الصرخة في جوفه المنتفض: ابتعدي! شهق طاهر بعمق بينما تتحرك شفتاها المطليتان بالبياض:

كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه. ويفكر:

وكما تلاحظان، اعتدلت المرأة بعد ذلك، وضمت يديها في الأسفل بينما تتفحصه بعينيها الدافئتين.

 

“احذري من الوقوع هناك، وإلا ستفقدينَ حياتك!”

إنها أميرة…

كان صوتها كالجمرة المشعة إذا تساقطت عليها قطرات الندى؛ صوت مبحوح للغاية ورقيق.

 

إنها أميرة…

يتبع…

كانت تنظر إلى طاهر وينظر إليها في لحظة صمتٍ تلد صوت صرير من خلفه… تنفس طاهر بعمق بينما الجليد يذوب عن بدنه ويترك أثراً، عرقاً يخرج من مسامه. ويفكر:

لن تخدعني بنورك هذا، أتفهم!

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط