سلطعون هيتاغي — الفصل الرابع
كان ذلك في عطلة الربيع. لقد هاجمني مصاص دماء. حقيقة مخجلة إلى درجة تجعلني عاجزًا عن الظهور أمام الناس، خصوصًا في عصر أصبحت فيه القطارات المغناطيسية حقيقة واقعة، وأصبح السفر إلى الخارج في الرحلات المدرسية أمرًا بديهيًا… لكن، مهما يكن، لقد هاجمني مصاص دماء. كانت امرأة فائقة الجمال، جمالها يخضّ الدم في العروق. شيطانة جميلة. كانت — شيطانة جميلة بحق. صحيح أن ياقة بدلتي المدرسية تخفيه، لكن آثار عضّتها العميقة ما زالت إلى اليوم على رقبتي. كنت آمل أن يطول شعري قبل أن يحلّ الصيف بأي شكل من الأشكال، لكن دعنا من ذلك — فعادةً، حين يتعرض شخص عادي لهجوم من مصاص دماء، يُفترض أن تتدخل جهة ما لإنقاذه: صياد مصاصي دماء، مثلًا، أو فرقة خاصة تابعة للكنيسة المسيحية، أو حتى مصاص دماء يقتل أبناء جنسه. أما في حالتي أنا، فقد أنقذني رجل عابر للطريق، قذر الهيئة. وبفضل ذلك، تمكنت بطريقة أو بأخرى من العودة إلى إنسان — فلم تعد أشعة الشمس ولا الصليب ولا الثوم تؤذيني، لكن أحد آثار تلك الحادثة الجانبية ظلّ ملازمًا لي: قدراتي الجسدية لا تزال مرتفعة بشكل ملحوظ. وإن كنت لا أقصد القدرات الرياضية، بل ما يتعلق بعملية الأيض، أي بقدرتي على التعافي، إن صح التعبير. لا أدري ماذا كان سيحدث لو شُقّ خدي بسكين، لكن جرحًا بحجم وخزة دباسة لا يحتاج مني إلى أكثر من ثلاثين ثانية حتى يلتئم. ثم إن جروح الفم، أيًا كان الكائن الحي، تميل أصلًا إلى التعافي بسرعة. 「أوشينو — السيد أوشينو؟」 「بالضبط. أوشينو ميمي.」 「أوشينو ميمي، إذن — يبدو كأنه اسم لشخصية أنمي صُممت خصيصًا لتكون محبوبة…」 「لا ترفعي آمالك في هذا النوع من الأشياء. إنه رجل في منتصف العمر، تجاوز الثلاثين بسنوات.」 「آه، حسنًا. لكن لا بد أنه كان شخصية محبوبة للغاية عندما كان طفلًا، أليس كذلك؟」 「لا تنظري إلى الأشخاص الحقيقيين بهذه النظرة. ثم، هل تعرفين أصلًا ما معنى ’موي‘ و’شخصية‘ وأمثال هذه المصطلحات؟」 「هذا من قبيل الثقافة العامة.」 قالت سينجوغاهارا ببرود: 「الشخصية التي تشبهني، مثلًا، يُقال عنها تسونديري، أليس كذلك؟」 「………………」 الشخصية التي تشبهك أقرب إلى ’التندرا‘. على أي حال. من مدرستنا الخاصة، ثانوية ناوِه-إتسو، التي أرتادها أنا وهانيكاوا وسينجوغاهارا، وعلى بعد نحو عشرين دقيقة بالدراجة، وبعيدًا قليلًا عن المنطقة السكنية، كان هناك معهد للدروس الخصوصية. كان هناك. قبل بضع سنوات، دخلت مدرسة تحضيرية كبرى إلى المنطقة أمام المحطة، فتلقى هذا المعهد ضربة قاصمة، ودخل في أزمة مالية انتهت بإفلاسه وإغلاقه. وحين علمت بوجود هذا المبنى المؤلف من أربعة طوابق، كان قد تحول بالفعل إلى أنقاض مثيرة للإعجاب، لذا فإن كل ما أعرفه عن التفاصيل هو مجرد ما سمعته من الآخرين. خطر. ملكية خاصة. ممنوع الدخول. كانت مثل هذه اللافتات منتشرة في كل مكان، وكان المكان محاطًا بسياج كُتب عليه ’السلامة أولًا‘، لكن السياج كان مليئًا بالثغرات من كل جانب، حتى إن الدخول والخروج كانا متاحين تقريبًا للجميع. في هذه الأنقاض — كان أوشينو يعيش. مستوطنًا فيها من تلقاء نفسه. منذ عطلة الربيع، أي منذ شهر كامل. 「ومع ذلك، مؤخرتي تؤلمني. أشعر بوخز فيها. وتنورتي تجعدت أيضًا.」 「هذا ليس خطئي.」 「كفّ عن التملص. سأقطعها لك.」 「أي جزء بالضبط؟!」 「هذه أول مرة أركب فيها دراجة لشخصين، وكان يمكنك أن تكون ألطف قليلًا، أليس كذلك؟」 ألم يكن ’اللطف‘ عملًا عدائيًا بالنسبة إليها؟ كانت هذه الفتاة تتفوه بأمور لا تمتّ إلى المنطق بصلة. 「حسنًا، وكيف كان ينبغي لي أن أتصرف تحديدًا؟」 「همم. كمثال بسيط، كان بإمكانك أن تعطيني حقيبتك لأستخدمها بدل وسادة الجلوس.」 「ألا يهمك أحد سواكِ؟」 「لا تخاطبني بهذه الطريقة. قلت لك إنه مجرد مثال.」 ولم أفهم كيف كان ذلك يمكن أن يُعدّ دفاعًا عن كلامها. كان الأمر محيرًا للغاية. 「تبًا… في الواقع، حتى ماري أنطوانيت لا بد أنها كانت أكثر تواضعًا منكِ، وأكثر حياءً بقليل.」 「كانت أشبه بتلميذتي.」 「لكن… ماذا عن التسلسل الزمني؟!」 「هل يمكنك أن تتوقف عن الرد على كل كلمة أقولها بهذه الألفة؟ لقد أصبحت مألوفًا أكثر من اللازم منذ فترة. لو سمعنا شخص غريب فسوف يظن أننا زميلان في الصف.」 「لكننا زميلان في الصف فعلًا!」 إلى هذه الدرجة ترفض حتى الاعتراف بذلك؟ الأمر مبالغ فيه حقًا. 「يا إلهي… يبدو أن التعامل معك يتطلب قدرًا هائلًا من الصبر…」 「أراراغي-كن، بهذه الطريقة في الكلام يبدو وكأنك تقول إن المشكلة في شخصيتي أنا.」 وهذا بالضبط ما قلته. 「وبالمناسبة، أين حقيبتك أنتِ؟ ألا تحملين شيئًا بيديك؟ أم أنكِ لا تملكين واحدة؟」 حين فكرت في الأمر، لم أذكر أنني رأيت سينجوغاهارا تحمل شيئًا بيديها من قبل. 「جميع كتب المدرسة محفوظة في رأسي، لذلك أتركها في خزانتي بالمدرسة. وإذا دسست الأدوات المكتبية في أنحاء جسدي، فلا حاجة إلى حقيبة. أما في حالتي، فلا أحتاج حتى إلى ملابس الرياضة.」 「آه، فهمت.」 「ما لم تكن يداي حرتين، فمن الصعب جدًا القتال عند الحاجة.」 「…………」 جسد مليء بالأسلحة. سلاح بشري. 「الشيء الوحيد المزعج هو أنني لا أحب ترك مستلزمات الدورة الشهرية في المدرسة. لا أستطيع استعارتها من أحد لأنني لا أملك أصدقاء.」 「…لا تقولي مثل هذه الأمور بهذه الخفة.」 「لماذا؟ إنها ظاهرة جسدية حرفيًا، وليست شيئًا مخجلًا. أليس إخفاؤها هو الأمر المثير للخجل؟」 لكن عدم إخفائها إلى هذا الحد أيضًا فيه مشكلة. لا، إنها مسألة مبدأ شخصي. لن أتدخل. بل لعل الأهم أن أحتفظ في ذهني بجملة ’لأنني لا أملك أصدقاء‘، التي قالتها بقدر أكبر من العفوية. 「آه، صحيح.」 لم أكن أهتم حقًا بمثل هذه الأمور، لكن، كما يتضح من تعليقها السابق عن التنورة، كانت سينجوغاهارا في النهاية فتاة، ولا بد أنها لا تحب أن تتمزق ملابسها المدرسية أو تتلف. لذلك، بعد أن بحثت عن مدخل كبير ووصلت إليه، التفتُّ إليها. 「سأحمل تلك الأدوات المكتبية عنكِ.」 「ماذا؟」 「سأحملها، فأعطيني إياها.」 「ماذا؟ ماذا؟」 كان وجه سينجوغاهارا يقول بوضوح إنها تلقت للتو طلبًا غير معقول. كان يبدو كأنها تقول: ’هل أنت مختل عقليًا؟‘. 「أوشينو رجل غريب نوعًا ما، لكنه، على الأقل، الشخص الذي أنقذ حياتي — 」 وفوق ذلك. إنه منقذ هانيكاوا أيضًا. 「 — لذلك لا يمكنني أن أحضر إليه شخصًا خطيرًا. سأحتفظ بالأدوات المكتبية عنكِ.」 「تقول هذا بعد أن أحضرتني إلى هنا؟」 حدقت سينجوغاهارا في وجهي. 「لقد خدعتني، أليس كذلك؟」 「…………」 هل يستحق الأمر كل هذا الاتهام؟ لكن سينجوغاهارا ظلت لفترة، دون أن تنطق بكلمة، غارقة في صراع داخلي شديد. كانت بين الحين والآخر ترمقني بنظرة حادة، ثم تحدق في نقطة واحدة عند قدميها. ظننت أنها ربما ستستدير وتعود من حيث أتت، لكن في النهاية قالت، وكأنها حسمت أمرها: 「حسنًا، وافقت.」 「خذها.」 ثم بدأت تُخرج من مختلف أنحاء جسدها أدوات مكتبية شتى، واحدة تلو الأخرى، وكأنها تؤدي عرضًا سحريًا، وتسلمها إليّ. ما أظهرته لي عند بسطة الدرج في ذلك الوقت لم يكن سوى جزء ضئيل من كل ما تملك؛ مجرد لمحة من هذا المزيج من الأسلحة والجنون. ربما كان جيبها الداخلي بُعدًا رباعي الأبعاد. وربما كان ذلك علم القرن الثاني والعشرين. قلت إنني سأحتفظ بها، لكن كمية الأدوات كانت هائلة لدرجة أنني بدأت أشك حتى في إمكانية إدخالها كلها إلى حقيبتي. …أن يكون هناك إنسان كهذا يتجول بحرية في الطرق العامة دون أن تفرض عليه السلطات أي قيود، فهذا، مهما فكرت فيه، لا بد أن يكون نوعًا من الإهمال الإداري… 「لا تسيء الفهم. ليس معنى هذا أنني وثقت بك قليلًا.」 بعد أن سلّمتني كل شيء، قالت سينجوغاهارا: 「قلتِ: ليس معنى هذا أنني وثقت بك…」 「إذا كنت تخدعني، وتأخذني إلى هذه الأنقاض المهجورة، وتنوي الانتقام مني بسبب حادثة الدباسة، فذلك سيكون فهمًا خاطئًا تمامًا.」 「………」 بل أظن أن هذا سيكون فهمًا صحيحًا جدًا. 「اسمع جيدًا. إذا لم أتصل بك كل دقيقة، فسيهاجم خمسة آلاف من رجالي ذوي المظهر المخيف عائلتك.」 「لا بأس… لا تقلقي بلا داعٍ.」 「أتقول إن دقيقة واحدة تكفيك لإنهاء الأمر؟!」 「هل أنا ملاكم محترف أو ماذا؟」 وفوق ذلك، استهدفت عائلتي بلا أي تردد. يا لها من فتاة مرعبة. ثم إن خمسة آلاف؟ كانت كذبة فاضحة. كذبة جريئة من شخص لا يملك أصدقاء. 「أختاك الصغيرتان، كلتاهما لا تزالان في المرحلة الإعدادية، أليس كذلك؟」 「………………」 لقد كانت تعرف تركيبة عائلتي. قد تكون كذبة، لكنها لم تكن مزحة على ما يبدو. على أي حال، حتى بعدما أريتها شيئًا من قدرتي على عدم الموت، بدا واضحًا أنها لا تثق بي إطلاقًا. كان أوشينو يقول إن الثقة المتبادلة هي الأساس في مثل هذه الأمور، وإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، فلا يمكن القول إن وضعنا الحالي جيد. لكن لا بأس. من هنا فصاعدًا، هذه مشكلة سينجوغاهارا وحدها. أنا مجرد دليل. دخلنا إلى المبنى عبر فتحة في السياج المعدني. كان الوقت لا يزال عصرًا، لكن المبنى كان مظلمًا جدًا لمجرد كونه مبنىً مغلقًا. لقد تُرك مهجورًا لفترة طويلة، وكانت الأرض مليئة بالفوضى، بحيث كان من السهل أن يتعثر المرء إن لم ينتبه. وهنا أدركت شيئًا. بالنسبة إليّ، حتى لو كانت هناك علبة مشروب فارغة على الأرض، فهي مجرد علبة مشروب فارغة. أما بالنسبة إلى سينجوغاهارا، فهي علبة مشروب فارغة ذات كتلة تعادل عشرة أضعاف. إذا نظرنا إلى الأمر بصورة نسبية، فهذا ما سيحدث. لكنها ليست مسألة يمكن اختزالها ببساطة كما في القصص المصورة القديمة: جاذبية تعادل عشرة أضعاف، أو جاذبية تعادل عُشر المعتاد. لا يجوز أن نفترض ببساطة أن خفة الوزن تعني ارتفاع القدرة الحركية. وفوق ذلك، نحن في الظلام، وفي مكان مجهول بالنسبة إليها. لذلك، إذا أبدت سينجوغاهارا حذرًا يشبه حذر وحش بري، فربما لا يمكن لومها. فالسرعة قد تكون عشرة أضعاف. لكن القوة تصبح عُشر المعتاد. وحين فكرت في الأمر بهذه الطريقة، بدأت أفهم سبب تشبثها بتلك الأدوات المكتبية وعدم رغبتها في التخلي عنها. وكذلك — عدم حملها للحقيبة. بل حتى سبب عدم قدرتها على حملها. 「…من هنا.」 أمسكت معصم سينجوغاهارا، التي كانت واقفة قرب المدخل وكأنها لا تعرف ماذا تفعل، وقُدتها معي. ولأن الأمر جاء فجأة قليلًا، بدت متفاجئة، لكنها قالت: 「ماذا؟」 ثم تبعتني بطاعة رغم ذلك. 「لا تتوقع مني أن أشكرك.」 「أعرف.」 「بل يجدر بك أن تشكرني أنت.」 「هذا ما لا أفهمه!」 「أتذكر تلك الدباسة؟ حرصت عمدًا على أن تدخل الدبابيس من الجهة الداخلية بدل الخارجية حتى لا تترك آثارًا واضحة.」 「…………」 بغض النظر عن الطريقة التي تنظر بها إلى الأمر، فهذا مجرد منطق المعتدي الذي يقول: ’الوجه يلفت الأنظار، لذا اضربه في البطن بدلًا من ذلك‘. 「ثم لو اخترقت الدباسة جسمي من الجهتين، لكانت النتيجة واحدة.」 「بدا لي أن جلد وجه أراراغي-كن سميك بما يكفي ليحتمل الأمر، فقررت بطريقة ما أنه سيكون بخير.」 「هذا ليس مديحًا! وليس مديحًا إطلاقًا! ثم ماذا تعنين بـ’بطريقة ما‘؟」 「حدسي يصيب في نحو عشرة بالمئة من الحالات.」 「نسبة منخفضة جدًا!」 「على أي حال — 」 توقفت سينجوغاهارا لحظة، ثم قالت: 「في كل الأحوال، كان كل ذلك الاهتمام بلا فائدة.」 「…صحيح.」 「لو قلت لك إن كونك لا تموت يبدو أمرًا مريحًا، هل ستتأذى؟」 كان سؤال سينجوغاهارا. أجبتها: 「ليس الآن.」 ليس الآن — ليس كثيرًا. أما لو كان ذلك في عطلة الربيع… لو قالت لي تلك الكلمات حينها — ربما كنت سأموت بسببها. ربما كانت ستكون إصابة قاتلة. 「إن قلت إنه مفيد، فهو مفيد، وإن قلت إنه مزعج، فهو مزعج. شيء من هذا القبيل.」 「لا هذا ولا ذاك. كلامك غامض جدًا.」 رفعت سينجوغاهارا كتفيها. 「مثل عبارة ’خطر المرور‘. لا تعرف إن كان المقصود بـ’المرور‘ خطرًا أم لا. هل الأمر مشابه؟」 「’المرور‘ في تلك العبارة ليس كلمة ’أوكي‘.」 「حقًا؟」 「ثم إنني لم أعد خالدًا. كل ما في الأمر أن جروحي تلتئم أسرع قليلًا من المعتاد. عدا ذلك، أنا إنسان طبيعي.」 「همم. هكذا إذن.」 تمتمت سينجوغاهارا بنبرة تشي بالملل: 「كنت أخطط لاستغلال الفرصة وتجربة أشياء كثيرة عليك، لكن هذا مخيب للآمال.」 「يبدو أن هناك خطة سادية للغاية كانت تُحاك بعيدًا عن علمي…」 「لا تكن وقحًا. كنت أفكر فقط في أن أفعل ○○ بـ○○ وأجعلك ○○ قليلًا.」 「وما الذي يجب أن يوضع مكان ○○؟!」 「كنت أود أن أجرب أشياء كهذه وأشياء من ذلك النوع أيضًا.」 「أجب عن معنى الجزء المحجوب!」 كان أوشينو يوجد عادةً في الطابق الرابع. كان هناك مصعد أيضًا، لكنه بالطبع لم يكن يعمل. وبذلك، لم يبق أمامنا سوى خيارين: إما اختراق سقف المصعد والتسلق إلى الطابق الرابع عبر الحبال، أو استخدام الدرج. ومهما كان الشخص الذي يفكر في الأمر، فلا بد أن يختار الخيار الثاني. صعدت الدرج وأنا لا أزال ممسكًا بيد سينجوغاهارا. 「أراراغي-كن. أريد أن أقول لك شيئًا أخيرًا.」 「ماذا؟」 「قد لا يبدو الأمر كذلك بسبب الملابس، لكن جسدي، في الحقيقة، قد لا يكون جديرًا بأن ترتكب جريمة من أجله.」 「…………」 يبدو أن هيتاغي سينجوغاهارا تتمتع بمفهوم راسخ للغاية عن العفة. 「ألم تفهم التلميح؟ حسنًا، سأكون أكثر وضوحًا. إذا أظهرت طبيعتك الوضيعة واغتصبتني، فسأستخدم أي وسيلة ممكنة لأنتقم منك انتقامًا… على طريقة حبّ الأولاد.」 「…………」 الخجل والحياء لديهما يقتربان من الصفر. بل إنها مرعبة فعلًا. 「ثم إنني لا أتحدث فقط عن هذه الجملة. بالنظر إلى تصرفاتك عمومًا، يا سينجوغاهارا، ألا تعتقدين أنكِ مهووسة بنفسكِ قليلًا؟ أو أن لديكِ ميلًا مبالغًا فيه إلى تصور نفسكِ ضحية؟」 「يا إلهي. حتى لو كانت الحقيقة، هناك أشياء يجوز قولها وأشياء لا يجوز.」 「أنتِ تعرفين ذلك عن نفسكِ؟!」 「على كل حال، من الغريب أن يعيش في مبنى يبدو وكأنه سينهار في أي لحظة — أقصد، ذلك الرجل، أوشينو.」 「آه… إنه غريب الأطوار جدًا.」 ولو سألتني أيهما أغرب، هي أم هو، فالأمر أصبح الآن صعبًا جدًا على الإجابة الفورية. 「أما كان ينبغي أن تتصل به مسبقًا؟ أعني، إذا كنا سنأتي إليه طلبًا للمساعدة. أعلم أن الوقت قد فات على قول ذلك.」 「لا يسعني إلا أن أُفاجأ بهذا الكلام العقلاني منك، لكن للأسف، ذلك الرجل لا يملك حتى هاتفًا محمولًا.」 「إنه غامض جدًا. بل يمكن وصفه بالشخص المريب. ما الذي يفعله أصلًا؟」 「لا أعرف التفاصيل، لكن — يقال إنه متخصص في أمثالنا أنا وأنتِ.」 「همم.」 لم يكن ذلك تفسيرًا بأي معنى للكلمة، ومع ذلك لم تحاول سينجوغاهارا استجوابي أكثر. ربما لأنها فكرت أننا سنقابله بعد قليل على أي حال، أو ربما لأنها رأت أن السؤال لن يفيد. وفي كلتا الحالتين، كانت محقة. 「أوه. أراراغي-كن، أنت ترتدي ساعتك في ذراعك اليمنى.」 「همم؟ آه، نعم.」 「هل أنت شخص منحرف عن المألوف؟」 「كان عليكِ أن تسألي أولًا إن كنتُ أعسر!」 「حسنًا. والجواب؟」 「…………」 كنت بالفعل شخصًا منحرفًا عن المألوف. الطابق الرابع. بما أن المبنى كان في الأصل معهدًا للدروس الخصوصية، فقد كانت هناك ثلاث غرف تشبه الفصول الدراسية — لكن أبواب جميع الغرف كانت قد تحطمت، فأصبحت الممرات والغرف مساحة واحدة متصلة. وحين بدأت أبحث عن أوشينو، ألقيت نظرة داخل أقرب غرفة، فإذا بـ: 「أوه، أراراغي-كن. أتيت أخيرًا.」 كان أوشينو ميمي هناك. كان جالسًا متربعًا فوق سرير بدائي الصنع، إن جاز تسميته سريرًا أصلًا، صنعه من عدة مكاتب متآكلة متصلة ببعضها ومربوطة بحبل بلاستيكي. وكأنه كان يعرف تمامًا أنني سأأتي. كما هو دائمًا — رجل يبدو وكأنه يعرف ما يدور في رأسك قبل أن تقوله. أما سينجوغاهارا — فكانت تنظر إليه بوضوح بنفور. صحيح أنني أخبرتها عنه مسبقًا، لكن مظهر أوشينو القذر كان، على الأرجح، يتجاوز المعايير الجمالية لطالبة ثانوية في عصرنا بفارق شاسع. ولو عاش أي شخص في هذه الأنقاض، لانتهى به الأمر بمظهر رث كهذا، لكن حتى من وجهة نظر فتى مثلي، كان من المستحيل القول إن مظهر أوشينو يوحي بالنظافة. بل لم يكن أمامي، إن أردت الصراحة، سوى القول إنه يفتقر إلى النظافة. وفوق كل شيء، كان قميصه الهاواي الصارخ ذو الألوان الهلوسية هو القشة القاصمة. لطالما فكرت في الأمر، لكن كون هذا الرجل بالذات هو من أنقذ حياتي أمر يبعث على شيء من الصدمة… أما هانيكاوا، فهي إنسانة راقية بما يكفي كي لا تهتم بمثل هذه الأمور ولو بمقدار شعرة. 「ما الأمر؟ أراراغي-كن، جئت اليوم أيضًا برفقة فتاة مختلفة. في كل مرة أراك فيها تكون برفقة فتاة مختلفة — يا له من خبر يسر القلب حقًا.」 「توقف. لا تختزلني في قالب شخصية رخيصة إلى هذه الدرجة.」 「همم — آه؟」 أوشينو. أخذ يتأمل سينجوغاهارا من بعيد. وكأنه يرى شيئًا خلفها. 「…تشرفت بلقائك، آنسة. أنا أوشينو.」 「تشرفت بلقائك — أنا هيتاغي سينجوغاهارا.」 ألقت التحية كما ينبغي. يبدو أنها ليست سليطة اللسان بلا سبب. فعلى الأقل، كانت تعرف آداب التعامل مع من هم أكبر منها سنًا. 「أنا زميلة أراراغي-كن في الصف، وقد أخبرني عن السيد أوشينو.」 「آه — حسنًا.」 أومأ أوشينو إيماءة ذات مغزى. ثم خفض رأسه، وأخرج سيجارة ووضعها بين شفتيه. لكنه لم يشعلها. أما النافذة، فلم تعد نافذة تؤدي وظيفتها أصلًا، بل لم يبق منها سوى شظايا زجاج غير مكتملة، ومع ذلك أشار أوشينو بطرف سيجارته إلى المنظر خلفها. وبعد أن ترك صمتًا طويلًا، التفت إليّ. 「هل تفضل يا أراراغي-كن الفتيات ذوات الغرة المستقيمة؟」 「قلت لك لا تختزل الناس بهذه السهولة. تفضيل الغرة المستقيمة يعني، وفقًا للمنطق، أنك مجرد محب للفتيات الصغيرات. لا تخلطني بجيلك الذي نشأ و’فول هاوس‘ جزء من مراهقته.」 「صحيح.」 ضحك أوشينو. وعند سماع ضحكته، عقدت سينجوغاهارا حاجبيها. ربما أزعجتها كلمة ’محب للفتيات الصغيرات‘. 「حسنًا — لنترك التفاصيل لتسمعها مني شخصيًا، لكن، على أي حال، أوشينو — هذا الرجل، قبل نحو عامين — 」 「وتوقف عن مناداتي ’هذا الرجل‘ أيضًا.」 قالت سينجوغاهارا بصوت حازم. 「إذن، ماذا أناديك؟」 「سينجوغاهارا-ساما.」 「…………」 هل هذه الفتاة عاقلة؟ 「…سينجوغاهارا-ساما.」 「لا أحب نطقها بحروف منفصلة. قلها بشكل صحيح.」 「سينجوغاهارا-تشان.」 فورًا، أصابتني في عيني. 「ستجعلينني أعمى!」 「لأنك قلت شيئًا أعمى.」 「ما هذه المساواة الغريبة بين الذنب والعقوبة؟!」 「نحاس أربعون غرامًا، وزينك خمسة وعشرون غرامًا، ونيكل خمسة عشر غرامًا، وخمسة غرامات من الخجل المموه، وسبعة وتسعون كيلوغرامًا من سوء النية؛ هكذا تُصنع إهاناتي.」 「إنها في معظمها سوء نية!」 「وبالمناسبة، جزء ’الخجل المموه‘ كان كذبة.」 「العنصر الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون مفقودًا قد اختفى!」 「اصمت. إن لم تتوقف فسأجعل لقبك ’آلام الدورة الشهرية‘.」 「هذا تنمر من النوع الذي يدفع المرء إلى الانتحار!」 「ما المشكلة؟ إنها ظاهرة جسدية حرفيًا، فلا شيء مخجل فيها.」 「الأمر مختلف عندما تكون هناك نية سيئة!」 وبدا أنها اكتفت بهذا القدر، فعادت سينجوغاهارا أخيرًا بوجهها نحو أوشينو. 「وبعيدًا عن كل شيء، هناك سؤال أريد أن أطرحه أولًا.」 كان أسلوبها في الكلام أشبه بمن يوجه السؤال إلينا نحن الاثنين، أنا وأوشينو، أكثر مما توجهه إليه وحده، ثم أشارت إلى زاوية الغرفة. هناك، كانت فتاة صغيرة تحتضن ركبتيها. فتاة صغيرة إلى درجة تبدو معها غريبة حتى في مكان كهذا، معهد للدروس الخصوصية؛ فتاة شقراء ذات بشرة بيضاء، ترتدي خوذة ونظارات واقية، وتبدو في نحو الثامنة من عمرها، جالسة على الأرض وهي تضم ركبتيها إلى صدرها. 「ما تلك الفتاة بالضبط؟」 مجرد طريقة سؤالها عن ’ما‘ بدل ’من‘ كانت كافية للدلالة على أن سينجوغاهارا أدركت أن الفتاة شيء ما. وفوق ذلك، كان من المؤكد أن أي شخص يملك حواسًا سليمة سيشعر بأن هناك شيئًا غريبًا، خصوصًا وأن الفتاة، بنظرة شرسة تكاد تجعل حتى سينجوغاهارا تتراجع، لم تكن تكف عن التحديق في أوشينو وحده، بحدة. 「آه، لا داعي للاهتمام بها.」 سبقت أوشينو في الإجابة وشرحت لسينجوغاهارا: 「إنها تجلس هناك فقط، ولا تستطيع فعل أي شيء، لذلك — لا شيء مهم. لا ظل لها ولا هيئة. لا اسم لها ولا وجود. مجرد طفلة كهذه.」 「مهلًا يا أراراغي-كن.」 تدخل أوشينو عندها. 「صحيح أن الظل والهيئة، وكذلك الوجود، ليست لها. لكنني منحتها اسمًا بالأمس. لقد أدت عملًا جيدًا خلال الأسبوع الذهبي، وفوق ذلك، من المزعج للغاية أن تكون بلا اسم. ثم إنها ستظل شرسة وعدوانية إلى الأبد ما دامت بلا اسم.」 「حقًا — أعطيتها اسمًا؟ وما هو؟」 كانت محادثة تستبعد سينجوغاهارا تمامًا، لكنني كنت فضوليًا، فسألت. 「سميتها شينوبو أوشينو.」 「شينوبو — همم.」 اسم ياباني بامتياز. مع أن ذلك لا يهم كثيرًا في هذه الحالة. 「هارت-أندر-بليد اسم مناسب لها، أليس كذلك؟ أما اسم العائلة، فقد استعرت اسمي أنا. ولحسن الحظ، يحوي اسمي أيضًا حرف ’شينوبو‘. وبجعله مرتين، يحصل الاسم على معنى ثلاثي. بصراحة، أظن أن ذوقي ليس سيئًا، وقد أحببته كثيرًا.」 「لا بأس به، أظن.」 وبصراحة، لم يكن الأمر يهمني إطلاقًا. مع أن ’أوشينو أوشينو‘ لا أظنه مناسبًا. 「فكرت في الأمر طويلًا، وفي النهاية ترددت بين ’شينوبو أوشينو‘ و’شي-نو أوشينو‘، لكنني فضّلت وقع الاسم على الالتزام بالقواعد اللغوية. كما أن ترتيب حروف الكانجي يعطيه شيئًا من طابع تلك اللجنة-تشان، وهذا يرفع قيمته في نظري كثيرًا.」 「أظنه اسمًا جيدًا.」 أقول لك، لا يهمني إطلاقًا. لكنني لا أظن أن ’شي-نو‘ خيار مناسب. 「لذلك — 」 قالت سينجوغاهارا أخيرًا، وقد بدا أنها بدأت تفقد صبرها: 「ما تلك الفتاة بالضبط؟」 「قلت لك — لا شيء.」 بقايا مصاص دماء. بقايا الشيطانة الجميلة. حتى لو قلت لها ذلك، فما الفائدة؟ ليس أمامي خيار آخر. لا علاقة لسينجوغاهارا بهذا الأمر. إنها مشكلتي أنا. مجرد قدر بسيط من الخطيئة التي سأضطر إلى حملها معي لبقية حياتي. 「إذا لم تكن شيئًا، فلا بأس.」 「…………」 يا لها من فتاة باردة. 「كانت جدتي من جهة أبي تقول لي دائمًا: ’لا بأس أن تكوني باردة، فقط كوني قوية‘.」 「ما معنى ’كوني قوية‘ بهذا الشكل؟」 لقد قلبت الكلمات بعضها على بعض. مثلما يخطئ المرء في نطق كلمة ’أرثوذكسي‘ فيجعلها ’أودوكس‘ أو ما شابه. 「لكن، بعيدًا عن ذلك.」 نقلت هيتاغي سينجوغاهارا بصرها من شينوبو، الفتاة الشقراء ذات البشرة البيضاء، مصاصة الدماء سابقًا، إلى أوشينو ميمي. 「سمعت أنك ستساعدني.」 「أساعدك؟ لا، هذا مستحيل.」 قال أوشينو بنبرته المعتادة، مازحًا. 「أنتِ من ستساعدين نفسك بنفسك، أيتها الصغيرة.」 「…………」 أوه. ضاقت عينا سينجوغاهارا حتى كادتا أن تنغلقا إلى النصف. كان الشك ظاهرًا على وجهها. 「قال لي خمسة أشخاص من قبل كلامًا مشابهًا جدًا — وجميعهم كانوا محتالين. هل أنت من النوع نفسه، يا سيد أوشينو؟」 「هاهاها! يا لها من فتاة مفعمة بالحيوية! هل حدث لك شيء جيد؟」 لماذا يستفزها هو أيضًا بهذه الطريقة؟ صحيح أن الاستفزاز قد ينجح مع بعض الناس، مثل هانيكاوا مثلًا، لكن سينجوغاهارا تحديدًا؟ مستحيل. إنها من النوع الذي يرد على الاستفزاز بهجوم استباقي. 「م-مهلًا، مهلًا.」 اضطررت إلى التدخل للصلح. تدخلت بالقوة بينهما. 「تدخل لا داعي له. سأقتلك.」 「…………」 لقد قالت ’سأقتلك‘ بكل بساطة. لماذا تتطاير شرارات النار نحوي أنا؟ امرأة أشبه بقنبلة حارقة. حقًا، لا تنتهي التشبيهات التي تصلح لوصفها. 「على أي حال.」 قال أوشينو، على النقيض منها تمامًا، بنبرة مسترخية: 「لن نتقدم خطوة واحدة ما لم تتحدثي. أنا سيئ جدًا في قراءة الأفكار. وفوق ذلك، أحب الحوار أكثر من أي شيء آخر؛ فأنا ثرثار بطبيعتي. لكن لا تقلقي، سأحافظ على السرية التامة. لا مشكلة.」 「…………」 「آه، صحيح. دعني أشرح الأمر بإيجاز أولًا — 」 「لا يا أراراغي-كن.」 مرة أخرى، قاطعتني سينجوغاهارا وأنا أحاول أن أشرح الصورة العامة. 「سأتحدث بنفسي.」 「سينجوغاهارا — 」 「أستطيع أن أفعل ذلك بنفسي.」 قالتها.
004
كان ذلك في عطلة الربيع.
لقد هاجمني مصاص دماء.
حقيقة مخجلة إلى درجة تجعلني عاجزًا عن الظهور أمام الناس، خصوصًا في عصر أصبحت فيه القطارات المغناطيسية حقيقة واقعة، وأصبح السفر إلى الخارج في الرحلات المدرسية أمرًا بديهيًا… لكن، مهما يكن، لقد هاجمني مصاص دماء.
كانت امرأة فائقة الجمال، جمالها يخضّ الدم في العروق.
شيطانة جميلة.
كانت — شيطانة جميلة بحق.
صحيح أن ياقة بدلتي المدرسية تخفيه، لكن آثار عضّتها العميقة ما زالت إلى اليوم على رقبتي. كنت آمل أن يطول شعري قبل أن يحلّ الصيف بأي شكل من الأشكال، لكن دعنا من ذلك — فعادةً، حين يتعرض شخص عادي لهجوم من مصاص دماء، يُفترض أن تتدخل جهة ما لإنقاذه: صياد مصاصي دماء، مثلًا، أو فرقة خاصة تابعة للكنيسة المسيحية، أو حتى مصاص دماء يقتل أبناء جنسه. أما في حالتي أنا، فقد أنقذني رجل عابر للطريق، قذر الهيئة.
وبفضل ذلك، تمكنت بطريقة أو بأخرى من العودة إلى إنسان — فلم تعد أشعة الشمس ولا الصليب ولا الثوم تؤذيني، لكن أحد آثار تلك الحادثة الجانبية ظلّ ملازمًا لي: قدراتي الجسدية لا تزال مرتفعة بشكل ملحوظ. وإن كنت لا أقصد القدرات الرياضية، بل ما يتعلق بعملية الأيض، أي بقدرتي على التعافي، إن صح التعبير. لا أدري ماذا كان سيحدث لو شُقّ خدي بسكين، لكن جرحًا بحجم وخزة دباسة لا يحتاج مني إلى أكثر من ثلاثين ثانية حتى يلتئم. ثم إن جروح الفم، أيًا كان الكائن الحي، تميل أصلًا إلى التعافي بسرعة.
「أوشينو — السيد أوشينو؟」
「بالضبط. أوشينو ميمي.」
「أوشينو ميمي، إذن — يبدو كأنه اسم لشخصية أنمي صُممت خصيصًا لتكون محبوبة…」
「لا ترفعي آمالك في هذا النوع من الأشياء. إنه رجل في منتصف العمر، تجاوز الثلاثين بسنوات.」
「آه، حسنًا. لكن لا بد أنه كان شخصية محبوبة للغاية عندما كان طفلًا، أليس كذلك؟」
「لا تنظري إلى الأشخاص الحقيقيين بهذه النظرة. ثم، هل تعرفين أصلًا ما معنى ’موي‘ و’شخصية‘ وأمثال هذه المصطلحات؟」
「هذا من قبيل الثقافة العامة.」
قالت سينجوغاهارا ببرود:
「الشخصية التي تشبهني، مثلًا، يُقال عنها تسونديري، أليس كذلك؟」
「………………」
الشخصية التي تشبهك أقرب إلى ’التندرا‘.
على أي حال.
من مدرستنا الخاصة، ثانوية ناوِه-إتسو، التي أرتادها أنا وهانيكاوا وسينجوغاهارا، وعلى بعد نحو عشرين دقيقة بالدراجة، وبعيدًا قليلًا عن المنطقة السكنية، كان هناك معهد للدروس الخصوصية.
كان هناك.
قبل بضع سنوات، دخلت مدرسة تحضيرية كبرى إلى المنطقة أمام المحطة، فتلقى هذا المعهد ضربة قاصمة، ودخل في أزمة مالية انتهت بإفلاسه وإغلاقه. وحين علمت بوجود هذا المبنى المؤلف من أربعة طوابق، كان قد تحول بالفعل إلى أنقاض مثيرة للإعجاب، لذا فإن كل ما أعرفه عن التفاصيل هو مجرد ما سمعته من الآخرين.
خطر.
ملكية خاصة.
ممنوع الدخول.
كانت مثل هذه اللافتات منتشرة في كل مكان، وكان المكان محاطًا بسياج كُتب عليه ’السلامة أولًا‘، لكن السياج كان مليئًا بالثغرات من كل جانب، حتى إن الدخول والخروج كانا متاحين تقريبًا للجميع.
في هذه الأنقاض — كان أوشينو يعيش.
مستوطنًا فيها من تلقاء نفسه.
منذ عطلة الربيع، أي منذ شهر كامل.
「ومع ذلك، مؤخرتي تؤلمني. أشعر بوخز فيها. وتنورتي تجعدت أيضًا.」
「هذا ليس خطئي.」
「كفّ عن التملص. سأقطعها لك.」
「أي جزء بالضبط؟!」
「هذه أول مرة أركب فيها دراجة لشخصين، وكان يمكنك أن تكون ألطف قليلًا، أليس كذلك؟」
ألم يكن ’اللطف‘ عملًا عدائيًا بالنسبة إليها؟
كانت هذه الفتاة تتفوه بأمور لا تمتّ إلى المنطق بصلة.
「حسنًا، وكيف كان ينبغي لي أن أتصرف تحديدًا؟」
「همم. كمثال بسيط، كان بإمكانك أن تعطيني حقيبتك لأستخدمها بدل وسادة الجلوس.」
「ألا يهمك أحد سواكِ؟」
「لا تخاطبني بهذه الطريقة. قلت لك إنه مجرد مثال.」
ولم أفهم كيف كان ذلك يمكن أن يُعدّ دفاعًا عن كلامها.
كان الأمر محيرًا للغاية.
「تبًا… في الواقع، حتى ماري أنطوانيت لا بد أنها كانت أكثر تواضعًا منكِ، وأكثر حياءً بقليل.」
「كانت أشبه بتلميذتي.」
「لكن… ماذا عن التسلسل الزمني؟!」
「هل يمكنك أن تتوقف عن الرد على كل كلمة أقولها بهذه الألفة؟ لقد أصبحت مألوفًا أكثر من اللازم منذ فترة. لو سمعنا شخص غريب فسوف يظن أننا زميلان في الصف.」
「لكننا زميلان في الصف فعلًا!」
إلى هذه الدرجة ترفض حتى الاعتراف بذلك؟
الأمر مبالغ فيه حقًا.
「يا إلهي… يبدو أن التعامل معك يتطلب قدرًا هائلًا من الصبر…」
「أراراغي-كن، بهذه الطريقة في الكلام يبدو وكأنك تقول إن المشكلة في شخصيتي أنا.」
وهذا بالضبط ما قلته.
「وبالمناسبة، أين حقيبتك أنتِ؟ ألا تحملين شيئًا بيديك؟ أم أنكِ لا تملكين واحدة؟」
حين فكرت في الأمر، لم أذكر أنني رأيت سينجوغاهارا تحمل شيئًا بيديها من قبل.
「جميع كتب المدرسة محفوظة في رأسي، لذلك أتركها في خزانتي بالمدرسة. وإذا دسست الأدوات المكتبية في أنحاء جسدي، فلا حاجة إلى حقيبة. أما في حالتي، فلا أحتاج حتى إلى ملابس الرياضة.」
「آه، فهمت.」
「ما لم تكن يداي حرتين، فمن الصعب جدًا القتال عند الحاجة.」
「…………」
جسد مليء بالأسلحة.
سلاح بشري.
「الشيء الوحيد المزعج هو أنني لا أحب ترك مستلزمات الدورة الشهرية في المدرسة. لا أستطيع استعارتها من أحد لأنني لا أملك أصدقاء.」
「…لا تقولي مثل هذه الأمور بهذه الخفة.」
「لماذا؟ إنها ظاهرة جسدية حرفيًا، وليست شيئًا مخجلًا. أليس إخفاؤها هو الأمر المثير للخجل؟」
لكن عدم إخفائها إلى هذا الحد أيضًا فيه مشكلة.
لا، إنها مسألة مبدأ شخصي.
لن أتدخل.
بل لعل الأهم أن أحتفظ في ذهني بجملة ’لأنني لا أملك أصدقاء‘، التي قالتها بقدر أكبر من العفوية.
「آه، صحيح.」
لم أكن أهتم حقًا بمثل هذه الأمور، لكن، كما يتضح من تعليقها السابق عن التنورة، كانت سينجوغاهارا في النهاية فتاة، ولا بد أنها لا تحب أن تتمزق ملابسها المدرسية أو تتلف. لذلك، بعد أن بحثت عن مدخل كبير ووصلت إليه، التفتُّ إليها.
「سأحمل تلك الأدوات المكتبية عنكِ.」
「ماذا؟」
「سأحملها، فأعطيني إياها.」
「ماذا؟ ماذا؟」
كان وجه سينجوغاهارا يقول بوضوح إنها تلقت للتو طلبًا غير معقول. كان يبدو كأنها تقول: ’هل أنت مختل عقليًا؟‘.
「أوشينو رجل غريب نوعًا ما، لكنه، على الأقل، الشخص الذي أنقذ حياتي — 」
وفوق ذلك.
إنه منقذ هانيكاوا أيضًا.
「 — لذلك لا يمكنني أن أحضر إليه شخصًا خطيرًا. سأحتفظ بالأدوات المكتبية عنكِ.」
「تقول هذا بعد أن أحضرتني إلى هنا؟」
حدقت سينجوغاهارا في وجهي.
「لقد خدعتني، أليس كذلك؟」
「…………」
هل يستحق الأمر كل هذا الاتهام؟
لكن سينجوغاهارا ظلت لفترة، دون أن تنطق بكلمة، غارقة في صراع داخلي شديد. كانت بين الحين والآخر ترمقني بنظرة حادة، ثم تحدق في نقطة واحدة عند قدميها.
ظننت أنها ربما ستستدير وتعود من حيث أتت، لكن في النهاية قالت، وكأنها حسمت أمرها:
「حسنًا، وافقت.」
「خذها.」
ثم بدأت تُخرج من مختلف أنحاء جسدها أدوات مكتبية شتى، واحدة تلو الأخرى، وكأنها تؤدي عرضًا سحريًا، وتسلمها إليّ. ما أظهرته لي عند بسطة الدرج في ذلك الوقت لم يكن سوى جزء ضئيل من كل ما تملك؛ مجرد لمحة من هذا المزيج من الأسلحة والجنون. ربما كان جيبها الداخلي بُعدًا رباعي الأبعاد. وربما كان ذلك علم القرن الثاني والعشرين. قلت إنني سأحتفظ بها، لكن كمية الأدوات كانت هائلة لدرجة أنني بدأت أشك حتى في إمكانية إدخالها كلها إلى حقيبتي.
…أن يكون هناك إنسان كهذا يتجول بحرية في الطرق العامة دون أن تفرض عليه السلطات أي قيود، فهذا، مهما فكرت فيه، لا بد أن يكون نوعًا من الإهمال الإداري…
「لا تسيء الفهم. ليس معنى هذا أنني وثقت بك قليلًا.」
بعد أن سلّمتني كل شيء، قالت سينجوغاهارا:
「قلتِ: ليس معنى هذا أنني وثقت بك…」
「إذا كنت تخدعني، وتأخذني إلى هذه الأنقاض المهجورة، وتنوي الانتقام مني بسبب حادثة الدباسة، فذلك سيكون فهمًا خاطئًا تمامًا.」
「………」
بل أظن أن هذا سيكون فهمًا صحيحًا جدًا.
「اسمع جيدًا. إذا لم أتصل بك كل دقيقة، فسيهاجم خمسة آلاف من رجالي ذوي المظهر المخيف عائلتك.」
「لا بأس… لا تقلقي بلا داعٍ.」
「أتقول إن دقيقة واحدة تكفيك لإنهاء الأمر؟!」
「هل أنا ملاكم محترف أو ماذا؟」
وفوق ذلك، استهدفت عائلتي بلا أي تردد.
يا لها من فتاة مرعبة.
ثم إن خمسة آلاف؟ كانت كذبة فاضحة.
كذبة جريئة من شخص لا يملك أصدقاء.
「أختاك الصغيرتان، كلتاهما لا تزالان في المرحلة الإعدادية، أليس كذلك؟」
「………………」
لقد كانت تعرف تركيبة عائلتي.
قد تكون كذبة، لكنها لم تكن مزحة على ما يبدو.
على أي حال، حتى بعدما أريتها شيئًا من قدرتي على عدم الموت، بدا واضحًا أنها لا تثق بي إطلاقًا. كان أوشينو يقول إن الثقة المتبادلة هي الأساس في مثل هذه الأمور، وإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، فلا يمكن القول إن وضعنا الحالي جيد.
لكن لا بأس.
من هنا فصاعدًا، هذه مشكلة سينجوغاهارا وحدها.
أنا مجرد دليل.
دخلنا إلى المبنى عبر فتحة في السياج المعدني. كان الوقت لا يزال عصرًا، لكن المبنى كان مظلمًا جدًا لمجرد كونه مبنىً مغلقًا. لقد تُرك مهجورًا لفترة طويلة، وكانت الأرض مليئة بالفوضى، بحيث كان من السهل أن يتعثر المرء إن لم ينتبه.
وهنا أدركت شيئًا.
بالنسبة إليّ، حتى لو كانت هناك علبة مشروب فارغة على الأرض، فهي مجرد علبة مشروب فارغة. أما بالنسبة إلى سينجوغاهارا، فهي علبة مشروب فارغة ذات كتلة تعادل عشرة أضعاف.
إذا نظرنا إلى الأمر بصورة نسبية، فهذا ما سيحدث.
لكنها ليست مسألة يمكن اختزالها ببساطة كما في القصص المصورة القديمة: جاذبية تعادل عشرة أضعاف، أو جاذبية تعادل عُشر المعتاد. لا يجوز أن نفترض ببساطة أن خفة الوزن تعني ارتفاع القدرة الحركية. وفوق ذلك، نحن في الظلام، وفي مكان مجهول بالنسبة إليها. لذلك، إذا أبدت سينجوغاهارا حذرًا يشبه حذر وحش بري، فربما لا يمكن لومها.
فالسرعة قد تكون عشرة أضعاف.
لكن القوة تصبح عُشر المعتاد.
وحين فكرت في الأمر بهذه الطريقة، بدأت أفهم سبب تشبثها بتلك الأدوات المكتبية وعدم رغبتها في التخلي عنها.
وكذلك — عدم حملها للحقيبة.
بل حتى سبب عدم قدرتها على حملها.
「…من هنا.」
أمسكت معصم سينجوغاهارا، التي كانت واقفة قرب المدخل وكأنها لا تعرف ماذا تفعل، وقُدتها معي. ولأن الأمر جاء فجأة قليلًا، بدت متفاجئة، لكنها قالت:
「ماذا؟」
ثم تبعتني بطاعة رغم ذلك.
「لا تتوقع مني أن أشكرك.」
「أعرف.」
「بل يجدر بك أن تشكرني أنت.」
「هذا ما لا أفهمه!」
「أتذكر تلك الدباسة؟ حرصت عمدًا على أن تدخل الدبابيس من الجهة الداخلية بدل الخارجية حتى لا تترك آثارًا واضحة.」
「…………」
بغض النظر عن الطريقة التي تنظر بها إلى الأمر، فهذا مجرد منطق المعتدي الذي يقول: ’الوجه يلفت الأنظار، لذا اضربه في البطن بدلًا من ذلك‘.
「ثم لو اخترقت الدباسة جسمي من الجهتين، لكانت النتيجة واحدة.」
「بدا لي أن جلد وجه أراراغي-كن سميك بما يكفي ليحتمل الأمر، فقررت بطريقة ما أنه سيكون بخير.」
「هذا ليس مديحًا! وليس مديحًا إطلاقًا! ثم ماذا تعنين بـ’بطريقة ما‘؟」
「حدسي يصيب في نحو عشرة بالمئة من الحالات.」
「نسبة منخفضة جدًا!」
「على أي حال — 」
توقفت سينجوغاهارا لحظة، ثم قالت:
「في كل الأحوال، كان كل ذلك الاهتمام بلا فائدة.」
「…صحيح.」
「لو قلت لك إن كونك لا تموت يبدو أمرًا مريحًا، هل ستتأذى؟」
كان سؤال سينجوغاهارا.
أجبتها:
「ليس الآن.」
ليس الآن — ليس كثيرًا.
أما لو كان ذلك في عطلة الربيع…
لو قالت لي تلك الكلمات حينها — ربما كنت سأموت بسببها. ربما كانت ستكون إصابة قاتلة.
「إن قلت إنه مفيد، فهو مفيد، وإن قلت إنه مزعج، فهو مزعج. شيء من هذا القبيل.」
「لا هذا ولا ذاك. كلامك غامض جدًا.」
رفعت سينجوغاهارا كتفيها.
「مثل عبارة ’خطر المرور‘. لا تعرف إن كان المقصود بـ’المرور‘ خطرًا أم لا. هل الأمر مشابه؟」
「’المرور‘ في تلك العبارة ليس كلمة ’أوكي‘.」
「حقًا؟」
「ثم إنني لم أعد خالدًا. كل ما في الأمر أن جروحي تلتئم أسرع قليلًا من المعتاد. عدا ذلك، أنا إنسان طبيعي.」
「همم. هكذا إذن.」
تمتمت سينجوغاهارا بنبرة تشي بالملل:
「كنت أخطط لاستغلال الفرصة وتجربة أشياء كثيرة عليك، لكن هذا مخيب للآمال.」
「يبدو أن هناك خطة سادية للغاية كانت تُحاك بعيدًا عن علمي…」
「لا تكن وقحًا. كنت أفكر فقط في أن أفعل ○○ بـ○○ وأجعلك ○○ قليلًا.」
「وما الذي يجب أن يوضع مكان ○○؟!」
「كنت أود أن أجرب أشياء كهذه وأشياء من ذلك النوع أيضًا.」
「أجب عن معنى الجزء المحجوب!」
كان أوشينو يوجد عادةً في الطابق الرابع.
كان هناك مصعد أيضًا، لكنه بالطبع لم يكن يعمل. وبذلك، لم يبق أمامنا سوى خيارين: إما اختراق سقف المصعد والتسلق إلى الطابق الرابع عبر الحبال، أو استخدام الدرج. ومهما كان الشخص الذي يفكر في الأمر، فلا بد أن يختار الخيار الثاني.
صعدت الدرج وأنا لا أزال ممسكًا بيد سينجوغاهارا.
「أراراغي-كن. أريد أن أقول لك شيئًا أخيرًا.」
「ماذا؟」
「قد لا يبدو الأمر كذلك بسبب الملابس، لكن جسدي، في الحقيقة، قد لا يكون جديرًا بأن ترتكب جريمة من أجله.」
「…………」
يبدو أن هيتاغي سينجوغاهارا تتمتع بمفهوم راسخ للغاية عن العفة.
「ألم تفهم التلميح؟ حسنًا، سأكون أكثر وضوحًا. إذا أظهرت طبيعتك الوضيعة واغتصبتني، فسأستخدم أي وسيلة ممكنة لأنتقم منك انتقامًا… على طريقة حبّ الأولاد.」
「…………」
الخجل والحياء لديهما يقتربان من الصفر.
بل إنها مرعبة فعلًا.
「ثم إنني لا أتحدث فقط عن هذه الجملة. بالنظر إلى تصرفاتك عمومًا، يا سينجوغاهارا، ألا تعتقدين أنكِ مهووسة بنفسكِ قليلًا؟ أو أن لديكِ ميلًا مبالغًا فيه إلى تصور نفسكِ ضحية؟」
「يا إلهي. حتى لو كانت الحقيقة، هناك أشياء يجوز قولها وأشياء لا يجوز.」
「أنتِ تعرفين ذلك عن نفسكِ؟!」
「على كل حال، من الغريب أن يعيش في مبنى يبدو وكأنه سينهار في أي لحظة — أقصد، ذلك الرجل، أوشينو.」
「آه… إنه غريب الأطوار جدًا.」
ولو سألتني أيهما أغرب، هي أم هو، فالأمر أصبح الآن صعبًا جدًا على الإجابة الفورية.
「أما كان ينبغي أن تتصل به مسبقًا؟ أعني، إذا كنا سنأتي إليه طلبًا للمساعدة. أعلم أن الوقت قد فات على قول ذلك.」
「لا يسعني إلا أن أُفاجأ بهذا الكلام العقلاني منك، لكن للأسف، ذلك الرجل لا يملك حتى هاتفًا محمولًا.」
「إنه غامض جدًا. بل يمكن وصفه بالشخص المريب. ما الذي يفعله أصلًا؟」
「لا أعرف التفاصيل، لكن — يقال إنه متخصص في أمثالنا أنا وأنتِ.」
「همم.」
لم يكن ذلك تفسيرًا بأي معنى للكلمة، ومع ذلك لم تحاول سينجوغاهارا استجوابي أكثر. ربما لأنها فكرت أننا سنقابله بعد قليل على أي حال، أو ربما لأنها رأت أن السؤال لن يفيد. وفي كلتا الحالتين، كانت محقة.
「أوه. أراراغي-كن، أنت ترتدي ساعتك في ذراعك اليمنى.」
「همم؟ آه، نعم.」
「هل أنت شخص منحرف عن المألوف؟」
「كان عليكِ أن تسألي أولًا إن كنتُ أعسر!」
「حسنًا. والجواب؟」
「…………」
كنت بالفعل شخصًا منحرفًا عن المألوف.
الطابق الرابع.
بما أن المبنى كان في الأصل معهدًا للدروس الخصوصية، فقد كانت هناك ثلاث غرف تشبه الفصول الدراسية — لكن أبواب جميع الغرف كانت قد تحطمت، فأصبحت الممرات والغرف مساحة واحدة متصلة. وحين بدأت أبحث عن أوشينو، ألقيت نظرة داخل أقرب غرفة، فإذا بـ:
「أوه، أراراغي-كن. أتيت أخيرًا.」
كان أوشينو ميمي هناك.
كان جالسًا متربعًا فوق سرير بدائي الصنع، إن جاز تسميته سريرًا أصلًا، صنعه من عدة مكاتب متآكلة متصلة ببعضها ومربوطة بحبل بلاستيكي.
وكأنه كان يعرف تمامًا أنني سأأتي.
كما هو دائمًا — رجل يبدو وكأنه يعرف ما يدور في رأسك قبل أن تقوله.
أما سينجوغاهارا — فكانت تنظر إليه بوضوح بنفور.
صحيح أنني أخبرتها عنه مسبقًا، لكن مظهر أوشينو القذر كان، على الأرجح، يتجاوز المعايير الجمالية لطالبة ثانوية في عصرنا بفارق شاسع. ولو عاش أي شخص في هذه الأنقاض، لانتهى به الأمر بمظهر رث كهذا، لكن حتى من وجهة نظر فتى مثلي، كان من المستحيل القول إن مظهر أوشينو يوحي بالنظافة. بل لم يكن أمامي، إن أردت الصراحة، سوى القول إنه يفتقر إلى النظافة. وفوق كل شيء، كان قميصه الهاواي الصارخ ذو الألوان الهلوسية هو القشة القاصمة.
لطالما فكرت في الأمر، لكن كون هذا الرجل بالذات هو من أنقذ حياتي أمر يبعث على شيء من الصدمة… أما هانيكاوا، فهي إنسانة راقية بما يكفي كي لا تهتم بمثل هذه الأمور ولو بمقدار شعرة.
「ما الأمر؟ أراراغي-كن، جئت اليوم أيضًا برفقة فتاة مختلفة. في كل مرة أراك فيها تكون برفقة فتاة مختلفة — يا له من خبر يسر القلب حقًا.」
「توقف. لا تختزلني في قالب شخصية رخيصة إلى هذه الدرجة.」
「همم — آه؟」
أوشينو.
أخذ يتأمل سينجوغاهارا من بعيد.
وكأنه يرى شيئًا خلفها.
「…تشرفت بلقائك، آنسة. أنا أوشينو.」
「تشرفت بلقائك — أنا هيتاغي سينجوغاهارا.」
ألقت التحية كما ينبغي.
يبدو أنها ليست سليطة اللسان بلا سبب. فعلى الأقل، كانت تعرف آداب التعامل مع من هم أكبر منها سنًا.
「أنا زميلة أراراغي-كن في الصف، وقد أخبرني عن السيد أوشينو.」
「آه — حسنًا.」
أومأ أوشينو إيماءة ذات مغزى.
ثم خفض رأسه، وأخرج سيجارة ووضعها بين شفتيه. لكنه لم يشعلها. أما النافذة، فلم تعد نافذة تؤدي وظيفتها أصلًا، بل لم يبق منها سوى شظايا زجاج غير مكتملة، ومع ذلك أشار أوشينو بطرف سيجارته إلى المنظر خلفها.
وبعد أن ترك صمتًا طويلًا، التفت إليّ.
「هل تفضل يا أراراغي-كن الفتيات ذوات الغرة المستقيمة؟」
「قلت لك لا تختزل الناس بهذه السهولة. تفضيل الغرة المستقيمة يعني، وفقًا للمنطق، أنك مجرد محب للفتيات الصغيرات. لا تخلطني بجيلك الذي نشأ و’فول هاوس‘ جزء من مراهقته.」
「صحيح.」
ضحك أوشينو.
وعند سماع ضحكته، عقدت سينجوغاهارا حاجبيها.
ربما أزعجتها كلمة ’محب للفتيات الصغيرات‘.
「حسنًا — لنترك التفاصيل لتسمعها مني شخصيًا، لكن، على أي حال، أوشينو — هذا الرجل، قبل نحو عامين — 」
「وتوقف عن مناداتي ’هذا الرجل‘ أيضًا.」
قالت سينجوغاهارا بصوت حازم.
「إذن، ماذا أناديك؟」
「سينجوغاهارا-ساما.」
「…………」
هل هذه الفتاة عاقلة؟
「…سينجوغاهارا-ساما.」
「لا أحب نطقها بحروف منفصلة. قلها بشكل صحيح.」
「سينجوغاهارا-تشان.」
فورًا، أصابتني في عيني.
「ستجعلينني أعمى!」
「لأنك قلت شيئًا أعمى.」
「ما هذه المساواة الغريبة بين الذنب والعقوبة؟!」
「نحاس أربعون غرامًا، وزينك خمسة وعشرون غرامًا، ونيكل خمسة عشر غرامًا، وخمسة غرامات من الخجل المموه، وسبعة وتسعون كيلوغرامًا من سوء النية؛ هكذا تُصنع إهاناتي.」
「إنها في معظمها سوء نية!」
「وبالمناسبة، جزء ’الخجل المموه‘ كان كذبة.」
「العنصر الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون مفقودًا قد اختفى!」
「اصمت. إن لم تتوقف فسأجعل لقبك ’آلام الدورة الشهرية‘.」
「هذا تنمر من النوع الذي يدفع المرء إلى الانتحار!」
「ما المشكلة؟ إنها ظاهرة جسدية حرفيًا، فلا شيء مخجل فيها.」
「الأمر مختلف عندما تكون هناك نية سيئة!」
وبدا أنها اكتفت بهذا القدر، فعادت سينجوغاهارا أخيرًا بوجهها نحو أوشينو.
「وبعيدًا عن كل شيء، هناك سؤال أريد أن أطرحه أولًا.」
كان أسلوبها في الكلام أشبه بمن يوجه السؤال إلينا نحن الاثنين، أنا وأوشينو، أكثر مما توجهه إليه وحده، ثم أشارت إلى زاوية الغرفة.
هناك، كانت فتاة صغيرة تحتضن ركبتيها. فتاة صغيرة إلى درجة تبدو معها غريبة حتى في مكان كهذا، معهد للدروس الخصوصية؛ فتاة شقراء ذات بشرة بيضاء، ترتدي خوذة ونظارات واقية، وتبدو في نحو الثامنة من عمرها، جالسة على الأرض وهي تضم ركبتيها إلى صدرها.
「ما تلك الفتاة بالضبط؟」
مجرد طريقة سؤالها عن ’ما‘ بدل ’من‘ كانت كافية للدلالة على أن سينجوغاهارا أدركت أن الفتاة شيء ما. وفوق ذلك، كان من المؤكد أن أي شخص يملك حواسًا سليمة سيشعر بأن هناك شيئًا غريبًا، خصوصًا وأن الفتاة، بنظرة شرسة تكاد تجعل حتى سينجوغاهارا تتراجع، لم تكن تكف عن التحديق في أوشينو وحده، بحدة.
「آه، لا داعي للاهتمام بها.」
سبقت أوشينو في الإجابة وشرحت لسينجوغاهارا:
「إنها تجلس هناك فقط، ولا تستطيع فعل أي شيء، لذلك — لا شيء مهم. لا ظل لها ولا هيئة. لا اسم لها ولا وجود. مجرد طفلة كهذه.」
「مهلًا يا أراراغي-كن.」
تدخل أوشينو عندها.
「صحيح أن الظل والهيئة، وكذلك الوجود، ليست لها. لكنني منحتها اسمًا بالأمس. لقد أدت عملًا جيدًا خلال الأسبوع الذهبي، وفوق ذلك، من المزعج للغاية أن تكون بلا اسم. ثم إنها ستظل شرسة وعدوانية إلى الأبد ما دامت بلا اسم.」
「حقًا — أعطيتها اسمًا؟ وما هو؟」
كانت محادثة تستبعد سينجوغاهارا تمامًا، لكنني كنت فضوليًا، فسألت.
「سميتها شينوبو أوشينو.」
「شينوبو — همم.」
اسم ياباني بامتياز.
مع أن ذلك لا يهم كثيرًا في هذه الحالة.
「هارت-أندر-بليد اسم مناسب لها، أليس كذلك؟ أما اسم العائلة، فقد استعرت اسمي أنا. ولحسن الحظ، يحوي اسمي أيضًا حرف ’شينوبو‘. وبجعله مرتين، يحصل الاسم على معنى ثلاثي. بصراحة، أظن أن ذوقي ليس سيئًا، وقد أحببته كثيرًا.」
「لا بأس به، أظن.」
وبصراحة، لم يكن الأمر يهمني إطلاقًا.
مع أن ’أوشينو أوشينو‘ لا أظنه مناسبًا.
「فكرت في الأمر طويلًا، وفي النهاية ترددت بين ’شينوبو أوشينو‘ و’شي-نو أوشينو‘، لكنني فضّلت وقع الاسم على الالتزام بالقواعد اللغوية. كما أن ترتيب حروف الكانجي يعطيه شيئًا من طابع تلك اللجنة-تشان، وهذا يرفع قيمته في نظري كثيرًا.」
「أظنه اسمًا جيدًا.」
أقول لك، لا يهمني إطلاقًا.
لكنني لا أظن أن ’شي-نو‘ خيار مناسب.
「لذلك — 」
قالت سينجوغاهارا أخيرًا، وقد بدا أنها بدأت تفقد صبرها:
「ما تلك الفتاة بالضبط؟」
「قلت لك — لا شيء.」
بقايا مصاص دماء.
بقايا الشيطانة الجميلة.
حتى لو قلت لها ذلك، فما الفائدة؟ ليس أمامي خيار آخر. لا علاقة لسينجوغاهارا بهذا الأمر. إنها مشكلتي أنا. مجرد قدر بسيط من الخطيئة التي سأضطر إلى حملها معي لبقية حياتي.
「إذا لم تكن شيئًا، فلا بأس.」
「…………」
يا لها من فتاة باردة.
「كانت جدتي من جهة أبي تقول لي دائمًا: ’لا بأس أن تكوني باردة، فقط كوني قوية‘.」
「ما معنى ’كوني قوية‘ بهذا الشكل؟」
لقد قلبت الكلمات بعضها على بعض.
مثلما يخطئ المرء في نطق كلمة ’أرثوذكسي‘ فيجعلها ’أودوكس‘ أو ما شابه.
「لكن، بعيدًا عن ذلك.」
نقلت هيتاغي سينجوغاهارا بصرها من شينوبو، الفتاة الشقراء ذات البشرة البيضاء، مصاصة الدماء سابقًا، إلى أوشينو ميمي.
「سمعت أنك ستساعدني.」
「أساعدك؟ لا، هذا مستحيل.」
قال أوشينو بنبرته المعتادة، مازحًا.
「أنتِ من ستساعدين نفسك بنفسك، أيتها الصغيرة.」
「…………」
أوه.
ضاقت عينا سينجوغاهارا حتى كادتا أن تنغلقا إلى النصف.
كان الشك ظاهرًا على وجهها.
「قال لي خمسة أشخاص من قبل كلامًا مشابهًا جدًا — وجميعهم كانوا محتالين. هل أنت من النوع نفسه، يا سيد أوشينو؟」
「هاهاها! يا لها من فتاة مفعمة بالحيوية! هل حدث لك شيء جيد؟」
لماذا يستفزها هو أيضًا بهذه الطريقة؟ صحيح أن الاستفزاز قد ينجح مع بعض الناس، مثل هانيكاوا مثلًا، لكن سينجوغاهارا تحديدًا؟ مستحيل.
إنها من النوع الذي يرد على الاستفزاز بهجوم استباقي.
「م-مهلًا، مهلًا.」
اضطررت إلى التدخل للصلح.
تدخلت بالقوة بينهما.
「تدخل لا داعي له. سأقتلك.」
「…………」
لقد قالت ’سأقتلك‘ بكل بساطة.
لماذا تتطاير شرارات النار نحوي أنا؟
امرأة أشبه بقنبلة حارقة.
حقًا، لا تنتهي التشبيهات التي تصلح لوصفها.
「على أي حال.」
قال أوشينو، على النقيض منها تمامًا، بنبرة مسترخية:
「لن نتقدم خطوة واحدة ما لم تتحدثي. أنا سيئ جدًا في قراءة الأفكار. وفوق ذلك، أحب الحوار أكثر من أي شيء آخر؛ فأنا ثرثار بطبيعتي. لكن لا تقلقي، سأحافظ على السرية التامة. لا مشكلة.」
「…………」
「آه، صحيح. دعني أشرح الأمر بإيجاز أولًا — 」
「لا يا أراراغي-كن.」
مرة أخرى، قاطعتني سينجوغاهارا وأنا أحاول أن أشرح الصورة العامة.
「سأتحدث بنفسي.」
「سينجوغاهارا — 」
「أستطيع أن أفعل ذلك بنفسي.」
قالتها.
004
