عرش الدماء
استند كايل بظهره على البوابة السوداء وهو يلهث بشدة، بينما جثا إيثان على ركبتيه محاولًا التقاط أنفاسه.
تيك… تاك…
نظر إليهما الكيان الفولاذي للحظات، ثم استدار وابتعد.
رفع إيثان رأسه، ثم التفت إلى كايل الذي كان يفحص حقيبته ليتأكد من سلامة دفتره.
عادت الألوان للاختفاء للمرة الثالثة.
تيك… تاك…
قال إيثان بصوت منخفض
تيك… تاك…
«لن يفيدك هناك. وكذلك قدرتك الحالية على إيقاف الزمن لن تكون كافية.»
“أتحداك أن تقول إن نسبة النجاة كانت أكثر من خمسة بالمئة هذه المرة.”
في اللحظة التي لامست فيها يده البوابة، شعر ببرودة غريبة تسري في أطراف أصابعه.
اعتدل كايل في جلسته، وأزاح نظارته فوق رأسه، ثم ابتسم ابتسامة متكلفة رغم شحوب وجهه.
كانت تسير فوق الدماء بقدميها العاريتين، لكن السطح الأحمر لم يتحرك تحتها أبدًا كما لو أنه يخضع لها.
“في الواقع يا صديقي… الحسابات لا تكذب. نحن أحياء، والجهاز الكروي أدى واجبه قبل أن يتبخر! هذه النتيجة تعني نجاحًا بنسبة مئة بالمئة!”
وفي وسطهن، قالت المرأة الأصلية بصوت ناعم بارد، صوت انساب داخل المكان كلمسة سكين فوق الجلد “إلى أين تظنان أنكما ذاهبان…؟”
تنهد إيثان ونهض
ظل إيثان وكايل يحدقان في المشهد بذهول، وشعرا للحظة وكأنهما عالقان داخل كابوس مرعب، محاصران في مكان لا يبدو طبيعيًا، ولا يعرفان ما الذي قد يظهر من الظلام أمامهما.
مد إيثان يده ببطء نحو البوابة السوداء، ثم وضع كفه على سطحها البارد.
تجمعت برك الدماء من جديد، وخرجت منها نسخ مشوهة أخرى أخذت تلتف حولهما. ابتلع كايل ريقه بصعوبة، وأخرج أنبوبًا معدنيًا صغيرًا من جيبه وهو يرتجف
في اللحظة التي لامست فيها يده البوابة، شعر ببرودة غريبة تسري في أطراف أصابعه.
ظل إيثان صامتًا للحظات، يحاول استيعاب ما رآه، بينما بقي وشم الساعة على كتفه ينبض ببرودة عميقة وثابتة…
وقبل أن يتمكن من فعل شيء، اهتزت البوابة اهتزازًا خفيفًا، ثم بدأت تتحرك من تلقاء نفسها.
اتسعت عينا إيثان بدهشة، بينما انفتحت البوابة ببطء أمامهما.
ظل إيثان وكايل يحدقان في المشهد بذهول، وشعرا للحظة وكأنهما عالقان داخل كابوس مرعب، محاصران في مكان لا يبدو طبيعيًا، ولا يعرفان ما الذي قد يظهر من الظلام أمامهما.
تشوشت الرؤية أمام عينيه، واختلطت جدران الممر بالظلال، ثم أخذت ملامح المكان تتلاشى ببطء، شعر أن العالم نفسه ينسحب من حوله.
ابتسم كايل وقال
كان يقف في فراغ رمادي لا يمتد له أفق، بينما تطفو قطرات العرق والدم حوله بلا وزن.
“ألم أقل لك؟”
وفجأة، اختفت برودة الهواء الجاف، وحل محلها عبق ثقيل مألوف.
ظل إيثان يحدق في البوابة المفتوحة، مثبتًا نظره على العتمة التي تملأ ما خلفها.
“أتحداك أن تقول إن نسبة النجاة كانت أكثر من خمسة بالمئة هذه المرة.”
كانت العتمة كثيفة، ولم يستطع رؤية ما يوجد في الداخل أو معرفة ما ينتظرهما خلف العتبة.
راقبه كايل بصمت للحظات، ثم سأله بهدوء
«أوه… انظروا من قرر أن يختبر حدود الزمن.»
“لماذا لا تدخل؟”
وقفت ببطء، وانسحب فستانها الأبيض خلفها وهي تستدير وتوليهما ظهرها، ثم اتجهت ببطء نحو ظلال الممر العميق.
أجابه إيثان بصوت منخفض
“لا أشعر أن الداخل آمن.”
استند كايل بظهره على البوابة السوداء وهو يلهث بشدة، بينما جثا إيثان على ركبتيه محاولًا التقاط أنفاسه.
«لا تفهم الأمر بشكل خاطئ. الاختبار ليس مكافأة لك. أنت من دفعت قدرتك إلى هذا الحد، ولذلك فُتح أمامك طريق الانتقال إلى المستوى التالي.»
التفت كايل خلفه، ونظر إلى الطريق الذي أتيا منه، ثم أعاد نظره إلى إيثان.
“ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه.”
كان إيثان يجثو على الأرض، وركبتاه ترتجفان دون أن يتمكن من السيطرة عليهما، وصدره يعلو ويهبط بألم خانق. حاول الاتكاء على خنجره ليرفع جسده، لكن قواه كانت قد تلاشت بالكامل؛ كان وشم الساعة على كتفه يحترق تحت ملابسه كأنه كُوي بالنار، تاركًا جسده عاجزًا عن النهوض.
ظل إيثان صامتًا، فعاد كايل بنظره إلى البوابة المفتوحة.
“لذلك لندخل.”
وقفت ببطء، وانسحب فستانها الأبيض خلفها وهي تستدير وتوليهما ظهرها، ثم اتجهت ببطء نحو ظلال الممر العميق.
بقي إيثان مترددًا للحظات، وهو يحدق في الظلام خلف البوابة. ثم أخذ نفسًا عميقًا وخطا إلى الداخل.
تبعه كايل مباشرة.
“طاقة زمنية عذبة…” همست بصوت انساب مباشرة إلى أذهانهما، ثم أردفت بنبرة تشوبها الخيبة
وما إن تجاوزا البوابة حتى انغلقت خلفهما ببطء، وساد الظلام من حولهما، ولم يعد بإمكانهما رؤية شيء سوى العتمة الممتدة أمامهما.
اختفت حرارة الهرم الميكانيكي بالكامل، وحل محلها جفاف قارص وسكون غريب جعل إيثان يتوقف للحظة.
رفع رأسه قليلًا، وأخذ نفسًا قصيرًا قبل أن يدرك مصدر الرائحة.
واصل إيثان السير، وهو يراقب المكان بصمت.
نظر حوله بحذر، ثم تقدم بخطوات بطيئة داخل الممر المظلم. كان المكان مختلفًا تمامًا عن الهرم الذي تركاه خلفهما، حتى الهواء بدا أثقل وأكثر جفافًا.
ثم…
رفع إيثان مشعله، لكن ضوءه بدأ يضعف تدريجيًا تحت تأثير الطاقة الغريبة التي تملأ المكان. لم يعد الضوء يمتد لمسافة بعيدة، واكتفت دائرة الإضاءة الصغيرة بكشف الطريق أمامه.
لم تكن هناك نقوش على الجدران هنا، بل أسطح صخرية ملساء تمتد على جانبي الممر. بدت بعض أجزائها منتظمة بشكل غريب، كأن شيئًا شديد الحدة مر عليها وتركها بهذه الصورة.
واصل إيثان السير، وهو يراقب المكان بصمت.
وفجأة، اختفت برودة الهواء الجاف، وحل محلها عبق ثقيل مألوف.
هذه المرة، سقط إيثان فورًا على ركبتيه، ويداه ترتجفان بشكل هستيري دون أن يتمكن من إيقافهما. كانت أنفاسه تتصاعد كالبخار، وارتجف جسده بالكامل تحت وطأة التفعيل الثاني، الذي استنزف طاقته الحيوية حتى حافة الانهيار.
توقفت خطواته.
قبل أن يرتد صدى صوت كايل، اندفعت ثلاث من النسخ المشوهة بسرعة غير بشرية، وأذرعهن المستطيلة كالسياط الدامية امتدت لتخترق صدريهما!
رفع رأسه قليلًا، وأخذ نفسًا قصيرًا قبل أن يدرك مصدر الرائحة.
ابتسم كايل وقال
كانت رائحة دم.
رفع إيثان مشعله، لكن ضوءه بدأ يضعف تدريجيًا تحت تأثير الطاقة الغريبة التي تملأ المكان. لم يعد الضوء يمتد لمسافة بعيدة، واكتفت دائرة الإضاءة الصغيرة بكشف الطريق أمامه.
خفض إيثان نظره ببطء.
الثانية الأولى
حرك المشعل إلى الأسفل، فبدأ ضوؤه الضعيف يكشف ما أمام قدميه.
توقفت أنفاسه للحظة، واتسعت عيناه قليلًا.
انتهى الوقت.
كانت الأرضية مغمورة بالدماء. امتدت مساحة واسعة من الدم المتجمع أمامه، حتى بدت كأنها بحيرة حمراء داكنة تغطي أرضية الممر.
ثم أدرك أن الصوت لم يأتِ من خارج الفراغ، بل سمعه مباشرة داخل رأسه.
انعكس الضوء الأحمر المرتجف المنبعث من المصابيح العلوية على سطح الدماء، فتحركت الانعكاسات فوقها مع تموجات خفيفة.
كانت رائحة الدم دافئة… خانقة، تلتصق داخل الأنف والحلق حتى أصبح التنفس صعبًا.
ظل إيثان وكايل يحدقان في المشهد بذهول، وشعرا للحظة وكأنهما عالقان داخل كابوس مرعب، محاصران في مكان لا يبدو طبيعيًا، ولا يعرفان ما الذي قد يظهر من الظلام أمامهما.
تلاشت البرك الدموية تدريجيًا، وغاصت المرأة في الظلال الدامسة وكأنها ذابت في جدران المكان، ليعود ضوء المصابيح العلوية إلى شحوبه الطبيعي، ويختفي الضغط الخانق من الهواء.
ملأت رائحة الحديد الثقيلة الهواء.
كانت رائحة الدم دافئة… خانقة، تلتصق داخل الأنف والحلق حتى أصبح التنفس صعبًا.
مد إيثان يده ببطء نحو البوابة السوداء، ثم وضع كفه على سطحها البارد.
اشتعل وشم الزمن على كتفه.
توقفا عن التقدم.
هبط الصمت على المكان، صمت ثقيل لدرجة أن صوت أنفاسهما بدا مرتفعًا في أرجائه.
بدأت تتجمع أمامهم.
لكن الصوت لم يجبه، بل تابع بنبرة ساخرة.
ثم…
سمعا صوت خطوات بطيئة.
تجمدا.
صوت الجلد المبتل وهو يلامس الدماء اخترق السكون بإيقاع هادئ ومخيف، يوحي بوجود شيء يسير فوق الدماء.
صوت الجلد المبتل وهو يلامس الدماء اخترق السكون بإيقاع هادئ ومخيف، يوحي بوجود شيء يسير فوق الدماء.
تجمدا.
قفز كايل أمامه غريزيًا، ورفع الأنبوب المعدني الصغير بيدين ترتجفان، محاولًا أن يجعل صوته المجهد يبدو مهددًا
ومن بين الظلام…
وجد كايل نفسه مطروحًا على الأرض على بُعد خطوات، بينما وقفت المرأة ذات الشعر الفضي في مكانها، تحدق في الموضع الذي اختفى منه هدفها قبل أن تصل إليه شفرتها.
ظهرت امرأة.
وقفت وسط الضوء القرمزي.
فستانها الأبيض الحريري انسدل فوق جسدها بنعومة مخادعة، واسع الأكمام، يتحرك بخفة مع خطواتها، بينما التف الدانتيل الأسود حول عنقها وذراعيها.
بشرتها كانت شاحبة بشكل مرعب، ناعمة على نحو يبعث إحساسًا ببرودة القمر، وشعرها الفضي مرفوع بعناية، تتدلى منه خصلات طويلة تحيط بوجهها الهادئ كستار ناعم يخفي الرعب خلف الجمال.
قفز كايل أمامه غريزيًا، ورفع الأنبوب المعدني الصغير بيدين ترتجفان، محاولًا أن يجعل صوته المجهد يبدو مهددًا
أما عيناها…
“لا أشعر أن الداخل آمن.”
فكانتا بلون الدم الداكن.
لكن قبل أن يتحرك أحد.
ابتسامة خفيفة استقرت فوق شفتيها القرمزيتين، ابتسامة جميلة إلى حد يجعل إبعاد النظر عنها أمرًا صعبًا.
رفعت يدها ذات الأظافر القرمزية الطويلة، وبحركة خفيفة من أصابعها، تجمعت خيوط الدم المتناثرة، وانسحبت النسخ المشوهة عائدة إلى الأرضية، كأنها لم تكن.
كانت تسير فوق الدماء بقدميها العاريتين، لكن السطح الأحمر لم يتحرك تحتها أبدًا كما لو أنه يخضع لها.
لكن قبل أن يتحرك أحد.
ابتسامة خفيفة استقرت فوق شفتيها القرمزيتين، ابتسامة جميلة إلى حد يجعل إبعاد النظر عنها أمرًا صعبًا.
الفستان الأبيض الطويل انسحب خلفها ببطء، وأطرافه الملطخة بالأحمر القاني جرت خطوطًا دامية فوق الأرض، بينما انعكس ظلها فوق البرك الحمراء.
همس كايل بذعر، وخرج صوته مرتجفًا
“لماذا لا تدخل؟”
“تبًا… إنها هي! يجب أن نهرب!”
فكانتا بلون الدم الداكن.
التفت إليه إيثان بسرعة، دون أن يبعد عينيه عن المرأة
همس كايل بذعر، وخرج صوته مرتجفًا
“هل هي خطيرة إلى هذه الدرجة؟”
خطت المرأة خطوة إضافية نحو إيثان، وجثت أمام وجهه الشاحب. رفعت سبابتها ومررتها بالقرب من وجنته دون أن تلمسه، وأحس إيثان ببرودة ثلجية تجتاح وجهه، فتجمدت أنفاسه.
ارتجفت عينا كايل وهو يتراجع خطوة للخلف
لم تلتفت المرأة نحو كايل فقد كان كل تركيزها منصبًا على إيثان.
“نعم… إن أردت النجاة، اركض الآن!”
وفي وسطهن، قالت المرأة الأصلية بصوت ناعم بارد، صوت انساب داخل المكان كلمسة سكين فوق الجلد “إلى أين تظنان أنكما ذاهبان…؟”
لكن قبل أن يتحرك أحد.
فستانها الأبيض الحريري انسدل فوق جسدها بنعومة مخادعة، واسع الأكمام، يتحرك بخفة مع خطواتها، بينما التف الدانتيل الأسود حول عنقها وذراعيها.
«إذا اجتزت الاختبار، فستنتقل إلى المستوى الأول. وإذا فشلت، فلن تحصل على شيء سوى الموت… أو ربما ما هو أسوأ.»
اهتزت برك الدماء بعنف.
الثانية الأولى
تموجت الأرض الحمراء تحت أقدامهم ثم ارتفعت منها خيوط طويلة من الدم، تتحرك كالأفاعي، تلتف في الهواء وتنبض بطريقة مقززة توحي بأنها عروق حية.
ظهرت امرأة.
وفي وسطهن، قالت المرأة الأصلية بصوت ناعم بارد، صوت انساب داخل المكان كلمسة سكين فوق الجلد “إلى أين تظنان أنكما ذاهبان…؟”
بدأت تتجمع أمامهم.
توقفت أنفاسه للحظة، واتسعت عيناه قليلًا.
وحين فتح إيثان عينيه، لم يجد نفسه في الممر.
تتشكل.
الثانية الثانية
تتمدد.
تجمدا.
“من أنت؟” سأل إيثان بحذر.
ثم ظهرت نساء أخريات…
التفت كايل خلفه، ونظر إلى الطريق الذي أتيا منه، ثم أعاد نظره إلى إيثان.
نسخ مشوهة منها.
وجوه شاحبة مبتسمة، عيون دامية فارغة، وشعور فضية ملتصقة بأجساد خرجت للتو من الدم. كانت ابتساماتهن واسعة جداً، بينما تحركت أجسادهن ببطء يوحي بأنهن دمى مرتبطة بخيط واحد.
عشرات النسخ وقفت أمامهم.
“ثلاث ثوانٍ فقط كانت كافية لإرهاقي، وجعلتني أشعر وكأن صخرةً ضخمة سقطت فوق رأسي… ثانيتان هما أقصى ما يستطيع جسدي تحمله بأمان.” تمتم إيثان في سره، والألم يلتهم أطرافه. “لو اضطررت إلى تفعيلها لثلاث ثوانٍ مرةً أخرى… فسيبدأ جسدي بالارتجاف والانهيار تمامًا. أما المرة الثالثة… فستكون القاضية. ولن أستطيع بعدها تحريك إنملة واحدة”
جميعهن يحدقن بهم.
ظل إيثان صامتًا للحظات، يحاول استيعاب ما رآه، بينما بقي وشم الساعة على كتفه ينبض ببرودة عميقة وثابتة…
ثم.
“نـ… نعم… لكنني لا أستطيع تحريك إبهامي حتى…”
اتسعت ابتساماتهن معًا في اللحظة نفسها.
تجمدا.
وفي وسطهن، قالت المرأة الأصلية بصوت ناعم بارد، صوت انساب داخل المكان كلمسة سكين فوق الجلد “إلى أين تظنان أنكما ذاهبان…؟”
تنهد ببطء، محاولًا تهدئة نفسه، ثم أغمض عينيه.
حاول رفع خنجره لصد الطعنة، لكن يده لم تستجب؛ كانت كقطعة خشبية ميتة. لم يستطع سوى تغيير زاوية جسديهما داخل هذا الفراغ الزمكاني.
تلاقت النظرات في الممر الملطخ بالدماء. النسخ المشوهة بدأت تتقدم كقطيع من العرائس الميتة، وأقدامهن العارية تترك أثرًا قرمزيًا طازجًا فوق الأرض.
همس كايل بذعر، وخرج صوته مرتجفًا
تلاقت النظرات في الممر الملطخ بالدماء. النسخ المشوهة بدأت تتقدم كقطيع من العرائس الميتة، وأقدامهن العارية تترك أثرًا قرمزيًا طازجًا فوق الأرض.
“كايل… خطة! الآن!” همس إيثان بنبرة حادة وهو يستل خنجره، بينما كانت عينيه تتنقلان بسرعة بين النسخ المتقدمة و المرأة الأصلية في المنتصف.
“تبًا… لا وقت لدينا!”
لكن كايل كان يتراجع للخلف، يدياه ترتجفان وهو يفتش في حقيبته الفارغة تقريبًا “لا توجد حسابات هنا يا إيثان! هذه ليست ميكانيكا، هذا سحر دموي ملعون! أجهزتي لن تفيد أمام هذا!”
الثانية الثالثة
قبل أن يرتد صدى صوت كايل، اندفعت ثلاث من النسخ المشوهة بسرعة غير بشرية، وأذرعهن المستطيلة كالسياط الدامية امتدت لتخترق صدريهما!
حتى المرأة الأصلية ذات الشعر الفضي استقرت نظرتها الدموية في الفراغ.
في جزء من الثانية… اتسعت عينا إيثان.
ابتسم كايل وقال
تنهد ببطء، محاولًا تهدئة نفسه، ثم أغمض عينيه.
ثم ضحك الصوت باستخفاف.
وفجأة، انطلقت في أعماق عقله دقات ثقيلة ومتتابعة، كأن ساعةً خفية بدأت تعمل داخله.
جميعهن يحدقن بهم.
رفعت يدها ذات الأظافر القرمزية الطويلة، وبحركة خفيفة من أصابعها، تجمعت خيوط الدم المتناثرة، وانسحبت النسخ المشوهة عائدة إلى الأرضية، كأنها لم تكن.
تيك… تاك…
تحرك بخطوات غير متزنة، وضاعف ضربات خنجره ليفكك التشكيل المهاجم قبل أن يكتمل.
انقشعت الألوان من المكان في رمشة عين. انقلب كل شيء إلى عالم من الأبيض والأسود والرمادي. تجمدت برك الدماء كالمرايا المكسورة، وتحولت قطرات الدم المعلقة في الهواء إلى كريستالات ثابتة، بينما تجمدت النسخ الثلاث في وضعية الهجوم، وعلى وجوههن تلك الابتسامات المرعبة.
أمالت رأسها الفضي ببطء شديد، وانسدلت خصلات شعرها حول وجهها الشاحب، قبل أن تطلق ضحكة خافتة وناعمة، تشبه صرير شفرة زجاجية فوق الرخام.
حتى المرأة الأصلية ذات الشعر الفضي استقرت نظرتها الدموية في الفراغ.
كانت تسير فوق الدماء بقدميها العاريتين، لكن السطح الأحمر لم يتحرك تحتها أبدًا كما لو أنه يخضع لها.
توقف الحس الحركي لدى إيثان تمامًا؛ لم يعد يشعر بقدميه. جثا في مكانه، واستخدم ما تبقى من قدرته الذهنية لدفع جسده الثقيل نحو كايل، فأبعده عن مسار طعنة المرأة المتجمدة.
الثانية الأولى
“إيثان… لا أظن أن بإمكانك تكرار تلك الحركة، صحيح؟”
شعر إيثان بثقل جسده وكأن جبالًا صخرية سقطت فوق كتفيه. أطلق زفيرًا حارًا وهو يتحرك بمرونة بين الأجساد المتجمدة. اندفع نحو كايل، وأمسكه من ياقة معطفه وسحبه بقوة إلى الخلف، مغيرًا موقعه تمامًا عن مسار الأذرع الدامية.
اهتزت برك الدماء بعنف.
“ثلاث ثوانٍ فقط كانت كافية لإرهاقي، وجعلتني أشعر وكأن صخرةً ضخمة سقطت فوق رأسي… ثانيتان هما أقصى ما يستطيع جسدي تحمله بأمان.” تمتم إيثان في سره، والألم يلتهم أطرافه. “لو اضطررت إلى تفعيلها لثلاث ثوانٍ مرةً أخرى… فسيبدأ جسدي بالارتجاف والانهيار تمامًا. أما المرة الثالثة… فستكون القاضية. ولن أستطيع بعدها تحريك إنملة واحدة”
الثانية الثانية
التفت إيثان نحو النسخ الثلاث المتجمدة. تحرك بسرعة خاطفة، وغرس خنجره بضربات سريعة ومتقاطعة في مفاصل أرجلهن ومراكز أجسادهن المكونة من الدم المتجمد.
شعر إيثان بثقل جسده وكأن جبالًا صخرية سقطت فوق كتفيه. أطلق زفيرًا حارًا وهو يتحرك بمرونة بين الأجساد المتجمدة. اندفع نحو كايل، وأمسكه من ياقة معطفه وسحبه بقوة إلى الخلف، مغيرًا موقعه تمامًا عن مسار الأذرع الدامية.
الثانية الثالثة
تشوشت الرؤية أمام عينيه، واختلطت جدران الممر بالظلال، ثم أخذت ملامح المكان تتلاشى ببطء، شعر أن العالم نفسه ينسحب من حوله.
صوت الجلد المبتل وهو يلامس الدماء اخترق السكون بإيقاع هادئ ومخيف، يوحي بوجود شيء يسير فوق الدماء.
تسارعت دقات قلبه بجنون، وبدأت الشرايين في صدغيه تنبض بألم حاد. بدأت الرؤية تضطرب، وشعر ببرودة شديدة في أطرافه؛ كانت قدرته تستنزف طاقته مباشرةً من جسده، وتسحبها منه دون توقف.
انطفأ كل شيء داخله. فرغت طاقته بالكامل، وتوقفت قدرته عن العمل.
انتهى الوقت.
تموجت الأرض الحمراء تحت أقدامهم ثم ارتفعت منها خيوط طويلة من الدم، تتحرك كالأفاعي، تلتف في الهواء وتنبض بطريقة مقززة توحي بأنها عروق حية.
عادت الألوان لتنفجر في المكان بصوت طرقعة زجاجية مدوية!
تشوشت الرؤية أمام عينيه، واختلطت جدران الممر بالظلال، ثم أخذت ملامح المكان تتلاشى ببطء، شعر أن العالم نفسه ينسحب من حوله.
في اللحظة نفسها، تحطمت أجساد النسخ الثلاث التي هاجمت سابقًا إلى أشلاء دامية، وسقطت بلا حراك على الأرض، بينما وجد كايل نفسه فجأة مسحوبًا لمسافة ثلاثة أمتار إلى الخلف!
“إيثان… لا أظن أن بإمكانك تكرار تلك الحركة، صحيح؟”
“ما الذي… كيف وصلتُ إلى هنا؟!” صرخ كايل بذهول وهو ينظر إلى الأجساد المقطعة أمامه، ثم التفت إلى إيثان.
“لماذا لا تدخل؟”
توقفت أنفاسه للحظة، واتسعت عيناه قليلًا.
كان إيثان مستندًا على إحدى ركبتيه، وجسده يرتجف، يلهث بصعوبة بينما تتساقط قطرات العرق البارد من جبهته.
انقشعت الألوان من المكان في رمشة عين. انقلب كل شيء إلى عالم من الأبيض والأسود والرمادي. تجمدت برك الدماء كالمرايا المكسورة، وتحولت قطرات الدم المعلقة في الهواء إلى كريستالات ثابتة، بينما تجمدت النسخ الثلاث في وضعية الهجوم، وعلى وجوههن تلك الابتسامات المرعبة.
“ثلاث ثوانٍ فقط كانت كافية لإرهاقي، وجعلتني أشعر وكأن صخرةً ضخمة سقطت فوق رأسي… ثانيتان هما أقصى ما يستطيع جسدي تحمله بأمان.” تمتم إيثان في سره، والألم يلتهم أطرافه. “لو اضطررت إلى تفعيلها لثلاث ثوانٍ مرةً أخرى… فسيبدأ جسدي بالارتجاف والانهيار تمامًا. أما المرة الثالثة… فستكون القاضية. ولن أستطيع بعدها تحريك إنملة واحدة”
يعلن أن الاختبار لم يبدأ بعد.
في منتصف القاعة، لم تتأثر المرأة الأصلية بتحطم نسخها، بل اتسعت ابتسامتها القرمزية أكثر، وأمالت رأسها الفضي بزاوية غير طبيعية، ثم قالت بصوتها الناعم الذي يقطر برودة
“أوه… متلاعب بالزمن؟ يا لها من أضحية نادرة وقيمة…”
تجمد إيثان في مكانه، واتسعت رؤيته الروحية بذهول، وهو يحاول معرفة مصدر الصوت. لم يكن هناك أحد أمامه، ومع ذلك كان الصوت واضحًا كما لو أن صاحبه يقف بجواره.
تجمعت برك الدماء من جديد، وخرجت منها نسخ مشوهة أخرى أخذت تلتف حولهما. ابتلع كايل ريقه بصعوبة، وأخرج أنبوبًا معدنيًا صغيرًا من جيبه وهو يرتجف
كانت الأرضية مغمورة بالدماء. امتدت مساحة واسعة من الدم المتجمع أمامه، حتى بدت كأنها بحيرة حمراء داكنة تغطي أرضية الممر.
“إيثان… لا أظن أن بإمكانك تكرار تلك الحركة، صحيح؟”
“من أنت؟” سأل إيثان بحذر.
في جزء من الثانية… اتسعت عينا إيثان.
لم يكن أمام إيثان وقت للتردد كان الخطر يحيط بهما من كل جانب. أغمض عينيه، وقرر أن يدفع بحدوده إلى أقصى ما يستطيع.
تجمد العالم مجددًا… انقشعت الألوان، واكتست القاعة بالرماد.
كان إيثان مستندًا على إحدى ركبتيه، وجسده يرتجف، يلهث بصعوبة بينما تتساقط قطرات العرق البارد من جبهته.
الثانية الأولى
أطلق إيثان صرخة مكتومة؛ الارتجاف يمزق عضلاته، والشرايين في صدغيه تنبض بألم حاد. اندفع رغم الارتجاف العنيف الذي يضرب جسده، وشق طريقه بين النسخ المتجمعة.
هذه المرة، سقط إيثان فورًا على ركبتيه، ويداه ترتجفان بشكل هستيري دون أن يتمكن من إيقافهما. كانت أنفاسه تتصاعد كالبخار، وارتجف جسده بالكامل تحت وطأة التفعيل الثاني، الذي استنزف طاقته الحيوية حتى حافة الانهيار.
الثانية الثانية
الثانية الثانية
يعلن أن الاختبار لم يبدأ بعد.
تحرك بخطوات غير متزنة، وضاعف ضربات خنجره ليفكك التشكيل المهاجم قبل أن يكتمل.
“ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه.”
الثانية الثالثة
بدأ الإحساس بجسده يتلاشى تدريجيًا، حتى لم يعد يشعر بثقل جسده على كايل ولا بحرارة جسد رفيقه التي كانت تسنده.
فتح إيثان جفنيه بصعوبة، وأطلق شهقة حادة، ليجد نفسه لا يزال مستندًا إلى كتف كايل، الذي واصل السير به في الممر المظلم وكأن شيئًا لم يحدث.
بدأت الرؤية تظلم عند أطراف عينيه، وكاد ارتجاف يديه أن يسقط الخنجر من قبضته.
“لذلك لندخل.”
انتهى الوقت.
أمالت رأسها الفضي ببطء شديد، وانسدلت خصلات شعرها حول وجهها الشاحب، قبل أن تطلق ضحكة خافتة وناعمة، تشبه صرير شفرة زجاجية فوق الرخام.
هزت طرقعة أخرى الهواء، وتساقطت النسخ الجديدة كقطع ثلج حمراء متكسرة.
«لن يفيدك هناك. وكذلك قدرتك الحالية على إيقاف الزمن لن تكون كافية.»
هذه المرة، سقط إيثان فورًا على ركبتيه، ويداه ترتجفان بشكل هستيري دون أن يتمكن من إيقافهما. كانت أنفاسه تتصاعد كالبخار، وارتجف جسده بالكامل تحت وطأة التفعيل الثاني، الذي استنزف طاقته الحيوية حتى حافة الانهيار.
ظهرت امرأة.
“أتحداك أن تقول إن نسبة النجاة كانت أكثر من خمسة بالمئة هذه المرة.”
لم تكد المرأة الفضية تبدي انزعاجها حتى أطلقت زفيرًا ساخرًا، وبلمحة عين اندفعت نحو كايل، وخنجر دموي مدبب في يدها!
لكن الصوت لم يجبه، بل تابع بنبرة ساخرة.
“تبًا… لا وقت لدينا!”
“نعم… إن أردت النجاة، اركض الآن!”
اعتصر إيثان ما تبقى من طاقته، ودفعها كلها نحو قدرته. وما إن فعل ذلك حتى اشتعل وشم الساعة فوق كتفه، بينما بدأ جسده يفقد قوته سريعًا.
عادت الألوان للاختفاء للمرة الثالثة.
الثانية الأولى
بدأت تتجمع أمامهم.
“هل هي خطيرة إلى هذه الدرجة؟”
توقف الحس الحركي لدى إيثان تمامًا؛ لم يعد يشعر بقدميه. جثا في مكانه، واستخدم ما تبقى من قدرته الذهنية لدفع جسده الثقيل نحو كايل، فأبعده عن مسار طعنة المرأة المتجمدة.
الثانية الثانية
توقفت خطواته.
أطلق إيثان صرخة مكتومة؛ الارتجاف يمزق عضلاته، والشرايين في صدغيه تنبض بألم حاد. اندفع رغم الارتجاف العنيف الذي يضرب جسده، وشق طريقه بين النسخ المتجمعة.
حاول رفع خنجره لصد الطعنة، لكن يده لم تستجب؛ كانت كقطعة خشبية ميتة. لم يستطع سوى تغيير زاوية جسديهما داخل هذا الفراغ الزمكاني.
الثانية الثالثة
وفي وسطهن، قالت المرأة الأصلية بصوت ناعم بارد، صوت انساب داخل المكان كلمسة سكين فوق الجلد “إلى أين تظنان أنكما ذاهبان…؟”
انطفأ كل شيء داخله. فرغت طاقته بالكامل، وتوقفت قدرته عن العمل.
انتهى الوقت.
عادت الألوان، وسقط إيثان على الأرض المبللة بالدماء، فتلطخت ملابسه بها. كان قد استنفد كل طاقته، ولم يعد قادرًا على تحريك حتى إبهام يده.
كان إيثان يجثو على الأرض، وركبتاه ترتجفان دون أن يتمكن من السيطرة عليهما، وصدره يعلو ويهبط بألم خانق. حاول الاتكاء على خنجره ليرفع جسده، لكن قواه كانت قد تلاشت بالكامل؛ كان وشم الساعة على كتفه يحترق تحت ملابسه كأنه كُوي بالنار، تاركًا جسده عاجزًا عن النهوض.
وجد كايل نفسه مطروحًا على الأرض على بُعد خطوات، بينما وقفت المرأة ذات الشعر الفضي في مكانها، تحدق في الموضع الذي اختفى منه هدفها قبل أن تصل إليه شفرتها.
انسحبت بقايا الدماء تدريجيًا. أمالت رأسها الفضي ببطء شديد، استقرت عيناها الدمويتان على إيثان المنهك تتأمل لعبة نادرة سقطت بين يديها. تموجت برك الدماء تحت قدميها العاريتين وهي تتخطى اجساد نسخها، لتتوقف على بُعد خطوات قليلة منهما.
وفجأة، انطلقت في أعماق عقله دقات ثقيلة ومتتابعة، كأن ساعةً خفية بدأت تعمل داخله.
كان إيثان يجثو على الأرض، وركبتاه ترتجفان دون أن يتمكن من السيطرة عليهما، وصدره يعلو ويهبط بألم خانق. حاول الاتكاء على خنجره ليرفع جسده، لكن قواه كانت قد تلاشت بالكامل؛ كان وشم الساعة على كتفه يحترق تحت ملابسه كأنه كُوي بالنار، تاركًا جسده عاجزًا عن النهوض.
تجمد العالم مجددًا… انقشعت الألوان، واكتست القاعة بالرماد.
قفز كايل أمامه غريزيًا، ورفع الأنبوب المعدني الصغير بيدين ترتجفان، محاولًا أن يجعل صوته المجهد يبدو مهددًا
“إيـ… إياكِ والاقتراب! هذا المكثف يخزن شحنة طاقة هائلة! أقسم لكِ أنني سأفجر المكان برُمته!”
“إيـ… إياكِ والاقتراب! هذا المكثف يخزن شحنة طاقة هائلة! أقسم لكِ أنني سأفجر المكان برُمته!”
“إيـ… إياكِ والاقتراب! هذا المكثف يخزن شحنة طاقة هائلة! أقسم لكِ أنني سأفجر المكان برُمته!”
لم تلتفت المرأة نحو كايل فقد كان كل تركيزها منصبًا على إيثان.
ازدادت البوابة وضوحًا.
أمالت رأسها الفضي ببطء شديد، وانسدلت خصلات شعرها حول وجهها الشاحب، قبل أن تطلق ضحكة خافتة وناعمة، تشبه صرير شفرة زجاجية فوق الرخام.
اتسعت عينا إيثان بدهشة، بينما انفتحت البوابة ببطء أمامهما.
اتسعت عينا إيثان بدهشة، بينما انفتحت البوابة ببطء أمامهما.
“طاقة زمنية عذبة…” همست بصوت انساب مباشرة إلى أذهانهما، ثم أردفت بنبرة تشوبها الخيبة
تسارعت دقات قلبه بجنون، وبدأت الشرايين في صدغيه تنبض بألم حاد. بدأت الرؤية تضطرب، وشعر ببرودة شديدة في أطرافه؛ كانت قدرته تستنزف طاقته مباشرةً من جسده، وتسحبها منه دون توقف.
“لكنها ضئيلة جدًا… خاوية، كأنك طفل يحاول تحريك جبل بإبهامه.”
رفعت يدها ذات الأظافر القرمزية الطويلة، وبحركة خفيفة من أصابعها، تجمعت خيوط الدم المتناثرة، وانسحبت النسخ المشوهة عائدة إلى الأرضية، كأنها لم تكن.
خطت المرأة خطوة إضافية نحو إيثان، وجثت أمام وجهه الشاحب. رفعت سبابتها ومررتها بالقرب من وجنته دون أن تلمسه، وأحس إيثان ببرودة ثلجية تجتاح وجهه، فتجمدت أنفاسه.
“طاقة زمنية عذبة…” همست بصوت انساب مباشرة إلى أذهانهما، ثم أردفت بنبرة تشوبها الخيبة
لم تلتفت المرأة نحو كايل فقد كان كل تركيزها منصبًا على إيثان.
“قتلك الآن سيكون مبتذلًا… ومملًا جدًا يا متلاعب الزمن.” قالت وهي تتأمل عيني إيثان الحمراوين من شدة الإرهاق. “الجسد الضعيف المنهك لا يقدم معركة تشبع شغفي، والدماء الخائفة طعمها مر.”
وقفت ببطء، وانسحب فستانها الأبيض خلفها وهي تستدير وتوليهما ظهرها، ثم اتجهت ببطء نحو ظلال الممر العميق.
“اهتم بقوتك، وارتقِ بها إلى مستوى أعلى. وعندما تظن أنك أصبحت قادرًا حقًا على السيطرة على الزمن… تعال إلي. حينها، سأمنحك ميتةً تليق بك.”
تلاشت البرك الدموية تدريجيًا، وغاصت المرأة في الظلال الدامسة وكأنها ذابت في جدران المكان، ليعود ضوء المصابيح العلوية إلى شحوبه الطبيعي، ويختفي الضغط الخانق من الهواء.
سقط إيثان فورًا على وجهه فوق الصخر العاري بعد أن جفت الدماء من تحته، بينما جثا كايل بجانبه، يلهث بذهول، وأمسك بكتف إيثان بيد مرتجفة وهو يتحسس نبضه
“إيثان! تبًا يا رجل… هل ما زلت حيًا؟!”
فتح إيثان عينيه بصعوبة، وخرج صوته ضعيفًا ومبحوحًا وهو ينظر نحو الفراغ المظلم الذي اختفت فيه المرأة
التفت إليه إيثان بسرعة، دون أن يبعد عينيه عن المرأة
“نـ… نعم… لكنني لا أستطيع تحريك إبهامي حتى…”
وأنه ينتظره.
اتكأ إيثان بكل ثقله على كتف كايل، الذي كان يئن تحت وزنه، بينما يحاول تثبيت نظارته المائلة ودفتر ملاحظاته تحت ذراعه الأخرى. تحركا بخطوات ثقيلة نحو الضوء الخافت المتبقي في الممر.
أدار كايل رأسه ونظر إلى إيثان المنهك، وابتسم ابتسامة باهتة محاولًا استعادة نبرته الساخرة ليخفف من وطأة الرعب الذي عاشاه
كانت العتمة كثيفة، ولم يستطع رؤية ما يوجد في الداخل أو معرفة ما ينتظرهما خلف العتبة.
حتى المرأة الأصلية ذات الشعر الفضي استقرت نظرتها الدموية في الفراغ.
“تدوين مذكراتنا اليومية سيكون ممتعًا… «المغفلان اللذان أنقذتهما امرأة دموية لأن أحدهما كان أضعف من أن يُؤكل!»… أليس هذا أفضل ملخص لرحلتنا يا إيثان؟”
أغمض إيثان عينيه بتعب، وتمتم بصوت خافت جدًا قبل أن يغيب جزئيًا عن الوعي
الفستان الأبيض الطويل انسحب خلفها ببطء، وأطرافه الملطخة بالأحمر القاني جرت خطوطًا دامية فوق الأرض، بينما انعكس ظلها فوق البرك الحمراء.
وما إن تجاوزا البوابة حتى انغلقت خلفهما ببطء، وساد الظلام من حولهما، ولم يعد بإمكانهما رؤية شيء سوى العتمة الممتدة أمامهما.
“فقط… أخرجنا من هنا يا كايل…”
بدأ وعي إيثان يتلاشى شيئًا فشيئًا، بينما كان جسده المنهك يستند إلى كايل أثناء سيرهما في الممر.
سمعا صوت خطوات بطيئة.
تموجت الأرض الحمراء تحت أقدامهم ثم ارتفعت منها خيوط طويلة من الدم، تتحرك كالأفاعي، تلتف في الهواء وتنبض بطريقة مقززة توحي بأنها عروق حية.
تراجعت أصوات خطواتهما تدريجيًا، ثم خفت صوت كايل حتى أصبح مجرد همهمة بعيدة.
تشوشت الرؤية أمام عينيه، واختلطت جدران الممر بالظلال، ثم أخذت ملامح المكان تتلاشى ببطء، شعر أن العالم نفسه ينسحب من حوله.
كان إيثان يجثو على الأرض، وركبتاه ترتجفان دون أن يتمكن من السيطرة عليهما، وصدره يعلو ويهبط بألم خانق. حاول الاتكاء على خنجره ليرفع جسده، لكن قواه كانت قد تلاشت بالكامل؛ كان وشم الساعة على كتفه يحترق تحت ملابسه كأنه كُوي بالنار، تاركًا جسده عاجزًا عن النهوض.
كانت تسير فوق الدماء بقدميها العاريتين، لكن السطح الأحمر لم يتحرك تحتها أبدًا كما لو أنه يخضع لها.
بدأ الإحساس بجسده يتلاشى تدريجيًا، حتى لم يعد يشعر بثقل جسده على كايل ولا بحرارة جسد رفيقه التي كانت تسنده.
ثم اختفى صوت كايل تمامًا.
“فقط… أخرجنا من هنا يا كايل…”
الثانية الثانية
وحين فتح إيثان عينيه، لم يجد نفسه في الممر.
الثانية الثانية
شعر إيثان بثقل جسده وكأن جبالًا صخرية سقطت فوق كتفيه. أطلق زفيرًا حارًا وهو يتحرك بمرونة بين الأجساد المتجمدة. اندفع نحو كايل، وأمسكه من ياقة معطفه وسحبه بقوة إلى الخلف، مغيرًا موقعه تمامًا عن مسار الأذرع الدامية.
كان يقف في فراغ رمادي لا يمتد له أفق، بينما تطفو قطرات العرق والدم حوله بلا وزن.
يعلن أن الاختبار لم يبدأ بعد.
ظل صامتًا للحظات، يحاول فهم ما حدث.
نظر حوله بحذر، ثم تقدم بخطوات بطيئة داخل الممر المظلم. كان المكان مختلفًا تمامًا عن الهرم الذي تركاه خلفهما، حتى الهواء بدا أثقل وأكثر جفافًا.
عندها فقط، اخترق صوت ساخر سكون الفراغ مباشرة داخل رأسه.
بدأ الإحساس بجسده يتلاشى تدريجيًا، حتى لم يعد يشعر بثقل جسده على كايل ولا بحرارة جسد رفيقه التي كانت تسنده.
«أوه… انظروا من قرر أن يختبر حدود الزمن.»
ظهرت امرأة.
تجمد إيثان في مكانه، واتسعت رؤيته الروحية بذهول، وهو يحاول معرفة مصدر الصوت. لم يكن هناك أحد أمامه، ومع ذلك كان الصوت واضحًا كما لو أن صاحبه يقف بجواره.
ثم أدرك أن الصوت لم يأتِ من خارج الفراغ، بل سمعه مباشرة داخل رأسه.
أطلق إيثان صرخة مكتومة؛ الارتجاف يمزق عضلاته، والشرايين في صدغيه تنبض بألم حاد. اندفع رغم الارتجاف العنيف الذي يضرب جسده، وشق طريقه بين النسخ المتجمعة.
“من أنت؟” سأل إيثان بحذر.
في جزء من الثانية… اتسعت عينا إيثان.
عادت الألوان لتنفجر في المكان بصوت طرقعة زجاجية مدوية!
لكن الصوت لم يجبه، بل تابع بنبرة ساخرة.
لم تكن هناك نقوش على الجدران هنا، بل أسطح صخرية ملساء تمتد على جانبي الممر. بدت بعض أجزائها منتظمة بشكل غريب، كأن شيئًا شديد الحدة مر عليها وتركها بهذه الصورة.
عشرات النسخ وقفت أمامهم.
«ثلاث مرات استخدمت قدرتك، رغم أن جسدك كان يصرخ بالتوقف. هل كنت تظن أن الأمر لن تكون له عواقب؟»
انسحبت بقايا الدماء تدريجيًا. أمالت رأسها الفضي ببطء شديد، استقرت عيناها الدمويتان على إيثان المنهك تتأمل لعبة نادرة سقطت بين يديها. تموجت برك الدماء تحت قدميها العاريتين وهي تتخطى اجساد نسخها، لتتوقف على بُعد خطوات قليلة منهما.
اشتعل وشم الزمن على كتفه.
فكانتا بلون الدم الداكن.
«لقد تجاوزت الحد الذي يستطيع مستواك الحالي تحمله. ولهذا فُتح لك الاختبار.»
همس كايل بذعر، وخرج صوته مرتجفًا
ظهرت أمامه صورة ضبابية لبوابة ضخمة، تتكون تدريجيًا من تروس وهياكل متبلورة تدور بعكس عقارب الساعة.
ظل صامتًا للحظات، يحاول فهم ما حدث.
توقفت أنفاسه للحظة، واتسعت عيناه قليلًا.
«لا تفهم الأمر بشكل خاطئ. الاختبار ليس مكافأة لك. أنت من دفعت قدرتك إلى هذا الحد، ولذلك فُتح أمامك طريق الانتقال إلى المستوى التالي.»
عشرات النسخ وقفت أمامهم.
قال إيثان بصوت منخفض
ازدادت البوابة وضوحًا.
تسارعت دقات قلبه بجنون، وبدأت الشرايين في صدغيه تنبض بألم حاد. بدأت الرؤية تضطرب، وشعر ببرودة شديدة في أطرافه؛ كانت قدرته تستنزف طاقته مباشرةً من جسده، وتسحبها منه دون توقف.
«إذا اجتزت الاختبار، فستنتقل إلى المستوى الأول. وإذا فشلت، فلن تحصل على شيء سوى الموت… أو ربما ما هو أسوأ.»
ثم ضحك الصوت باستخفاف.
استند كايل بظهره على البوابة السوداء وهو يلهث بشدة، بينما جثا إيثان على ركبتيه محاولًا التقاط أنفاسه.
“ألم أقل لك؟”
«وبالمناسبة، انسَ خنجرك.»
توقفت التروس للحظة، ثم عادت إلى الدوران.
كانت العتمة كثيفة، ولم يستطع رؤية ما يوجد في الداخل أو معرفة ما ينتظرهما خلف العتبة.
«لن يفيدك هناك. وكذلك قدرتك الحالية على إيقاف الزمن لن تكون كافية.»
كان إيثان مستندًا على إحدى ركبتيه، وجسده يرتجف، يلهث بصعوبة بينما تتساقط قطرات العرق البارد من جبهته.
«في هذا الاختبار، لن تحصل على فرصة للهروب بين الثواني أو الاعتماد على قوتك الحالية. عليك أن تتعلم كيف تستخدم الزمن بطريقة أفضل.»
“تبًا… إنها هي! يجب أن نهرب!”
“ما الذي… كيف وصلتُ إلى هنا؟!” صرخ كايل بذهول وهو ينظر إلى الأجساد المقطعة أمامه، ثم التفت إلى إيثان.
ساد صمت قصير.
كان إيثان يجثو على الأرض، وركبتاه ترتجفان دون أن يتمكن من السيطرة عليهما، وصدره يعلو ويهبط بألم خانق. حاول الاتكاء على خنجره ليرفع جسده، لكن قواه كانت قد تلاشت بالكامل؛ كان وشم الساعة على كتفه يحترق تحت ملابسه كأنه كُوي بالنار، تاركًا جسده عاجزًا عن النهوض.
ثم عاد الصوت إلى سخريته.
«لذلك حاول ألا تموت بسرعة، يا عبقري. سيكون من المزعج أن ينتهي الاختبار قبل أن يبدأ.»
كانت تسير فوق الدماء بقدميها العاريتين، لكن السطح الأحمر لم يتحرك تحتها أبدًا كما لو أنه يخضع لها.
“من أنت؟” سأل إيثان بحذر.
اتسعت البوابة أمامه ببطء، وأخذ ضوؤها يملأ الفراغ من حوله شيئًا فشيئًا. تلاشت ملامحها داخل بياض ساطع، بينما بدأ وعي إيثان بالمكان يتلاشى تدريجيًا، حتى لم يعد يشعر بوجود الفراغ من حوله.
التفت كايل خلفه، ونظر إلى الطريق الذي أتيا منه، ثم أعاد نظره إلى إيثان.
تلاقت النظرات في الممر الملطخ بالدماء. النسخ المشوهة بدأت تتقدم كقطيع من العرائس الميتة، وأقدامهن العارية تترك أثرًا قرمزيًا طازجًا فوق الأرض.
ثم ابتلعه الضوء بالكامل.
فتح إيثان جفنيه بصعوبة، وأطلق شهقة حادة، ليجد نفسه لا يزال مستندًا إلى كتف كايل، الذي واصل السير به في الممر المظلم وكأن شيئًا لم يحدث.
هزت طرقعة أخرى الهواء، وتساقطت النسخ الجديدة كقطع ثلج حمراء متكسرة.
“طاقة زمنية عذبة…” همست بصوت انساب مباشرة إلى أذهانهما، ثم أردفت بنبرة تشوبها الخيبة
ظل إيثان صامتًا للحظات، يحاول استيعاب ما رآه، بينما بقي وشم الساعة على كتفه ينبض ببرودة عميقة وثابتة…
توقفت أنفاسه للحظة، واتسعت عيناه قليلًا.
التفت كايل خلفه، ونظر إلى الطريق الذي أتيا منه، ثم أعاد نظره إلى إيثان.
يعلن أن الاختبار لم يبدأ بعد.
انقشعت الألوان من المكان في رمشة عين. انقلب كل شيء إلى عالم من الأبيض والأسود والرمادي. تجمدت برك الدماء كالمرايا المكسورة، وتحولت قطرات الدم المعلقة في الهواء إلى كريستالات ثابتة، بينما تجمدت النسخ الثلاث في وضعية الهجوم، وعلى وجوههن تلك الابتسامات المرعبة.
“تبًا… إنها هي! يجب أن نهرب!”
وأنه ينتظره.
الثانية الثالثة
