في أعماق المدينة القديمة
“هل هذا هو المكان؟”
رد إيثان وهو يلمح نهاية الممر
اتضحت الرؤية تدريجيًا مع اتساع البوابة الفولاذية، ليظهر داخل القاعة مجسم معدني عملاق يشبه درعًا آليًا هائلًا، تتوسطه نواة كريستالية خامدة، تتغذى على خطوط الضوء الأزرق الممتدة من الجدران. جمعت تفاصيله الهندسية بين الهيبة والدقة التكنولوجية التي تسبق عصرها بقرون.
نظر إيثان إلى الكهف بشك “أليس هذا مجرد كهف؟”
نظر إيثان إلى الكهف بشك “أليس هذا مجرد كهف؟”
“نعم، وهو ليس كهفًا عاديًا، بل هو المدخل إلى المدينة القديمة.”
“المخرج مغلق أو بعيد جدًا… انظر هناك!”
خطا إيثان خطوة أعمق نحو الظلام، فلامس الهواء البارد وجهه، وتسللت البرودة عبر ثيابه حتى شعر بأطراف أصابعه تفقد دفئها. رفع المشعل، وقرب يده من اللهب ليدفئ أصابعه، فلفتت انتباهه نقوش غريبة تمتد على الجدران الصخرية. رفع المشعل وأخذ يمرر ضوءه على النقوش ليراها بوضوح، ثم التفت إلى كايل وسأله “هل أنت متأكد أن أحدًا لم يطأ هذا المكان من قبل؟”
كان المشهد أمامهما مهيبًا؛ أزقة عريضة تحيط بها أعمدة ضخمة، ونقوش هندسية دقيقة لم تؤثر فيها السنين، ومبانٍ حجرية متراصة بانتظام عجيب. ورغم القِدم والظلمة اللذين يخيمان على الأرجاء، كانت هناك أحجار كريمة صغيرة مرصعة في السقف الصخري المرتفع، تتلألأ ببريق خافت يشبه النجوم، وتلقي وهجًا دافئًا على المكان.
أجاب كايل “لا أعلم إن كان قد دخله أحد… لكن عندما دخلته، سمعت فقط ذلك الصوت الذي أخبرتك عنه، ولم أرَ أحدًا آخر.”
أومأ إيثان، ثم نظر إلى النقوش، بينما أخرج كايل من حقيبته جهازًا صغيرًا يشبه كرةً معدنية تتوسطها عدسة زجاجية زرقاء، ضغط على زر صغير في جانبه، فبدأت العدسة بالدوران بسرعة حول الجهاز قبل أن تتوقف فجأة، موجهةً نحو اليمين.
تجاهل كايل تحذيره، وأخرج أدوات القياس ودفترًا صغيرًا، ثم بدأ يخط السطور بسرعة جنونية، بينما راحت أصابعه تتسابق مع خطوط الطاقة المحفورة على الطاولة.
نزل الاثنان عبر الممر الأيسر، وكانت الدرجات الحجرية تضيق تدريجيًا كلما هبطا إلى الأسفل. ازدادت الرطوبة الممزوجة برائحة النحاس المؤكسد كثافة، وكانت أزيز الشرارات الكهربائية الخافتة المنبعثة من حقيبة كايل الصوت الوحيد الذي يكسر الجمود السائد، إلى جانب وقع أقدامهما الحذرة.
نظر كايل إلى الجهة التي أشارت إليها العدسة، وقال “لنذهب.”
تقدما خطوة تلو الأخرى في الممر الأيمن الذي أشارت إليه الكرة المعدنية، وكان الهواء يزداد ثِقلاً وبرودة كلما توغلا في أعماق الكهف. لم يعد صوت أقدامهما ينعكس على الصخور، بل كان يتلاشى لحظة ملامسة أقدامهما للأرض، حتى بدا أن الصخر من حولهما يبتلع الصوت ويسحبه إلى أعماقه. شيئًا فشيئًا، أحاط بهما صمت ثقيل، صمتٌ خانق لم يترك مجالًا لشيء سوى صوت أنفاسهما المتقطعة.
تباطأت خطوات إيثان وأخذ يحدق في الظلام الممتد أمامهما. لم يعجبه اختفاء صدى خطواتهما، فرفع مشعله قليلًا وأدار نظره بين الجدران.
“نعم، وهو ليس كهفًا عاديًا، بل هو المدخل إلى المدينة القديمة.”
وفجأة، توقفت عدسة الكرة المعدنية في يد كايل عن الدوران تمامًا، وانطفأ وميضها الأزرق ليحل محله ضوء أحمر خافت ينبض ببطء.
وقف كايل في مكانه، ولمعت عيناه بحماس. “انظر إلى هذا يا إيثان! التشويش المغناطيسي هنا مرتفع بشكل جنوني… الترددات تكاد تحطم النواة الزجاجية للجهاز! لا بد أن هناك مصدرًا هائلًا للطاقة في مكان قريب.”
على مسافة غير بعيدة أسفل الميدان، وفي زاوية مظلمة لم تكن واضحة قبل أن تتحول إضاءة المكان إلى اللون الأحمر التحذيري، ظهرت البوابة السوداء المهيبة.
“كايل! هل خطتك القادمة هي الوقوف والتحديق فقط، أم أن لديك أدنى فكرة عما أيقظته للتو؟”
رفع إيثان مشعله إلى الأعلى، فانكشفت أمامهما نهاية الممر الصخري: بوابة حجرية ضخمة منحوتة تتوسطها دائرة فارغة، تبدو وكأنها تنتظر مفتاحًا غريبًا. لم تكن البوابة مغلقة تمامًا، بل تركت فتحة صغيرة تكفي لمرور شخص واحد.
قبل أن يكمل كايل جملته، ارتجفت الأرض تحت أقدامهما بهزة عنيفة جعلت الصفائح المعدنية على الجدران تتساقط كالأوراق.
اقترب إيثان من البوابة، وانحنى قليلًا لينظر عبر الفتحة إلى الداخل. اتسعت حدقتا عينيه.
جلس كايل على درجة حجرية مجاورة، وفتح حقيبته ليخرج عدسة مكبرة وأدوات قياس، ثم بدأ يوثق التفاصيل في دفتره، بينما واصل إيثان تجواله داخل القاعة، متفحصًا الممرات الفرعية التي تقود إلى الغرف الداخلية للهرم.
لم يكن بالداخل مجرد ظلام، بل مساحة شاسعة تحت الأرض، تنتشر فيها أطلال مبانٍ حجرية شاهقة تمتد على مدى البصر، وتنبعث من بعض أسطحها خطوط ضوئية خافتة تتصل بالسقف الصخري للمكان.
رمقه إيثان بنظرة جانبية وقال
رد كايل دون أن يرفع رأسه عن دفتره
التفت إيثان إلى كايل. “يبدو أن صانعي هذه المدينة لم يتركوها وراءهم بالكامل… انظر بنفسك.”
كلاك!
ثم أشار بإصبعه إلى أحد النقوش، وهو يضحك بحماس أشبه بالهوس.
اقترب كايل ليطل هو الآخر، لكن قبل أن يضع قدمه بجانب إيثان، تسللت همسة غامضة إلى أرجاء المكان، متداخلة النبرات. لم تأتِ من خلف البوابة، بل بدت وكأنها تتصاعد من الأرض تحت أقدامهما مباشرة.
رمقه إيثان بنظرة جانبية وقال
عاد النبض السريع إلى الجهاز تدريجيًا، واستعاد ضوء عدسته الأزرق انتظامه. ومع هدوء الجهاز، اتضح أن الهمسة لم تكن سوى صدى خافت لصفير الريح المتسللة عبر فتحات البوابة الضيقة، بعدما تغير الضغط الجوي في أعماق الكهف.
تنفس إيثان الصعداء، وهز رأسه ضاحكًا بخفة ليطرد التوتر.
“مجرد الهواء… هذا المكان يلعب بأعصابنا.”
“مجرد الهواء… هذا المكان يلعب بأعصابنا.”
قبل أن يتمكن إيثان من سحبه إلى الخلف، أدار كايل الترس الأخير بسرعة.
قبل أن يكمل كايل جملته، ارتجفت الأرض تحت أقدامهما بهزة عنيفة جعلت الصفائح المعدنية على الجدران تتساقط كالأوراق.
أومأ كايل وهو يتفحص الجهاز.
“تخيل كم سنة مرت منذ أن سار آخر شخص في هذه الشوارع… كل شيء هنا متوقف في الزمن، وكأنهم غادروها بالأمس فقط.”
لم يكن مجرد مخلوق عضوي، بل كان كيانًا مهجنًا مرعبًا؛ هيكلًا عظميًا ضخمًا من الصلب، وعمودًا فقريًا نحاسيًا متصلًا بأذرع حادة كالشفرات، تتوسط صدره جمرة ضوئية حمراء تبث حرارة حارقة.
“نعم، عادت أنظمة المسح إلى العمل بصورة طبيعية. المكان فارغ تمامًا، ولا يوجد أي أثر لنشاط حركي.”
دفع إيثان كتفه برفق نحو الفتحة البارزة في البوابة الحجرية، ولحسن حظهما، تحرك الجزء السفلي منها بسلاسة غير متوقعة، كأنها صُممت لتفتح بأقل جهد. اتسعت الفتحة بما يكفي لمرورهما، فعبرا من خلالها ليجدا نفسيهما على درج حجري عريض يهبط بهما نحو قلب المدينة المفقودة.
كان المشهد أمامهما مهيبًا؛ أزقة عريضة تحيط بها أعمدة ضخمة، ونقوش هندسية دقيقة لم تؤثر فيها السنين، ومبانٍ حجرية متراصة بانتظام عجيب. ورغم القِدم والظلمة اللذين يخيمان على الأرجاء، كانت هناك أحجار كريمة صغيرة مرصعة في السقف الصخري المرتفع، تتلألأ ببريق خافت يشبه النجوم، وتلقي وهجًا دافئًا على المكان.
أغلق كايل دفتره بصفعة قوية، ووضعه في حقيبته بحماس، ثم رفع الجهاز الكروي الذي عاد ضوؤه الأزرق ينبض بانتظام.
وقف كايل عند بداية الميدان الرئيسي، وأخرج دفتر ملاحظات صغيرًا وبدأ يرسم خريطة مبدئية، بينما أخذ إيثان يتجول بين الأعمدة، يتأمل النقوش الغريبة، متفاجئًا من دقة نحتها ومدى حفاظها عليها.
“إلى أين؟! المخرج الرئيسي؟” صرخ كايل وهو يتفادى حجرًا هائلًا سقط من السقف.
قال إيثان وهو يمرر يده على أحد الجدران
“تخيل كم سنة مرت منذ أن سار آخر شخص في هذه الشوارع… كل شيء هنا متوقف في الزمن، وكأنهم غادروها بالأمس فقط.”
“انظر هنا…” تمتم كايل بصوت منخفض وعيناه تلتهمان التفاصيل. “هذه العلامات الدائرية… إنها تشير إلى غرف التكثيف الميكانيكي. العباقرة الذين بنوا هذه المدينة لم يكونوا يعتمدون على الأحجار السحرية وحدها، بل كانوا يدمجونها بالتكنولوجيا الميكانيكية، تمامًا كما أفعل في «نوفابلايت»!”
رد كايل دون أن يرفع رأسه عن دفتره
“المخرج مغلق أو بعيد جدًا… انظر هناك!”
“أو ربما تركوا كل شيء ورحلوا بهدوء. لنبدأ بمسح المبنى الهرمي في المنتصف، يبدو أنه كان المركز الرئيسي للمدينة.”
“تبًا… أجهزتي تعمل دائمًا في النهاية!” صرخ كايل، مستغلًا اللحظة ليتدحرج مع إيثان نحو أعتاب البوابة السوداء.
اتجه الاثنان نحو المبنى الهرمي القابع في منتصف الميدان. كان صرحًا مدرجًا مهيبًا، نُحتت على جوانبه مسارات ضيقة تصعد نحو قمته.
رمقه إيثان بنظرة جانبية وقال
بدأ إيثان يتسلق الدرجات الحجرية العريضة بحذر، رافعًا مشعله ليضيء التفاصيل المعمارية الفريدة. لم تكن الجدران مجرد حجارة متراصة، بل كانت مغطاة بصفائح معدنية رقيقة جدًا متداخلة مع الصخر، تلمع بخفوت كلما انعكس عليها ضوء النار.
وصل كايل إلى المدخل الرئيسي للهرم، حيث استقبلته قاعة واسعة تتوسطها طاولة حجرية دائرية ضخمة. اقترب منها، ثم فعل عدسة جهازه الزرقاء وبدأ يمسح سطحها.
توقف كايل فجأة وهو يمسح النقوش المحفورة فوق الطاولة. التفت نحو إيثان بابتسامة عريضة، بينما مالت نظارته فوق رأسه.
“نعم، وهو ليس كهفًا عاديًا، بل هو المدخل إلى المدينة القديمة.”
“تبًا يا إيثان… انظر إلى هذه التقسيمات! هذه ليست مجرد خريطة عادية، إنها تُظهر الممرات الممتدة أسفل الهرم والمناطق المغلقة!”
تنفس إيثان الصعداء، وهز رأسه ضاحكًا بخفة ليطرد التوتر.
ثم أشار بإصبعه إلى أحد النقوش، وهو يضحك بحماس أشبه بالهوس.
كانت الغرف تحتوي على رفوف حجرية امتلأت بألواحٍ وفخارياتٍ سليمة تمامًا، لم تمسها يد منذ أزمنة بعيدة، مما منح إيثان فرصة نادرة لدراسة أسرار هذه الحضارة المفقودة.
“الورش والمعامل التي تركها عباقرة هذه المدينة قديمًا… الخريطة تحدد مواقعها بالضبط! لو كان نصف ما أبحث عنه موجودًا داخل هذه القاعات المغلقة، فإن اختراعي القادم سينجح بالتأكيد!”
وصل كايل إلى المدخل الرئيسي للهرم، حيث استقبلته قاعة واسعة تتوسطها طاولة حجرية دائرية ضخمة. اقترب منها، ثم فعل عدسة جهازه الزرقاء وبدأ يمسح سطحها.
“هذا…” تمتم إيثان، وهو يمرر عينيه على التعقيد الهندسي المرعب أمامهما. “هذا لا يبدو معبدًا ولا مبنى سكنيًا. هذا الممر بأكمله عبارة عن…”
اقترب إيثان ووقف بجانبه، فانكشفت له خريطة محفورة ببراعة على سطح الطاولة، تصور تفاصيل المدينة بأكملها، بما في ذلك شبكة الأنفاق الممتدة أسفلها وشوارعها المتفرعة في مختلف الاتجاهات. كما بدت بعض العلامات فيها وكأنها تشير إلى أماكن تخزين أو قاعات اجتماعات ضخمة.
“…نواة معالجة ضخمة!” قاطعه كايل بصوت اختلطت فيه الدهشة بالحماس قبل أن يقفز إلى الأمام متجاوزًا إيثان، متجاهلًا كل اعتبارات الأمان.
مرر إيثان أطراف أصابعه فوق القنوات المحفورة في الخريطة.
رد كايل دون أن يرفع رأسه عن دفتره
“تخطيط هندسي سابق لعصره بقرون… كل ممر وكل مبنى صُمم بعناية للاستفادة من تدفق الهواء والحرارة الطبيعية للجبل.”
اقترب إيثان من البوابة، وانحنى قليلًا لينظر عبر الفتحة إلى الداخل. اتسعت حدقتا عينيه.
جلس كايل على درجة حجرية مجاورة، وفتح حقيبته ليخرج عدسة مكبرة وأدوات قياس، ثم بدأ يوثق التفاصيل في دفتره، بينما واصل إيثان تجواله داخل القاعة، متفحصًا الممرات الفرعية التي تقود إلى الغرف الداخلية للهرم.
اتجه الاثنان نحو المبنى الهرمي القابع في منتصف الميدان. كان صرحًا مدرجًا مهيبًا، نُحتت على جوانبه مسارات ضيقة تصعد نحو قمته.
كانت الغرف تحتوي على رفوف حجرية امتلأت بألواحٍ وفخارياتٍ سليمة تمامًا، لم تمسها يد منذ أزمنة بعيدة، مما منح إيثان فرصة نادرة لدراسة أسرار هذه الحضارة المفقودة.
عاد إيثان إلى القاعة، فرأى كايل لا يزال منهمكًا في تدوين ملاحظاته. وما إن لمح عودته حتى أغلق دفتره، ونهض وهو يقول
“أو ربما تركوا كل شيء ورحلوا بهدوء. لنبدأ بمسح المبنى الهرمي في المنتصف، يبدو أنه كان المركز الرئيسي للمدينة.”
“لنذهب إلى الممرات السفلية. إذا كانت الخريطة دقيقة، فهناك ورش قديمة أسفل الهرم.”
تنهد إيثان وقال
“من الأفضل أن نكون حذرين. لا أريد أن نصادف ذلك المخلوق الذي كاد يلتهمك.”
اهتزت الأرض تحت أقدامهما، وبدأت الأنابيب النحاسية الممتدة على طول الممر تتوهج بضوء أزرق سماوي، تدفق عبرها كالدماء في العروق. وأضاءت الشاشات الزجاجية الميتة فجأة، بينما أخذت التروس تدور مصدرة صريرًا معدنيًا حادًا ارتد صداه في الأعماق.
رفع إيثان مشعله إلى الأعلى، فانكشفت أمامهما نهاية الممر الصخري: بوابة حجرية ضخمة منحوتة تتوسطها دائرة فارغة، تبدو وكأنها تنتظر مفتاحًا غريبًا. لم تكن البوابة مغلقة تمامًا، بل تركت فتحة صغيرة تكفي لمرور شخص واحد.
ابتسم كايل ابتسامة عريضة، وعدل نظارته المستقرة فوق رأسه، ثم قال بلامبالاة وهو ينحني فوق الخريطة
أمسك إيثان بكتف كايل وثبته بقوة قبل أن يدير أي مقبض.
“أكلي؟ أوه، أرجوك يا إيثان… ذلك المخلوق كان يدافع عن منطقة العش فقط! نسبة احتمال وجوده داخل هذا الهرم لا تتعدى خمسة عشر بالمئة!”
لم يكن مجرد مخلوق عضوي، بل كان كيانًا مهجنًا مرعبًا؛ هيكلًا عظميًا ضخمًا من الصلب، وعمودًا فقريًا نحاسيًا متصلًا بأذرع حادة كالشفرات، تتوسط صدره جمرة ضوئية حمراء تبث حرارة حارقة.
“أكلي؟ أوه، أرجوك يا إيثان… ذلك المخلوق كان يدافع عن منطقة العش فقط! نسبة احتمال وجوده داخل هذا الهرم لا تتعدى خمسة عشر بالمئة!”
رمقه إيثان بنظرة جانبية وقال
“خمسة عشر بالمئة نسبة عالية جدًا عندما يتعلق الأمر بكائن يريد التهامنا.”
تجاهل كايل تحذيره، وأخرج أدوات القياس ودفترًا صغيرًا، ثم بدأ يخط السطور بسرعة جنونية، بينما راحت أصابعه تتسابق مع خطوط الطاقة المحفورة على الطاولة.
“انظر هنا…” تمتم كايل بصوت منخفض وعيناه تلتهمان التفاصيل. “هذه العلامات الدائرية… إنها تشير إلى غرف التكثيف الميكانيكي. العباقرة الذين بنوا هذه المدينة لم يكونوا يعتمدون على الأحجار السحرية وحدها، بل كانوا يدمجونها بالتكنولوجيا الميكانيكية، تمامًا كما أفعل في «نوفابلايت»!”
“البوابة السوداء! هناك!” أشار إيثان وهو يقفز فوق بركة من الصخور المنهارة.
وقف إيثان عند حافة القاعة، يراقب الممر المظلم المؤدي إلى أعماق الهرم. انساب نسيم بارد وجاف من الأسفل، يحمل رائحة معدن صدئ وطاقة قديمة ساكنة.
التفت إلى كايل وقال
ثم دوى في أرجاء الجبل صوت آلية عملاقة استيقظت من سباتها.
“انتهيت؟ الممر الأيسر يبدو أنه يهبط مباشرة إلى تلك الغرف التي تتحدث عنها.”
أغلق كايل دفتره بصفعة قوية، ووضعه في حقيبته بحماس، ثم رفع الجهاز الكروي الذي عاد ضوؤه الأزرق ينبض بانتظام.
“أنا جاهز تمامًا! وإذا ظهر ذلك الكائن مجددًا… أقسم لك أنني سأختبر عليه النسخة المصغرة من شاحن الصدمات!”
“أنا جاهز تمامًا! وإذا ظهر ذلك الكائن مجددًا… أقسم لك أنني سأختبر عليه النسخة المصغرة من شاحن الصدمات!”
“أيقظتُ الأرشيف الحي يا إيثان! هذا ليس مجرد درع… إنها وحدة لمعالجة وتجميع أسلحة النواة!”
تنهد إيثان، وبدأ يهبط أولى درجات السلم المؤدية إلى العتمة، ثم تمتم
ومن خلف المجسم المعدني العملاق في أقصى القاعة، تحركت الكتلة المظلمة التي تحرس هذا الأرشيف.
تقدما خطوة تلو الأخرى في الممر الأيمن الذي أشارت إليه الكرة المعدنية، وكان الهواء يزداد ثِقلاً وبرودة كلما توغلا في أعماق الكهف. لم يعد صوت أقدامهما ينعكس على الصخور، بل كان يتلاشى لحظة ملامسة أقدامهما للأرض، حتى بدا أن الصخر من حولهما يبتلع الصوت ويسحبه إلى أعماقه. شيئًا فشيئًا، أحاط بهما صمت ثقيل، صمتٌ خانق لم يترك مجالًا لشيء سوى صوت أنفاسهما المتقطعة.
“يا للروعة… الآن أصبحت أقلق من أجهزتك أكثر من المخلوقات.”
تنهد إيثان بقلة حيلة، ومرر يده على وجهه وهو يهز رأسه في سره، متذكرًا كيف انطلى عليه هدوء كايل المتردد قبل قليل.
نزل الاثنان عبر الممر الأيسر، وكانت الدرجات الحجرية تضيق تدريجيًا كلما هبطا إلى الأسفل. ازدادت الرطوبة الممزوجة برائحة النحاس المؤكسد كثافة، وكانت أزيز الشرارات الكهربائية الخافتة المنبعثة من حقيبة كايل الصوت الوحيد الذي يكسر الجمود السائد، إلى جانب وقع أقدامهما الحذرة.
اقترب إيثان من البوابة، وانحنى قليلًا لينظر عبر الفتحة إلى الداخل. اتسعت حدقتا عينيه.
اتجه الاثنان نحو المبنى الهرمي القابع في منتصف الميدان. كان صرحًا مدرجًا مهيبًا، نُحتت على جوانبه مسارات ضيقة تصعد نحو قمته.
وفجأة، توقف إيثان.
أجاب كايل “لا أعلم إن كان قد دخله أحد… لكن عندما دخلته، سمعت فقط ذلك الصوت الذي أخبرتك عنه، ولم أرَ أحدًا آخر.”
رفع مشعله قليلًا، فانعكس ضوء النار الذهبي على جدارين يمتدان لمسافة طويلة. لم يكونا جدارين عاديين، بل كانا مغطيين بآلاف التروس والأسلاك النحاسية المتداخلة، وشاشات زجاجية سميكة ومظلمة تشبه أعينًا زجاجية ميتة.
“لنذهب إلى الممرات السفلية. إذا كانت الخريطة دقيقة، فهناك ورش قديمة أسفل الهرم.”
“هذا…” تمتم إيثان، وهو يمرر عينيه على التعقيد الهندسي المرعب أمامهما. “هذا لا يبدو معبدًا ولا مبنى سكنيًا. هذا الممر بأكمله عبارة عن…”
أمسك إيثان بكتف كايل وثبته بقوة قبل أن يدير أي مقبض.
“…نواة معالجة ضخمة!” قاطعه كايل بصوت اختلطت فيه الدهشة بالحماس قبل أن يقفز إلى الأمام متجاوزًا إيثان، متجاهلًا كل اعتبارات الأمان.
جثا كايل على ركبتيه أمام إحدى اللوحات المعدنية المغطاة بطبقة خفيفة من الغبار. مسحها بكف يده، فانكشف تحتها نقش باللغة القديمة، إلى جانب مقبض نحاسي ثقيل يحمل شفرة رقمية تعتمد على محاذاة التروس.
دفع إيثان كتفه برفق نحو الفتحة البارزة في البوابة الحجرية، ولحسن حظهما، تحرك الجزء السفلي منها بسلاسة غير متوقعة، كأنها صُممت لتفتح بأقل جهد. اتسعت الفتحة بما يكفي لمرورهما، فعبرا من خلالها ليجدا نفسيهما على درج حجري عريض يهبط بهما نحو قلب المدينة المفقودة.
اتسعت عينا كايل، وبدأت أصابعه تتنقل بين التروس بسرعة جنونية..
“هذا…” تمتم إيثان، وهو يمرر عينيه على التعقيد الهندسي المرعب أمامهما. “هذا لا يبدو معبدًا ولا مبنى سكنيًا. هذا الممر بأكمله عبارة عن…”
“إيثان! هذه الآلة ليست معطلة، إنها في حالة خمول مؤقت! صانعوها لم يدمروا أبحاثهم عند رحيلهم، بل أغلقوها بنظام توزيع الطاقة التسلسلي!”
أمسك إيثان بكتف كايل وثبته بقوة قبل أن يدير أي مقبض.
رفع إيثان مشعله إلى الأعلى، فانكشفت أمامهما نهاية الممر الصخري: بوابة حجرية ضخمة منحوتة تتوسطها دائرة فارغة، تبدو وكأنها تنتظر مفتاحًا غريبًا. لم تكن البوابة مغلقة تمامًا، بل تركت فتحة صغيرة تكفي لمرور شخص واحد.
“نعم، وهو ليس كهفًا عاديًا، بل هو المدخل إلى المدينة القديمة.”
“كايل، تمهل. إذا كانت هذه الآلة نائمة منذ قرون، فإن تشغيلها فجأة قد يطلق شحنة طاقة تدمر المكان فوق رؤوسنا، أو تجذب انتباه أي شيء يعيش في هذه الأنفاق.”
تنفس إيثان الصعداء، وهز رأسه ضاحكًا بخفة ليطرد التوتر.
نظر إليه كايل من فوق نظارته الثقيلة، وارتسمت على وجهه ابتسامة عبثية تحمل مسحة من الجنون.
كلاك!
“أوه، هيا يا رجل! أين حس المغامرة لديك؟ نسبة احتمال انكماش النواة وانفجارها لا تتجاوز 32%! هذا يعني أن لدينا احتمالًا بنسبة 68% لفتح أعظم أرشيف تقني في تاريخ نوفاريس”
اقترب إيثان ووقف بجانبه، فانكشفت له خريطة محفورة ببراعة على سطح الطاولة، تصور تفاصيل المدينة بأكملها، بما في ذلك شبكة الأنفاق الممتدة أسفلها وشوارعها المتفرعة في مختلف الاتجاهات. كما بدت بعض العلامات فيها وكأنها تشير إلى أماكن تخزين أو قاعات اجتماعات ضخمة.
قبل أن يتمكن إيثان من سحبه إلى الخلف، أدار كايل الترس الأخير بسرعة.
“مجرد الهواء… هذا المكان يلعب بأعصابنا.”
رفع إيثان مشعله إلى الأعلى، فانكشفت أمامهما نهاية الممر الصخري: بوابة حجرية ضخمة منحوتة تتوسطها دائرة فارغة، تبدو وكأنها تنتظر مفتاحًا غريبًا. لم تكن البوابة مغلقة تمامًا، بل تركت فتحة صغيرة تكفي لمرور شخص واحد.
تسمر إيثان في لحظة صمت…
ثم أشار بإصبعه إلى أحد النقوش، وهو يضحك بحماس أشبه بالهوس.
ثم دوى في أرجاء الجبل صوت آلية عملاقة استيقظت من سباتها.
قبل أن يكمل كايل جملته، ارتجفت الأرض تحت أقدامهما بهزة عنيفة جعلت الصفائح المعدنية على الجدران تتساقط كالأوراق.
كلاك!
وصل كايل إلى المدخل الرئيسي للهرم، حيث استقبلته قاعة واسعة تتوسطها طاولة حجرية دائرية ضخمة. اقترب منها، ثم فعل عدسة جهازه الزرقاء وبدأ يمسح سطحها.
اتجه الاثنان نحو المبنى الهرمي القابع في منتصف الميدان. كان صرحًا مدرجًا مهيبًا، نُحتت على جوانبه مسارات ضيقة تصعد نحو قمته.
اهتزت الأرض تحت أقدامهما، وبدأت الأنابيب النحاسية الممتدة على طول الممر تتوهج بضوء أزرق سماوي، تدفق عبرها كالدماء في العروق. وأضاءت الشاشات الزجاجية الميتة فجأة، بينما أخذت التروس تدور مصدرة صريرًا معدنيًا حادًا ارتد صداه في الأعماق.
وقف كايل في مكانه، ولمعت عيناه بحماس. “انظر إلى هذا يا إيثان! التشويش المغناطيسي هنا مرتفع بشكل جنوني… الترددات تكاد تحطم النواة الزجاجية للجهاز! لا بد أن هناك مصدرًا هائلًا للطاقة في مكان قريب.”
رفع مشعله قليلًا، فانعكس ضوء النار الذهبي على جدارين يمتدان لمسافة طويلة. لم يكونا جدارين عاديين، بل كانا مغطيين بآلاف التروس والأسلاك النحاسية المتداخلة، وشاشات زجاجية سميكة ومظلمة تشبه أعينًا زجاجية ميتة.
تراجع إيثان غريزيًا، وأمسك بمقبض خنجره، بينما ظل كايل واقفًا في مكانه، ينعكس الضوء الأزرق على زجاج نظارته ووجهه، وعلى شفتيه تعلوه ضحكة.
وقف كايل عند بداية الميدان الرئيسي، وأخرج دفتر ملاحظات صغيرًا وبدأ يرسم خريطة مبدئية، بينما أخذ إيثان يتجول بين الأعمدة، يتأمل النقوش الغريبة، متفاجئًا من دقة نحتها ومدى حفاظها عليها.
وفي أقصى الممر، انفتحت بوابة فولاذية ضخمة ببطء، ليظهر من خلفها ضوء أبيض ناصع، ومجسم معدني عملاق ينتصب في منتصف القاعة المغلقة…
“نعم، عادت أنظمة المسح إلى العمل بصورة طبيعية. المكان فارغ تمامًا، ولا يوجد أي أثر لنشاط حركي.”
ظل الكيان واقفًا خلف الحد الفاصل، يطلق حرارة وأضواء حمراء من جسده، بينما سقط كايل وإيثان على الأرض يسترجعان أنفاسهما بصعوبة، متكئين على معدن البوابة السوداء الغامضة التي كانت تبث برودة ثلجية وسكونًا تامًا وسط هذا الجحيم.
اتضحت الرؤية تدريجيًا مع اتساع البوابة الفولاذية، ليظهر داخل القاعة مجسم معدني عملاق يشبه درعًا آليًا هائلًا، تتوسطه نواة كريستالية خامدة، تتغذى على خطوط الضوء الأزرق الممتدة من الجدران. جمعت تفاصيله الهندسية بين الهيبة والدقة التكنولوجية التي تسبق عصرها بقرون.
تنفس إيثان الصعداء، وهز رأسه ضاحكًا بخفة ليطرد التوتر.
وقف إيثان في مكانه، مشدود العضلات، ويده ما تزال قابضة على مقبض خنجره، بينما ظل صدى التروس يدوي في أذنيه. ثم التفت ببطء نحو كايل، الذي وقف متسمرًا، والضوء الأزرق ينعكس على زجاج نظارته الثقيلة، بينما غطت آثار السخام وجهه، تعلوه ضحكة انبهار طفولية وذهول لا يوصف.
وقف كايل عند بداية الميدان الرئيسي، وأخرج دفتر ملاحظات صغيرًا وبدأ يرسم خريطة مبدئية، بينما أخذ إيثان يتجول بين الأعمدة، يتأمل النقوش الغريبة، متفاجئًا من دقة نحتها ومدى حفاظها عليها.
تنهد إيثان بقلة حيلة، ومرر يده على وجهه وهو يهز رأسه في سره، متذكرًا كيف انطلى عليه هدوء كايل المتردد قبل قليل.
“تبًا… لقد نسيت للحظة أن هذا الفتى مجنون.”
“المخرج مغلق أو بعيد جدًا… انظر هناك!”
رفع إيثان صوته ليغطي على صرير الآلات.
ثم دوى في أرجاء الجبل صوت آلية عملاقة استيقظت من سباتها.
“كايل! هل خطتك القادمة هي الوقوف والتحديق فقط، أم أن لديك أدنى فكرة عما أيقظته للتو؟”
استعاد كايل تركيزه وقال
قبل أن يتمكن إيثان من سحبه إلى الخلف، أدار كايل الترس الأخير بسرعة.
“أيقظتُ الأرشيف الحي يا إيثان! هذا ليس مجرد درع… إنها وحدة لمعالجة وتجميع أسلحة النواة!”
رفع مشعله قليلًا، فانعكس ضوء النار الذهبي على جدارين يمتدان لمسافة طويلة. لم يكونا جدارين عاديين، بل كانا مغطيين بآلاف التروس والأسلاك النحاسية المتداخلة، وشاشات زجاجية سميكة ومظلمة تشبه أعينًا زجاجية ميتة.
ثم التفت إلى إيثان، ورفع إبهامه بابتسامة عريضة.
“مجرد الهواء… هذا المكان يلعب بأعصابنا.”
“ألم أقل لك؟ كانت نسبة 68% كافية تمامًا للنجاح… والآن، حان وقت تدوين الملاحظات قبل أن يتذكر هذا المكان أنه كان نائمًا منذ ألف عام!”
“خمسة عشر بالمئة نسبة عالية جدًا عندما يتعلق الأمر بكائن يريد التهامنا.”
قبل أن يكمل كايل جملته، ارتجفت الأرض تحت أقدامهما بهزة عنيفة جعلت الصفائح المعدنية على الجدران تتساقط كالأوراق.
وقف إيثان في مكانه، مشدود العضلات، ويده ما تزال قابضة على مقبض خنجره، بينما ظل صدى التروس يدوي في أذنيه. ثم التفت ببطء نحو كايل، الذي وقف متسمرًا، والضوء الأزرق ينعكس على زجاج نظارته الثقيلة، بينما غطت آثار السخام وجهه، تعلوه ضحكة انبهار طفولية وذهول لا يوصف.
تحول الضوء الأزرق الذي كان يتدفق بنعومة عبر الأنابيب فجأة إلى أحمر قانٍ ينبض بالتحذير، بينما تحول صرير التروس إلى أنين معدني حاد يمزق الآذان.
ثم دوى في أرجاء الجبل صوت آلية عملاقة استيقظت من سباتها.
ومن خلف المجسم المعدني العملاق في أقصى القاعة، تحركت الكتلة المظلمة التي تحرس هذا الأرشيف.
لم يكن مجرد مخلوق عضوي، بل كان كيانًا مهجنًا مرعبًا؛ هيكلًا عظميًا ضخمًا من الصلب، وعمودًا فقريًا نحاسيًا متصلًا بأذرع حادة كالشفرات، تتوسط صدره جمرة ضوئية حمراء تبث حرارة حارقة.
أطلق الكيان صرخة ميكانيكية متداخلة هزت أركان الهرم، ثم استدار بجسده الثقيل نحو من أيقظوه.
أطلق الكيان صرخة ميكانيكية متداخلة هزت أركان الهرم، ثم استدار بجسده الثقيل نحو من أيقظوه.
“الـ32 بالمئة اللعينة!!” صرخ كايل بصوت مرتفع وهو يتراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه متسعتان من الذهول.
رد كايل دون أن يرفع رأسه عن دفتره
ظل الكيان واقفًا خلف الحد الفاصل، يطلق حرارة وأضواء حمراء من جسده، بينما سقط كايل وإيثان على الأرض يسترجعان أنفاسهما بصعوبة، متكئين على معدن البوابة السوداء الغامضة التي كانت تبث برودة ثلجية وسكونًا تامًا وسط هذا الجحيم.
أمسكه إيثان بقوة من ياقة معطفه، وسحبه إلى الخلف وهو يصرخ
“اركض يا عبقري!!”
“أوه، هيا يا رجل! أين حس المغامرة لديك؟ نسبة احتمال انكماش النواة وانفجارها لا تتجاوز 32%! هذا يعني أن لدينا احتمالًا بنسبة 68% لفتح أعظم أرشيف تقني في تاريخ نوفاريس”
اندفع الكيان الميكانيكي نحوهما بسرعة مرعبة بالنسبة إلى حجمه، محطمًا الأعمدة والجدران الحجرية بأذرعه الفولاذية، وكأنها ليست سوى قطع خشب هشة. كانت الصخور تتساقط خلفهما، بينما كانت الحرارة المنبعثة من صدر الكيان تلسع ظهريهما.
اتجه الاثنان نحو المبنى الهرمي القابع في منتصف الميدان. كان صرحًا مدرجًا مهيبًا، نُحتت على جوانبه مسارات ضيقة تصعد نحو قمته.
تجاهل كايل تحذيره، وأخرج أدوات القياس ودفترًا صغيرًا، ثم بدأ يخط السطور بسرعة جنونية، بينما راحت أصابعه تتسابق مع خطوط الطاقة المحفورة على الطاولة.
صعدا الدرج الحجري العريض نحو الأعلى بكل ما أوتيا من قوة، وكايل يحتضن حقيبته ودفتره بيد، بينما يمسك باليد الأخرى نظارته ليثبتها كي لا تسقط.
“إلى أين؟! المخرج الرئيسي؟” صرخ كايل وهو يتفادى حجرًا هائلًا سقط من السقف.
عاد النبض السريع إلى الجهاز تدريجيًا، واستعاد ضوء عدسته الأزرق انتظامه. ومع هدوء الجهاز، اتضح أن الهمسة لم تكن سوى صدى خافت لصفير الريح المتسللة عبر فتحات البوابة الضيقة، بعدما تغير الضغط الجوي في أعماق الكهف.
رد إيثان وهو يلمح نهاية الممر
“تخيل كم سنة مرت منذ أن سار آخر شخص في هذه الشوارع… كل شيء هنا متوقف في الزمن، وكأنهم غادروها بالأمس فقط.”
صعدا الدرج الحجري العريض نحو الأعلى بكل ما أوتيا من قوة، وكايل يحتضن حقيبته ودفتره بيد، بينما يمسك باليد الأخرى نظارته ليثبتها كي لا تسقط.
“المخرج مغلق أو بعيد جدًا… انظر هناك!”
على مسافة غير بعيدة أسفل الميدان، وفي زاوية مظلمة لم تكن واضحة قبل أن تتحول إضاءة المكان إلى اللون الأحمر التحذيري، ظهرت البوابة السوداء المهيبة.
“الـ32 بالمئة اللعينة!!” صرخ كايل بصوت مرتفع وهو يتراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه متسعتان من الذهول.
“انتهيت؟ الممر الأيسر يبدو أنه يهبط مباشرة إلى تلك الغرف التي تتحدث عنها.”
كانت البوابة مصنوعة من مادة مجهولة، تحيط بها نقوش غائرة تنبض بضوء خافت، بينما كان المكان حولها يبعث برودة غريبة تتحدى حرارة الكيان الذي يطاردهما.
“البوابة السوداء! هناك!” أشار إيثان وهو يقفز فوق بركة من الصخور المنهارة.
“أكلي؟ أوه، أرجوك يا إيثان… ذلك المخلوق كان يدافع عن منطقة العش فقط! نسبة احتمال وجوده داخل هذا الهرم لا تتعدى خمسة عشر بالمئة!”
كان الكيان الفولاذي على بُعد أمتار قليلة فقط، وذراعه التي تنتهي بنصل فولاذي ارتفعت لتسحقهما معًا. وفي لحظة يائسة من الهلع، ضرب كايل جهازه الكروي بقوة على الأرض، مفجرًا الشحنة المتبقية فيه، فاندلع وميض أزرق مبهر وموجة طاقة أعمت الكيان وجعلته يتعثر لثوانٍ.
“تبًا… أجهزتي تعمل دائمًا في النهاية!” صرخ كايل، مستغلًا اللحظة ليتدحرج مع إيثان نحو أعتاب البوابة السوداء.
ثم دوى في أرجاء الجبل صوت آلية عملاقة استيقظت من سباتها.
ارتطم الاثنان بالجدار الرخامي المظلم للبوابة، بينما اندفع الكيان نحوهما بصرخة غضب آلية هائلة، لكنه توقف فجأة على بُعد خطوات معدودة منهم… وكأن خطًا وهميًا مرسومًا على الأرض يمنعه من تجاوزه.
لم يكن مجرد مخلوق عضوي، بل كان كيانًا مهجنًا مرعبًا؛ هيكلًا عظميًا ضخمًا من الصلب، وعمودًا فقريًا نحاسيًا متصلًا بأذرع حادة كالشفرات، تتوسط صدره جمرة ضوئية حمراء تبث حرارة حارقة.
ظل الكيان واقفًا خلف الحد الفاصل، يطلق حرارة وأضواء حمراء من جسده، بينما سقط كايل وإيثان على الأرض يسترجعان أنفاسهما بصعوبة، متكئين على معدن البوابة السوداء الغامضة التي كانت تبث برودة ثلجية وسكونًا تامًا وسط هذا الجحيم.
وفي أقصى الممر، انفتحت بوابة فولاذية ضخمة ببطء، ليظهر من خلفها ضوء أبيض ناصع، ومجسم معدني عملاق ينتصب في منتصف القاعة المغلقة…
