ضيوف غير مرحب بهم
سار إيثان بخطوات هادئة، بينما كان كايل يراقبه بطرف عينه، ملاحظًا ذلك التحول الطفيف في حضور رفيقه. لم يعد إيثان يشبه الشاب المنهك قبل قليل؛ بل بدا بنشاط شخص استيقظ لتوه، لا شخص خاض قتالًا مميتًا.
“لكنني سأجيب عن سؤال واحد أولًا… تريد أن تعرف لماذا يلاحقك الجميع، أليس كذلك؟”
فتح كايل باب الشقة ودخلا معًا إلى المختبر الذي ما زال يحمل آثار انفجاره الأخير
ما إن رآها إيثان حتى تنفس الصعداء وتمتم.
“حسنًا، إذن أنت مستخدم الزمن الذي ذُكر خلف الباب…” قال كايل وهو يخلع معطفه ويلقيه فوق أحد الصناديق، ثم ألقى نظرة جانبية على إيثان. “هل يمكنك أن تخبرني بما كان يدور في عقلك؟ أم أنك ستبقى كتلة من الغموض إلى الأبد؟”
“من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟ هل أنت من منظمة ناب الظل؟ ولماذا يلاحقني الجميع، بمن فيهم ناب الظل؟”
التفت إيثان إليه، وابتسم، ثم ألقى نظرة سريعة على الخريطة القديمة المفتوحة فوق الطاولة، حيث استقر رمز “ناب الظل”، وقال
“بعض المعارك لا تُخاض بالسيوف يا كايل… بل في العقل أولًا.”
لم تُقنع الإجابة كايل تمامًا، لكنه اكتفى بهز كتفيه بابتسامة ساخرة.
“ما هي؟”
“كما تشاء. لكن طالما أنك عدت إلى وعيك، فلدي أخبار قد لا تعجبك.”
“فالينتسيا…”
توقف إيثان في مكانه، وضيق عينيه قليلًا.
“لكن قبل أن أعرف من أين جاءت الطاقة، ظهرت هي.”
صمت كايل لبرهة، وهو يزن كلمات إيثان في ذهنه. كان يعلم أن إيثان محق فالأحداث التي تدور حول رفيقه الجديد تجاوزت بكثير حدود المشكلات العادية في أحياء نوفاريس.
“ما هي؟”
“أخشى أن الرحيل لم يعد خيارًا متاحًا لك يا إيثان…”
رفع كايل شاشة صغيرة كانت تومض بإشارات حمراء متقطعة.
توقف كايل، ثم التفت إليه.
“بينما كنت أنت… غارقًا في عالمك الخاص، التقط نظام الاستشعار لدي ترددات غريبة تحيط بالمكان. ليست تابعة للحراس، ولا لفضوليين عاديين.”
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت أورلاندو الهادئ وهو يبتسم.
اقترب إيثان بخطوات بطيئة من الشاشة، وتفحص الخطوط البيانية المتقطعة التي ترسم هالة من طاقة غير مألوفة.
“لم تكن المشكلة في تصديقي. كانت تريد أن تعرف كيف استطاع إنسان عادي، لا يحمل علامة ولا ينتمي إلى المتحولين، أن يشعر بأثر طاقة مستخدم الزمن.”
توقف كايل، ثم التفت إليه.
“ترددات ماذا؟” سأل بصوت خافت.
سكت كايل لحظة، ثم تابع
أما إيثان، فلم يتحرك من مكانه، بل بقيت يده ثابتة على مقبض خنجره، وعيناه مسمرتين على الوجه الخفي تحت العباءة السوداء.
أجاب كايل بصوت جاد، خاليًا من تلك النبرة العبثية التي تلازمه عادةً.
“يرصد التغيرات غير الطبيعية في الطاقة ويرسل البيانات إلى الأجهزة المرتبطة به. عندما التقط الجهاز الموجود في البحر اضطرابًا في طاقة الزمن الخاصة بك، وصلت البيانات إلى هذا الجهاز.”
طَق… طَق… طَق…
“تبدو كبصمة تعقب… وعادةً لا تُستخدم هذه التقنية إلا عندما يريد شخص ما تتبع أثر طاقة غير طبيعية. طاقة تشبة تمامًا تلك التي تطلقها عندما تستخدم قدرتك.”
“ولم تصدقك؟”
ساد صمت ثقيل في المختبر، لم يقطعه سوى طنين الأجهزة الخافت.
توقف إيثان في مكانه، وضيق عينيه قليلًا.
شعر إيثان ببرودة خفيفة تسري في ظهره.
“إذن…” همس إيثان وهو ينظر إلى الواجهة الزجاجية المظلمة للمختبر، المطلة على الشوارع الخارجية، “لقد بدأوا يقتربون.”
“هذه المنطقة لم يطأها أحد منذ سنوات طويلة، بحسب سجلات المدينة المخفية.” قال كايل بصوت منخفض، محاولًا كسر الصمت الموحش الذي يلف الأنفاق. “حتى الحراس يتجنبون الاقتراب من هذا العمق. يقال إن شبكة الأنفاق هنا تشبه متاهة بلا نهاية.”
وفجأة، وقبل أن ينطق أي منهما بكلمة، تردد في الممر المجاور للقاعة صدى وقع أقدام بطيء يقترب منهما.
رفع كايل نظره إليه، وبدت على ملامحه مسحة من القلق الحقيقي لأول مرة.
قذف الارتداد إيثان إلى الخلف، لكنه هبط على قدميه بثبات، وهو يتنفس بصعوبة، بينما ظل الشخص الغامض في مكانه بهدوء تام، وكأن ما حدث لم يكن سوى حركة إحماء بسيطة.
“لقد فقدت أحد أجهزتي في البحر، وكان مرتبطًا بهذا الجهاز.”
“من؟”
أغلق إيثان عينيه لثانية، ثم فتحهما وقال.
“أخشى أن الرحيل لم يعد خيارًا متاحًا لك يا إيثان…”
“لا أعلم. لدي أعداء كثيرون لدرجة أنني لا أعرف حتى من بدأ يقترب. يجب أن نخرج… البقاء هنا خطر.”
لم تكن مجرد فكرة مغامرة طائشة. كان عليهما الخروج من هنا في أسرع وقت ممكن؛ فالبقاء في مكان مكشوف كهذا يعني منح أعدائهما فرصة لمحاصرتهما. قبيلة المتحولين لا تزال تلاحقه، وناب الظل تظل جهة مجهولة النوايا، ناهيك عن أيطرف آخر قد يكون قد التقط أثر طاقته.
لم يكن يعرف من يقترب منهم تحديدًا… لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا.
“ولهذا عرفت أنني مستخدم زمن؟”
“ما هي؟”
البقاء هنا لم يعد خيارًا آمنًا.
التفت إيثان نحو كايل، الذي كان يتابع الشاشة المومضة وقال.
أطلق إيثان تنهيدة طويلة، وهز رأسه بأسى وهو يقول
“احزم ما تحتاجه من أدوات ومعدات خفيفة… سنغادر هذا المكان مؤقتًا.”
“لم يكن الاضطراب مجرد خلل في الطاقة. كان نمطه غريبًا، ويشبه ما قرأته عن طاقة الزمن في بعض الكتب القديمة. لذلك ظننت أن مصدره قد يكون مرتبطًا بالزمن.”
“ولهذا عرفت أنني مستخدم زمن؟”
رفع كايل حاجبه باستغراب، وبدت على وجهه ملامح الامتعاض.
أضاء كايل كشافًا صغيرًا يدويًا، ثم توقف لحظة وأشعل المشاعل المثبتة على الجدران واحدًا تلو الآخر. انتشرت ألسنة اللهب في الممر، وكشفت عن جدران حجرية تغطيها طبقات سميكة من الغبار، وعليها علامات قديمة نقشها البشر، أو ربما ما هو أقدم منهم، منذ عقود طويلة.
“نغادر؟ إلى أين؟ لقد أمضيت سنوات في تجهيز هذا المختبر، وتريد مني ترك كل شيء هكذا لمجرد… أن شاشة صغيرة تومض باللون الأحمر؟”
توقف كايل للحظة، وبدت على وجهه ملامح الامتعاض المعتادة، لكنه لم يجادل هذه المرة، واكتفى برفع جهاز التتبع أمامه، مستعدًا لأي مفاجأة.
“من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟ هل أنت من منظمة ناب الظل؟ ولماذا يلاحقني الجميع، بمن فيهم ناب الظل؟”
اقترب إيثان منه بخطوات بطيئة، ووضع يده على حافة الطاولة المجاورة، ثم نظر في عينيه مباشرة وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة.
“المرأة الفضية؟”
“المرأة الفضية، قبيلة المتحولين، والآن ناب الظل… إن بقيت هنا، فلن أجلب لك سوى الخراب. هؤلاء لا يمزحون، وإذا تمكنوا من رصد أثر الطاقة هنا، فلن تمر سوى ساعات حتى يطوقوا هذا المبنى بالكامل.”
اتسعت عينا إيثان قليلًا، وشعر بتغير خفيف في تدفق الهواء خلفه.
تأمل الملثم إيثان لبرهة، قبل أن يجيبه بنبرة هادئة
صمت كايل لبرهة، وهو يزن كلمات إيثان في ذهنه. كان يعلم أن إيثان محق فالأحداث التي تدور حول رفيقه الجديد تجاوزت بكثير حدود المشكلات العادية في أحياء نوفاريس.
تنهد كايل بعمق، وهز كتفيه مستسلمًا.
“حسنًا، حسنًا… يبدو أنه لا خيار أمامي سوى الاعتماد عليك. لكن إن أتلفت أيًا من ابتكاراتي في الطريق، فسأجعلك تدفع الثمن غاليًا!”
ابتسم إيثان بخفة.
“لن نبتعد كثيرًا. سنستخدم خريطة الأنفاق القديمة التي أريتني إياها قبل قليل.” قال إيثان وهو يلتقط خنجره.
كان الهواء في الأنفاق القديمة ثقيلًا ورطبًا، محملًا برائحة الحجارة القديمة والحديد الصدئ. كانت قطرات الماء تتساقط من السقف الحجري المظلم، محدثة صدى خافتًا يتردد عبر ممرات ضيقة لا تنتهي إلا لتفتح على قاعات مترامية الأطراف.
اتسعت عينا كايل ذهولًا.
“يرصد التغيرات غير الطبيعية في الطاقة ويرسل البيانات إلى الأجهزة المرتبطة به. عندما التقط الجهاز الموجود في البحر اضطرابًا في طاقة الزمن الخاصة بك، وصلت البيانات إلى هذا الجهاز.”
“الأنفاق القديمة؟ تحت المدينة؟! هل جننت تمامًا؟ تلك المنطقة مليئة بالمخاطر!”
أجابه إيثان ببرود.
“يرصد التغيرات غير الطبيعية في الطاقة ويرسل البيانات إلى الأجهزة المرتبطة به. عندما التقط الجهاز الموجود في البحر اضطرابًا في طاقة الزمن الخاصة بك، وصلت البيانات إلى هذا الجهاز.”
“الأماكن الأكثر خطورة غالبًا ما تكون المخبأ الأنسب لمن يريد الاختباء من العيون… والأهم من ذلك، أنها ستوصلنا إلى الجانب الآخر من المدينة دون أن يرانا أحد.”
“عرفت أن هناك شيئًا غير طبيعي في الطاقة. أما كونها طاقة زمن، فهذا استنتجته لاحقًا.”
أدرك كايل أنه لا جدال مع إيثان حين يتخذ قراره، فبدأ بسرعة في جمع بعض الأدوات الصغيرة والأجهزة المحمولة، ووضعها داخل حقيبة متينة.
رمش إيثان ببطء، وبدا غير مبالٍ بفزع كايل، ثم أجابه بنبرة شبه ميتة خالية من أي حماس.
وقبل أن يضع كايل دفتره في الحقيبة، توقف إيثان للحظة ونظر إليه.
“بالمناسبة… كيف تعرف المرأة الفضية؟”
“تعرفهما؟! وتلك الطريقة التي يتحدثان بها عن نهاية المدينة وناب الظل… من هؤلاء أصلًا؟!”
توقف كايل، ثم التفت إليه.
“تقصد تلك المرأة ذات الشعر الفضي؟”
ثم أضاف
“نعم.”
تنهد كايل.
“مرحبًا يا إيثان.”
ساد صمت ثقيل في المختبر، لم يقطعه سوى طنين الأجهزة الخافت.
“دخلت الأنفاق ذات مرة. كنت أبحث عن بعض الكتب وأشياء قد تفيدني في اختراعاتي. أثناء البحث، التقط أحد أجهزتي أثرًا غريبًا.”
“لقد تأخرتم…”
“أثرًا غريبًا؟ ما نوع الأثر؟”
ألقى إيثان نظرة نحو أعماقه المظلمة، ثم دخلا معًا، متوغلين في عتمة الممر، ومتجهين نحو أعماق الأنفاق.
“اضطرابًا في الطاقة… لكنه لم يكن يشبه أي مصدر طاقة عادي. كان يتحرك بطريقة غير مستقرة، وكأن شيئًا يشوه تدفق الطاقة من حوله.”
رفع إيثان حاجبه.
“وما الذي جعلك تظن أن هذا الاضطراب ليس مجرد خلل في الطاقة؟”
“لم يكن الاضطراب مجرد خلل في الطاقة. كان نمطه غريبًا، ويشبه ما قرأته عن طاقة الزمن في بعض الكتب القديمة. لذلك ظننت أن مصدره قد يكون مرتبطًا بالزمن.”
سكت كايل لحظة، ثم تابع
“مختطفة أطفال؟! أنت تقف بهدوء وتتحدث إلى مختطفة أطفال فعلية وكأنها زميلة لك في العمل؟!”
“لكن قبل أن أعرف من أين جاءت الطاقة، ظهرت هي.”
اقترب إيثان منه بخطوات بطيئة، ووضع يده على حافة الطاولة المجاورة، ثم نظر في عينيه مباشرة وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة.
لم تكن مجرد فكرة مغامرة طائشة. كان عليهما الخروج من هنا في أسرع وقت ممكن؛ فالبقاء في مكان مكشوف كهذا يعني منح أعدائهما فرصة لمحاصرتهما. قبيلة المتحولين لا تزال تلاحقه، وناب الظل تظل جهة مجهولة النوايا، ناهيك عن أيطرف آخر قد يكون قد التقط أثر طاقته.
“المرأة الفضية؟”
تصلب جسد إيثان، وامتدت يده ببطء نحو خنجره، بينما تراجع كايل خطوة إلى الخلف.
“بالضبط. لم تمنحني حتى فرصة لأفهم ما يحدث. قيدتني بخيوط من الدم، وبدأت تسألني كيف استطعت رصد أثر تلك الطاقة.”
أما إيثان، فلم يتحرك من مكانه، بل بقيت يده ثابتة على مقبض خنجره، وعيناه مسمرتين على الوجه الخفي تحت العباءة السوداء.
نظر إليه إيثان باهتمام.
“وعلى الأقل كنت أملك خطة، بدلًا من الاندفاع نحوه دون حساب ثم انتظار أن أنقذك.”
صمت للحظة، ثم تابع.
“وماذا قلت لها؟”
لم تكن مجرد فكرة مغامرة طائشة. كان عليهما الخروج من هنا في أسرع وقت ممكن؛ فالبقاء في مكان مكشوف كهذا يعني منح أعدائهما فرصة لمحاصرتهما. قبيلة المتحولين لا تزال تلاحقه، وناب الظل تظل جهة مجهولة النوايا، ناهيك عن أيطرف آخر قد يكون قد التقط أثر طاقته.
“الحقيقة. أنني لا أعرف شيئًا عنك.”
رفع إيثان حاجبه.
“ولم تصدقك؟”
نظر إليه إيثان باهتمام.
“لم تكن المشكلة في تصديقي. كانت تريد أن تعرف كيف استطاع إنسان عادي، لا يحمل علامة ولا ينتمي إلى المتحولين، أن يشعر بأثر طاقة مستخدم الزمن.”
تغيرت نظرة إيثان.
“مهلًا… إذن هي شعرت بقوتي من خلال جهازك؟”
“وعلى الأقل كنت أملك خطة، بدلًا من الاندفاع نحوه دون حساب ثم انتظار أن أنقذك.”
“ليس تمامًا.”
أخرج كايل جهازًا صغيرًا من حقيبته ورفعه أمام إيثان.
“لقد فقدت أحد أجهزتي في البحر، وكان مرتبطًا بهذا الجهاز.”
اتسعت عينا كايل ذهولًا.
نظر إيثان إلى الجهاز.
نظر كايل إلى أورلاندو الملثم وفالينتسيا، ثم التفت نحو إيثان وهمس بصوت مرتجف مليء بالحيرة والتوتر.
“وماذا يفعل؟”
“يرصد التغيرات غير الطبيعية في الطاقة ويرسل البيانات إلى الأجهزة المرتبطة به. عندما التقط الجهاز الموجود في البحر اضطرابًا في طاقة الزمن الخاصة بك، وصلت البيانات إلى هذا الجهاز.”
“الأنفاق القديمة؟ تحت المدينة؟! هل جننت تمامًا؟ تلك المنطقة مليئة بالمخاطر!”
“ولهذا عرفت أنني مستخدم زمن؟”
“حسنًا، إذن أنت مستخدم الزمن الذي ذُكر خلف الباب…” قال كايل وهو يخلع معطفه ويلقيه فوق أحد الصناديق، ثم ألقى نظرة جانبية على إيثان. “هل يمكنك أن تخبرني بما كان يدور في عقلك؟ أم أنك ستبقى كتلة من الغموض إلى الأبد؟”
“عرفت أن هناك شيئًا غير طبيعي في الطاقة. أما كونها طاقة زمن، فهذا استنتجته لاحقًا.”
سكت إيثان للحظة.
“يرصد التغيرات غير الطبيعية في الطاقة ويرسل البيانات إلى الأجهزة المرتبطة به. عندما التقط الجهاز الموجود في البحر اضطرابًا في طاقة الزمن الخاصة بك، وصلت البيانات إلى هذا الجهاز.”
“لكن قبل أن تعرف السبب… هل سمعت يومًا عن الأسطورة التي بدأت كل شيء؟”
“وماذا حدث لك بعد ذلك؟”
رمش إيثان ببطء، وبدا غير مبالٍ بفزع كايل، ثم أجابه بنبرة شبه ميتة خالية من أي حماس.
ابتسم كايل ابتسامة قصيرة.
“حدث شيء شغل انتباهها. لم أضيع وقتي في طرح الأسئلة، وهربت.”
“هكذا ببساطة؟”
أضاء كايل كشافًا صغيرًا يدويًا، ثم توقف لحظة وأشعل المشاعل المثبتة على الجدران واحدًا تلو الآخر. انتشرت ألسنة اللهب في الممر، وكشفت عن جدران حجرية تغطيها طبقات سميكة من الغبار، وعليها علامات قديمة نقشها البشر، أو ربما ما هو أقدم منهم، منذ عقود طويلة.
“لو بقيت لأعرف كيف انتهى الأمر، لما كنت واقفًا أمامك الآن.”
سكت إيثان للحظة.
وبعد ساعة، وقف الاثنان أمام مدخل الكهف الذي يقود إلى الأنفاق القديمة.
أغلق كايل حقيبته بإحكام.
“ولهذا لا أريد أن أعود إلى هناك دون سبب.”
توقف إيثان عند مدخلها، وألقى نظرة صامتة على المكان.
نظر إيثان إليه بصمت.
“لكن لا أحد يعرف ما الذي سيحمله معه… الخلاص، أم النهاية.”
تنهد كايل.
“لكن يبدو أن قرارك هو السبب هذه المرة.”
سكت كايل لحظة، ثم تابع
وبعد ساعة، وقف الاثنان أمام مدخل الكهف الذي يقود إلى الأنفاق القديمة.
“من؟”
ألقى إيثان نظرة نحو أعماقه المظلمة، ثم دخلا معًا، متوغلين في عتمة الممر، ومتجهين نحو أعماق الأنفاق.
كان الهواء في الأنفاق القديمة ثقيلًا ورطبًا، محملًا برائحة الحجارة القديمة والحديد الصدئ. كانت قطرات الماء تتساقط من السقف الحجري المظلم، محدثة صدى خافتًا يتردد عبر ممرات ضيقة لا تنتهي إلا لتفتح على قاعات مترامية الأطراف.
أضاء كايل كشافًا صغيرًا يدويًا، ثم توقف لحظة وأشعل المشاعل المثبتة على الجدران واحدًا تلو الآخر. انتشرت ألسنة اللهب في الممر، وكشفت عن جدران حجرية تغطيها طبقات سميكة من الغبار، وعليها علامات قديمة نقشها البشر، أو ربما ما هو أقدم منهم، منذ عقود طويلة.
نظر إليه إيثان بريبة، وقال بحدة.
كان يمشي خلف إيثان مباشرة، ممسكًا بجهاز صغير يتتبع الإشارات الكهرومغناطيسية، بينما كان إيثان يتقدم بخطوات بطيئة، وعيناه تمسحان الظلام.
“هذه المنطقة لم يطأها أحد منذ سنوات طويلة، بحسب سجلات المدينة المخفية.” قال كايل بصوت منخفض، محاولًا كسر الصمت الموحش الذي يلف الأنفاق. “حتى الحراس يتجنبون الاقتراب من هذا العمق. يقال إن شبكة الأنفاق هنا تشبه متاهة بلا نهاية.”
لم يجب إيثان فورًا. كانت حواسه في أقصى درجات اليقظة؛ فمنذ اجتيازه “عتبة المستوى الأول”، أصبح وعيه أكثر حساسية للتدفقات المحيطة به. كان يشعر بشيء يراقبهما من بعيد، بوجود خفي يختبئ خلف المنحنيات المعتمة للأنفاق.
واصلا السير لمسافة طويلة عبر الممرات المتعرجة، حتى بدأت درجات الحرارة بالانخفاض تدريجيًا، وظهرت أمامهما قاعة واسعة ذات سقف عالٍ مقوس.
“ابق خلفي ولا تبتعد.” قال إيثان بصوت هادئ دون أن يلتفت إليه.
شعر إيثان أن رأسه سينفجر من كثرة الألغاز والجدال، فقبض يده وقد نفد صبره تمامًا.
توقف كايل للحظة، وبدت على وجهه ملامح الامتعاض المعتادة، لكنه لم يجادل هذه المرة، واكتفى برفع جهاز التتبع أمامه، مستعدًا لأي مفاجأة.
نظر إيثان إليه بصمت.
واصلا السير لمسافة طويلة عبر الممرات المتعرجة، حتى بدأت درجات الحرارة بالانخفاض تدريجيًا، وظهرت أمامهما قاعة واسعة ذات سقف عالٍ مقوس.
توقف إيثان عند مدخلها، وألقى نظرة صامتة على المكان.
“لو بقيت لأعرف كيف انتهى الأمر، لما كنت واقفًا أمامك الآن.”
“يبدو أن ضيوفنا قد وصلوا.”
وفجأة، وقبل أن ينطق أي منهما بكلمة، تردد في الممر المجاور للقاعة صدى وقع أقدام بطيء يقترب منهما.
ابتسم إيثان بخفة.
طَق… طَق… طَق…
“لن نبتعد كثيرًا. سنستخدم خريطة الأنفاق القديمة التي أريتني إياها قبل قليل.” قال إيثان وهو يلتقط خنجره.
تصلب جسد إيثان، وامتدت يده ببطء نحو خنجره، بينما تراجع كايل خطوة إلى الخلف.
“هكذا ببساطة؟”
من بين عتمة الممر المظلم، ظهرت شخصية ترتدي عباءة سوداء طويلة تغطي ملامحها بالكامل، ولم يظهر منها سوى عينين باردتين تلمعان ببريق غريب في الظلام.
لم يضيع إيثان وقتًا في تبادل الكلمات الزائدة. وفي جزء من الثانية، انطلق كالسهم نحو الشخصية الغامضة، مستخدمًا سرعته الجديدة التي صُقلت بعد وصوله إلى المستوى الأول، ووجه طعنة سريعة نحو صدر الرجل.
“مرحبًا يا إيثان.”
توقف الشخص الغامض على بُعد خطوات معدودة منهما، ثم رفع يده ببطء وقال
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت أورلاندو الهادئ وهو يبتسم.
“لقد تأخرتم…”
تراجع كايل خطوة أخرى إلى الخلف، وبدا وكأن أنفاسه تكاد تنقطع وهو يحدق في الشخص الواقف أمامه بذهول وصدمة.
“وماذا قلت لها؟”
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت أورلاندو الهادئ وهو يبتسم.
أما إيثان، فلم يتحرك من مكانه، بل بقيت يده ثابتة على مقبض خنجره، وعيناه مسمرتين على الوجه الخفي تحت العباءة السوداء.
“من أنت؟” سأل إيثان بصوت هادئ، لكن الحذر الشديد واليقظة التامة كانا واضحين في نبرته، بينما بقي مستعدًا لأي هجوم مفاجئ.
اقترب إيثان منه بخطوات بطيئة، ووضع يده على حافة الطاولة المجاورة، ثم نظر في عينيه مباشرة وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة.
رمش إيثان ببطء، وبدا غير مبالٍ بفزع كايل، ثم أجابه بنبرة شبه ميتة خالية من أي حماس.
رفع الرجل رأسه ببطء، وظهرت ابتسامة خفيفة وباردة على شفتيه من تحت الغطاء الداكن، قبل أن يقول
“المرأة الفضية؟”
“سؤال مكرر… وغالبًا ما يموت صاحبه قبل أن يحصل على إجابة.”
تغيرت نظرة إيثان.
لم يضيع إيثان وقتًا في تبادل الكلمات الزائدة. وفي جزء من الثانية، انطلق كالسهم نحو الشخصية الغامضة، مستخدمًا سرعته الجديدة التي صُقلت بعد وصوله إلى المستوى الأول، ووجه طعنة سريعة نحو صدر الرجل.
لكن… قبل أن يصل خنجره، اختفى الشخص تمامًا من مكانه!
لكن… قبل أن يصل خنجره، اختفى الشخص تمامًا من مكانه!
أضاء كايل كشافًا صغيرًا يدويًا، ثم توقف لحظة وأشعل المشاعل المثبتة على الجدران واحدًا تلو الآخر. انتشرت ألسنة اللهب في الممر، وكشفت عن جدران حجرية تغطيها طبقات سميكة من الغبار، وعليها علامات قديمة نقشها البشر، أو ربما ما هو أقدم منهم، منذ عقود طويلة.
“الأنفاق القديمة؟ تحت المدينة؟! هل جننت تمامًا؟ تلك المنطقة مليئة بالمخاطر!”
اتسعت عينا إيثان قليلًا، وشعر بتغير خفيف في تدفق الهواء خلفه.
“بطيء… مقارنة بمن ستواجههم لاحقًا.”
تردد الصوت من خلفه مباشرة.
استدار إيثان بسرعة، ووجه ضربة بكوعه إلى الخلف، فاصطدمت بذراع الرجل الغريب الذي تصدا لهجومة بسهولة.
سكت إيثان للحظة.
“تبدو كبصمة تعقب… وعادةً لا تُستخدم هذه التقنية إلا عندما يريد شخص ما تتبع أثر طاقة غير طبيعية. طاقة تشبة تمامًا تلك التي تطلقها عندما تستخدم قدرتك.”
قذف الارتداد إيثان إلى الخلف، لكنه هبط على قدميه بثبات، وهو يتنفس بصعوبة، بينما ظل الشخص الغامض في مكانه بهدوء تام، وكأن ما حدث لم يكن سوى حركة إحماء بسيطة.
توقف الشخص الغامض على بُعد خطوات معدودة منهما، ثم رفع يده ببطء وقال
“وماذا يفعل؟”
قال الرجل وهو يشبك يديه تحت عباءته.
“لا داعي لهذا التوتر يا إيثان. لو أردت قتلك أنت وصديقك، لما تحدثت إليكما من الأساس.”
نظر إليه إيثان بريبة، وقال بحدة.
“فالينتسيا…”
“بعض المعارك لا تُخاض بالسيوف يا كايل… بل في العقل أولًا.”
“من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟ هل أنت من منظمة ناب الظل؟ ولماذا يلاحقني الجميع، بمن فيهم ناب الظل؟”
أخذ الملثم خطوة إضافية إلى الأمام، وظلت نظراته غامضة، بينما خيم خلف غطائه الداكن صمت مريب قبل أن يتحدث.
قذف الارتداد إيثان إلى الخلف، لكنه هبط على قدميه بثبات، وهو يتنفس بصعوبة، بينما ظل الشخص الغامض في مكانه بهدوء تام، وكأن ما حدث لم يكن سوى حركة إحماء بسيطة.
“هكذا ببساطة؟”
“أسئلتك كثيرة.”
صمت للحظة، ثم تابع.
“لكنني سأجيب عن سؤال واحد أولًا… تريد أن تعرف لماذا يلاحقك الجميع، أليس كذلك؟”
توقف قليلًا، ثم قال بصوت هادئ
“وماذا يفعل؟”
“غبية؟ لولا خطتي، لما تمكنتِ من الإفلات من سيرافين.”
“لكن قبل أن تعرف السبب… هل سمعت يومًا عن الأسطورة التي بدأت كل شيء؟”
“الأماكن الأكثر خطورة غالبًا ما تكون المخبأ الأنسب لمن يريد الاختباء من العيون… والأهم من ذلك، أنها ستوصلنا إلى الجانب الآخر من المدينة دون أن يرانا أحد.”
عقد إيثان حاجبيه.
“أي أسطورة؟”
تأمل الملثم إيثان لبرهة، قبل أن يجيبه بنبرة هادئة
أخذ الملثم خطوة إضافية إلى الأمام، وظلت نظراته غامضة، بينما خيم خلف غطائه الداكن صمت مريب قبل أن يتحدث.
“بالمناسبة… كيف تعرف المرأة الفضية؟”
“عندما يظهر حامل الزمن، سيأتي يوم يتغير فيه مصير العالم…”
ابتسم إيثان بخفة.
“الأماكن الأكثر خطورة غالبًا ما تكون المخبأ الأنسب لمن يريد الاختباء من العيون… والأهم من ذلك، أنها ستوصلنا إلى الجانب الآخر من المدينة دون أن يرانا أحد.”
ثم أضاف
“ولهذا عرفت أنني مستخدم زمن؟”
“لكن لا أحد يعرف ما الذي سيحمله معه… الخلاص، أم النهاية.”
“الأماكن الأكثر خطورة غالبًا ما تكون المخبأ الأنسب لمن يريد الاختباء من العيون… والأهم من ذلك، أنها ستوصلنا إلى الجانب الآخر من المدينة دون أن يرانا أحد.”
“يكفي يا أورلاندو.”
التفت إيثان وكايل نحو مصدر الصوت، لتظهر امرأة بملامح آسرة، وشعر أشقر مصفف على هيئة ذيل حصان، وعينين مختلفتين تمامًا في اللون؛ إحداهما زرقاء صافية، والأخرى حمراء متوهجة. وكانت ترتدي زيًا أسود أنيقًا، متناسقًا بدقة مع هيئتها.
نظر إليه إيثان بريبة، وقال بحدة.
ما إن رآها إيثان حتى تنفس الصعداء وتمتم.
“فالينتسيا…”
صمت للحظة، ثم تابع.
التفتت فالينتسيا إليه بنظرة هادئة وابتسامة خفيفة، وقالت
نظر إليه إيثان باهتمام.
رفع كايل نظره إليه، وبدت على ملامحه مسحة من القلق الحقيقي لأول مرة.
“مرحبًا يا إيثان.”
أطلق إيثان تنهيدة طويلة، وهز رأسه بأسى وهو يقول
“لماذا لا أراكِ إلا عندما تحدث مشكلة؟”
رفعت فالينتسيا حاجبيها وردت بثقة مستفزه.
لكن… قبل أن يصل خنجره، اختفى الشخص تمامًا من مكانه!
“أثرًا غريبًا؟ ما نوع الأثر؟”
“لأن المشاكل تنجذب إلى جمالي.”
تغيرت ملامح أورلاندو من خلف غطائه الداكن، وبدت نبرة صوته مشوبة بانزعاج خفيف وهو يقاطع اللحظة، ثم وجّه نظره نحو فالينتسيا قائلًا
صمت كايل لبرهة، وهو يزن كلمات إيثان في ذهنه. كان يعلم أن إيثان محق فالأحداث التي تدور حول رفيقه الجديد تجاوزت بكثير حدود المشكلات العادية في أحياء نوفاريس.
“ألم يكن من المفترض أن تشغلي الحراس عند البوابة الشرقية يا فالينتسيا؟ حضورك المبكر هنا أفسد خططي بأكملها.”
“حسنًا، إذن أنت مستخدم الزمن الذي ذُكر خلف الباب…” قال كايل وهو يخلع معطفه ويلقيه فوق أحد الصناديق، ثم ألقى نظرة جانبية على إيثان. “هل يمكنك أن تخبرني بما كان يدور في عقلك؟ أم أنك ستبقى كتلة من الغموض إلى الأبد؟”
رفع إيثان حاجبه.
خطت فالينتسيا ببطء نحوهم متجاهلةً كلامه تمامًا ونظرت إلى إيثان وصديقه بعينيها المختلفتين قبل أن ترد بنبرة هادئة.
رفع كايل حاجبه باستغراب، وبدت على وجهه ملامح الامتعاض.
شعر إيثان ببرودة خفيفة تسري في ظهره.
“الحراس لم يكونوا سوى إزعاج مؤقت، وانتهيت منهم أسرع مما تتوقع. والأهم من ذلك…”
“…أن الوقت ينفد، وناب الظل بدأ يتحرك بالفعل. إذا لم نتحرك الآن، فستُباد مدينة… لا وقت لخططك الغبية.”
“دخلت الأنفاق ذات مرة. كنت أبحث عن بعض الكتب وأشياء قد تفيدني في اختراعاتي. أثناء البحث، التقط أحد أجهزتي أثرًا غريبًا.”
اختفت ابتسامتها، وتحولت نظراتها إلى الجدية وهي تحدق في أورلاندو
“ولهذا عرفت أنني مستخدم زمن؟”
“…أن الوقت ينفد، وناب الظل بدأ يتحرك بالفعل. إذا لم نتحرك الآن، فستُباد مدينة… لا وقت لخططك الغبية.”
“غبية؟ لولا خطتي، لما تمكنتِ من الإفلات من سيرافين.”
تصلب جسد إيثان، وامتدت يده ببطء نحو خنجره، بينما تراجع كايل خطوة إلى الخلف.
“سيرافين؟ أنت بالكاد نجوت منه بفضل تدخلي.”
“وعلى الأقل كنت أملك خطة، بدلًا من الاندفاع نحوه دون حساب ثم انتظار أن أنقذك.”
شعر إيثان أن رأسه سينفجر من كثرة الألغاز والجدال، فقبض يده وقد نفد صبره تمامًا.
“كفى عن التحدث بالألغاز والجدال أمامي! اشرحوا لي ما الذي يجري بحق الجحيم، وإلا أقسم أنني سأترككم جميعًا وأرحل!”
قذف الارتداد إيثان إلى الخلف، لكنه هبط على قدميه بثبات، وهو يتنفس بصعوبة، بينما ظل الشخص الغامض في مكانه بهدوء تام، وكأن ما حدث لم يكن سوى حركة إحماء بسيطة.
اقترب أورلاندو منه ببطء، محاولًا تهدئتة ووضع يده المغطاة بالقفاز على كتف إيثان، ثم قال بصوت منخفض خالٍ من المزاح
“مختطفة أطفال؟! أنت تقف بهدوء وتتحدث إلى مختطفة أطفال فعلية وكأنها زميلة لك في العمل؟!”
“أخشى أن الرحيل لم يعد خيارًا متاحًا لك يا إيثان…”
نظر كايل إلى أورلاندو الملثم وفالينتسيا، ثم التفت نحو إيثان وهمس بصوت مرتجف مليء بالحيرة والتوتر.
“أي أسطورة؟”
“إيثان… من هؤلاء بحق الجحيم؟ هل تعرفهما؟!”
نظر إيثان إليه بصمت.
اختفت ابتسامتها، وتحولت نظراتها إلى الجدية وهي تحدق في أورلاندو
نظر إيثان إلى كايل، ثم زفر وأجاب بنبرة تحمل الكثير من الإحباط.
خطت فالينتسيا ببطء نحوهم متجاهلةً كلامه تمامًا ونظرت إلى إيثان وصديقه بعينيها المختلفتين قبل أن ترد بنبرة هادئة.
أضاء كايل كشافًا صغيرًا يدويًا، ثم توقف لحظة وأشعل المشاعل المثبتة على الجدران واحدًا تلو الآخر. انتشرت ألسنة اللهب في الممر، وكشفت عن جدران حجرية تغطيها طبقات سميكة من الغبار، وعليها علامات قديمة نقشها البشر، أو ربما ما هو أقدم منهم، منذ عقود طويلة.
“للأسف… أعرفهما جيدًا.”
رفع كايل حاجبيه بذهول
“لكن لا أحد يعرف ما الذي سيحمله معه… الخلاص، أم النهاية.”
“تعرفهما؟! وتلك الطريقة التي يتحدثان بها عن نهاية المدينة وناب الظل… من هؤلاء أصلًا؟!”
ألقى إيثان نظرة جانبية نحو أورلاندو وفالينتسيا، ثم عاد ليجيب كايل بهمسة ساخرة.
اتسعت عينا كايل ذهولًا.
“بالمناسبة… كيف تعرف المرأة الفضية؟”
“الأول هو أورلاندو… محتال محترف يظن نفسه بطلًا في أسطورة قديمة، والأخرى هي فالينتسيا… وهي بالفعل مختطفة أطفال محترفة.”
اتسعت عينا إيثان قليلًا، وشعر بتغير خفيف في تدفق الهواء خلفه.
اتسعت عينا كايل بذهول أكبر، وتراجع إلى الخلف خطوة، وكاد يختنق من الصدمة.
أغلق إيثان عينيه لثانية، ثم فتحهما وقال.
“بالمناسبة… كيف تعرف المرأة الفضية؟”
“مختطفة أطفال؟! أنت تقف بهدوء وتتحدث إلى مختطفة أطفال فعلية وكأنها زميلة لك في العمل؟!”
رفع كايل نظره إليه، وبدت على ملامحه مسحة من القلق الحقيقي لأول مرة.
“بالضبط. لم تمنحني حتى فرصة لأفهم ما يحدث. قيدتني بخيوط من الدم، وبدأت تسألني كيف استطعت رصد أثر تلك الطاقة.”
رمش إيثان ببطء، وبدا غير مبالٍ بفزع كايل، ثم أجابه بنبرة شبه ميتة خالية من أي حماس.
ثم أضاف
“غبية؟ لولا خطتي، لما تمكنتِ من الإفلات من سيرافين.”
“وماذا تتوقع مني أن أفعل يا كايل؟ أن أصرخ وأطلب النجدة مثلًا؟ لقد اعتدت على الأمر… إنها تحب هوايتها، وعلينا التعايش مع ذلك.”
“عندما يظهر حامل الزمن، سيأتي يوم يتغير فيه مصير العالم…”
تابعت فالينتسيا الحوار وكأنها لم تسمع شيئًا مسيئًا، بل عدلت حزام بدلتها السوداء الأنيقة، وألقت نظرة فاحصة على أظافرها قبل أن تقاطع حديثهما بنبرة يظهر فيها التسلية
“هواية نظيفة ومربحة يا إيثان، ولولا خفة يدي لما نجا أمثالك من ورطاتهم المتكررة.”
تنهد كايل.
أما أورلاندو، فقد وضع يده على وجهه وتنهد بتعب، وكأن الشجار بين الثلاثة قد استنزف نصف طاقته قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية أصلًا، ثم قال بضيق واضح.
توقف إيثان في مكانه، وضيق عينيه قليلًا.
“اتركوا هذه السخافات الآن! فالينتسيا محقة في أمر واحد على الأقل؛ ناب الظل في الخارج، وإذا لم نتحرك خلال دقائق، فلن يتبقى طفل واحد لنختطفه، ولا مدينة لنحميها.”
“وماذا حدث لك بعد ذلك؟”
رمقتة فالينتسيا بنظرة باردة وقالت بسخرية
“أظن أنك آخر شخص يحق له وصف أي شيء بالسخافة.”
“ولهذا لا أريد أن أعود إلى هناك دون سبب.”
“الحقيقة. أنني لا أعرف شيئًا عنك.”
لمع وميض خافت وسط العتمة، وترددت في المكان أصوات خطوات بطيئة تقترب منهم.
“ليس تمامًا.”
وفجأة، انطلق سيف من قلب الظلام بسرعة هائلة، متجهًا مباشرة نحو فالينتسيا. انحرف النصل في اللحظة الأخيرة، ومر بمحاذاة وجهها قبل أن يغرس نفسه في الجدار خلفها، تاركًا خدشًا على وجنتها وقطرات من الدم تسيل ببطء.
سار إيثان بخطوات هادئة، بينما كان كايل يراقبه بطرف عينه، ملاحظًا ذلك التحول الطفيف في حضور رفيقه. لم يعد إيثان يشبه الشاب المنهك قبل قليل؛ بل بدا بنشاط شخص استيقظ لتوه، لا شخص خاض قتالًا مميتًا.
ارتجف كايل رعبًا وتسمر في مكانه، بينما التفت أورلاندو و ايثان نحو القادمين من خلف ستار الظلام، عاجزين عن تمييز ملامحهم وسط العتمة.
“ما هي؟”
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت أورلاندو الهادئ وهو يبتسم.
“اضطرابًا في الطاقة… لكنه لم يكن يشبه أي مصدر طاقة عادي. كان يتحرك بطريقة غير مستقرة، وكأن شيئًا يشوه تدفق الطاقة من حوله.”
أغلق إيثان عينيه لثانية، ثم فتحهما وقال.
“يبدو أن ضيوفنا قد وصلوا.”
“وماذا حدث لك بعد ذلك؟”
“المرأة الفضية، قبيلة المتحولين، والآن ناب الظل… إن بقيت هنا، فلن أجلب لك سوى الخراب. هؤلاء لا يمزحون، وإذا تمكنوا من رصد أثر الطاقة هنا، فلن تمر سوى ساعات حتى يطوقوا هذا المبنى بالكامل.”
