المكتبة
الفصل 5: المكتبة
القرى مملوءة بالحمقى الخرافيين. تلك طبيعتها فحسب. يكفي أن تجمع زمرة من البلهاء المنحدرين من سلالات متقاربة، ممن ظلوا يفلحون التربة نفسها جيلاً بعد جيل زمناً طويلاً، حتى يبدأوا في رؤية المصادفات في كل مكان. وفجأة يصبح صياح الديك هو ما يرفع الشمس في السماء، بدلاً من أن يكون الديك مستجيباً لشروقها. والرجال والنساء في القصر ليسوا مختلفين كثيراً، بطبيعة الحال؛ غير أنهم أفضل ثياباً بكثير.
كانت المكتبة نفسها بحراً من الأوراق الممزقة وظهور الكتب المنزوعة. ومع ازدياد الضوء، استطاع أن يتعرف على عدد لا بأس به منها. من بينها التواريخ المبكرة لدراكثيس لتولمي، وملاحظات حول ثقافة الأوركيين لفريم، بل وحتى العمل الدعائي الفظيع دراكثيس: جوهرة العالم. كانت جميعها ممزقة، لكنها نصوص مألوفة إلى حد جعل التعرف عليها سهلاً حتى وهي على تلك الحال. غير أن ما أدهش سولومون بشأنها هو أنها بدت… باهتة. فلم يكن كل ما سمعه عن عمه الأكبر سوى أنه يحب العزلة ويستمتع بدراسة كل شيء. أما النصوص المبعثرة من حوله فكانت أساسية وبسيطة، عادية وشائعة. ولعلّه بالغ في تقدير الرجل العجوز.
— دارناسوس رايلاند، في رسالة إلى أبيغيل رولاند
كانت تلك، على ما يبدو، ميليسا، الخادمة الطويلة ذات الشعر الأحمر.
في صباح اليوم التالي، استيقظ سولومون على طرقٍ على بابه، وعلى فطورٍ يُوضَع فوق مكتبه. لم يكن متأكداً أيّ خادمة هي التي أيقظته، لكنه تمتم بشكرٍ غائم العينين وهو ينهض من فراشه. ثم رش بعض الماء على وجهه من حوضٍ إلى جوار السرير لينتعش، وجلس إلى مكتبه. بينما كان يرتشف قهوته ويتناول طعامه، أخذ يضع اللمسات الأخيرة على مراسلاته. كانت لديه الرسالة الإلزامية إلى تشورد وإلى أمه، فضلاً عن رسالة إلى برنيس، وأخرى إلى إدمور، وبضع رسائل إلى شركاء محتملين في الأعمال. في هذه المرحلة لم تكن تلك الرسائل سوى خطابات تعريف بسيطة، لكنه كان يأمل أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى شيء أكثر رسوخاً.
“يبدو أن غرف الضيوف لم تُمس منذ مدة. هل يمكنك أن تأخذي إحدى الفتيات الأخريات لجرد ما فيها؟” كان يخشى أنها إن أرسلها وحدها، لظنت أنه يعتزم الاعتداء عليها كما فعل أخوه.
أنهى فطوره. كان مطابقاً تماماً للفطور الذي اعتاد تناوله في موطنه: بيض كثير التوابل، وخبزاً محمصاً، وقهوة غنية. كانت التوابل مختلفة قليلاً، لكنها لا تزال لذيذة جداً. لا بد أن كلير، طباخته الجديدة، قد سألت عن أذواقه.
لقد أخذت أبحث عن ممارسين عتيقين سعياً إلى العثور على إشارات إلى سحر لم تطله يد. يفرض الاتحاد سيطرة محكمة على كل ذلك، لكن ثمة بضعة رجال ونساء مسنين متناثرين في أرجاء البلاد يمارسون أنواعاً من السحر يبدو أنها أفلتت من ملاحظتهم. ومعظمها ضئيل الشأن، لكن بما أن أحداً لا يبدو في حاجة إلى المانا لإلقاء هذه الطقوس البسيطة، فإنها تستحق الدراسة. وقد اتضح أن بعضاً منها زائف، بينما كان بعضها الآخر دون المستوى الأمثل قياساً إلى ما يفترض أن يكون قادراً على فعله، لكنني دوّنت ما تحققت من أن له أثراً. وقد ألزم كثير من أولئك الممارسين الذين استقيت منهم هذه المعلوماتُ إيايَ ألا أدوّنها قط، لكن سحر الفولك الخاص بهم يسهل تعطيله، لذلك تجاهلت قسمهم.
بعد أن فرغ، راجع مرة ثانية قائمة المؤن التي أعدّها مع خدمه الأكثر خبرة قبل مغادرته. كان تشغيل ضيعةٍ شيئاً يتطلب قدراً هائلاً من المواد، والكثير من الذهب. ولحسن الحظ، كان قد ترك لنفسه هامشاً واسعاً حين زوّر وصية أبيه. ابتسم للذكرى، ثم أمضى لحظة أخرى يتأمل أرجاء الغرفة؛ غرفته هو. كان من الجميل أن يمتلك شيئاً خاصاً به. كان عليه أن يترك بصمته عليها.
“ما رأيك؟” سألت إحدى الخادمات. لم يكن متأكداً أيّهن، إذ لم يكن قد استطاع بعد تمييز أصواتهن جميعاً.
اتجه إلى خزانته وفتحها. كان سيظل حبيس ملابس الحداد السوداء لبعض الوقت، لكنه ارتدى سترة أرجوانية داكنة تحت معطفه على أي حال. استغرق ارتداؤه ثيابه بنفسه وقتاً أطول بقليل، وللحظة افتقد إدمور، لكنه دفع ذلك الشعور جانباً. ”يا له من أمر مثير للشفقة، أن أفتقد وجود شخص يساعدني على ارتداء ملابسي.”
في صباح اليوم التالي، استيقظ سولومون على طرقٍ على بابه، وعلى فطورٍ يُوضَع فوق مكتبه. لم يكن متأكداً أيّ خادمة هي التي أيقظته، لكنه تمتم بشكرٍ غائم العينين وهو ينهض من فراشه. ثم رش بعض الماء على وجهه من حوضٍ إلى جوار السرير لينتعش، وجلس إلى مكتبه. بينما كان يرتشف قهوته ويتناول طعامه، أخذ يضع اللمسات الأخيرة على مراسلاته. كانت لديه الرسالة الإلزامية إلى تشورد وإلى أمه، فضلاً عن رسالة إلى برنيس، وأخرى إلى إدمور، وبضع رسائل إلى شركاء محتملين في الأعمال. في هذه المرحلة لم تكن تلك الرسائل سوى خطابات تعريف بسيطة، لكنه كان يأمل أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى شيء أكثر رسوخاً.
بعد أن ارتدى ثياباً نظيفة ومشّط شعره، بدأ يتجه نحو الباب، ثم تردد. ألقى نظرة إلى التمثال الغريب ذي العباءة في الزاوية، واتجه إليه وتناول عصا المشي بيده. أعجبه ثقلها، وبما أن هذا المكان صار منزله الآن، فهذا يعني أن كل ما فيه أصبح ملكاً له أيضاً.
“لا أدري. حين سمعت عن الضيعة، كنت آمل في شيء أكثر فخامة بقليل. فمكانة المنزل تعكس مكانتنا في نهاية المطاف.”
لوّح بها مرة في الهواء وهو عائد إلى الباب، وقرر أن يفتحه بهدوء شديد. وقد نجح في ذلك دون ضجيج يُذكر، ثم أغلقه بالهدوء نفسه. سار بخفة في الممر، وتوقف بضع لحظات ليلقي نظرات على غرف الضيوف. كانت عارية مثل غرفته تماماً، غير أن لكل واحدة منها لوناً مميزاً. فجدران إحداها بلون الخزامى، وأخرى زرقاء داكنة، وثالثة حمراء قاتمة. بدا الأمر غريباً بالنظر إلى تفضيل عمه الواضح للزخرفة المقتصدة، لكن لعلّه لم يُجرِ أي تغييرات على الزينة الأصلية لأنه لم يستقبل ضيوفاً قط.
لوّح بها مرة في الهواء وهو عائد إلى الباب، وقرر أن يفتحه بهدوء شديد. وقد نجح في ذلك دون ضجيج يُذكر، ثم أغلقه بالهدوء نفسه. سار بخفة في الممر، وتوقف بضع لحظات ليلقي نظرات على غرف الضيوف. كانت عارية مثل غرفته تماماً، غير أن لكل واحدة منها لوناً مميزاً. فجدران إحداها بلون الخزامى، وأخرى زرقاء داكنة، وثالثة حمراء قاتمة. بدا الأمر غريباً بالنظر إلى تفضيل عمه الواضح للزخرفة المقتصدة، لكن لعلّه لم يُجرِ أي تغييرات على الزينة الأصلية لأنه لم يستقبل ضيوفاً قط.
واصل التسلل حتى بلغ طرف منطقة المعيشة، وهناك وقف بضع لحظات. حين كان صغيراً، اعتاد أن يتسلل في أرجاء ضيعة مورو كلها. لم يكن يعرف على وجه الدقة سبب فعله ذلك، لكن أحداً لم يكتشف أمره قط. فلم يكن أحد يولي اهتماماً كافياً ليكترث بمكان وجوده. وقد رأى الكثير أثناء تسلله؛ أشياء كثيرة لم يكن ينبغي له أن يراها، وأشياء كثيرة تمنى لو أنه لم يرها. غير أن ما تعلمه كان يثبت في كثير من الأحيان أنه لا يقدّر بثمن.
خاض في الأوراق بضع خطوات أخرى، فرأى فوق المكتب المحطم كتابين مكدسين بعناية، أحدهما فوق الآخر. قطّب حاجبيه وهو ينظر إليهما. لم يتذكر أنه رآهما هناك في الليلة السابقة، لكن الظلام كان حالكاً آنذاك، وكان أكثر انشغالاً بالخشية من أن يكون أحد مختبئاً. شق طريقه إلى المكتب ورفع الكتاب. كان مجلداً بجلد بني، وقد خيطت صفحاته في داخله بخيط أخضر. فتحه وبدأ يقرأ.
ظل واقفاً هناك بضع لحظات. كان يسمع بعض الحركة، وأصوات التنظيف، وإشعال الزيت.
“يبدو أن غرف الضيوف لم تُمس منذ مدة. هل يمكنك أن تأخذي إحدى الفتيات الأخريات لجرد ما فيها؟” كان يخشى أنها إن أرسلها وحدها، لظنت أنه يعتزم الاعتداء عليها كما فعل أخوه.
“ما رأيك؟” سألت إحدى الخادمات. لم يكن متأكداً أيّهن، إذ لم يكن قد استطاع بعد تمييز أصواتهن جميعاً.
“أعجبني المكان حتى الآن. لا داعي إلى اقتسام الغرفة مع أربعة أشخاص آخرين، وهو نظيف. ويبدو السيد لطيفاً أيضاً. أشعر أنني لم أره من قبل في الضيعة.”
“أعجبني المكان حتى الآن. لا داعي إلى اقتسام الغرفة مع أربعة أشخاص آخرين، وهو نظيف. ويبدو السيد لطيفاً أيضاً. أشعر أنني لم أره من قبل في الضيعة.”
“لا أدري. حين سمعت عن الضيعة، كنت آمل في شيء أكثر فخامة بقليل. فمكانة المنزل تعكس مكانتنا في نهاية المطاف.”
كانت تلك، على ما يبدو، ميليسا، الخادمة الطويلة ذات الشعر الأحمر.
في صباح اليوم التالي، استيقظ سولومون على طرقٍ على بابه، وعلى فطورٍ يُوضَع فوق مكتبه. لم يكن متأكداً أيّ خادمة هي التي أيقظته، لكنه تمتم بشكرٍ غائم العينين وهو ينهض من فراشه. ثم رش بعض الماء على وجهه من حوضٍ إلى جوار السرير لينتعش، وجلس إلى مكتبه. بينما كان يرتشف قهوته ويتناول طعامه، أخذ يضع اللمسات الأخيرة على مراسلاته. كانت لديه الرسالة الإلزامية إلى تشورد وإلى أمه، فضلاً عن رسالة إلى برنيس، وأخرى إلى إدمور، وبضع رسائل إلى شركاء محتملين في الأعمال. في هذه المرحلة لم تكن تلك الرسائل سوى خطابات تعريف بسيطة، لكنه كان يأمل أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى شيء أكثر رسوخاً.
“ألا تظنين أنه… لا أدري، ريفي بعض الشيء؟”
•حليب طازج
“بالطبع هو كذلك، لكن هذا لا يعني أنه سيئ.”
أنهى فطوره. كان مطابقاً تماماً للفطور الذي اعتاد تناوله في موطنه: بيض كثير التوابل، وخبزاً محمصاً، وقهوة غنية. كانت التوابل مختلفة قليلاً، لكنها لا تزال لذيذة جداً. لا بد أن كلير، طباخته الجديدة، قد سألت عن أذواقه.
“لا أدري. حين سمعت عن الضيعة، كنت آمل في شيء أكثر فخامة بقليل. فمكانة المنزل تعكس مكانتنا في نهاية المطاف.”
خاض في الأوراق بضع خطوات أخرى، فرأى فوق المكتب المحطم كتابين مكدسين بعناية، أحدهما فوق الآخر. قطّب حاجبيه وهو ينظر إليهما. لم يتذكر أنه رآهما هناك في الليلة السابقة، لكن الظلام كان حالكاً آنذاك، وكان أكثر انشغالاً بالخشية من أن يكون أحد مختبئاً. شق طريقه إلى المكتب ورفع الكتاب. كان مجلداً بجلد بني، وقد خيطت صفحاته في داخله بخيط أخضر. فتحه وبدأ يقرأ.
“أنا واثقة إلى حد كبير من أنها تعكس مكانة السيد في الواقع.”
“لا أدري. حين سمعت عن الضيعة، كنت آمل في شيء أكثر فخامة بقليل. فمكانة المنزل تعكس مكانتنا في نهاية المطاف.”
بدا أن المشاعر السائدة إيجابية في معظمها. ولم يكن هو أيضاً يختلف مع القول إن الضيعة أدنى من ضيعة مورو. إلا أن ضيعة مورو كانت على الأرجح من أرقى الضياع في البلاد، لذا كان ذلك أشبه بمقارنة حصانٍ بجرذ. تراجع بضع خطوات بحذر، ثم سار سيراً عادياً إلى غرفة الجلوس.
اتجه إلى خزانته وفتحها. كان سيظل حبيس ملابس الحداد السوداء لبعض الوقت، لكنه ارتدى سترة أرجوانية داكنة تحت معطفه على أي حال. استغرق ارتداؤه ثيابه بنفسه وقتاً أطول بقليل، وللحظة افتقد إدمور، لكنه دفع ذلك الشعور جانباً. ”يا له من أمر مثير للشفقة، أن أفتقد وجود شخص يساعدني على ارتداء ملابسي.”
“صباح الخير، ميليسا، نيلدا.”
ضع وعاءً من الحليب الطازج تحت سرير الشخص المستهدف. اثقب إصبعك وارسم خطاً على امتداد حنجرة الماندريك، ثم ضعها داخل الحليب.
فاستدارتا كلتاهما وانحنتا له تحيةً.
كانت المكتبة نفسها بحراً من الأوراق الممزقة وظهور الكتب المنزوعة. ومع ازدياد الضوء، استطاع أن يتعرف على عدد لا بأس به منها. من بينها التواريخ المبكرة لدراكثيس لتولمي، وملاحظات حول ثقافة الأوركيين لفريم، بل وحتى العمل الدعائي الفظيع دراكثيس: جوهرة العالم. كانت جميعها ممزقة، لكنها نصوص مألوفة إلى حد جعل التعرف عليها سهلاً حتى وهي على تلك الحال. غير أن ما أدهش سولومون بشأنها هو أنها بدت… باهتة. فلم يكن كل ما سمعه عن عمه الأكبر سوى أنه يحب العزلة ويستمتع بدراسة كل شيء. أما النصوص المبعثرة من حوله فكانت أساسية وبسيطة، عادية وشائعة. ولعلّه بالغ في تقدير الرجل العجوز.
“سأعود إلى غرفة الدراسة، على الأرجح حتى يحين موعد مغادرتنا إلى البلدة. أرجو أن تطلبا من بارنابوس وشقيقه الحضور إليّ حين يتاح لهما ذلك.”
“يبدو أن غرف الضيوف لم تُمس منذ مدة. هل يمكنك أن تأخذي إحدى الفتيات الأخريات لجرد ما فيها؟” كان يخشى أنها إن أرسلها وحدها، لظنت أنه يعتزم الاعتداء عليها كما فعل أخوه.
أومأتا برأسيهما، فتركهما ومضى في الممر. وفي منتصفه، رأى فيليسيتي تمسح أحد الجدران. كانت فيليسيتي امرأة متوسطة القامة، ذات شعر أشقر طويل وبشرة شاحبة وجمال لم تستطع البذلة البسيطة التي ترتديها أن تخفيه تماماً. لم يكن يعرف الكثير عن التنظيف، لكنه لم يتذكر قط أن رأى أحد خدمه يمسح جداراً. مع ذلك، كانت قبل أن يصطحبها معه خادمةَ ملابس لأمه. ولعلها لا تعرف عن التنظيف أكثر مما يعرف هو.
كانت تلك، على ما يبدو، ميليسا، الخادمة الطويلة ذات الشعر الأحمر.
“فيليسيتي”، قال بنبرة هادئة، فكادت الفتاة تقفز من جلدها. استدارت وألصقت ظهرها بالجدار. نظرت إليه بعينين مرتعبتين للحظة، قبل أن تخفضهما إلى الأرض.
“نعم، سيدي؟” سألته في خنوع.
“نعم، سيدي؟” سألته في خنوع.
هز رأسه بقلق، وأكمل طريقه إلى المكتبة. كان الخراب أشد وضوحاً في وضح النهار. وبدا أن التمزقات والحروق والشقوق قد بلغت السقف أيضاً في بعض المواضع.
انفطر قلب سولومون من أجلها، وشعر بوخزة غضب تجاه جود بسبب ما فعله بالمسكينة.
الفصل 5: المكتبة القرى مملوءة بالحمقى الخرافيين. تلك طبيعتها فحسب. يكفي أن تجمع زمرة من البلهاء المنحدرين من سلالات متقاربة، ممن ظلوا يفلحون التربة نفسها جيلاً بعد جيل زمناً طويلاً، حتى يبدأوا في رؤية المصادفات في كل مكان. وفجأة يصبح صياح الديك هو ما يرفع الشمس في السماء، بدلاً من أن يكون الديك مستجيباً لشروقها. والرجال والنساء في القصر ليسوا مختلفين كثيراً، بطبيعة الحال؛ غير أنهم أفضل ثياباً بكثير.
“يبدو أن غرف الضيوف لم تُمس منذ مدة. هل يمكنك أن تأخذي إحدى الفتيات الأخريات لجرد ما فيها؟” كان يخشى أنها إن أرسلها وحدها، لظنت أنه يعتزم الاعتداء عليها كما فعل أخوه.
“ألا تظنين أنه… لا أدري، ريفي بعض الشيء؟”
انحنت له تحيةً، ثم أسرعت مبتعدة بخطوات متعثرة.
“بالطبع هو كذلك، لكن هذا لا يعني أنه سيئ.”
هز رأسه بقلق، وأكمل طريقه إلى المكتبة. كان الخراب أشد وضوحاً في وضح النهار. وبدا أن التمزقات والحروق والشقوق قد بلغت السقف أيضاً في بعض المواضع.
انفطر قلب سولومون من أجلها، وشعر بوخزة غضب تجاه جود بسبب ما فعله بالمسكينة.
كانت المكتبة نفسها بحراً من الأوراق الممزقة وظهور الكتب المنزوعة. ومع ازدياد الضوء، استطاع أن يتعرف على عدد لا بأس به منها. من بينها التواريخ المبكرة لدراكثيس لتولمي، وملاحظات حول ثقافة الأوركيين لفريم، بل وحتى العمل الدعائي الفظيع دراكثيس: جوهرة العالم. كانت جميعها ممزقة، لكنها نصوص مألوفة إلى حد جعل التعرف عليها سهلاً حتى وهي على تلك الحال. غير أن ما أدهش سولومون بشأنها هو أنها بدت… باهتة. فلم يكن كل ما سمعه عن عمه الأكبر سوى أنه يحب العزلة ويستمتع بدراسة كل شيء. أما النصوص المبعثرة من حوله فكانت أساسية وبسيطة، عادية وشائعة. ولعلّه بالغ في تقدير الرجل العجوز.
•حليب طازج
خاض في الأوراق بضع خطوات أخرى، فرأى فوق المكتب المحطم كتابين مكدسين بعناية، أحدهما فوق الآخر. قطّب حاجبيه وهو ينظر إليهما. لم يتذكر أنه رآهما هناك في الليلة السابقة، لكن الظلام كان حالكاً آنذاك، وكان أكثر انشغالاً بالخشية من أن يكون أحد مختبئاً. شق طريقه إلى المكتب ورفع الكتاب. كان مجلداً بجلد بني، وقد خيطت صفحاته في داخله بخيط أخضر. فتحه وبدأ يقرأ.
“صباح الخير، ميليسا، نيلدا.”
لقد أخذت أبحث عن ممارسين عتيقين سعياً إلى العثور على إشارات إلى سحر لم تطله يد. يفرض الاتحاد سيطرة محكمة على كل ذلك، لكن ثمة بضعة رجال ونساء مسنين متناثرين في أرجاء البلاد يمارسون أنواعاً من السحر يبدو أنها أفلتت من ملاحظتهم. ومعظمها ضئيل الشأن، لكن بما أن أحداً لا يبدو في حاجة إلى المانا لإلقاء هذه الطقوس البسيطة، فإنها تستحق الدراسة. وقد اتضح أن بعضاً منها زائف، بينما كان بعضها الآخر دون المستوى الأمثل قياساً إلى ما يفترض أن يكون قادراً على فعله، لكنني دوّنت ما تحققت من أن له أثراً. وقد ألزم كثير من أولئك الممارسين الذين استقيت منهم هذه المعلوماتُ إيايَ ألا أدوّنها قط، لكن سحر الفولك الخاص بهم يسهل تعطيله، لذلك تجاهلت قسمهم.
“ألا تظنين أنه… لا أدري، ريفي بعض الشيء؟”
قلب سولومون الصفحة.
قلب سولومون الصفحة.
تعويذة الأحلام السعيدة
المكونات:
واصل التسلل حتى بلغ طرف منطقة المعيشة، وهناك وقف بضع لحظات. حين كان صغيراً، اعتاد أن يتسلل في أرجاء ضيعة مورو كلها. لم يكن يعرف على وجه الدقة سبب فعله ذلك، لكن أحداً لم يكتشف أمره قط. فلم يكن أحد يولي اهتماماً كافياً ليكترث بمكان وجوده. وقد رأى الكثير أثناء تسلله؛ أشياء كثيرة لم يكن ينبغي له أن يراها، وأشياء كثيرة تمنى لو أنه لم يرها. غير أن ما تعلمه كان يثبت في كثير من الأحيان أنه لا يقدّر بثمن.
•جذر الماندريك
كانت المكتبة نفسها بحراً من الأوراق الممزقة وظهور الكتب المنزوعة. ومع ازدياد الضوء، استطاع أن يتعرف على عدد لا بأس به منها. من بينها التواريخ المبكرة لدراكثيس لتولمي، وملاحظات حول ثقافة الأوركيين لفريم، بل وحتى العمل الدعائي الفظيع دراكثيس: جوهرة العالم. كانت جميعها ممزقة، لكنها نصوص مألوفة إلى حد جعل التعرف عليها سهلاً حتى وهي على تلك الحال. غير أن ما أدهش سولومون بشأنها هو أنها بدت… باهتة. فلم يكن كل ما سمعه عن عمه الأكبر سوى أنه يحب العزلة ويستمتع بدراسة كل شيء. أما النصوص المبعثرة من حوله فكانت أساسية وبسيطة، عادية وشائعة. ولعلّه بالغ في تقدير الرجل العجوز.
•حليب طازج
“أنا واثقة إلى حد كبير من أنها تعكس مكانة السيد في الواقع.”
•قطرة دم واحدة
“يبدو أن غرف الضيوف لم تُمس منذ مدة. هل يمكنك أن تأخذي إحدى الفتيات الأخريات لجرد ما فيها؟” كان يخشى أنها إن أرسلها وحدها، لظنت أنه يعتزم الاعتداء عليها كما فعل أخوه.
ضع وعاءً من الحليب الطازج تحت سرير الشخص المستهدف. اثقب إصبعك وارسم خطاً على امتداد حنجرة الماندريك، ثم ضعها داخل الحليب.
بعد أن فرغ، راجع مرة ثانية قائمة المؤن التي أعدّها مع خدمه الأكثر خبرة قبل مغادرته. كان تشغيل ضيعةٍ شيئاً يتطلب قدراً هائلاً من المواد، والكثير من الذهب. ولحسن الحظ، كان قد ترك لنفسه هامشاً واسعاً حين زوّر وصية أبيه. ابتسم للذكرى، ثم أمضى لحظة أخرى يتأمل أرجاء الغرفة؛ غرفته هو. كان من الجميل أن يمتلك شيئاً خاصاً به. كان عليه أن يترك بصمته عليها.
هذا فعال، لكن الإفراط في استخدامه قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، وكذلك ترك جذر الماندريك في الداخل مدة تكفي لفساد الحليب. فهناك إمكانية لصنع تعويذة كوابيس متعمدة بعد إجراء بعض التجارب.
في صباح اليوم التالي، استيقظ سولومون على طرقٍ على بابه، وعلى فطورٍ يُوضَع فوق مكتبه. لم يكن متأكداً أيّ خادمة هي التي أيقظته، لكنه تمتم بشكرٍ غائم العينين وهو ينهض من فراشه. ثم رش بعض الماء على وجهه من حوضٍ إلى جوار السرير لينتعش، وجلس إلى مكتبه. بينما كان يرتشف قهوته ويتناول طعامه، أخذ يضع اللمسات الأخيرة على مراسلاته. كانت لديه الرسالة الإلزامية إلى تشورد وإلى أمه، فضلاً عن رسالة إلى برنيس، وأخرى إلى إدمور، وبضع رسائل إلى شركاء محتملين في الأعمال. في هذه المرحلة لم تكن تلك الرسائل سوى خطابات تعريف بسيطة، لكنه كان يأمل أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى شيء أكثر رسوخاً.
ارتجف سولومون وأغلق الكتاب، ثم أخذ يتلفت حوله. كان متأكداً من أن أحداً يراقبه، لكنه لم يجد أحداً. فأدخل مخطوطة سحر الفولك في معطفه.
كانت تلك، على ما يبدو، ميليسا، الخادمة الطويلة ذات الشعر الأحمر.
“نعم، سيدي؟” سألته في خنوع.
