الرمز المطابق
استيقظ أورِن على ضوء رمادي يتسلل من فتحة النافذة الصغيرة أعلى سريره، ولحظة أو أكثر قبل أن يتذكر أي شيء عن الليلة الماضية، لم يشعر بشيء غير معتاد؛ سقف الغرفة نفسه، رائحة الخشب المبلل من المطر الخفيف الذي سقط فجرًا، صوت مارِن وهي تحرّك شيئًا في المطبخ. جلس على حافة السرير، ومدّ يده ليرتدي قميصه المعلق على الكرسي، فلمس شيئًا صلبًا في جيب معطفه الملقى بجانبه.
توجّه مباشرة إلى الطاولة التي جلس عندها الليلة الماضية، ووجد الصندوق الثاني لا يزال في مكانه، لم يلمسه أحد. أخرج المجموعة المربوطة بالخيط الأسود، وجلس، وبدأ يقرأ من جديد.
كان يعرف هذا الرمز من مكان ما. لم يتذكر أين بالضبط، لكن شكله كان مألوفًا بطريقة لا علاقة لها بالوثيقة نفسها، بل بشيء أقدم، من عمله اليومي في الأرشيف، من سجلات مرّت على يديه مرات عديدة دون أن ينتبه لها بشكل خاص.
أخرجه دون تفكير مسبق. كانت الأداة، باردة كما تذكّرها من الليلة الماضية، مؤشرها الباهت ومقبضها الصغير. عرف أنها تخصه، عرف أنه أخذها من مكان ما، لكنه لم يستطع أن يستحضر اللحظة التي قرر فيها أخذها، ولا السبب. أدار الأداة بين أصابعه، ثم نظر إلى المكتب، فرأى الورقة المطوية لا تزال حيث تركها، تحت المصباح الذي أطفأه قبل النوم.
فتحها وقرأ سطوره بخطه هو:
نظر إليه طويلاً.
” إذا كنت تقرأ هذه السطور…..”
قرأها مرة، ثم مرة ثانية، جالسًا على حافة السرير والقميص لا يزال في يده الأخرى. لم يحاول أن يجبر ذاكرته على شيء؛ كان قد جرّب ذلك مساء أمس فلم ينفعه. جلس فقط، يمسك الورقة، ويفكر بهدوء غريب في فكرة واحدة لا أكثر: أن شخصًا ما، وهو نفسه بالضبط، تعمّد أن يجعل هذا الصباح يبدأ هكذا، بلا معرفة، بلا خوف واضح، فقط بورقة وأداة وسؤال معلّق. لم تكن الفكرة صادمة بقدر ما كانت ثقيلة، من ذلك النوع الذي لا يصرخ في الرأس، بل يجلس فيه بهدوء ولا يغادر.
اقتربا من دكان الحائكة، وهناك جلسا قليلاً ريثما اختارت مارِن القماش، تتحسس القطع بين أصابعها وتقارن درجات الأزرق تحت الضوء القادم من الباب المفتوح، بينما وقف أورِن قرب المدخل ينظر إلى الشارع.
وضع الورقة في جيب سترته الداخلي، والأداة في الجيب الآخر، وارتدى قميصه، وخرج إلى المطبخ.
استيقظ أورِن على ضوء رمادي يتسلل من فتحة النافذة الصغيرة أعلى سريره، ولحظة أو أكثر قبل أن يتذكر أي شيء عن الليلة الماضية، لم يشعر بشيء غير معتاد؛ سقف الغرفة نفسه، رائحة الخشب المبلل من المطر الخفيف الذي سقط فجرًا، صوت مارِن وهي تحرّك شيئًا في المطبخ. جلس على حافة السرير، ومدّ يده ليرتدي قميصه المعلق على الكرسي، فلمس شيئًا صلبًا في جيب معطفه الملقى بجانبه.
كانت مارِن تصب الماء الساخن في إبريقين، واحد له وواحد لها، ورأسها منحنٍ فوق الموقد.
“نمت متأخرًا،” قالت دون أن تلتفت. “سمعتك تتحرك في الغرفة قبل قليل.”
لم تتوقف المرأتان عن الحديث حين مرّ أورِن ومارِن بجانبهما، ولم تخفضا صوتيهما أكثر، وكأن الأمر لا يستدعي حذرًا خاصًا، بل مجرد حزن عابر من النوع الذي يُذكر ثم يُطوى مع أحاديث أخرى عن اليوم نفسه.
“لم أنم جيدًا.”
عند زاوية الساحة الصغيرة، كان أطفال يلعبون بكرة من قماش محشو، يتقاذفونها بضحكات عالية لا تلتفت إلى شيء آخر في العالم، وامرأتان تجلسان على مصطبة حجرية قريبة، تتحدثان بصوت منخفض بما يكفي لأن يلتقط أورِن جزءًا فقط من كلامهما وهو يمر.
نظرت إليه هذه المرة، وتفحصت وجهه بلمحة سريعة كعادتها كلما شعرت أن شيئًا في نبرته مختلف قليلاً. “بسبب الأمس؟”
لم يعرف إن كانت تقصد الطقس أو شيئًا آخر، فاكتفى بالإيماء.
“لم أنم جيدًا.”
“لا أحد ينام جيدًا بعد يوم كهذا،” قالت وهي تمد له الإبريق. “خصوصًا حين تعرف الأشخاص.” جلست على الكرسي المقابل، وأمسكت إبريقها بكفيها الاثنتين لتستفيد من دفئه. “أمس، حين كنا في طريق العودة، سمعت امرأة تقول إن الرجل الذي كان يجلس في الحانة، كانت عنده ابنة صغيرة في القرية الشمالية. لا أعرف إن كان هذا صحيحًا.”
هزّ كتفيه وهي يعدّل ملابسه. “لا أعرف بالضبط. جدي كان يقول إنه أنقذ القرية، منذ زمن بعيد جدًا.” توقف لحظة، كأنه يحاول أن يستحضر تفصيلاً إضافيًا فلا يجده. “لا أظن أحدًا يتذكر القصة كاملة، صراحة. إنه موجود هناك فقط، منذ الأزل تقريبًا.”
“لم أكن أعرف أن له ابنة.”
لم تكن كلمة غريبة بحد ذاتها؛ كانت العبارة التي يستخدمها كل من في القرية للحديث عن الطقس نفسه، طقس بداية الشهر، الذي شهد بالأمس موت ثلاثة أشخاص أمام عينيه. لكن رؤية العبارة هنا، بين هذه الأرقام والملاحظات الجافة، أعطتها وزنًا لم يكن يتوقعه. بدأ يقرأ الصفحات من جديد بهذا الضوء الجديد: الجلسة الأولى، السجل الثاني، الجلسة الشهرية. لم تعد الكلمات منفصلة عن بعضها كما بدت في القراءة الأولى بالأمس، بل بدأت تترتب، ببطء، في خط واحد، يقوده من الوثيقة إلى الطقس نفسه، إلى الساحة، إلى المصباح الذي تحول لونه أمس، إلى الأداة الموجودة الآن في جيبه.
وقف بين الرفوف، والسجلان في يديه، أحدهما من صندوق القرية البعيدة، والآخر من سجلات قريته هو.
“ولا أنا. لكنها قالت ذلك بثقة، وكأنها تعرفه جيدًا.” هزّت كتفيها قليلاً. “على أي حال، لا تنسَ القماش هذه المرة. سآتي معك إلى السوق لأتأكد بنفسي.”
“الجميع كانوا مشغولين أمس،” ردّ الرجل بنبرة أخف مما توحي به الكلمات، وهو يزن كيسًا من الدقيق لزبون آخر. “أخبرني ابني إن سعر القمح ارتفع مرة أخرى. لا أدري كيف سأثبّت سعر الرغيف طويلاً بهذا الشكل.”
ابتسم رغمًا عنه. “لا تثقين بي.”
كانت الكلمات هي نفسها تمامًا. اللغة الرسمية المقتضبة، الأرقام بدل الأسماء، مؤشرات الاستجابة، نسب النجاح. لكنه، وهو يقرأ الآن، شعر بشيء غريب لم يتوقعه: المعلومات لم تعد تحمل الثقل نفسه الذي شعر به بالأمس. كانت هناك، أمامه، واضحة، لكن الرابط الذي جعله يجلس على الأرض ويحس بالطنين في أذنيه لم يعد موجودًا. قرأ الجملة نفسها، “الأفراد الذين تفشل معهم الجلسة الأولى يُنقَلون إلى السجل الثاني، ولا يُعاد ذكر أسمائهم بعد ذلك”، فأزعجته بقدر ما تزعج أي جملة غريبة، لا أكثر ولا أقل. غاب شيء من بين الكلمات وبينه، شيء كان موجودًا بالأمس ولم يعد.
“لا أثق بذاكرتك للألوان،” ردّت بجدية مصطنعة، ونهضت لتغسل الإبريقين.
“ولا أنا. لكنها قالت ذلك بثقة، وكأنها تعرفه جيدًا.” هزّت كتفيها قليلاً. “على أي حال، لا تنسَ القماش هذه المرة. سآتي معك إلى السوق لأتأكد بنفسي.”
خرجا بعد قليل إلى الشارع الحجري الضيق المؤدي إلى وسط القرية، والهواء لا يزال يحمل برودة الليلة الماضية رغم أن الشمس بدأت ترتفع فوق الأسطح. كانت القرية قد استعادت إيقاعها المعتاد بسرعة لافتة؛ الأبواب مفتوحة، النوافذ تُفتح واحدة تلو الأخرى، وامرأة تنشر ثيابًا مبللة على حبل ممدود بين نافذتين متقابلتين.
خرجا بعد قليل إلى الشارع الحجري الضيق المؤدي إلى وسط القرية، والهواء لا يزال يحمل برودة الليلة الماضية رغم أن الشمس بدأت ترتفع فوق الأسطح. كانت القرية قد استعادت إيقاعها المعتاد بسرعة لافتة؛ الأبواب مفتوحة، النوافذ تُفتح واحدة تلو الأخرى، وامرأة تنشر ثيابًا مبللة على حبل ممدود بين نافذتين متقابلتين.
لم تكن كلمة غريبة بحد ذاتها؛ كانت العبارة التي يستخدمها كل من في القرية للحديث عن الطقس نفسه، طقس بداية الشهر، الذي شهد بالأمس موت ثلاثة أشخاص أمام عينيه. لكن رؤية العبارة هنا، بين هذه الأرقام والملاحظات الجافة، أعطتها وزنًا لم يكن يتوقعه. بدأ يقرأ الصفحات من جديد بهذا الضوء الجديد: الجلسة الأولى، السجل الثاني، الجلسة الشهرية. لم تعد الكلمات منفصلة عن بعضها كما بدت في القراءة الأولى بالأمس، بل بدأت تترتب، ببطء، في خط واحد، يقوده من الوثيقة إلى الطقس نفسه، إلى الساحة، إلى المصباح الذي تحول لونه أمس، إلى الأداة الموجودة الآن في جيبه.
مرّا أولًا بمخبز الحي، حيث كانت رائحة الخبز الطازج تملأ الزقاق قبل الوصول إلى الباب نفسه. حيّاهما الخباز من خلف الطاولة الخشبية، ويداه مغطاتان بالدقيق حتى المرفقين.
“يومان بلا شراء،” قال وهو يمد لمارِن رغيفين. “ظننتكما نسيتماني.”
كانت مارِن تصب الماء الساخن في إبريقين، واحد له وواحد لها، ورأسها منحنٍ فوق الموقد.
“كنا مشغولين،” قالت مارِن وهي تدفع له العملات.
لم تتوقف المرأتان عن الحديث حين مرّ أورِن ومارِن بجانبهما، ولم تخفضا صوتيهما أكثر، وكأن الأمر لا يستدعي حذرًا خاصًا، بل مجرد حزن عابر من النوع الذي يُذكر ثم يُطوى مع أحاديث أخرى عن اليوم نفسه.
“الجميع كانوا مشغولين أمس،” ردّ الرجل بنبرة أخف مما توحي به الكلمات، وهو يزن كيسًا من الدقيق لزبون آخر. “أخبرني ابني إن سعر القمح ارتفع مرة أخرى. لا أدري كيف سأثبّت سعر الرغيف طويلاً بهذا الشكل.”
وقف بين الرفوف، والسجلان في يديه، أحدهما من صندوق القرية البعيدة، والآخر من سجلات قريته هو.
لم يكن يعرف بعد ماذا يعني هذا الرمز، ولا لماذا يظهر في المكانين معًا. لكن السؤال الذي بدأ يتشكل في رأسه لم يكن بعد الآن “ماذا حدث لتلك القرية البعيدة”، بل سؤالًا أثقل بكثير، وأقرب إليه من أي وقت مضى:
“الملح نفسه صار أغلى من الشهر الماضي،” قال رجل واقف بجانبهما ينتظر دوره، دون أن يلتفت إليهما بالضبط، وكأنه يتحدث للجميع وللاشيء في آن. “أعطيك القطعتين بهذا السعر، ولا تطلب مني الثالثة.”
هزّ الخباز رأسه موافقًا، دون أن يعلّق أكثر، وواصل تعامله مع الزبون التالي.
اقتربا من دكان الحائكة، وهناك جلسا قليلاً ريثما اختارت مارِن القماش، تتحسس القطع بين أصابعها وتقارن درجات الأزرق تحت الضوء القادم من الباب المفتوح، بينما وقف أورِن قرب المدخل ينظر إلى الشارع.
كانت مارِن تصب الماء الساخن في إبريقين، واحد له وواحد لها، ورأسها منحنٍ فوق الموقد.
ابتعدا قليلًا، ومرّا بجانب دكان الحداد حيث كان صوت المطرقة يتكرر بإيقاع ثابت، والحداد نفسه، رجل ضخم الذراعين بدا لأورِن أصغر من الحداد الذي رآه ميتًا في الساحة صباح أمس، منشغل بتشكيل حدوة حصان فوق السندان. رفع رأسه للحظة وحيّاهما بإيماءة، ثم عاد إلى عمله دون كلام إضافي.
عند زاوية الساحة الصغيرة، كان أطفال يلعبون بكرة من قماش محشو، يتقاذفونها بضحكات عالية لا تلتفت إلى شيء آخر في العالم، وامرأتان تجلسان على مصطبة حجرية قريبة، تتحدثان بصوت منخفض بما يكفي لأن يلتقط أورِن جزءًا فقط من كلامهما وهو يمر.
عند زاوية الساحة الصغيرة، كان أطفال يلعبون بكرة من قماش محشو، يتقاذفونها بضحكات عالية لا تلتفت إلى شيء آخر في العالم، وامرأتان تجلسان على مصطبة حجرية قريبة، تتحدثان بصوت منخفض بما يكفي لأن يلتقط أورِن جزءًا فقط من كلامهما وهو يمر.
نظر إليه طويلاً.
“…قالت إنها رأتهم يخرجونهم من الساحة قبل أن يستيقظ الجميع تمامًا.”
“لم أنم جيدًا.”
“دائمًا هكذا. لا يتركون الأمر حتى يراه أحد.”
كان يعرف هذا الرمز من مكان ما. لم يتذكر أين بالضبط، لكن شكله كان مألوفًا بطريقة لا علاقة لها بالوثيقة نفسها، بل بشيء أقدم، من عمله اليومي في الأرشيف، من سجلات مرّت على يديه مرات عديدة دون أن ينتبه لها بشكل خاص.
“لا أحد ينام جيدًا بعد يوم كهذا،” قالت وهي تمد له الإبريق. “خصوصًا حين تعرف الأشخاص.” جلست على الكرسي المقابل، وأمسكت إبريقها بكفيها الاثنتين لتستفيد من دفئه. “أمس، حين كنا في طريق العودة، سمعت امرأة تقول إن الرجل الذي كان يجلس في الحانة، كانت عنده ابنة صغيرة في القرية الشمالية. لا أعرف إن كان هذا صحيحًا.”
“مسكين الحداد الشاب. كان يصلح لي باب المخزن الأسبوع الماضي.”
لم تكن كلمة غريبة بحد ذاتها؛ كانت العبارة التي يستخدمها كل من في القرية للحديث عن الطقس نفسه، طقس بداية الشهر، الذي شهد بالأمس موت ثلاثة أشخاص أمام عينيه. لكن رؤية العبارة هنا، بين هذه الأرقام والملاحظات الجافة، أعطتها وزنًا لم يكن يتوقعه. بدأ يقرأ الصفحات من جديد بهذا الضوء الجديد: الجلسة الأولى، السجل الثاني، الجلسة الشهرية. لم تعد الكلمات منفصلة عن بعضها كما بدت في القراءة الأولى بالأمس، بل بدأت تترتب، ببطء، في خط واحد، يقوده من الوثيقة إلى الطقس نفسه، إلى الساحة، إلى المصباح الذي تحول لونه أمس، إلى الأداة الموجودة الآن في جيبه.
لم تتوقف المرأتان عن الحديث حين مرّ أورِن ومارِن بجانبهما، ولم تخفضا صوتيهما أكثر، وكأن الأمر لا يستدعي حذرًا خاصًا، بل مجرد حزن عابر من النوع الذي يُذكر ثم يُطوى مع أحاديث أخرى عن اليوم نفسه.
اقتربا من دكان الحائكة، وهناك جلسا قليلاً ريثما اختارت مارِن القماش، تتحسس القطع بين أصابعها وتقارن درجات الأزرق تحت الضوء القادم من الباب المفتوح، بينما وقف أورِن قرب المدخل ينظر إلى الشارع.
“الجميع كانوا مشغولين أمس،” ردّ الرجل بنبرة أخف مما توحي به الكلمات، وهو يزن كيسًا من الدقيق لزبون آخر. “أخبرني ابني إن سعر القمح ارتفع مرة أخرى. لا أدري كيف سأثبّت سعر الرغيف طويلاً بهذا الشكل.”
مرّ رجل يرتدي زيًا عسكريًا بسيطًا، متسخًا بغبار طريق طويل، يمشي ببطء من كان قد قطع مسافة أطول من قدرة جسده على تحملها براحة. حيّاه أحد الجالسين على عتبة قريبة، فردّ التحية دون أن يتوقف، وواصل طريقه نحو مركز المحكمة في أعلى الساحة.
ابتسم رغمًا عنه. “لا تثقين بي.”
كان تمثالًا حجريًا متآكل الملامح قليلاً، لرجل يقف منتصبًا، يده اليمنى ممدودة إلى الأمام بحركة لم يفهمها أورِن يومًا بالضبط، هل هي حركة توقف أم حركة عطاء. لم يكن قد فكّر في التمثال من قبل أكثر من تفكيره في أي حجر آخر يمر به كل يوم دون أن يراه فعلًا.
دفعت مارِن ثمن القماش، ولفّته في قطعة قماش أخرى أقدم لتحميه من الغبار، ثم خرجا معًا يتجهان نحو الطريق الدائري المحيط بالساحة الكبرى، الذي كان يمر، كما يمر دائمًا، بجانب التمثال القديم الواقف عند مدخل الساحة منذ ما قبل أن يولد أورِن.
قرأها مرة، ثم مرة ثانية، جالسًا على حافة السرير والقميص لا يزال في يده الأخرى. لم يحاول أن يجبر ذاكرته على شيء؛ كان قد جرّب ذلك مساء أمس فلم ينفعه. جلس فقط، يمسك الورقة، ويفكر بهدوء غريب في فكرة واحدة لا أكثر: أن شخصًا ما، وهو نفسه بالضبط، تعمّد أن يجعل هذا الصباح يبدأ هكذا، بلا معرفة، بلا خوف واضح، فقط بورقة وأداة وسؤال معلّق. لم تكن الفكرة صادمة بقدر ما كانت ثقيلة، من ذلك النوع الذي لا يصرخ في الرأس، بل يجلس فيه بهدوء ولا يغادر.
قرأها مرة، ثم مرة ثانية، جالسًا على حافة السرير والقميص لا يزال في يده الأخرى. لم يحاول أن يجبر ذاكرته على شيء؛ كان قد جرّب ذلك مساء أمس فلم ينفعه. جلس فقط، يمسك الورقة، ويفكر بهدوء غريب في فكرة واحدة لا أكثر: أن شخصًا ما، وهو نفسه بالضبط، تعمّد أن يجعل هذا الصباح يبدأ هكذا، بلا معرفة، بلا خوف واضح، فقط بورقة وأداة وسؤال معلّق. لم تكن الفكرة صادمة بقدر ما كانت ثقيلة، من ذلك النوع الذي لا يصرخ في الرأس، بل يجلس فيه بهدوء ولا يغادر.
كان تمثالًا حجريًا متآكل الملامح قليلاً، لرجل يقف منتصبًا، يده اليمنى ممدودة إلى الأمام بحركة لم يفهمها أورِن يومًا بالضبط، هل هي حركة توقف أم حركة عطاء. لم يكن قد فكّر في التمثال من قبل أكثر من تفكيره في أي حجر آخر يمر به كل يوم دون أن يراه فعلًا.
“لا أحد ينام جيدًا بعد يوم كهذا،” قالت وهي تمد له الإبريق. “خصوصًا حين تعرف الأشخاص.” جلست على الكرسي المقابل، وأمسكت إبريقها بكفيها الاثنتين لتستفيد من دفئه. “أمس، حين كنا في طريق العودة، سمعت امرأة تقول إن الرجل الذي كان يجلس في الحانة، كانت عنده ابنة صغيرة في القرية الشمالية. لا أعرف إن كان هذا صحيحًا.”
“هذا تمثال ألدين،” قال أورن ، وهي تلاحظ نظرته العابرة نحوه.
كانت مارِن تصب الماء الساخن في إبريقين، واحد له وواحد لها، ورأسها منحنٍ فوق الموقد.
“من ألدين؟”
هزّ كتفيه وهي يعدّل ملابسه. “لا أعرف بالضبط. جدي كان يقول إنه أنقذ القرية، منذ زمن بعيد جدًا.” توقف لحظة، كأنه يحاول أن يستحضر تفصيلاً إضافيًا فلا يجده. “لا أظن أحدًا يتذكر القصة كاملة، صراحة. إنه موجود هناك فقط، منذ الأزل تقريبًا.”
لم تسأل أكثر. أومأت، ونظرت إلى وجه التمثال المتآكل ثانية واحدة، ثم تابعا طريقهما، والحديث ينتقل بسرعة إلى شيء آخر تمامًا حين لاحظت مارِن بائعًا يعرض تفاحًا أحمر جيدًا للمرة الأولى منذ أسابيع.
أوصل أورِن أخته إلى البيت، ثم أخبرها أنه سيمر بالأرشيف ليتحقق من شيء نسيه هناك. لم تسأله أكثر من ذلك؛ كان يخرج أحيانًا في أيام العطلة إلى الأرشيف حين يشعر أن شيئًا لم يُنجز كما ينبغي، وهذا لم يكن غريبًا عليها بما يكفي لتستفسر.
فتحها وقرأ سطوره بخطه هو:
أخرجه دون تفكير مسبق. كانت الأداة، باردة كما تذكّرها من الليلة الماضية، مؤشرها الباهت ومقبضها الصغير. عرف أنها تخصه، عرف أنه أخذها من مكان ما، لكنه لم يستطع أن يستحضر اللحظة التي قرر فيها أخذها، ولا السبب. أدار الأداة بين أصابعه، ثم نظر إلى المكتب، فرأى الورقة المطوية لا تزال حيث تركها، تحت المصباح الذي أطفأه قبل النوم.
كان الأرشيف في هذه الساعة من النهار مكانًا مختلفًا تمامًا عما تركه فيه الليلة الماضية؛ ضوء الشمس يدخل من النوافذ العالية بزوايا مائلة تكشف الغبار المعلق في الهواء، وصوت خطوات حارس وحيد يتجول في الممرات البعيدة. لم يكن هناك أحد غيره في القسم الشرقي، فالعمل الرسمي متوقف بسبب يوم الطقس، لكن الباب الخارجي كان مفتوحًا للموظفين الذين قد يحتاجون العودة لسبب أو آخر، وهذا ما اعتمد عليه.
توجّه مباشرة إلى الطاولة التي جلس عندها الليلة الماضية، ووجد الصندوق الثاني لا يزال في مكانه، لم يلمسه أحد. أخرج المجموعة المربوطة بالخيط الأسود، وجلس، وبدأ يقرأ من جديد.
“لا أثق بذاكرتك للألوان،” ردّت بجدية مصطنعة، ونهضت لتغسل الإبريقين.
كان تمثالًا حجريًا متآكل الملامح قليلاً، لرجل يقف منتصبًا، يده اليمنى ممدودة إلى الأمام بحركة لم يفهمها أورِن يومًا بالضبط، هل هي حركة توقف أم حركة عطاء. لم يكن قد فكّر في التمثال من قبل أكثر من تفكيره في أي حجر آخر يمر به كل يوم دون أن يراه فعلًا.
كانت الكلمات هي نفسها تمامًا. اللغة الرسمية المقتضبة، الأرقام بدل الأسماء، مؤشرات الاستجابة، نسب النجاح. لكنه، وهو يقرأ الآن، شعر بشيء غريب لم يتوقعه: المعلومات لم تعد تحمل الثقل نفسه الذي شعر به بالأمس. كانت هناك، أمامه، واضحة، لكن الرابط الذي جعله يجلس على الأرض ويحس بالطنين في أذنيه لم يعد موجودًا. قرأ الجملة نفسها، “الأفراد الذين تفشل معهم الجلسة الأولى يُنقَلون إلى السجل الثاني، ولا يُعاد ذكر أسمائهم بعد ذلك”، فأزعجته بقدر ما تزعج أي جملة غريبة، لا أكثر ولا أقل. غاب شيء من بين الكلمات وبينه، شيء كان موجودًا بالأمس ولم يعد.
استمر في القراءة رغم ذلك، أبطأ هذه المرة، متعمدًا أن يتوقف عند كل تفصيل صغير كان قد تجاوزه بسرعة في المرة الأولى بسبب الصدمة. لاحظ الآن أن الأوراق ليست تقريرًا واحدًا، بل مجموعة صفحات متتابعة، كل صفحة تحمل تاريخًا مختلفًا، وأرقامًا مختلفة للحالات، وفي أسفل كل صفحة إشارة صغيرة مكررة: “الجلسة الشهرية”.
ابتسم رغمًا عنه. “لا تثقين بي.”
توقف عند هذه العبارة تحديدًا.
“لا أحد ينام جيدًا بعد يوم كهذا،” قالت وهي تمد له الإبريق. “خصوصًا حين تعرف الأشخاص.” جلست على الكرسي المقابل، وأمسكت إبريقها بكفيها الاثنتين لتستفيد من دفئه. “أمس، حين كنا في طريق العودة، سمعت امرأة تقول إن الرجل الذي كان يجلس في الحانة، كانت عنده ابنة صغيرة في القرية الشمالية. لا أعرف إن كان هذا صحيحًا.”
“يومان بلا شراء،” قال وهو يمد لمارِن رغيفين. “ظننتكما نسيتماني.”
الجلسة الشهرية.
“الجميع كانوا مشغولين أمس،” ردّ الرجل بنبرة أخف مما توحي به الكلمات، وهو يزن كيسًا من الدقيق لزبون آخر. “أخبرني ابني إن سعر القمح ارتفع مرة أخرى. لا أدري كيف سأثبّت سعر الرغيف طويلاً بهذا الشكل.”
لم تكن كلمة غريبة بحد ذاتها؛ كانت العبارة التي يستخدمها كل من في القرية للحديث عن الطقس نفسه، طقس بداية الشهر، الذي شهد بالأمس موت ثلاثة أشخاص أمام عينيه. لكن رؤية العبارة هنا، بين هذه الأرقام والملاحظات الجافة، أعطتها وزنًا لم يكن يتوقعه. بدأ يقرأ الصفحات من جديد بهذا الضوء الجديد: الجلسة الأولى، السجل الثاني، الجلسة الشهرية. لم تعد الكلمات منفصلة عن بعضها كما بدت في القراءة الأولى بالأمس، بل بدأت تترتب، ببطء، في خط واحد، يقوده من الوثيقة إلى الطقس نفسه، إلى الساحة، إلى المصباح الذي تحول لونه أمس، إلى الأداة الموجودة الآن في جيبه.
“الجميع كانوا مشغولين أمس،” ردّ الرجل بنبرة أخف مما توحي به الكلمات، وهو يزن كيسًا من الدقيق لزبون آخر. “أخبرني ابني إن سعر القمح ارتفع مرة أخرى. لا أدري كيف سأثبّت سعر الرغيف طويلاً بهذا الشكل.”
لم يكن هذا استنتاجًا كاملًا؛ لم يكن يعرف بعد ما هي “الجلسة الأولى” بالضبط، ولا ما الذي يحدث لمن يُنقل إلى “السجل الثاني”. لكنه بدأ يشك، بقوة كافية لتثقل صدره من جديد وإن بدرجة أخف من الليلة الماضية، أن هذه الوثيقة لا تتحدث عن قرية بعيدة أو حالة استثنائية معزولة، بل عن شيء يحدث هنا، في هذه القرية بالتحديد، مرة كل شهر، أمام الجميع.
“يومان بلا شراء،” قال وهو يمد لمارِن رغيفين. “ظننتكما نسيتماني.”
قلّب الصفحة الأخيرة، تلك التي لم يصل إليها بالأمس لأنه توقف عند السطر الأول ولم يتجاوزه أبدًا. كانت مختلفة قليلاً عن البقية، أضيق هامشًا، وكأنها أُضيفت لاحقًا. في أسفلها، رقم صغير مكتوب بخط أدق من بقية الصفحة، ورمز إلى جانبه لم يفهم معناه في البداية، ثلاثة أحرف متبوعة برقمين.
لم تتوقف المرأتان عن الحديث حين مرّ أورِن ومارِن بجانبهما، ولم تخفضا صوتيهما أكثر، وكأن الأمر لا يستدعي حذرًا خاصًا، بل مجرد حزن عابر من النوع الذي يُذكر ثم يُطوى مع أحاديث أخرى عن اليوم نفسه.
نظر إليه طويلاً.
مرّا أولًا بمخبز الحي، حيث كانت رائحة الخبز الطازج تملأ الزقاق قبل الوصول إلى الباب نفسه. حيّاهما الخباز من خلف الطاولة الخشبية، ويداه مغطاتان بالدقيق حتى المرفقين.
قام، ومشى إلى الرفوف المخصصة لسجلات القرية نفسها، تلك التي يتعامل معها كل يوم تقريبًا، ووجد بسرعة ما كان يبحث عنه دون أن يعرف تمامًا أنه يبحث عنه: الرمز نفسه، ثلاثة أحرف ورقمان، مطبوعًا في زاوية سجل ضرائب قريته، سجل قديم يعود لعشرين سنة على الأقل، بجانب ختم إداري صغير لم يكن قد سأل عنه يومًا لأنه كان يظنه مجرد رمز تصنيف داخلي كأي رمز آخر.
كان يعرف هذا الرمز من مكان ما. لم يتذكر أين بالضبط، لكن شكله كان مألوفًا بطريقة لا علاقة لها بالوثيقة نفسها، بل بشيء أقدم، من عمله اليومي في الأرشيف، من سجلات مرّت على يديه مرات عديدة دون أن ينتبه لها بشكل خاص.
“كنا مشغولين،” قالت مارِن وهي تدفع له العملات.
كانت مارِن تصب الماء الساخن في إبريقين، واحد له وواحد لها، ورأسها منحنٍ فوق الموقد.
قام، ومشى إلى الرفوف المخصصة لسجلات القرية نفسها، تلك التي يتعامل معها كل يوم تقريبًا، ووجد بسرعة ما كان يبحث عنه دون أن يعرف تمامًا أنه يبحث عنه: الرمز نفسه، ثلاثة أحرف ورقمان، مطبوعًا في زاوية سجل ضرائب قريته، سجل قديم يعود لعشرين سنة على الأقل، بجانب ختم إداري صغير لم يكن قد سأل عنه يومًا لأنه كان يظنه مجرد رمز تصنيف داخلي كأي رمز آخر.
“الملح نفسه صار أغلى من الشهر الماضي،” قال رجل واقف بجانبهما ينتظر دوره، دون أن يلتفت إليهما بالضبط، وكأنه يتحدث للجميع وللاشيء في آن. “أعطيك القطعتين بهذا السعر، ولا تطلب مني الثالثة.”
ابتعدا قليلًا، ومرّا بجانب دكان الحداد حيث كان صوت المطرقة يتكرر بإيقاع ثابت، والحداد نفسه، رجل ضخم الذراعين بدا لأورِن أصغر من الحداد الذي رآه ميتًا في الساحة صباح أمس، منشغل بتشكيل حدوة حصان فوق السندان. رفع رأسه للحظة وحيّاهما بإيماءة، ثم عاد إلى عمله دون كلام إضافي.
وقف بين الرفوف، والسجلان في يديه، أحدهما من صندوق القرية البعيدة، والآخر من سجلات قريته هو.
لم يكن يعرف بعد ماذا يعني هذا الرمز، ولا لماذا يظهر في المكانين معًا. لكن السؤال الذي بدأ يتشكل في رأسه لم يكن بعد الآن “ماذا حدث لتلك القرية البعيدة”، بل سؤالًا أثقل بكثير، وأقرب إليه من أي وقت مضى:
كانت مارِن تصب الماء الساخن في إبريقين، واحد له وواحد لها، ورأسها منحنٍ فوق الموقد.
لماذا كانت هذه الوثائق موجودة أصلًا بين سجلات قريته؟
لم تكن كلمة غريبة بحد ذاتها؛ كانت العبارة التي يستخدمها كل من في القرية للحديث عن الطقس نفسه، طقس بداية الشهر، الذي شهد بالأمس موت ثلاثة أشخاص أمام عينيه. لكن رؤية العبارة هنا، بين هذه الأرقام والملاحظات الجافة، أعطتها وزنًا لم يكن يتوقعه. بدأ يقرأ الصفحات من جديد بهذا الضوء الجديد: الجلسة الأولى، السجل الثاني، الجلسة الشهرية. لم تعد الكلمات منفصلة عن بعضها كما بدت في القراءة الأولى بالأمس، بل بدأت تترتب، ببطء، في خط واحد، يقوده من الوثيقة إلى الطقس نفسه، إلى الساحة، إلى المصباح الذي تحول لونه أمس، إلى الأداة الموجودة الآن في جيبه.
عند زاوية الساحة الصغيرة، كان أطفال يلعبون بكرة من قماش محشو، يتقاذفونها بضحكات عالية لا تلتفت إلى شيء آخر في العالم، وامرأتان تجلسان على مصطبة حجرية قريبة، تتحدثان بصوت منخفض بما يكفي لأن يلتقط أورِن جزءًا فقط من كلامهما وهو يمر.
