الحارس
الفصل 11: الحارس
“لكل بلدة حراس، يرتدون دروعًا لامعة ويمسكون هراواتهم وخناجرهم. بعضهم يتبع التجار، وبعضهم يتبع النبلاء، وبعضهم من العصابات. الشيء الوحيد المشترك بين جميع الحراس هو أن جهةً ما تملكهم. لهذا وُجدت نقابات مثل نقابتي، لتخدم الناس… لقاء أجر، بالطبع.”
“لن يفعل حرس المدينة سوى طلب حفنة من الذهب منك، ولن يضيّعوا لحظة واحدة في البحث عنهن. لا ألومهم؛ ففي مدينة مثل إيتلينغ، يكاد يكون العثور على شابة لا تريد أن يعثر عليها أمرًا مستحيلًا.”
— إيميريل فارلو، كاتب مستقل، من كتابه المزراب الذي لا ينتهي
وبينما كان يخرج من المبنى، التفت إليه الحارس الثالث فانتوس، وفي إحدى يديه غليون تبغ، أما الأخرى فكانت مقبوضة بإحكام. انحنى، ثم مدّ قبضته المغلقة.
ظلّ سولومون يراقب الطريق بينما اقتربت العربة من مونفالو، وأصابعه تعبث بمقبض عصا المشي. بدا عاجزًا عن صرف ذهنه تمامًا عن الإله المقيّد بالسلاسل تحت قصره، وعن المانا التي يستطيع أن يجريها في عروقه. كان ذلك مفهومًا، بالطبع، لكنه لم يكن يستطيع أن يدع خططه الأخرى وواجباته تتعثر. فذلك لن يثير الريبة فحسب، بل إن ضمان سلامة شعبه مسؤوليته أيضًا. وبما أن مونفالو أصبحت الآن ملكًا له، كان عليه أن يلتقي بالحرس. ولم يكن يكفيه أن يعرف المزيد عن الفتيات المفقودات؛ بل كان عليه كذلك أن يستطلع ولاء الحراس.
“نهارك طيب، أيها الحارس.”
جلست ميليسا قبالته. وقد اعتادت ارتداء بدلة رجالية بدلًا من الفساتين المخصصة للعاملات، وربطت شعرها إلى الخلف بعناية. لقد كانت تتولى، شيئًا فشيئًا، جميع مهام الخادم الشخصي، حتى إنها صارت ترتدي ما يلائم هذا الدور. تُراها كانت تظنّ أنه لم ينتبه إلى ذلك؟ والحقيقة أنه كان معجبًا بها. فقد غدت ذات نفع كبير له بالفعل، فأصبحت صلته الرئيسية بالعاملين، وأتاحت له التفرغ لمشاريعه وواجباته الأخرى. لقد قدّر طموحها، وكان ينوي تثبيت منصبها رسميًا متى وجد وقتًا يحدد فيه أجرها الإضافي ويكتب عقدًا بسيطًا يبيّن مهامها الوظيفية.
كان في الزاوية مكتب مغلق، فطرق فانتوس بابه ثلاث مرات قبل أن يفتحه.
بلغا مونفالو، لاحظ سولومون أنه بالكاد يلحظ فرقًا بين الطريق المتداعي المؤدي إلى قصره والطريق داخل البلدة نفسها. كان الطقس اليوم أفضل مما كان عليه من قبل، فاستطاع أن يرى عددًا من الناس خارجين لقضاء أعمالهم. كان معظمهم يرتدون ثيابًا رثة ويسيرون مطأطئي الرؤوس. وإلى جانب أولئك الذين بدوا منشغلين بأعمالهم، رأى رجالًا يتسولون في الشارع، وآخرين ثملين علنًا أمام حانة متهالكة. لم يكن الأمر مستغربًا؛ فالبلدة تعاني منذ إغلاق المنجم وتوقف تجارة الأخشاب. إذا سارت خططه كما يرجو، فربما استطاع تغيير الحال.
طرح سولومون بضعة أسئلة عامة أخرى عن أوضاع الحرس، فتسلّم سجلًا بما دوّنوه من اعتقالات خلال العام الماضي، فضلًا عن مخصصاتهم المالية وقائمة بأسماء الحراس. وحين انتهى، تصافحا مرة أخرى، ثم غادر سولومون المكتب واتجه نحو الباب، وميليسا تتبعه عن كثب. لم يحصل على كل ما أراده، وصار يعرف الآن أن العمدة والقائد أخوان؛ لذا أدرك أنه سيحتاج إلى وسائل من خارج البلدة لإزاحتهما. ومع ذلك، لم يذهب لقاؤه سدى تمامًا.
قبض على مقبض عصا المشي. كان في وسعه أن يشغل ذهنه بذلك الأمر. فمنذ أن اشتد المرض على والده وعدّل وصيته، صار هذا الأمر هاجسه. كان في مونفالو إمكانات واعدة. فقد نضب منجمها قبل تطوير أساليب التعدين الجديدة باستخدام المتفجرات، وستزداد قيمة أخشاب الغابات السوداء كلما أُزيلت آخر الغابات الحية لمواصلة بناء أسطول الإمبراطورية البحري. وستكون الماناريت ذات قيمة خاصة مع استمرار الاتحاد في مشروعه الجديد للسكك الحديدية. فالقضبان نفسها مصنوعة من سبيكة الماناريت، كي توصل على نحو أفضل الطاقات السحرية اللازمة لدفع العربات المسحورة إلى الأمام. فضلًا عن استخدامها في الحرب. وقد تعود السكك الحديدية على مونفالو بنفع مضاعف إن استطاع ضمان مرور خطوطها بالقرب من البلدة نفسها. غير أن ذلك يتطلب تنسيقًا مع الاتحاد، وهو أمر تزداد خطورته مع كل اكتشاف جديد في قصره؛ لكن القيمة المحتملة أكبر من أن تُهمل.
وبينما كان يخرج من المبنى، التفت إليه الحارس الثالث فانتوس، وفي إحدى يديه غليون تبغ، أما الأخرى فكانت مقبوضة بإحكام. انحنى، ثم مدّ قبضته المغلقة.
توقفت العربة. كانا أمام مقر الحرس. وعلى خلاف المباني المحيطة، المشيّدة من الطوب الداكن والمغطاة بأسقف من القرميد الأخضر، طُلي مقر الحرس بالرمادي الفاتح. وعلى جانبي المدخل ظهرت رايتا دراكثيس ومونفالو: تنين أخضر يلتف حول سيف أسود، تتشعب منه ثلاثة عشر سيفًا، وهلال أزرق زاهٍ ونجمة.
بلغا مونفالو، لاحظ سولومون أنه بالكاد يلحظ فرقًا بين الطريق المتداعي المؤدي إلى قصره والطريق داخل البلدة نفسها. كان الطقس اليوم أفضل مما كان عليه من قبل، فاستطاع أن يرى عددًا من الناس خارجين لقضاء أعمالهم. كان معظمهم يرتدون ثيابًا رثة ويسيرون مطأطئي الرؤوس. وإلى جانب أولئك الذين بدوا منشغلين بأعمالهم، رأى رجالًا يتسولون في الشارع، وآخرين ثملين علنًا أمام حانة متهالكة. لم يكن الأمر مستغربًا؛ فالبلدة تعاني منذ إغلاق المنجم وتوقف تجارة الأخشاب. إذا سارت خططه كما يرجو، فربما استطاع تغيير الحال.
نزلت ميليسا من العربة أولًا، ثم فتحت الباب لسولومون. وما إن نزل حتى التفت إلى دنكن.
“شكرًا يا فاني،” جاءه صوت من الداخل. وكان في نبرته شيء مألوف على نحو مبهم.
“قد نتأخر ساعة، وربما أكثر.”
‘سيدة، أي إنها من طبقة النبلاء الصغرى.’ كان على سولومون أن يعرّف بنفسه إليها، وربما يتحرى إن كانت في البلدة أسر نبيلة صغيرة أخرى. كان ينبغي له أن يجري مزيدًا من البحث في السياسة المحلية، وأقل منه في تقنيات التعدين الجديدة. وإنصافًا له، كان ما يُقرأ عن الأخيرة أوفر بكثير مما يُقرأ عن الأولى.
تمتم دنكن مجيبًا.
“لا بد أن النقص الكبير في عددكم يجعل إدارة الأمور صعبة.”
توجه سولومون وميليسا إلى مقر الحرس، ودفعت هي الباب لتفتحه له. كان في الداخل بهو واسع يضم عددًا من المكاتب الصغيرة، وفي أقصى مؤخرته عدة زنازين كبيرة. بدا المكان خاليًا في معظمه، وهو أمر مفهوم في منتصف النهار؛ غير أن مجموعة من الرجال بزيّ رمادي كانوا جالسين حول مكتب يلعبون الورق، وكان اثنان آخران منهمكين في العمل عند مكتبيهما، بينما جلس رجل عند المكتب الأقرب إلى المدخل، فنظر إلى سولومون حين دخل.
“أولًا، كم عدد الحراس لديكم الآن؟”
نهض الرجل وخلع قبعته العالية وانحنى. كان أكبر سنًا من بقية الحراس، في منتصف الثلاثينيات أو ربما أوائل الأربعينيات، بشعر رمادي داكن مصفف إلى الخلف بعناية وشارب مهندم تمامًا.
‘سيدة، أي إنها من طبقة النبلاء الصغرى.’ كان على سولومون أن يعرّف بنفسه إليها، وربما يتحرى إن كانت في البلدة أسر نبيلة صغيرة أخرى. كان ينبغي له أن يجري مزيدًا من البحث في السياسة المحلية، وأقل منه في تقنيات التعدين الجديدة. وإنصافًا له، كان ما يُقرأ عن الأخيرة أوفر بكثير مما يُقرأ عن الأولى.
“اللورد سولومون مورو، أهلًا بك.”
“نهارك طيب، أيها الحارس.”
“شكرًا لك، أيها الحارس…؟”
“اللورد مورو هنا يا سيدي.”
“فانتوس، الحارس الثالث، يا سيدي. الحارس الأول في مكتبه ينتظر وصولك.”
“أولًا، كم عدد الحراس لديكم الآن؟”
“حسنًا. أرشدنا إليه يا فانتوس.”
“سُررت بلقائك يا سيدي،” قال.
انحنى الرجل مرة أخرى وسار في الطريق. أما الآخرون فلم يرفعوا أعينهم حتى عن لعبة الورق؛ فقد كان أحدهم مستغرقًا في حماسة بسبب ورقة الإمبراطور النازف التي جمعت كل أوراق السيوف وبطاقة الإمبراطور نفسها. وعلى خلاف الحارس الثالث، بدوا أشعثين ومهملين. لم يكن ذلك ما يود رؤيته في بلدة يختفي أهلها. فإذا كانوا متهاونين في شأن أنفسهم، فهم متهاونون في أداء واجباتهم أيضًا.
نهض الرجل وخلع قبعته العالية وانحنى. كان أكبر سنًا من بقية الحراس، في منتصف الثلاثينيات أو ربما أوائل الأربعينيات، بشعر رمادي داكن مصفف إلى الخلف بعناية وشارب مهندم تمامًا.
كان في الزاوية مكتب مغلق، فطرق فانتوس بابه ثلاث مرات قبل أن يفتحه.
بلغا مونفالو، لاحظ سولومون أنه بالكاد يلحظ فرقًا بين الطريق المتداعي المؤدي إلى قصره والطريق داخل البلدة نفسها. كان الطقس اليوم أفضل مما كان عليه من قبل، فاستطاع أن يرى عددًا من الناس خارجين لقضاء أعمالهم. كان معظمهم يرتدون ثيابًا رثة ويسيرون مطأطئي الرؤوس. وإلى جانب أولئك الذين بدوا منشغلين بأعمالهم، رأى رجالًا يتسولون في الشارع، وآخرين ثملين علنًا أمام حانة متهالكة. لم يكن الأمر مستغربًا؛ فالبلدة تعاني منذ إغلاق المنجم وتوقف تجارة الأخشاب. إذا سارت خططه كما يرجو، فربما استطاع تغيير الحال.
“اللورد مورو هنا يا سيدي.”
“شكرًا يا فاني،” جاءه صوت من الداخل. وكان في نبرته شيء مألوف على نحو مبهم.
“شكرًا يا فاني،” جاءه صوت من الداخل. وكان في نبرته شيء مألوف على نحو مبهم.
“مجرد فتيات يردن الذهاب إلى المدينة بحثًا عن زوج ثري قبل أن يذبل جمالهن. أرسلت مزيدًا من الرجال إلى الشوارع ليلًا كي نطمئن عامة الناس، لكنني أؤكد لك أنهن بخير.”
أمسك فانتوس الباب لهم، فدخل سولومون تتبعه ميليسا عن قرب. كان الرجل الجالس خلف المكتب أسود الشعر والعينين، عريض الكتفين، ذا وجه مربع. وكان الشبه بينه وبين العمدة مذهلًا. ‘أخوان، وربما توأمان’، خمّن سولومون. وهبط أمله في أن يستقي من الرجل قدرًا وافرًا من المعلومات المفيدة. لكن ملامحه لم تُظهر قلقًا، إذ نهض القائد من وراء مكتبه ومدّ إليه يده.
“إنهم يكذبون عليك. قابلني غدًا صباحًا في مكتبة سيباستيان للمجلدات النادرة.”
“ماركوس،” قال.
الفصل 11: الحارس “لكل بلدة حراس، يرتدون دروعًا لامعة ويمسكون هراواتهم وخناجرهم. بعضهم يتبع التجار، وبعضهم يتبع النبلاء، وبعضهم من العصابات. الشيء الوحيد المشترك بين جميع الحراس هو أن جهةً ما تملكهم. لهذا وُجدت نقابات مثل نقابتي، لتخدم الناس… لقاء أجر، بالطبع.”
مدّ سولومون يده بدوره، فجذبه القائد نحوه بحركة الترهيب الواضحة نفسها التي استخدمها أخوه.
‘سيدة، أي إنها من طبقة النبلاء الصغرى.’ كان على سولومون أن يعرّف بنفسه إليها، وربما يتحرى إن كانت في البلدة أسر نبيلة صغيرة أخرى. كان ينبغي له أن يجري مزيدًا من البحث في السياسة المحلية، وأقل منه في تقنيات التعدين الجديدة. وإنصافًا له، كان ما يُقرأ عن الأخيرة أوفر بكثير مما يُقرأ عن الأولى.
“سررت بلقائك،” قال سولومون كاذبًا. كان ذلك أحد تبعات انتقاله إلى قصر لم يعد فيه خدم؛ فلم يعد قادرًا على تكوين صورة واضحة عن أحوال البلدة. وبدلًا من ذلك، صار يفاجأ على نحو مزعج مع كل لقاء. جلس قبالة الحارس الأول، بينما وقفت ميليسا في زاوية الغرفة ويداها معقودتان خلف ظهرها.
“ذكرت في رسالتك أن لديك بعض الأسئلة لي. يسعدني أن أجيب عما أستطيع، لكنني لست واثقًا من أن لدي معلومات أكثر مما كان لدى أخي.”
“ذكرت في رسالتك أن لديك بعض الأسئلة لي. يسعدني أن أجيب عما أستطيع، لكنني لست واثقًا من أن لدي معلومات أكثر مما كان لدى أخي.”
مدّ سولومون يده بدوره، فجذبه القائد نحوه بحركة الترهيب الواضحة نفسها التي استخدمها أخوه.
“لا بأس. أريد أن ألتقي بمن يديرون شؤون مونفالو أكثر مما أريد إجابات عن أسئلتي. وإن لم يكن لديك ما تضيفه، فعلى الأقل أكون قد التقيت بأبرز حراس البلدة.”
“لا بد أن النقص الكبير في عددكم يجعل إدارة الأمور صعبة.”
أومأ ماركوس وعلى وجهه ابتسامة مريبة ملتوية.
تردد سولومون لحظة، ثم صافحه، شاعِرًا بقطعة ورق تنزلق إلى راحة يده.
“تفضل إذن. لعل الحظ يحالفنا فأخبرك بشيء لم يقله لك أخي.”
‘الكلام نفسه الذي قاله أخوه.’
“أولًا، كم عدد الحراس لديكم الآن؟”
“اللورد سولومون مورو، أهلًا بك.”
“أربعة وعشرون. العدد الكامل أربعون، لكن معظم الشبان يفضّلون هذه الأيام أن يجربوا حظهم في الجيش أو في نقابة المستكشفين.”
“أربعة وعشرون. العدد الكامل أربعون، لكن معظم الشبان يفضّلون هذه الأيام أن يجربوا حظهم في الجيش أو في نقابة المستكشفين.”
كثيرًا ما سمع سولومون من يقول إن الحرس ملاذ الضعفاء والجبناء، ممن يعجزون عن القتال في حروب الإمبراطورية، فيلجؤون إليه كي يشعروا بالقوة. لكنه احتفظ بهذا الرأي لنفسه.
“نهارك طيب، أيها الحارس.”
“لا بد أن النقص الكبير في عددكم يجعل إدارة الأمور صعبة.”
قبض على مقبض عصا المشي. كان في وسعه أن يشغل ذهنه بذلك الأمر. فمنذ أن اشتد المرض على والده وعدّل وصيته، صار هذا الأمر هاجسه. كان في مونفالو إمكانات واعدة. فقد نضب منجمها قبل تطوير أساليب التعدين الجديدة باستخدام المتفجرات، وستزداد قيمة أخشاب الغابات السوداء كلما أُزيلت آخر الغابات الحية لمواصلة بناء أسطول الإمبراطورية البحري. وستكون الماناريت ذات قيمة خاصة مع استمرار الاتحاد في مشروعه الجديد للسكك الحديدية. فالقضبان نفسها مصنوعة من سبيكة الماناريت، كي توصل على نحو أفضل الطاقات السحرية اللازمة لدفع العربات المسحورة إلى الأمام. فضلًا عن استخدامها في الحرب. وقد تعود السكك الحديدية على مونفالو بنفع مضاعف إن استطاع ضمان مرور خطوطها بالقرب من البلدة نفسها. غير أن ذلك يتطلب تنسيقًا مع الاتحاد، وهو أمر تزداد خطورته مع كل اكتشاف جديد في قصره؛ لكن القيمة المحتملة أكبر من أن تُهمل.
“نحن محظوظون. فكل ما علينا في الغالب هو إيداع السكارى في الزنازين، وضرب بعض المشردين وطردهم من الشوارع، او فضّ شجار بين حين وآخر. تمرّ علينا أيام تمتلئ فيها الزنازين بسبب ذلك، لكن أمورنا تسير على ما يرام عمومًا.”
“ذكرت في رسالتك أن لديك بعض الأسئلة لي. يسعدني أن أجيب عما أستطيع، لكنني لست واثقًا من أن لدي معلومات أكثر مما كان لدى أخي.”
“بلغني أن هناك شابات اختفين.”
نهض الرجل وخلع قبعته العالية وانحنى. كان أكبر سنًا من بقية الحراس، في منتصف الثلاثينيات أو ربما أوائل الأربعينيات، بشعر رمادي داكن مصفف إلى الخلف بعناية وشارب مهندم تمامًا.
ضحك القائد.
“هذا مطمئن،” أجاب سولومون بسلاسة. “هل يمكنك أن تزودني بأسمائهن وقائمة بأقاربهن؟ لدي بعض المعارف في إيتلينغ، ويمكنهم أن يطلبوا من حرس المدينة أن يترصدوا أي خبر عنهن. لمجرد الاطمئنان إلى أنهن بخير.”
“مجرد فتيات يردن الذهاب إلى المدينة بحثًا عن زوج ثري قبل أن يذبل جمالهن. أرسلت مزيدًا من الرجال إلى الشوارع ليلًا كي نطمئن عامة الناس، لكنني أؤكد لك أنهن بخير.”
أومأ الرجل، وفي عينيه صلابة.
‘الكلام نفسه الذي قاله أخوه.’
“مجرد فتيات يردن الذهاب إلى المدينة بحثًا عن زوج ثري قبل أن يذبل جمالهن. أرسلت مزيدًا من الرجال إلى الشوارع ليلًا كي نطمئن عامة الناس، لكنني أؤكد لك أنهن بخير.”
“هذا مطمئن،” أجاب سولومون بسلاسة. “هل يمكنك أن تزودني بأسمائهن وقائمة بأقاربهن؟ لدي بعض المعارف في إيتلينغ، ويمكنهم أن يطلبوا من حرس المدينة أن يترصدوا أي خبر عنهن. لمجرد الاطمئنان إلى أنهن بخير.”
وبينما كان يخرج من المبنى، التفت إليه الحارس الثالث فانتوس، وفي إحدى يديه غليون تبغ، أما الأخرى فكانت مقبوضة بإحكام. انحنى، ثم مدّ قبضته المغلقة.
هزّ ماركوس رأسه.
“شكرًا لك، أيها الحارس…؟”
“لن يفعل حرس المدينة سوى طلب حفنة من الذهب منك، ولن يضيّعوا لحظة واحدة في البحث عنهن. لا ألومهم؛ ففي مدينة مثل إيتلينغ، يكاد يكون العثور على شابة لا تريد أن يعثر عليها أمرًا مستحيلًا.”
“ما هذا يا سيدي؟” سألت ميليسا.
“آه،” قال سولومون.
نهض الرجل وخلع قبعته العالية وانحنى. كان أكبر سنًا من بقية الحراس، في منتصف الثلاثينيات أو ربما أوائل الأربعينيات، بشعر رمادي داكن مصفف إلى الخلف بعناية وشارب مهندم تمامًا.
“هل من شيء آخر؟” سأل ماركوس.
تردد سولومون لحظة، ثم صافحه، شاعِرًا بقطعة ورق تنزلق إلى راحة يده.
“نعم. كنت أتساءل إن كنت تعرف شيئًا عن وفاة عمي الأكبر.”
“شكرًا يا فاني،” جاءه صوت من الداخل. وكان في نبرته شيء مألوف على نحو مبهم.
“أظن أن قلبه قد خذله. أحضر بعض خدمه جثمانه، وقالوا إنه فارق الحياة عند مكتبه في وقت سابق من ذلك اليوم.”
“اللورد مورو هنا يا سيدي.”
“هل تذكر أسماء الخدم؟ أو تعرف إن كان أحدهم قد وجد عملًا جديدًا في مونفالو؟”
“هذا مطمئن،” أجاب سولومون بسلاسة. “هل يمكنك أن تزودني بأسمائهن وقائمة بأقاربهن؟ لدي بعض المعارف في إيتلينغ، ويمكنهم أن يطلبوا من حرس المدينة أن يترصدوا أي خبر عنهن. لمجرد الاطمئنان إلى أنهن بخير.”
“لا. كانوا جميعًا يلزمون القصر. كانوا يأتون إلى البلدة أحيانًا لشراء المؤن، لكنني لا أظن أنني سمعت أحدًا منهم يتكلم قط.” حكّ ذقنه التي غطاها بعض الزغب، مفكرًا للحظة. “أظن أن أحدهم ربما وجد عملًا لدى السيدة برايور. وأحسب أنه يرافقها إلى الكنيسة مرة كل أسبوع.”
جلست ميليسا قبالته. وقد اعتادت ارتداء بدلة رجالية بدلًا من الفساتين المخصصة للعاملات، وربطت شعرها إلى الخلف بعناية. لقد كانت تتولى، شيئًا فشيئًا، جميع مهام الخادم الشخصي، حتى إنها صارت ترتدي ما يلائم هذا الدور. تُراها كانت تظنّ أنه لم ينتبه إلى ذلك؟ والحقيقة أنه كان معجبًا بها. فقد غدت ذات نفع كبير له بالفعل، فأصبحت صلته الرئيسية بالعاملين، وأتاحت له التفرغ لمشاريعه وواجباته الأخرى. لقد قدّر طموحها، وكان ينوي تثبيت منصبها رسميًا متى وجد وقتًا يحدد فيه أجرها الإضافي ويكتب عقدًا بسيطًا يبيّن مهامها الوظيفية.
‘سيدة، أي إنها من طبقة النبلاء الصغرى.’ كان على سولومون أن يعرّف بنفسه إليها، وربما يتحرى إن كانت في البلدة أسر نبيلة صغيرة أخرى. كان ينبغي له أن يجري مزيدًا من البحث في السياسة المحلية، وأقل منه في تقنيات التعدين الجديدة. وإنصافًا له، كان ما يُقرأ عن الأخيرة أوفر بكثير مما يُقرأ عن الأولى.
طرح سولومون بضعة أسئلة عامة أخرى عن أوضاع الحرس، فتسلّم سجلًا بما دوّنوه من اعتقالات خلال العام الماضي، فضلًا عن مخصصاتهم المالية وقائمة بأسماء الحراس. وحين انتهى، تصافحا مرة أخرى، ثم غادر سولومون المكتب واتجه نحو الباب، وميليسا تتبعه عن كثب. لم يحصل على كل ما أراده، وصار يعرف الآن أن العمدة والقائد أخوان؛ لذا أدرك أنه سيحتاج إلى وسائل من خارج البلدة لإزاحتهما. ومع ذلك، لم يذهب لقاؤه سدى تمامًا.
طرح سولومون بضعة أسئلة عامة أخرى عن أوضاع الحرس، فتسلّم سجلًا بما دوّنوه من اعتقالات خلال العام الماضي، فضلًا عن مخصصاتهم المالية وقائمة بأسماء الحراس. وحين انتهى، تصافحا مرة أخرى، ثم غادر سولومون المكتب واتجه نحو الباب، وميليسا تتبعه عن كثب. لم يحصل على كل ما أراده، وصار يعرف الآن أن العمدة والقائد أخوان؛ لذا أدرك أنه سيحتاج إلى وسائل من خارج البلدة لإزاحتهما. ومع ذلك، لم يذهب لقاؤه سدى تمامًا.
“بلغني أن هناك شابات اختفين.”
وبينما كان يخرج من المبنى، التفت إليه الحارس الثالث فانتوس، وفي إحدى يديه غليون تبغ، أما الأخرى فكانت مقبوضة بإحكام. انحنى، ثم مدّ قبضته المغلقة.
بلغا مونفالو، لاحظ سولومون أنه بالكاد يلحظ فرقًا بين الطريق المتداعي المؤدي إلى قصره والطريق داخل البلدة نفسها. كان الطقس اليوم أفضل مما كان عليه من قبل، فاستطاع أن يرى عددًا من الناس خارجين لقضاء أعمالهم. كان معظمهم يرتدون ثيابًا رثة ويسيرون مطأطئي الرؤوس. وإلى جانب أولئك الذين بدوا منشغلين بأعمالهم، رأى رجالًا يتسولون في الشارع، وآخرين ثملين علنًا أمام حانة متهالكة. لم يكن الأمر مستغربًا؛ فالبلدة تعاني منذ إغلاق المنجم وتوقف تجارة الأخشاب. إذا سارت خططه كما يرجو، فربما استطاع تغيير الحال.
“سُررت بلقائك يا سيدي،” قال.
وبينما كان يخرج من المبنى، التفت إليه الحارس الثالث فانتوس، وفي إحدى يديه غليون تبغ، أما الأخرى فكانت مقبوضة بإحكام. انحنى، ثم مدّ قبضته المغلقة.
تردد سولومون لحظة، ثم صافحه، شاعِرًا بقطعة ورق تنزلق إلى راحة يده.
كثيرًا ما سمع سولومون من يقول إن الحرس ملاذ الضعفاء والجبناء، ممن يعجزون عن القتال في حروب الإمبراطورية، فيلجؤون إليه كي يشعروا بالقوة. لكنه احتفظ بهذا الرأي لنفسه.
“نهارك طيب، أيها الحارس.”
“لا. كانوا جميعًا يلزمون القصر. كانوا يأتون إلى البلدة أحيانًا لشراء المؤن، لكنني لا أظن أنني سمعت أحدًا منهم يتكلم قط.” حكّ ذقنه التي غطاها بعض الزغب، مفكرًا للحظة. “أظن أن أحدهم ربما وجد عملًا لدى السيدة برايور. وأحسب أنه يرافقها إلى الكنيسة مرة كل أسبوع.”
أومأ الرجل، وفي عينيه صلابة.
نزلت ميليسا من العربة أولًا، ثم فتحت الباب لسولومون. وما إن نزل حتى التفت إلى دنكن.
مشى سولومون إلى العربة، وترك ميليسا تفتح له الباب قبل أن يصعد إليها. استقر في مقعده، ثم طرق بإحدى عقد أصابعه على النافذة الأمامية مرتين ليخبر دنكن أن ينطلق. وبعدها بسط الورقة التي في يده.
انحنى الرجل مرة أخرى وسار في الطريق. أما الآخرون فلم يرفعوا أعينهم حتى عن لعبة الورق؛ فقد كان أحدهم مستغرقًا في حماسة بسبب ورقة الإمبراطور النازف التي جمعت كل أوراق السيوف وبطاقة الإمبراطور نفسها. وعلى خلاف الحارس الثالث، بدوا أشعثين ومهملين. لم يكن ذلك ما يود رؤيته في بلدة يختفي أهلها. فإذا كانوا متهاونين في شأن أنفسهم، فهم متهاونون في أداء واجباتهم أيضًا.
“إنهم يكذبون عليك. قابلني غدًا صباحًا في مكتبة سيباستيان للمجلدات النادرة.”
طرح سولومون بضعة أسئلة عامة أخرى عن أوضاع الحرس، فتسلّم سجلًا بما دوّنوه من اعتقالات خلال العام الماضي، فضلًا عن مخصصاتهم المالية وقائمة بأسماء الحراس. وحين انتهى، تصافحا مرة أخرى، ثم غادر سولومون المكتب واتجه نحو الباب، وميليسا تتبعه عن كثب. لم يحصل على كل ما أراده، وصار يعرف الآن أن العمدة والقائد أخوان؛ لذا أدرك أنه سيحتاج إلى وسائل من خارج البلدة لإزاحتهما. ومع ذلك، لم يذهب لقاؤه سدى تمامًا.
“ما هذا يا سيدي؟” سألت ميليسا.
توقفت العربة. كانا أمام مقر الحرس. وعلى خلاف المباني المحيطة، المشيّدة من الطوب الداكن والمغطاة بأسقف من القرميد الأخضر، طُلي مقر الحرس بالرمادي الفاتح. وعلى جانبي المدخل ظهرت رايتا دراكثيس ومونفالو: تنين أخضر يلتف حول سيف أسود، تتشعب منه ثلاثة عشر سيفًا، وهلال أزرق زاهٍ ونجمة.
“تأكيد لشيء كنت أشتبه فيه أصلًا.” طوى الورقة وأدخلها في سترته. “أظن أن علينا أن نبدأ بإعادة تزويد المكتبة بالكتب غدًا. سنزور متجر الكتب في الصباح.”
“بلغني أن هناك شابات اختفين.”
توقفت العربة. كانا أمام مقر الحرس. وعلى خلاف المباني المحيطة، المشيّدة من الطوب الداكن والمغطاة بأسقف من القرميد الأخضر، طُلي مقر الحرس بالرمادي الفاتح. وعلى جانبي المدخل ظهرت رايتا دراكثيس ومونفالو: تنين أخضر يلتف حول سيف أسود، تتشعب منه ثلاثة عشر سيفًا، وهلال أزرق زاهٍ ونجمة.
