الغضب
الفصل 18: الغضب
أن تقف في صفٍّ مع عشرين رجلًا آخر، ثم ترمش وتدرك أنك صرت وحدك فجأة؛ ذلك هو حال من يواجه أحد آلهتهم. لم يعد شيء مفهومًا. فالحياة والموت متقاربان إلى حدٍّ مخيف.
— رواية غزو الإلف
— رواية غزو الإلف
كان بصره قد بدأ يصفو قليلًا، فرأى جثث الحراس المتفحمة الذين هاجموه، وهو يخطو فوقها بحذر. كانت تفوح منها رائحة لحم خنزير يُشوى؛ لعل هذه الفكرة كانت ستجعله يتقيأ لو بقي في معدته شيء يخرجه. وعلى الجدار لطخة دم بشعة حيث ارتطم الرجلان الأولان، وتحته تراصّت جثتاهما في وضعية غير طبيعية.
ظلّ سولومون يصرخ. هوى إلى الأرض، يتلوّى بينما راحت طاقة سوداء تتقوّس حوله كالبرق. أخذ يتخبّط على الأرض، ويتقيأ ويبكي، بينما يقاوم جسده التمزق تحت وطأة ما استقرّ فيه الآن. بدا الأمر كما لو أنه يغرق في قلب محيط أسود، وكل قطرة من مائه تُكره نفسها على النزول في حلقه.
“شرارة”.
وبمشقة، رفع نفسه إلى قدميه وبلغ أحد الجدران، فأسند يديه عليه للحظة، ثم أرجع رأسه إلى الوراء وضربه بالجدار بقوة، ليسقط على ظهره في الحال. مرّت به لحظة وجيزة من الألم وصفاء الذهن، فتشبّث بها كما يتشبّث رجل بقطعة خشب طافية في خضم عاصفة عاتية. زحف نحو عصا المشي التي أسقطها قرب دائرة التقييد. فحين نظر إليها بدت له كأنها تتوهج في مجال رؤيته. مدّ يده إليها، وما إن لامست أصابعه مقبضها حتى فوجئ بأن ذهنه قد صفا قليلًا.
انبثق من طرفي إصبعيه ضوء أبيض يعمي الأبصار، فصرخ الرجل.
كانت أداة تركيز؛ عصًا لإلقاء التعويذات. بالطبع، فهذا ينسجم مع كل ما عرفه عن عمه: لا بد أن تكون عصا مشيه أداة من هذا القبيل. ورغم ما منحته إياه من حضور ذهني، كان جسده كله يرتجف وهو يشعر بالمانا تتدفق إلى داخله وخارجه، حتى خُيّل إليه أن جلده سيتشقق من شدّة اندفاعها. دفع ذلك الإحساس جانبًا، وراح يترنّح نحو الدرج، يمسح القيء عن جانب وجهه بمنديل ثم يلقيه أرضًا وهو يمضي. ضغط على الرمز ليفتح المكتبة، مستحضرًا التعويذات التي حفظها من كتاب التعاويذ الأساسية وفنون السحر التأسيسية. لم تكن أيٌّ منها مخصصة للقتال، لكن إذا أُمدّت التعويذة بقدر كافٍ من المانا، أمكن لأيٍّ منها أن تُلحق الضرر. كان ذلك تحذيرًا في الكتاب، لكنه غدا الآن نعمة.
وما إن خرج مترنّحًا، بالكاد يثبت على قدميه، حتى سمع وقع أقدام تقترب بسرعة. استدار نحوها، ورؤيته مشوشة تعجّ بأضواء وألوان غريبة، لم يستطع تسمية بعضها. ركض نحوه هيئة تشبه الحارس على نحو مبهم، وفي يدها شيء ما.
استند إلى الجدار وهو يتحرك. كان يسمع صياحًا وصراخًا صادرين من غرفة الجلوس، لكنه لم يستطع تمييز الكلمات حتى اقترب منها قليلًا.
مدّ سولومون يده، مع توجيه معصمه إلى الأسفل وأصابعه مستقيمة نحو الأرض، ثم لوى معصمه إلى أعلى حتى صارت راحة يده مستوية في مواجهة الرجل، دافعًا إليها كل ما استطاع استشعاره من المانا المتلوية في داخله.
انطلقت من إصبعيه دفعة من الكرات المتوهجة، بيضاء كالحمم، تتراقص فيها ألسنة اللهب، وأصابت ثلاثة رجال وهم يعبرون عتبة المكتبة. صرخوا حين ضربتهم الشرارات، ثم سقطوا أرضًا يتلوّون ويصرخون بينما تفحّم لحمهم.
“هبوب”، همس.
ظلّ سولومون يصرخ. هوى إلى الأرض، يتلوّى بينما راحت طاقة سوداء تتقوّس حوله كالبرق. أخذ يتخبّط على الأرض، ويتقيأ ويبكي، بينما يقاوم جسده التمزق تحت وطأة ما استقرّ فيه الآن. بدا الأمر كما لو أنه يغرق في قلب محيط أسود، وكل قطرة من مائه تُكره نفسها على النزول في حلقه.
دوّى هدير، وانطلقت الريح من راحة يده بقوة هائلة، فقذفت الرجل الذي أمامه والآخر الذي خلفه إلى الجدار الحجري وراءهما. ارتطم جسداهما به، ثم انهارا كدميتين هامدتين بعدما تحطم عمودهما الفقري.
“رجالك أموات”، قال سولومون.
حين غادرت المانا جسده، اختلّ توازنه وسقط على ركبة واحدة، وقد غلبه الدوار. أحسّ بمحيط المانا من حوله يشرع في الانصباب إلى جسده من جديد، فتقزز وجفّ حلقه وهو يدفع نفسه إلى الوقوف. سمع مزيدًا من الأقدام تركض نحوه عبر الردهة، وقبل أن تبلغ زاويتها حتى، قبض يده ثم فتحها بسرعة، ناشرًا أصابعه، قبل أن يوجّه إصبعين منها نحو الجدار البعيد.
ظلّ سولومون يصرخ. هوى إلى الأرض، يتلوّى بينما راحت طاقة سوداء تتقوّس حوله كالبرق. أخذ يتخبّط على الأرض، ويتقيأ ويبكي، بينما يقاوم جسده التمزق تحت وطأة ما استقرّ فيه الآن. بدا الأمر كما لو أنه يغرق في قلب محيط أسود، وكل قطرة من مائه تُكره نفسها على النزول في حلقه.
“شرارة”.
وبمشقة، رفع نفسه إلى قدميه وبلغ أحد الجدران، فأسند يديه عليه للحظة، ثم أرجع رأسه إلى الوراء وضربه بالجدار بقوة، ليسقط على ظهره في الحال. مرّت به لحظة وجيزة من الألم وصفاء الذهن، فتشبّث بها كما يتشبّث رجل بقطعة خشب طافية في خضم عاصفة عاتية. زحف نحو عصا المشي التي أسقطها قرب دائرة التقييد. فحين نظر إليها بدت له كأنها تتوهج في مجال رؤيته. مدّ يده إليها، وما إن لامست أصابعه مقبضها حتى فوجئ بأن ذهنه قد صفا قليلًا.
انطلقت من إصبعيه دفعة من الكرات المتوهجة، بيضاء كالحمم، تتراقص فيها ألسنة اللهب، وأصابت ثلاثة رجال وهم يعبرون عتبة المكتبة. صرخوا حين ضربتهم الشرارات، ثم سقطوا أرضًا يتلوّون ويصرخون بينما تفحّم لحمهم.
دوّى هدير، وانطلقت الريح من راحة يده بقوة هائلة، فقذفت الرجل الذي أمامه والآخر الذي خلفه إلى الجدار الحجري وراءهما. ارتطم جسداهما به، ثم انهارا كدميتين هامدتين بعدما تحطم عمودهما الفقري.
كاد سولومون يفقد توازنه مرة أخرى، لكنه كان مستعدًا هذه المرة، فاستند على عصا المشي حتى استعاد ثباته، ثم بدأ يتقدم. لم يسمع أحدًا آخر يقترب، لكنه لم يشأ أن يترك أهله في خطر للحظة أطول.
كانت أداة تركيز؛ عصًا لإلقاء التعويذات. بالطبع، فهذا ينسجم مع كل ما عرفه عن عمه: لا بد أن تكون عصا مشيه أداة من هذا القبيل. ورغم ما منحته إياه من حضور ذهني، كان جسده كله يرتجف وهو يشعر بالمانا تتدفق إلى داخله وخارجه، حتى خُيّل إليه أن جلده سيتشقق من شدّة اندفاعها. دفع ذلك الإحساس جانبًا، وراح يترنّح نحو الدرج، يمسح القيء عن جانب وجهه بمنديل ثم يلقيه أرضًا وهو يمضي. ضغط على الرمز ليفتح المكتبة، مستحضرًا التعويذات التي حفظها من كتاب التعاويذ الأساسية وفنون السحر التأسيسية. لم تكن أيٌّ منها مخصصة للقتال، لكن إذا أُمدّت التعويذة بقدر كافٍ من المانا، أمكن لأيٍّ منها أن تُلحق الضرر. كان ذلك تحذيرًا في الكتاب، لكنه غدا الآن نعمة.
كان بصره قد بدأ يصفو قليلًا، فرأى جثث الحراس المتفحمة الذين هاجموه، وهو يخطو فوقها بحذر. كانت تفوح منها رائحة لحم خنزير يُشوى؛ لعل هذه الفكرة كانت ستجعله يتقيأ لو بقي في معدته شيء يخرجه. وعلى الجدار لطخة دم بشعة حيث ارتطم الرجلان الأولان، وتحته تراصّت جثتاهما في وضعية غير طبيعية.
الفصل 18: الغضب أن تقف في صفٍّ مع عشرين رجلًا آخر، ثم ترمش وتدرك أنك صرت وحدك فجأة؛ ذلك هو حال من يواجه أحد آلهتهم. لم يعد شيء مفهومًا. فالحياة والموت متقاربان إلى حدٍّ مخيف.
لم يشعر سولومون بأي شفقة عليهما. فكما كانت مهمته، بصفته نبيلًا، أن يقود أهله ويرعى شؤونهم، كانت مهمتهما حماية أهل مونفالو. لم يكتفيا بالتقصير في واجبهما، بل خاناه. ولو استطاع، لبصق عليهما.
انطلقت من إصبعيه دفعة من الكرات المتوهجة، بيضاء كالحمم، تتراقص فيها ألسنة اللهب، وأصابت ثلاثة رجال وهم يعبرون عتبة المكتبة. صرخوا حين ضربتهم الشرارات، ثم سقطوا أرضًا يتلوّون ويصرخون بينما تفحّم لحمهم.
استند إلى الجدار وهو يتحرك. كان يسمع صياحًا وصراخًا صادرين من غرفة الجلوس، لكنه لم يستطع تمييز الكلمات حتى اقترب منها قليلًا.
مدّ سولومون يده، مع توجيه معصمه إلى الأسفل وأصابعه مستقيمة نحو الأرض، ثم لوى معصمه إلى أعلى حتى صارت راحة يده مستوية في مواجهة الرجل، دافعًا إليها كل ما استطاع استشعاره من المانا المتلوية في داخله.
“ما الذي— حدث هناك؟! كلاين؟! ليونارد؟!” صاح ماركوس، وقد اختلط الغضب بالقلق في صوته. “نيومان، انزل إلى هناك!”
“لا”، قال ماركوس بثقة مفاجئة، وهو ينتزع خنجرًا من حزامه. “لا يمكن أن أُهزم هنا. لم يسقط أحد من آل بايثار في مونفالو قط.”
وما إن اندفع رجل إلى الزاوية أمامه، حتى رفع سولومون يده، مشيرًا بإصبعين، وراحة كفه إلى الأمام. وحجب عينيه بذراعه، بينما أسند نفسه إلى الجدار كيلا يفقد توازنه مجددًا.
“لقد عميت! يا للآلهة، إنها تحرقني!”
“نور”.
كان الرجل قد أسقط خنجرًا علِق به بعض الدم، ومنه دم أحد خدم سولومون. مال سولومون نحوه والتقطه بيد مرتجفة، ثم انقضّ انقضاضة وحشية على الرجل الأعمى وغرسه في صدره. وأبقاه مغروسًا مستعينًا بثقل جسده، شاعراً بالرجل يتلوّى تحته للحظات، إلى أن أرسل سعاله الأخير رذاذًا من الدم على وجه سولومون وفارق الحياة.
انبثق من طرفي إصبعيه ضوء أبيض يعمي الأبصار، فصرخ الرجل.
“لقد عميت! يا للآلهة، إنها تحرقني!”
تقيأ سولومون واكتشف أن في معدته القليل مما يستطيع إخراجه، ثم رأى الرجل ممددًا على الأرض يتقلب ممسكًا بعينيه.
“نور”.
“لقد عميت! يا للآلهة، إنها تحرقني!”
كان بصره قد بدأ يصفو قليلًا، فرأى جثث الحراس المتفحمة الذين هاجموه، وهو يخطو فوقها بحذر. كانت تفوح منها رائحة لحم خنزير يُشوى؛ لعل هذه الفكرة كانت ستجعله يتقيأ لو بقي في معدته شيء يخرجه. وعلى الجدار لطخة دم بشعة حيث ارتطم الرجلان الأولان، وتحته تراصّت جثتاهما في وضعية غير طبيعية.
كان الرجل قد أسقط خنجرًا علِق به بعض الدم، ومنه دم أحد خدم سولومون. مال سولومون نحوه والتقطه بيد مرتجفة، ثم انقضّ انقضاضة وحشية على الرجل الأعمى وغرسه في صدره. وأبقاه مغروسًا مستعينًا بثقل جسده، شاعراً بالرجل يتلوّى تحته للحظات، إلى أن أرسل سعاله الأخير رذاذًا من الدم على وجه سولومون وفارق الحياة.
لم يبقَ واقفًا سوى سبعة حراس، بمن فيهم ماركوس. وكان عدد خدمه يقارب ضعف عددهم. أصيب بعضهم بخدوش وكدمات، لكنهم لم يُصابوا إصابات خطيرة، باستثناء بارناباس وكلير، التي لا بد أنها هي من طعنت الحارس المحتضر الممدد على الأرض.
أخذ الظلام يزحف إلى مجال رؤيته وهو ينهض، مستندًا بثقله إلى عصا المشي، ثم جرّ نفسه إلى الأمام حتى بلغ غرفة الجلوس. ظلّ بصره فوضى من الألوان المتداخلة كالمشكال، لكنه استطاع مع ذلك أن يقيّم ما في الغرفة سريعًا.
اتجهت أنظار الجميع إليه، واتسعت عيونهم حين رأوا النبيل الذي اعتادوا أناقته في أبهى هيئة، مغطى بالدماء، وقد احترقت أكمام معطفه واشتعلت، والتصق شعره بوجهه من العرق.
لم يبقَ واقفًا سوى سبعة حراس، بمن فيهم ماركوس. وكان عدد خدمه يقارب ضعف عددهم. أصيب بعضهم بخدوش وكدمات، لكنهم لم يُصابوا إصابات خطيرة، باستثناء بارناباس وكلير، التي لا بد أنها هي من طعنت الحارس المحتضر الممدد على الأرض.
انبثق من طرفي إصبعيه ضوء أبيض يعمي الأبصار، فصرخ الرجل.
“رجالك أموات”، قال سولومون.
بصق سولومون كتلة من القماش واللحم من فمه، ثم فقد وعيه أخيرًا. كان جسده محمومًا، بينما استقرّ حوله جيب من الهواء الجليدي.
اتجهت أنظار الجميع إليه، واتسعت عيونهم حين رأوا النبيل الذي اعتادوا أناقته في أبهى هيئة، مغطى بالدماء، وقد احترقت أكمام معطفه واشتعلت، والتصق شعره بوجهه من العرق.
وما إن اندفع رجل إلى الزاوية أمامه، حتى رفع سولومون يده، مشيرًا بإصبعين، وراحة كفه إلى الأمام. وحجب عينيه بذراعه، بينما أسند نفسه إلى الجدار كيلا يفقد توازنه مجددًا.
“كيف—” بدأ ماركوس، لكن سولومون قاطعه.
وما إن خرج مترنّحًا، بالكاد يثبت على قدميه، حتى سمع وقع أقدام تقترب بسرعة. استدار نحوها، ورؤيته مشوشة تعجّ بأضواء وألوان غريبة، لم يستطع تسمية بعضها. ركض نحوه هيئة تشبه الحارس على نحو مبهم، وفي يدها شيء ما.
“يجدر بك أن تهرب. لن تفلت أبدًا بما فعلته هنا. ليس أمامك سوى الموت تحت التعذيب، ويا للآلهة، سيكون بطيئًا.” كان الظلام يطبق أكثر فأكثر على مجال رؤية سولومون وهو يتكلم. لم يظن أنه قادر حتى على رفع ذراعه لإلقاء تعويذة أخرى. أحسّ أن رأسه سينفجر لو وخزته دبوس، وأن عضلاته ستنفصل عن جلده، كما شعر بأطراف عظام أصابعه توشك أن تخترق جلد أنامله، فتباعد اللحم عنها كبتلات زهرة.
انقضّ بارت على الخنجر، وقبض عليه بكلتا يديه وطعن به ماركوس في أحشائه من أسفل إلى أعلى، فصرخ وهو يسقط إلى الوراء. طارت مزهرية زخرفية من خارج الغرفة وأصابت حارسًا آخر؛ وانكشف أن ميليسا هي من قذفتها، بينما خرج دنكان من ورائها يحمل سوط ركوب طويلًا، فضرب به وجه أحد الحراس الآخرين. وانضمّ بقية الخدم إليهم، وسرعان ما غلبوا الرجال الذين صاروا أقل عددًا وقد باغتهم الهجوم.
“لا”، قال ماركوس بثقة مفاجئة، وهو ينتزع خنجرًا من حزامه. “لا يمكن أن أُهزم هنا. لم يسقط أحد من آل بايثار في مونفالو قط.”
اندفع نحو سولومون الذي لم يستطع حتى أن يسقط بالسرعة الكافية ليتفاداه. أمسك ماركوس بشعره وجذب رأسه إلى الخلف كاشفًا عن عنقه. شردت عينا سولومون نحو خدمه.
“رجالك أموات”، قال سولومون.
وللحظة وجيزة، تبدّلت صورة خدمه. صار الحراس رجالًا يرتدون بزّات جنود الإمبراطورية. كانت بزّاتهم الخضراء الأنيقة قاتمة إلى حدٍّ يكاد يجعلها سوداء. أما خدمه فكانوا من الإلف، ممزقة ثيابهم، وقد أنهك الضرب أجسادهم. كان الجنود يضحكون بينما شقّ أحدهم عنق إلفيّ. وجرّ رجل آخر امرأة من المجموعة نحو الأحراش لتواريها. حاول أحد الإلفيين منعه، فألقاه ثلاثة رجال أرضًا وانهالوا عليه ضربًا.
“هبوب”، همس.
عوى سولومون وبقوة لا يدري من أين استمدها، دفع بذراعيه السكين قبل أن تشقّ عنقه، ثم عضّ ذراع ماركوس، ذائقًا طعم الدم والقماش وهو ينتزع رأسه إلى الوراء.
“كيف—” بدأ ماركوس، لكن سولومون قاطعه.
صرخ ماركوس وأسقط سكينه، تاركًا سولومون يهوي مترنحًا على الأرض.
انبثق من طرفي إصبعيه ضوء أبيض يعمي الأبصار، فصرخ الرجل.
انقضّ بارت على الخنجر، وقبض عليه بكلتا يديه وطعن به ماركوس في أحشائه من أسفل إلى أعلى، فصرخ وهو يسقط إلى الوراء. طارت مزهرية زخرفية من خارج الغرفة وأصابت حارسًا آخر؛ وانكشف أن ميليسا هي من قذفتها، بينما خرج دنكان من ورائها يحمل سوط ركوب طويلًا، فضرب به وجه أحد الحراس الآخرين. وانضمّ بقية الخدم إليهم، وسرعان ما غلبوا الرجال الذين صاروا أقل عددًا وقد باغتهم الهجوم.
أخذ الظلام يزحف إلى مجال رؤيته وهو ينهض، مستندًا بثقله إلى عصا المشي، ثم جرّ نفسه إلى الأمام حتى بلغ غرفة الجلوس. ظلّ بصره فوضى من الألوان المتداخلة كالمشكال، لكنه استطاع مع ذلك أن يقيّم ما في الغرفة سريعًا.
بصق سولومون كتلة من القماش واللحم من فمه، ثم فقد وعيه أخيرًا. كان جسده محمومًا، بينما استقرّ حوله جيب من الهواء الجليدي.
انطلقت من إصبعيه دفعة من الكرات المتوهجة، بيضاء كالحمم، تتراقص فيها ألسنة اللهب، وأصابت ثلاثة رجال وهم يعبرون عتبة المكتبة. صرخوا حين ضربتهم الشرارات، ثم سقطوا أرضًا يتلوّون ويصرخون بينما تفحّم لحمهم.
“ما الذي— حدث هناك؟! كلاين؟! ليونارد؟!” صاح ماركوس، وقد اختلط الغضب بالقلق في صوته. “نيومان، انزل إلى هناك!”
