Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 16

اتجاهات متعاكسة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

اتجاهات متعاكسة

في صباح اليوم التالي، مرّ أورِن بجانب المكان الذي كان توفِن يقف فيه قبل يومين، عند حافة خيمة الطعام، حيث اعتاد أن يجلس على الصندوق الخشبي نفسه كل صباح. كان الصندوق فارغًا الآن، يجلس عليه جندي آخر لا يعرفه أورِن، يأكل بصمت. توقف أورِن للحظة، ثم أكمل طريقه دون أن يقول شيئًا.

استمرت الحياة من حوله بإيقاعها المعتاد. سمع في تلك الليلة ضحكات مرتفعة من إحدى الخيام القريبة، جنودًا يتبادلون نكاتًا عن طعام المعسكر، ولاحظ نفسه يبتسم رغمًا عنه لجزء من الثانية قبل أن يتذكر أين هو بالضبط. لم يشعر بالذنب من تلك الابتسامة، لكنه لاحظ أنها بدت مختلفة قليلًا عن ابتساماته قبل أيام.

 

“قرية صغيرة، عملت في أرشيف محلي قبل التجنيد.”

سمع لاحقًا في ذلك اليوم اسم توفِن يُذكر بين قائمة قصيرة من الأسماء يقرأها ضابط بصوت رتيب أمام لوحة إعلانات صغيرة، أسماء من فقدوا في الأيام الأخيرة، تُقرأ بسرعة دون توقف طويل عند أي اسم، ثم ينتقل الضابط مباشرة إلى تعليمات اليوم. لم يشعر أورِن برغبة في الاعتراض على تلك السرعة، لكنه لاحظها.

 

 

استغرقت الرحلة نحو الخلف جزءًا من اليوم، عبر الطريق نفسه تقريبًا الذي جاءت منه وحدة أورِن قبل أسبوع، وإن بدت التفاصيل من حوله مختلفة قليلًا هذه المرة، ربما لأنه أصبح أكثر انتباهًا لما يمر أمامه.

استمرت الحياة من حوله بإيقاعها المعتاد. سمع في تلك الليلة ضحكات مرتفعة من إحدى الخيام القريبة، جنودًا يتبادلون نكاتًا عن طعام المعسكر، ولاحظ نفسه يبتسم رغمًا عنه لجزء من الثانية قبل أن يتذكر أين هو بالضبط. لم يشعر بالذنب من تلك الابتسامة، لكنه لاحظ أنها بدت مختلفة قليلًا عن ابتساماته قبل أيام.

“أرتب الأوراق، أحفظ السجلات، أساعد من يبحث عن معلومة قديمة.” أجاب أورِن ببساطة. لم يشعر برغبة في التوسع أكثر، لكنه لم يمانع في الحديث عن ذلك الجزء البعيد من حياته.

 

لم يصل إلى إجابة واضحة، ولم يشعر أن أحدًا من حوله يعرف أكثر منه. كان الجميع ينفذون الأمر دون أن يفهموا سببه الكامل، كما اعتادوا أن يفعلوا منذ اليوم الأول في المعسكر.

في اليوم التالي، نودي على مجموعة من أصحاب مسار السرقة، من بينهم أورِن، لتنفيذ مهمة جديدة: نقل صناديق ذخيرة خفيفة وقطع غيار من نقطة تجميع خلفية إلى موقع أقرب للجبهة، حيث تحتاجها وحدة مدفعية صغيرة تعرضت لتأخر في وصول إمداداتها المعتادة.

نظر للمرة الأخيرة نحو الأفق الذي ابتعدت فيه عربات المجندين الجدد، غبار خفيف يتصاعد خلفها على الطريق، ثم عاد بنظره إلى الأمام، حيث يمتد الطريق نحو مكان لا يعرف بعد ما ينتظره فيه.

 

 

“المسافة أطول من مهمتكم السابقة،” قال الضابط المسؤول وهو يوزع الأوامر بسرعة. “لكن المنطقة أكثر أمانًا. ستنقلون الصناديق بين نقاط توقف محددة، لا تحتاجون للاقتراب من أي خط تماس مباشر.”

لم يشرح أحد السبب. سأل أحد الجنود بحذر عن الوجهة، فأجاب الضابط بجملة مقتضبة عن “نقطة تجمع خلفية”، دون أن يتوسع أكثر.

 

 

بدأت المهمة بشكل مختلف عن سابقتها؛ لم يكن هناك اشتباك متوقع، فقط عمل متكرر ومرهق، ينقل فيه أورِن صندوقًا تلو الآخر عبر مسافات متتالية، يتوقف قليلًا بين كل نقلة وأخرى ليستعيد تركيزه.

 

 

بدا شاب آخر بجانبه متحمسًا بشكل واضح، يتحدث بصوت مرتفع عن أول قدرة نجح في استخدامها خلال التدريب، بينما جلس رفيقه بجانبه صامتًا، ينظر إلى الطريق أمامه دون أن يشارك في الحديث، يداه متشابكتان بإحكام على ركبتيه.

لاحظ في تلك المهمة أن جسده بدأ يتقبل العملية بشكل أسرع من ذي قبل، وكأن التكرار المستمر في الأيام الماضية علّمه شيئًا لم يكن يعرف كيف يصفه بالكلمات: طريقة لتوزيع تركيزه بحيث لا يستنزف كل طاقته في محاولة واحدة. استطاع أن ينقل صندوقًا متوسط الحجم عبر مسافات قصيرة جدا ، ثم ينقل صندوقًا آخر بعده مباشرة دون أن يحتاج إلى الاستراحة الطويلة التي كان يحتاجها سابقًا.

 

 

 

“تتحسن بسرعة،” قال جندي آخر من نفس المسار، يعمل بجانبه، شاب أسمر البشرة يتحدث بلكنة مختلفة قليلًا عن لكنة أورِن.

 

 

“أعود إلى الأرض، بالطبع.” قال رافل ذلك دون تردد، وكأن السؤال نفسه غريب. “لا أعرف شيئًا آخر أفضل من ذلك. ماذا عنك؟”

“أظن أن التكرار يفعل شيئًا،” أجاب أورِن.

بدأت المهمة بشكل مختلف عن سابقتها؛ لم يكن هناك اشتباك متوقع، فقط عمل متكرر ومرهق، ينقل فيه أورِن صندوقًا تلو الآخر عبر مسافات متتالية، يتوقف قليلًا بين كل نقلة وأخرى ليستعيد تركيزه.

 

 

“من أين أنت؟” سأل الشاب فجأة، وهو يمسح العرق عن جبينه.

 

 

“وهل تصطاد أنت أيضًا؟” سأل أورِن.

“من قرية صغيرة شمال شرق العاصمة، قرب النهر.”

“وهل تصطاد أنت أيضًا؟” سأل أورِن.

 

 

“أنا من الساحل الجنوبي.” ابتسم الشاب. “اسمي كايل. عائلتي تعمل في الصيد منذ أجيال. أول مرة أبتعد عن رائحة البحر في حياتي، وأشعر بغرابة الأمر كل يوم تقريبًا.”

 

 

استمرت الأيام التالية بإيقاع متشابه: مهمة، راحة قصيرة، طعام، نوم متقطع، تدريب سريع على استخدام مساره في ظروف مختلفة، ثم مهمة أخرى. في إحدى المرات، أُرسل مع فريق لاستعادة أدوات من موقع تعرض لقصف خفيف قبل ساعات، ووجد نفسه ينقل قطعًا معدنية متناثرة بين أنقاض متفرقة، بحذر أكبر من المعتاد بسبب حالة الأرض غير المستقرة حوله.

“وهل تصطاد أنت أيضًا؟” سأل أورِن.

لم يجد جوابًا.

 

بقي السؤال في ذهنه للحظات.

“كنت أصطاد منذ صغري، نعم. لكنني لم أكن أحلم بأن أستمر في ذلك طوال حياتي.” هز كايل كتفيه وهو يحمل صندوقًا جديدًا. “أردت أن أرى شيئًا آخر غير الماء والقوارب. الآن أرى الجبهة بدلًا من ذلك، وأتساءل أحيانًا إن كنت اخترت الخيار الصحيح.”

لم يتبادل أورِن كلمة مع أي منهم، لكن نظرة عابرة جمعته بأحدهم، شابًا في مثل عمره تقريبًا، لم يكن حماسه ظاهرًا ولا خوفه واضحًا بشكل كامل، فقط نظرة سريعة، أشبه بمن يحاول أن يفهم شيئًا عن الشخص القادم من الاتجاه المعاكس.

 

 

ضحك أورِن بصوت خافت، وواصلا العمل معًا لبقية اليوم، يتبادلان جملًا متفرقة بين نقلة وأخرى، دون أن يتعمق الحديث كثيرًا، لكنه كان كافيًا ليشعر أورِن بشيء من الألفة العابرة، من ذلك النوع الذي ينشأ بسرعة بين أشخاص يشتركون في العمل نفسه والتعب نفسه.

بقي السؤال في ذهنه للحظات.

 

 

في مساء ذلك اليوم، جلس أورِن قرب نار صغيرة مع مجموعة من الجنود من وحدات مختلفة، بينهم كايل وجندي آخر أكبر سنًا يُدعى رافل، جاء من منطقة زراعية بعيدة في الشمال.

لاحظ في تلك المهمة أن جسده بدأ يتقبل العملية بشكل أسرع من ذي قبل، وكأن التكرار المستمر في الأيام الماضية علّمه شيئًا لم يكن يعرف كيف يصفه بالكلمات: طريقة لتوزيع تركيزه بحيث لا يستنزف كل طاقته في محاولة واحدة. استطاع أن ينقل صندوقًا متوسط الحجم عبر مسافات قصيرة جدا ، ثم ينقل صندوقًا آخر بعده مباشرة دون أن يحتاج إلى الاستراحة الطويلة التي كان يحتاجها سابقًا.

 

في إحدى الليالي، بينما كان يستعد للنوم، وجد نفسه يفكر في توفِن دون سبب واضح، يتذكر تفصيلًا صغيرًا من حديثهما القصير عن قصة الشخير في الخيمة، وابتسم للحظة في الظلام قبل أن يشعر بثقل خفيف يعقب الابتسامة مباشرة. لم يحاول أن يدفع الفكرة بعيدًا، ولم يستسلم لها طويلًا أيضًا؛ تركها تمر، كما تعلم أن يفعل مع أشياء كثيرة أخرى في تلك الأيام.

“أرضنا كانت مزروعة بالقمح بالكامل تقريبًا،” قال رافل وهو يحرك النار بعصا صغيرة. “أبي وإخوتي ما زالوا هناك يديرون الأمر. أنا الوحيد الذي جاء إلى الجيش، ليس لأنني أردت ذلك، بل لأن أحدًا من العائلة كان يجب أن يذهب حين وصل الاستدعاء.”

“أنا من الساحل الجنوبي.” ابتسم الشاب. “اسمي كايل. عائلتي تعمل في الصيد منذ أجيال. أول مرة أبتعد عن رائحة البحر في حياتي، وأشعر بغرابة الأمر كل يوم تقريبًا.”

 

 

“وماذا تنوي أن تفعل بعد انتهاء الحرب؟” سأل كايل.

نظر أورِن من فتحة القماش، فرأى عربات مليئة بمجندين جدد، ملابسهم لا تزال جديدة نسبيًا، وجوههم مختلطة بين حماس ظاهر وقلق يحاول بعضهم إخفاءه بابتسامات متكلفة.

 

 

“أعود إلى الأرض، بالطبع.” قال رافل ذلك دون تردد، وكأن السؤال نفسه غريب. “لا أعرف شيئًا آخر أفضل من ذلك. ماذا عنك؟”

ضحك أورِن بصوت خافت، وواصلا العمل معًا لبقية اليوم، يتبادلان جملًا متفرقة بين نقلة وأخرى، دون أن يتعمق الحديث كثيرًا، لكنه كان كافيًا ليشعر أورِن بشيء من الألفة العابرة، من ذلك النوع الذي ينشأ بسرعة بين أشخاص يشتركون في العمل نفسه والتعب نفسه.

 

 

“لا أعرف بعد،” أجاب كايل. “ربما أعود إلى البحر. ربما لا. أحيانًا أفكر أنني أريد أن أرى العاصمة قبل أن أقرر أي شيء.”

استمرت الأيام التالية بإيقاع متشابه: مهمة، راحة قصيرة، طعام، نوم متقطع، تدريب سريع على استخدام مساره في ظروف مختلفة، ثم مهمة أخرى. في إحدى المرات، أُرسل مع فريق لاستعادة أدوات من موقع تعرض لقصف خفيف قبل ساعات، ووجد نفسه ينقل قطعًا معدنية متناثرة بين أنقاض متفرقة، بحذر أكبر من المعتاد بسبب حالة الأرض غير المستقرة حوله.

 

لم يجد جوابًا.

نظر رافل نحو أورِن. “وأنت؟ من أين أنت بالضبط؟”

في مرة أخرى، طُلب منه مساعدة فريق طبي في نقل صناديق أدوية من نقطة إمداد إلى خيمة معالجة أقرب للجبهة، حيث رأى للمرة الأولى منذ مهمته الأولى عددًا كبيرًا من المصابين مجتمعين في مكان واحد، بعضهم صامت تمامًا، وبعضهم يتحدث بصوت مرتفع من الألم، بينما يتحرك الأطباء والممرضون بينهم بسرعة محسوبة.

 

 

“قرية صغيرة، عملت في أرشيف محلي قبل التجنيد.”

 

 

بقي السؤال في ذهنه للحظات.

“أرشيف؟” رفع رافل حاجبيه. “لم أقابل أحدًا يعمل في مكان كهذا من قبل. ماذا كنت تفعل هناك بالضبط؟”

تحركت القافلتان بعد دقائق، كل في اتجاهها، وابتعدت عربات المجندين الجدد تدريجيًا نحو المكان الذي جاء منه أورِن قبل ساعات فقط.

 

ثم استند إلى جانب العربة وأغلق عينيه، تاركًا الطريق يحمله بعيدًا عن المكان الذي قضى فيه أسبوعه الأول.

“أرتب الأوراق، أحفظ السجلات، أساعد من يبحث عن معلومة قديمة.” أجاب أورِن ببساطة. لم يشعر برغبة في التوسع أكثر، لكنه لم يمانع في الحديث عن ذلك الجزء البعيد من حياته.

تحركت القافلتان بعد دقائق، كل في اتجاهها، وابتعدت عربات المجندين الجدد تدريجيًا نحو المكان الذي جاء منه أورِن قبل ساعات فقط.

 

 

تحدثوا لبعض الوقت عن أشياء متفرقة: الطعام في مناطقهم المختلفة، الاختلاف بين أسواق القرى والمدن، قصص صغيرة عن أهاليهم، حتى انضم إليهم جندي رابع، أصغر سنًا، جاء من مدينة كبيرة في الغرب، وبدأ يصف شوارعها المزدحمة وأسواقها الليلية بحماس واضح جعل الآخرين يستمعون باهتمام حقيقي.

“أرتب الأوراق، أحفظ السجلات، أساعد من يبحث عن معلومة قديمة.” أجاب أورِن ببساطة. لم يشعر برغبة في التوسع أكثر، لكنه لم يمانع في الحديث عن ذلك الجزء البعيد من حياته.

 

نظر أورِن من فتحة القماش، فرأى عربات مليئة بمجندين جدد، ملابسهم لا تزال جديدة نسبيًا، وجوههم مختلطة بين حماس ظاهر وقلق يحاول بعضهم إخفاءه بابتسامات متكلفة.

لم يكن الحديث عميقًا، ولم يشعر أورِن أنه يصادق أصدقاء جددًا بالمعنى الكامل للكلمة، لكنه أدرك، وهو يستمع إلى تلك الأصوات المختلفة حول النار، أن الإمبراطورية التي كان يسمع عنها فقط في القرية أكبر بكثير مما تخيل، مليئة بأناس لم يكن ليلتقي بهم في أي ظرف طبيعي آخر.

سمع لاحقًا في ذلك اليوم اسم توفِن يُذكر بين قائمة قصيرة من الأسماء يقرأها ضابط بصوت رتيب أمام لوحة إعلانات صغيرة، أسماء من فقدوا في الأيام الأخيرة، تُقرأ بسرعة دون توقف طويل عند أي اسم، ثم ينتقل الضابط مباشرة إلى تعليمات اليوم. لم يشعر أورِن برغبة في الاعتراض على تلك السرعة، لكنه لاحظها.

 

في صباح اليوم التالي، مرّ أورِن بجانب المكان الذي كان توفِن يقف فيه قبل يومين، عند حافة خيمة الطعام، حيث اعتاد أن يجلس على الصندوق الخشبي نفسه كل صباح. كان الصندوق فارغًا الآن، يجلس عليه جندي آخر لا يعرفه أورِن، يأكل بصمت. توقف أورِن للحظة، ثم أكمل طريقه دون أن يقول شيئًا.

استمرت الأيام التالية بإيقاع متشابه: مهمة، راحة قصيرة، طعام، نوم متقطع، تدريب سريع على استخدام مساره في ظروف مختلفة، ثم مهمة أخرى. في إحدى المرات، أُرسل مع فريق لاستعادة أدوات من موقع تعرض لقصف خفيف قبل ساعات، ووجد نفسه ينقل قطعًا معدنية متناثرة بين أنقاض متفرقة، بحذر أكبر من المعتاد بسبب حالة الأرض غير المستقرة حوله.

 

 

 

في مرة أخرى، طُلب منه مساعدة فريق طبي في نقل صناديق أدوية من نقطة إمداد إلى خيمة معالجة أقرب للجبهة، حيث رأى للمرة الأولى منذ مهمته الأولى عددًا كبيرًا من المصابين مجتمعين في مكان واحد، بعضهم صامت تمامًا، وبعضهم يتحدث بصوت مرتفع من الألم، بينما يتحرك الأطباء والممرضون بينهم بسرعة محسوبة.

 

 

بدأت المهمة بشكل مختلف عن سابقتها؛ لم يكن هناك اشتباك متوقع، فقط عمل متكرر ومرهق، ينقل فيه أورِن صندوقًا تلو الآخر عبر مسافات متتالية، يتوقف قليلًا بين كل نقلة وأخرى ليستعيد تركيزه.

لم يتوقف طويلًا عند ذلك المشهد، لكنه لاحظه، كما لاحظ أشياء كثيرة أخرى في تلك الأيام: عربة إمداد وصلت متأخرة بيوم كامل بسبب طريق مقطوع، حديثًا متكررًا بين الجنود عن نقطة في الجبهة الشمالية “استعيدت” بعد أن “سقطت” الأسبوع الماضي دون أن يفهم أورِن التفاصيل الكاملة، وارتفاعًا طفيفًا في أسعار بعض الأشياء البسيطة التي يبيعها تجار متجولون يزورون أطراف المعسكر أحيانًا.

لم يتوقف طويلًا عند ذلك المشهد، لكنه لاحظه، كما لاحظ أشياء كثيرة أخرى في تلك الأيام: عربة إمداد وصلت متأخرة بيوم كامل بسبب طريق مقطوع، حديثًا متكررًا بين الجنود عن نقطة في الجبهة الشمالية “استعيدت” بعد أن “سقطت” الأسبوع الماضي دون أن يفهم أورِن التفاصيل الكاملة، وارتفاعًا طفيفًا في أسعار بعض الأشياء البسيطة التي يبيعها تجار متجولون يزورون أطراف المعسكر أحيانًا.

 

كان هناك شيء في هذا الأمر لم يفهمه بعد.

كل هذه التفاصيل لم تكن أحداثًا كبرى بحد ذاتها، لكنها معًا رسمت لأورِن صورة أوضح لحجم ما يحدث حوله، حرب لا تتوقف عند نقطة واحدة، بل تمتد وتتحرك وتتغير باستمرار في اتجاهات لا يعرف عنها إلا القليل.

في إحدى الليالي، بينما كان يستعد للنوم، وجد نفسه يفكر في توفِن دون سبب واضح، يتذكر تفصيلًا صغيرًا من حديثهما القصير عن قصة الشخير في الخيمة، وابتسم للحظة في الظلام قبل أن يشعر بثقل خفيف يعقب الابتسامة مباشرة. لم يحاول أن يدفع الفكرة بعيدًا، ولم يستسلم لها طويلًا أيضًا؛ تركها تمر، كما تعلم أن يفعل مع أشياء كثيرة أخرى في تلك الأيام.

 

 

في إحدى الليالي، بينما كان يستعد للنوم، وجد نفسه يفكر في توفِن دون سبب واضح، يتذكر تفصيلًا صغيرًا من حديثهما القصير عن قصة الشخير في الخيمة، وابتسم للحظة في الظلام قبل أن يشعر بثقل خفيف يعقب الابتسامة مباشرة. لم يحاول أن يدفع الفكرة بعيدًا، ولم يستسلم لها طويلًا أيضًا؛ تركها تمر، كما تعلم أن يفعل مع أشياء كثيرة أخرى في تلك الأيام.

“ليست بعيدة كما تظن،” أجاب الجندي بصوت لا يخلو من تعب. “ستصلون غدًا تقريبًا.”

 

“لا أعرف بعد،” أجاب كايل. “ربما أعود إلى البحر. ربما لا. أحيانًا أفكر أنني أريد أن أرى العاصمة قبل أن أقرر أي شيء.”

فكّر أيضًا في مارِن أكثر من مرة، خصوصًا في اللحظات الهادئة قبل النوم، متسائلًا إن كانت قد استلمت رسالته الأخيرة، وماذا تفعل في تلك اللحظة بالضبط. لم تكن هناك وسيلة بريد أو ساعٍ يتجه نحو الشمال الشرقي لإرسال رسالة جديدة بعد، لكنه احتفظ بالفكرة في ذهنه.

بدا شاب آخر بجانبه متحمسًا بشكل واضح، يتحدث بصوت مرتفع عن أول قدرة نجح في استخدامها خلال التدريب، بينما جلس رفيقه بجانبه صامتًا، ينظر إلى الطريق أمامه دون أن يشارك في الحديث، يداه متشابكتان بإحكام على ركبتيه.

 

“لا أعرف بعد،” أجاب كايل. “ربما أعود إلى البحر. ربما لا. أحيانًا أفكر أنني أريد أن أرى العاصمة قبل أن أقرر أي شيء.”

في صباح أحد الأيام، بعد ما أدرك أورِن لاحقًا أنه كان اليوم السابع تقريبًا منذ وصوله إلى منطقة الحرب، نودي على وحدته للتجمع بسرعة غير معتادة.

 

 

 

“ستنتقل وحدتكم إلى الخلف اليوم،” أعلن الضابط المسؤول دون تفصيل إضافي. “اجمعوا أغراضكم، العربات جاهزة خلال ساعة.”

نظر للمرة الأخيرة نحو الأفق الذي ابتعدت فيه عربات المجندين الجدد، غبار خفيف يتصاعد خلفها على الطريق، ثم عاد بنظره إلى الأمام، حيث يمتد الطريق نحو مكان لا يعرف بعد ما ينتظره فيه.

 

 

لم يشرح أحد السبب. سأل أحد الجنود بحذر عن الوجهة، فأجاب الضابط بجملة مقتضبة عن “نقطة تجمع خلفية”، دون أن يتوسع أكثر.

في مساء ذلك اليوم، جلس أورِن قرب نار صغيرة مع مجموعة من الجنود من وحدات مختلفة، بينهم كايل وجندي آخر أكبر سنًا يُدعى رافل، جاء من منطقة زراعية بعيدة في الشمال.

 

تحدثوا لبعض الوقت عن أشياء متفرقة: الطعام في مناطقهم المختلفة، الاختلاف بين أسواق القرى والمدن، قصص صغيرة عن أهاليهم، حتى انضم إليهم جندي رابع، أصغر سنًا، جاء من مدينة كبيرة في الغرب، وبدأ يصف شوارعها المزدحمة وأسواقها الليلية بحماس واضح جعل الآخرين يستمعون باهتمام حقيقي.

جمع أورِن أغراضه بسرعة، متسائلًا بصمت عن معنى هذا التحرك المفاجئ. لم يكن هناك ما يشير إلى هزيمة أو انسحاب كبير؛ الأصوات من الجبهة استمرت كما هي، والحديث بين الجنود لم يحمل أي إشارة إلى كارثة وشيكة. كان الأمر ببساطة أمرًا يُنفَّذ دون تفسير، مثل معظم الأوامر التي تلقاها منذ وصوله.

 

 

 

لاحظ، وهو يسير نحو العربات، أن وحدات أخرى غير وحدته تتحرك أيضًا في الاتجاه نفسه، صفوفًا من الجنود يحملون أمتعتهم نحو نقطة تجمع مشتركة، بينهم كايل الذي التقت عيناه بعينيه للحظة من مسافة بعيدة وهزّ رأسه بتحية صامتة.

فكّر أيضًا في مارِن أكثر من مرة، خصوصًا في اللحظات الهادئة قبل النوم، متسائلًا إن كانت قد استلمت رسالته الأخيرة، وماذا تفعل في تلك اللحظة بالضبط. لم تكن هناك وسيلة بريد أو ساعٍ يتجه نحو الشمال الشرقي لإرسال رسالة جديدة بعد، لكنه احتفظ بالفكرة في ذهنه.

 

 

استغرقت الرحلة نحو الخلف جزءًا من اليوم، عبر الطريق نفسه تقريبًا الذي جاءت منه وحدة أورِن قبل أسبوع، وإن بدت التفاصيل من حوله مختلفة قليلًا هذه المرة، ربما لأنه أصبح أكثر انتباهًا لما يمر أمامه.

 

 

 

في منتصف الطريق تقريبًا، توقفت العربة التي يركبها أورِن على جانب الطريق لبضع دقائق، لتفسح المجال لقافلة أخرى قادمة من الاتجاه المعاكس، متجهة نحو الجبهة.

 

 

نظر للمرة الأخيرة نحو الأفق الذي ابتعدت فيه عربات المجندين الجدد، غبار خفيف يتصاعد خلفها على الطريق، ثم عاد بنظره إلى الأمام، حيث يمتد الطريق نحو مكان لا يعرف بعد ما ينتظره فيه.

نظر أورِن من فتحة القماش، فرأى عربات مليئة بمجندين جدد، ملابسهم لا تزال جديدة نسبيًا، وجوههم مختلطة بين حماس ظاهر وقلق يحاول بعضهم إخفاءه بابتسامات متكلفة.

 

 

 

سمع أحدهم، شابًا نحيلًا يجلس عند حافة إحدى العربات، يسأل جنديًا يقف قريبًا من الطريق: “كم تبقى حتى نصل إلى الجبهة الحقيقية؟”

سمع لاحقًا في ذلك اليوم اسم توفِن يُذكر بين قائمة قصيرة من الأسماء يقرأها ضابط بصوت رتيب أمام لوحة إعلانات صغيرة، أسماء من فقدوا في الأيام الأخيرة، تُقرأ بسرعة دون توقف طويل عند أي اسم، ثم ينتقل الضابط مباشرة إلى تعليمات اليوم. لم يشعر أورِن برغبة في الاعتراض على تلك السرعة، لكنه لاحظها.

 

 

“ليست بعيدة كما تظن،” أجاب الجندي بصوت لا يخلو من تعب. “ستصلون غدًا تقريبًا.”

لاحظ في تلك المهمة أن جسده بدأ يتقبل العملية بشكل أسرع من ذي قبل، وكأن التكرار المستمر في الأيام الماضية علّمه شيئًا لم يكن يعرف كيف يصفه بالكلمات: طريقة لتوزيع تركيزه بحيث لا يستنزف كل طاقته في محاولة واحدة. استطاع أن ينقل صندوقًا متوسط الحجم عبر مسافات قصيرة جدا ، ثم ينقل صندوقًا آخر بعده مباشرة دون أن يحتاج إلى الاستراحة الطويلة التي كان يحتاجها سابقًا.

 

 

بدا شاب آخر بجانبه متحمسًا بشكل واضح، يتحدث بصوت مرتفع عن أول قدرة نجح في استخدامها خلال التدريب، بينما جلس رفيقه بجانبه صامتًا، ينظر إلى الطريق أمامه دون أن يشارك في الحديث، يداه متشابكتان بإحكام على ركبتيه.

 

 

 

لاحظ أورِن مجندًا آخر، أصغرهم سنًا على الأرجح، يحمل بين يديه قطعة قماش صغيرة يبدو أنها هدية أو تذكار من أحد أفراد أسرته، يقلّبها بين أصابعه بصمت بينما يتحدث من حوله بصخب.

لم يتوقف طويلًا عند ذلك المشهد، لكنه لاحظه، كما لاحظ أشياء كثيرة أخرى في تلك الأيام: عربة إمداد وصلت متأخرة بيوم كامل بسبب طريق مقطوع، حديثًا متكررًا بين الجنود عن نقطة في الجبهة الشمالية “استعيدت” بعد أن “سقطت” الأسبوع الماضي دون أن يفهم أورِن التفاصيل الكاملة، وارتفاعًا طفيفًا في أسعار بعض الأشياء البسيطة التي يبيعها تجار متجولون يزورون أطراف المعسكر أحيانًا.

 

في مرة أخرى، طُلب منه مساعدة فريق طبي في نقل صناديق أدوية من نقطة إمداد إلى خيمة معالجة أقرب للجبهة، حيث رأى للمرة الأولى منذ مهمته الأولى عددًا كبيرًا من المصابين مجتمعين في مكان واحد، بعضهم صامت تمامًا، وبعضهم يتحدث بصوت مرتفع من الألم، بينما يتحرك الأطباء والممرضون بينهم بسرعة محسوبة.

لم يتبادل أورِن كلمة مع أي منهم، لكن نظرة عابرة جمعته بأحدهم، شابًا في مثل عمره تقريبًا، لم يكن حماسه ظاهرًا ولا خوفه واضحًا بشكل كامل، فقط نظرة سريعة، أشبه بمن يحاول أن يفهم شيئًا عن الشخص القادم من الاتجاه المعاكس.

لماذا يعودون، بينما يصل غيرهم إلى الجبهة؟

 

 

تحركت القافلتان بعد دقائق، كل في اتجاهها، وابتعدت عربات المجندين الجدد تدريجيًا نحو المكان الذي جاء منه أورِن قبل ساعات فقط.

 

 

بدأت المهمة بشكل مختلف عن سابقتها؛ لم يكن هناك اشتباك متوقع، فقط عمل متكرر ومرهق، ينقل فيه أورِن صندوقًا تلو الآخر عبر مسافات متتالية، يتوقف قليلًا بين كل نقلة وأخرى ليستعيد تركيزه.

جلس أورِن صامتًا لبقية الطريق، يفكر في تلك الوجوه المختلفة، في الشاب الذي سأل عن المسافة المتبقية، وفي ذلك الآخر الذي كان يقلّب قطعة القماش بين أصابعه دون أن يتحدث. فكّر أنهم يدخلون الآن المكان نفسه الذي خرج منه للتو، بكل ما فيه من ضجيج وصمت وتعب وموت لا يُعلن عنه بصوت مرتفع.

لم يشرح أحد السبب. سأل أحد الجنود بحذر عن الوجهة، فأجاب الضابط بجملة مقتضبة عن “نقطة تجمع خلفية”، دون أن يتوسع أكثر.

 

كل هذه التفاصيل لم تكن أحداثًا كبرى بحد ذاتها، لكنها معًا رسمت لأورِن صورة أوضح لحجم ما يحدث حوله، حرب لا تتوقف عند نقطة واحدة، بل تمتد وتتحرك وتتغير باستمرار في اتجاهات لا يعرف عنها إلا القليل.

لم يعرف لماذا تُسحب وحدته الآن، بينما تُرسل وحدات جديدة إلى المكان نفسه. لم تكن وحدته قد فشلت في شيء، ولا هُزمت، ولا نقص عددها بشكل كبير يستدعي الانسحاب الكامل. حاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا: ربما حدث خطأ في الأوامر. ربما هناك نقص في مكان آخر يحتاج جنودًا أكثر خبرة. ربما يجري تبديل الوحدات بشكل دوري لسبب لا يعرفه. ربما حدث شيء في الجبهة لم يُخبر به المجندون العاديون.

 

 

“أظن أن التكرار يفعل شيئًا،” أجاب أورِن.

لم يصل إلى إجابة واضحة، ولم يشعر أن أحدًا من حوله يعرف أكثر منه. كان الجميع ينفذون الأمر دون أن يفهموا سببه الكامل، كما اعتادوا أن يفعلوا منذ اليوم الأول في المعسكر.

نظر أورِن من فتحة القماش، فرأى عربات مليئة بمجندين جدد، ملابسهم لا تزال جديدة نسبيًا، وجوههم مختلطة بين حماس ظاهر وقلق يحاول بعضهم إخفاءه بابتسامات متكلفة.

 

 

نظر للمرة الأخيرة نحو الأفق الذي ابتعدت فيه عربات المجندين الجدد، غبار خفيف يتصاعد خلفها على الطريق، ثم عاد بنظره إلى الأمام، حيث يمتد الطريق نحو مكان لا يعرف بعد ما ينتظره فيه.

 

 

“لا أعرف بعد،” أجاب كايل. “ربما أعود إلى البحر. ربما لا. أحيانًا أفكر أنني أريد أن أرى العاصمة قبل أن أقرر أي شيء.”

بقي السؤال في ذهنه للحظات.

ضحك أورِن بصوت خافت، وواصلا العمل معًا لبقية اليوم، يتبادلان جملًا متفرقة بين نقلة وأخرى، دون أن يتعمق الحديث كثيرًا، لكنه كان كافيًا ليشعر أورِن بشيء من الألفة العابرة، من ذلك النوع الذي ينشأ بسرعة بين أشخاص يشتركون في العمل نفسه والتعب نفسه.

 

 

لماذا يعودون، بينما يصل غيرهم إلى الجبهة؟

 

 

 

لم يجد جوابًا.

 

 

 

ثم استند إلى جانب العربة وأغلق عينيه، تاركًا الطريق يحمله بعيدًا عن المكان الذي قضى فيه أسبوعه الأول.

 

 

 

كان هناك شيء في هذا الأمر لم يفهمه بعد.

لم يتبادل أورِن كلمة مع أي منهم، لكن نظرة عابرة جمعته بأحدهم، شابًا في مثل عمره تقريبًا، لم يكن حماسه ظاهرًا ولا خوفه واضحًا بشكل كامل، فقط نظرة سريعة، أشبه بمن يحاول أن يفهم شيئًا عن الشخص القادم من الاتجاه المعاكس.

في إحدى الليالي، بينما كان يستعد للنوم، وجد نفسه يفكر في توفِن دون سبب واضح، يتذكر تفصيلًا صغيرًا من حديثهما القصير عن قصة الشخير في الخيمة، وابتسم للحظة في الظلام قبل أن يشعر بثقل خفيف يعقب الابتسامة مباشرة. لم يحاول أن يدفع الفكرة بعيدًا، ولم يستسلم لها طويلًا أيضًا؛ تركها تمر، كما تعلم أن يفعل مع أشياء كثيرة أخرى في تلك الأيام.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط