البيت يعرف طريقك
أيقظت رائحة القهوة المحمصة أورِن قبل أن تفتح مارِن الباب.
«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»
كانت قد استيقظت باكرًا جدًا هذه المرة، أبكر من عادتها، وحين نزل وجدها تقف أمام الموقد وهي ترتدي ثوبها العادي لكن شعرها مصفف بعناية أكبر من أيام الأسبوع، وكأنها قررت أن هذا اليوم يستحق شيئًا مختلفًا دون أن تسميه.
«كيف هي؟ حقًا؟»
«رائع. وإن احتجت يومًا لخياطة جرح بسيفك، أخبرني.» ابتسمت وهي تعود لفحص القماش، ثم أمسكت قطعة أخرى بلون أخضر باهت، ووضعتها بجانب الأولى، تقارن بينهما بعينين متفحصتين. «هذا الأخضر سيصلح لفستان صيفي. أما هذا الأزرق…» توقفت، عيناها تلمعان بفكرة. «هذا سيصلح لمعطف. معطف جيد يدوم سنوات.»
ستغادر اليوم مع القافلة،» قالت دون مقدمات، وهي تصب له كوبًا. «فكرت أن نقضي ما تبقى من الوقت في السوق هناك أشياء أريد أن أراها، وأنت تحتاج إلى ثياب أفضل من التي تلبسها.»
«لمن؟»
«ثيابي جيدة.»
«ما هذا؟» سأله وهو يقترب.
«ثيابك تشبه ثياب رجل نسي كيف يهتم بنفسه.» جلست أمامه وأخذت رشفة من كوبها. «سنذهب بعد الفطور.»
نظرت إلى الكلمة عن قرب، وكأنها تراها للمرة الأولى رغم أنها من خيطتها بيدها، ثم اتسعت عيناها قليلًا من الإحراج، وأخذت الوشاح منه لتتأكد بنفسها.
لم يكن سؤالًا، فلم يجب بشيء سوى ابتسامة صغيرة. أكل بصمت وهو يراقبها تتحدث عن خطتها لليوم، عن متجر قماش جديد سمعت أنه فتح قرب طرف السوق، وعن حاجتها لخيوط معينة، وعن رغبتها في أن ترى إن كان الجزّار قد أحضر لحمًا أفضل هذا الأسبوع. كان صوتها يملأ المطبخ الصغير بطريقة اعتاد عليها منذ الطفولة، ولم يدرك كم افتقدها إلا حين سمعها مرة أخرى.
وقفا صامتين للحظة، والصوت من حولهما يمتلئ بضجيج الرحيل ، حتى مدت مارِن ذراعيها وأحاطته بهما بقوة أكبر مما توقع منها، ووجهها مدفون في كتفه.
كان السوق في ذروة نشاطه حين وصلا، بأصوات الباعة وروائح الخبز والفحم والحيوانات ممتزجة معًا. مشت مارِن أمامه بخطى سريعة واثقة، تعرف كل زاوية فيه، حتى وصلا إلى متجر القماش الجديد، دكان صغير أضيف حديثًا بين محلين قديمين، تملؤه أقمشة معلقة بألوان مختلفة على الجدران.
ضحك، وهو يمد يده ليأخذ الوشاح منها مرة أخرى، ويلمس الحروف بأصابعه هذه المرة بدل عينيه فقط.
تردد للحظة، ثم أشار بإصبعه إلى الكلمة الأخيرة. «هنا. الحروف. طريقك، وليس طريكق.»
توقفت أمام قماش أزرق داكن، وأمسكت طرفه بين أصابعها، تفركه برفق كما يفعل من يعرف ما يبحث عنه.
نظرت إليه نظرة يائسة مصطنعة. «سنوات في الجيش ولم تتعلم شيئًا مفيدًا.»
«هذا جيد،» قالت لنفسها أكثر مما قالتها له. «انظر، النسيج متماسك، لا يتمزق بسهولة، لكنه ليس خشنًا.» مدت يده نحوه فلمسه أورِن بلا اهتمام حقيقي.
ضحكت، وواصلا المشي، حتى مرّا بجانب ورشة كورِن، حيث كانت الأبواب مغلقة، والمكان صامتًا أكثر من المعتاد. تباطأت خطوات مارِن قليلًا، ونظرت إلى الباب المغلق دون أن تقول شيئًا، ثم واصلت المشي، وسألته فجأة عن العاصمة.
«يبدو كأي قماش آخر.»
«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»
ابتسم، وأمسك يدها للحظة قبل أن يتركها ويبتعد بضع خطوات، ثم يلتفت مرة أخيرة ليجدها ما زالت واقفة في مكانها، تلوح له بيد وتمسح عينها بالأخرى.
نظرت إليه نظرة يائسة مصطنعة. «سنوات في الجيش ولم تتعلم شيئًا مفيدًا.»
«لو أذهب يومًا، سأحتاج أسبوعًا كاملًا فقط للمتاجر.» قالت ذلك وعيناها تلمعان بذلك الحلم القديم الذي لم يفارقها منذ سنوات، حلم محل صغير يحمل اسمها، تصنع فيه ما تشاء بدل أن تنتظر قماشًا يصل القرية مرة كل موسم.
«تعلمت كيف أحمل سيفًا.»
«لا أعرف بعد. ربما لي. ربما سأبيعه.» نظرت إليه فجأة. «هل تتخيل؟ محل كامل مليء بأقمشة كهذه، وأنا أختار منها كل يوم بدل أن أنتظر شحنة واحدة تصل القرية كل موسم.»
«رائع. وإن احتجت يومًا لخياطة جرح بسيفك، أخبرني.» ابتسمت وهي تعود لفحص القماش، ثم أمسكت قطعة أخرى بلون أخضر باهت، ووضعتها بجانب الأولى، تقارن بينهما بعينين متفحصتين. «هذا الأخضر سيصلح لفستان صيفي. أما هذا الأزرق…» توقفت، عيناها تلمعان بفكرة. «هذا سيصلح لمعطف. معطف جيد يدوم سنوات.»
«سأفعل.»
لم يكن سؤالًا، فلم يجب بشيء سوى ابتسامة صغيرة. أكل بصمت وهو يراقبها تتحدث عن خطتها لليوم، عن متجر قماش جديد سمعت أنه فتح قرب طرف السوق، وعن حاجتها لخيوط معينة، وعن رغبتها في أن ترى إن كان الجزّار قد أحضر لحمًا أفضل هذا الأسبوع. كان صوتها يملأ المطبخ الصغير بطريقة اعتاد عليها منذ الطفولة، ولم يدرك كم افتقدها إلا حين سمعها مرة أخرى.
«لمن؟»
«أنا لست جائعًا هكذا دائمًا.»
«لا أعرف بعد. ربما لي. ربما سأبيعه.» نظرت إليه فجأة. «هل تتخيل؟ محل كامل مليء بأقمشة كهذه، وأنا أختار منها كل يوم بدل أن أنتظر شحنة واحدة تصل القرية كل موسم.»
«لا شيء.»
«العاصمة.»
توقفت أمام قماش أزرق داكن، وأمسكت طرفه بين أصابعها، تفركه برفق كما يفعل من يعرف ما يبحث عنه.
«العاصمة.» كررت الكلمة بنبرة حالمة قصيرة، ثم عادت بسرعة إلى واقعها العملي، وسألت صاحب المتجر عن السعر.
أخذه منها وتحسسه بيديه. القماش دافئ الملمس، أكثر سماكة مما توقع، ومخيط بدقة واضحة على الحواف.
«لا شيء.»
بدأ الرجل رقمًا جعلها ترفع حاجبيها باستنكار مبالغ فيه، فبدأت تفاوضه بحماس، تشير إلى عيوب صغيرة في حافة القماش لم يلاحظها أورِن أصلًا، وتذكر أسعار محلات أخرى بثقة من لا تعرف إن كانت تلك الأسعار حقيقية أم اخترعتها للتو. انتهى الأمر بابتسامة رضا على وجهها وقطعتي قماش ملفوفتين تحت ذراعها، وابتسامة متعبة على وجه صاحب المتجر.
على مقربة منهما، كان سيلِن يودّع أهله بضجة أكبر بكثير؛ يعانق أمه، ثم أخاه الصغير، ثم يعود ليعانق أمه مرة أخرى، ويتحدث بسرعة عن أشياء كثيرة في وقت واحد، حتى انتبه أورِن إلى كيس كبير معلق على كتفه، تفوح منه رائحة نفاذة مألوفة.
«غششته،» قال أورِن وهم يبتعدون.
«لم أغشه. فاوضته.» ثم أضافت بعد لحظة، بنبرة أقل ثقة: «ربما دفعت أكثر مما كان يجب. لا يهم. القماش جميل.»
«اذهب، أورِن.»
في طريق العودة، مرّا على مخبز صغير اشترت منه مارِن رغيفين وقطعة حلوى بسيطة محشوة بالتمر، وأصرت أن يأكل أورِن نصفها الآن رغم اعتراضه أنه ليس جائعًا.
«سأحاول. لا أعرف كم مرة سيصل البريد.»
«ثيابك تشبه ثياب رجل نسي كيف يهتم بنفسه.» جلست أمامه وأخذت رشفة من كوبها. «سنذهب بعد الفطور.»
«ستحتاج طاقة للمشي طوال اليوم،» قالت وهي تدفع القطعة نحوه.
«ستحتاج طاقة للمشي طوال اليوم،» قالت وهي تدفع القطعة نحوه.
«نحن نمشي منذ الصباح.»
«المهم أنك فهمتها.» قاطعته بابتسامة نصف متضايقة نصف مرحة، وهي تلف الوشاح مرة أخرى بعناية. «ولن أعيد خياطتها. إن أردت وشاحًا مثاليًا، اذهب واطلب من أحد كتبة الأرشيف أن يخيطه لك.»
«بالضبط.»
«ستذهبين يومًا،» قال، بثقة أكبر مما كان يشعر بها فعلًا.
لم يكن للمنطق مكان في هذا الجدال، فأكل نصف القطعة وهو يبتسم رغمًا عنه.
«نحن نمشي منذ الصباح.»
عند العودة إلى البيت، جلست مارِن على الأرض قرب النافذة حيث يدخل أفضل ضوء، وأخرجت من صندوقها الخشبي قطعة قماش خفيفة رمادية اللون، بحجم وشاح طويل، وبدأت تفحص حوافه بأصابعها.
«ماذا تصنعين؟»
«ليس لديك خيار آخر،» قالت، لكن صوتها كان أهدأ مما كانت عليه قبل قليل، وهي تراقبه يطوي القماش بعناية ويضعه جانبًا مع أشيائه التي سيأخذها غدًا.
«صنعته، لا أصنعه.» رفعت القماش وأظهرته له. كان وشاحًا بسيطًا، مخيطًا بعناية، حوافه مُطوّية بإحكام يظهر خبرتها رغم بساطة الأداة. «لبردك في الطريق. الليالي هناك باردة، أخبرتني عن ذلك من قبل.»
«ربما. حين تنتهي هذه الحرب اللعينة، وحين تتوقف عن أخذ كل الرجال الأقوياء إلى الجبهة ويعود بعضهم لحماية القافلات إلى العاصمة بدل ذلك.» قالتها بخفة، لكن شيئًا في نبرتها كان جادًا تمامًا.
أخذه منها وتحسسه بيديه. القماش دافئ الملمس، أكثر سماكة مما توقع، ومخيط بدقة واضحة على الحواف.
«متى صنعت هذا؟»
«يبدو كأي قماش آخر.»
«العاصمة.» كررت الكلمة بنبرة حالمة قصيرة، ثم عادت بسرعة إلى واقعها العملي، وسألت صاحب المتجر عن السعر.
بدأته خلال غيابك في الأسبوعين الماضيين، وأنهيته في الليالي الماضية بعد أن تنام.» قالتها بخفة، وكأنها لا تريد أن يبدو الأمر أكبر مما هو، لكن عينيها كانتا تراقبان وجهه وهو يقلّب القماش بيديه.
ابتسم، وأمسك يدها للحظة قبل أن يتركها ويبتعد بضع خطوات، ثم يلتفت مرة أخيرة ليجدها ما زالت واقفة في مكانها، تلوح له بيد وتمسح عينها بالأخرى.
«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»
عند أحد أطراف الوشاح، رأى خيوطًا بلون مختلف قليلًا، شكّلت كلمات صغيرة مطرزة بحروف غير متساوية تمامًا، لكنها واضحة القراءة.
«البيت يعرف طريقك.»
قرأها مرتين قبل أن يرفع عينيه إليها.
بعد الظهر، خرجا للمشي دون وجهة محددة، كما اعتادا أن يفعلا منذ الصغر حين يحتاج أحدهما إلى الهروب من جدران البيت لبعض الوقت. مرّا بجانب الشجرة الكبيرة عند طرف الحقل التي كانا يتسلقانها صغيرين، ووقفا قليلًا قربها دون أن يتسلقاها هذه المرة، فقط ينظران إليها.
«ماذا؟» سألت، ملاحظة تعبير وجهه.
ابتسم، وأمسك يدها للحظة قبل أن يتركها ويبتعد بضع خطوات، ثم يلتفت مرة أخيرة ليجدها ما زالت واقفة في مكانها، تلوح له بيد وتمسح عينها بالأخرى.
«لا شيء.»
«أورِن.»
«أورِن.»
تردد للحظة، ثم أشار بإصبعه إلى الكلمة الأخيرة. «هنا. الحروف. طريقك، وليس طريكق.»
«أنا لست جائعًا هكذا دائمًا.»
«أنا لست جائعًا هكذا دائمًا.»
نظرت إلى الكلمة عن قرب، وكأنها تراها للمرة الأولى رغم أنها من خيطتها بيدها، ثم اتسعت عيناها قليلًا من الإحراج، وأخذت الوشاح منه لتتأكد بنفسها.
«الأرشيف أفسدك،» قالت أخيرًا، وهي تضع الوشاح في حضنها. «أربع سنوات في الأرشيف، وحفظت أن الحرف يأتي قبل الآخر لا بعده، وليس كل شخص يعمل طوال حياته بين وثائق وسجلات كأنت.»
جلس أورِن في مؤخرة إحدى العربات، ونظر إلى القرية وهي تصغر أمام عينيه؛ سوقها، مخبزها، ورشة كورِن المغلقة، الطريق الترابي الذي يعرف كل حجر فيه تقريبًا، وأخيرًا، عند طرف الطريق، مارِن التي بقيت واقفة تلوح بيدها حتى صارت مجرد نقطة صغيرة بين البيوت.
«لم أقصد أن…»
لم تبكِ بصوت عالٍ. شعر فقط بارتجافة خفيفة في كتفيها، ونفَسًا غير منتظم قرب أذنه، قبل أن تبتعد بسرعة وتمسح وجهها بظهر يدها بحركة سريعة، وكأنها تريد إنهاء الأمر قبل أن يراه بوضوح.
«المهم أنك فهمتها.» قاطعته بابتسامة نصف متضايقة نصف مرحة، وهي تلف الوشاح مرة أخرى بعناية. «ولن أعيد خياطتها. إن أردت وشاحًا مثاليًا، اذهب واطلب من أحد كتبة الأرشيف أن يخيطه لك.»
«العاصمة.»
«لا شيء.»
ضحك، وهو يمد يده ليأخذ الوشاح منها مرة أخرى، ويلمس الحروف بأصابعه هذه المرة بدل عينيه فقط.
«بالضبط.»
لم تبكِ بصوت عالٍ. شعر فقط بارتجافة خفيفة في كتفيها، ونفَسًا غير منتظم قرب أذنه، قبل أن تبتعد بسرعة وتمسح وجهها بظهر يدها بحركة سريعة، وكأنها تريد إنهاء الأمر قبل أن يراه بوضوح.
«سآخذه كما هو.»
في منتصف الليل من اليوم ، ودّعا القرية في طريقهما نحو مكان تجمع القافلة، حيث بدأ الرجال والشباب يتجمعون شيئًا فشيئًا، بعضهم مع عائلاتهم، بعضهم وحيدًا.
«ليس لديك خيار آخر،» قالت، لكن صوتها كان أهدأ مما كانت عليه قبل قليل، وهي تراقبه يطوي القماش بعناية ويضعه جانبًا مع أشيائه التي سيأخذها غدًا.
بعد الظهر، خرجا للمشي دون وجهة محددة، كما اعتادا أن يفعلا منذ الصغر حين يحتاج أحدهما إلى الهروب من جدران البيت لبعض الوقت. مرّا بجانب الشجرة الكبيرة عند طرف الحقل التي كانا يتسلقانها صغيرين، ووقفا قليلًا قربها دون أن يتسلقاها هذه المرة، فقط ينظران إليها.
تردد للحظة، ثم أشار بإصبعه إلى الكلمة الأخيرة. «هنا. الحروف. طريقك، وليس طريكق.»
«أتذكر حين سقطتَ منها وكسرت ذراعك،» قالت مارِن.
«ماذا تصنعين؟»
«أنت من دفعتني.»
«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»
«العاصمة.»
«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»
«يبدو كأي قماش آخر.»
«لم يشعر بأنه كذلك في حينه.»
«سأفعل.»
ضحكت، وواصلا المشي، حتى مرّا بجانب ورشة كورِن، حيث كانت الأبواب مغلقة، والمكان صامتًا أكثر من المعتاد. تباطأت خطوات مارِن قليلًا، ونظرت إلى الباب المغلق دون أن تقول شيئًا، ثم واصلت المشي، وسألته فجأة عن العاصمة.
لم يخرجه من الحقيبة. تركه هناك، قريبًا من يده، بينما تتابعت العربة طريقها والقرية تختفي شيئًا فشيئًا خلف التلال.
«كيف هي؟ حقًا؟»
«اذهب،» قالت، بابتسامة مرتجفة قليلًا. «قبل أن تفوتك القافلة وتبقى هنا تأكل طعامي طوال الشهر.»
«ستذهبين يومًا،» قال، بثقة أكبر مما كان يشعر بها فعلًا.
«مزدحمة. صاخبة. كل شيء أسرع مما هنا.»
«هل رأيت متاجر أقمشة هناك؟»
«هل رأيت متاجر أقمشة هناك؟»
عند مكان التجمع، رأى دارِن يقف بجانب والده، الحداد الكبير بيديه المتشققتين ورائحة المعدن التي لا تفارقه أبدًا. لم يكونا يتحدثان كثيرًا، فقط يقفان جنبًا إلى جنب، ثم قال الأب شيئًا عن قطعة حديد كان يعمل عليها قبل أن يغادر دارِن، وسأله دارِن إن كان قد انتهى منها، فأجابه أن ذلك يمكن أن ينتظر.
«لن تفهم قيمته حتى تجرب حساءهم بدونه.» قالها بجدية تامة، وكأنه يتحدث عن مسألة حياة أو موت، بينما أخذ يربط الكيس بإحكام على حقيبته.
«القليل. لم يكن لدي وقت كثير.»
«لو أذهب يومًا، سأحتاج أسبوعًا كاملًا فقط للمتاجر.» قالت ذلك وعيناها تلمعان بذلك الحلم القديم الذي لم يفارقها منذ سنوات، حلم محل صغير يحمل اسمها، تصنع فيه ما تشاء بدل أن تنتظر قماشًا يصل القرية مرة كل موسم.
لم يكن للمنطق مكان في هذا الجدال، فأكل نصف القطعة وهو يبتسم رغمًا عنه.
«ستذهبين يومًا،» قال، بثقة أكبر مما كان يشعر بها فعلًا.
«لم أغشه. فاوضته.» ثم أضافت بعد لحظة، بنبرة أقل ثقة: «ربما دفعت أكثر مما كان يجب. لا يهم. القماش جميل.»
«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»
«ربما. حين تنتهي هذه الحرب اللعينة، وحين تتوقف عن أخذ كل الرجال الأقوياء إلى الجبهة ويعود بعضهم لحماية القافلات إلى العاصمة بدل ذلك.» قالتها بخفة، لكن شيئًا في نبرتها كان جادًا تمامًا.
«يبدو كأي قماش آخر.»
ستغادر اليوم مع القافلة،» قالت دون مقدمات، وهي تصب له كوبًا. «فكرت أن نقضي ما تبقى من الوقت في السوق هناك أشياء أريد أن أراها، وأنت تحتاج إلى ثياب أفضل من التي تلبسها.»
مع اقتراب المساء، عادا إلى البيت، وبدأت مارِن تجهز طعامًا يأخذه معه في الطريق؛ رغيفين إضافيين، قطعة جبن ملفوفة بعناية، شرائح لحم مملّح تحفظ لأيام، وقطعة صغيرة من نفس الحلوى بالتمر التي اشترتها في الصباح. وضعت كل شيء في كيس قماشي صنعته بنفسها منذ سنوات، له رباط بسيط يمكن ربطه بحزامه.
ابتسم، وأمسك يدها للحظة قبل أن يتركها ويبتعد بضع خطوات، ثم يلتفت مرة أخيرة ليجدها ما زالت واقفة في مكانها، تلوح له بيد وتمسح عينها بالأخرى.
«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»
في منتصف الليل من اليوم ، ودّعا القرية في طريقهما نحو مكان تجمع القافلة، حيث بدأ الرجال والشباب يتجمعون شيئًا فشيئًا، بعضهم مع عائلاتهم، بعضهم وحيدًا.
«أنا لست جائعًا هكذا دائمًا.»
«كيف هي؟ حقًا؟»
«أنت أكلت نصف قطعة الحلوى في الصباح رغم أنك قلت إنك لست جائعًا.»
لم يجد ردًا، فاكتفى بالابتسام، فيما وضعت هي الكيس بجانب حقيبته، ثم وقفت للحظة تنظر إلى الأشياء المرتبة على الطاولة، وكأنها تتأكد أنها لم تنسَ شيئًا.
في منتصف الليل من اليوم ، ودّعا القرية في طريقهما نحو مكان تجمع القافلة، حيث بدأ الرجال والشباب يتجمعون شيئًا فشيئًا، بعضهم مع عائلاتهم، بعضهم وحيدًا.
توقفا عند طرف الطريق، حيث لا يوجد سواهما تقريبًا، وشعر أورِن أن الكلمات التي أراد قولها طوال اليوم صارت أصعب الآن من أن تخرج بسهولة.
«مزدحمة. صاخبة. كل شيء أسرع مما هنا.»
«اكتب لي،» قالت مارِن، وهي تصلح ياقة معطفه دون داعٍ حقيقي، مجرد حركة يديها تحتاج إلى شيء تفعله. «كل ما تستطيع.»
«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»
«سأحاول. لا أعرف كم مرة سيصل البريد.»
«جرب فقط.» رفعت عينيها إليه أخيرًا. «حتى لو كانت رسالة قصيرة. حتى لو كانت سطرًا واحدًا.»
«هذا جيد،» قالت لنفسها أكثر مما قالتها له. «انظر، النسيج متماسك، لا يتمزق بسهولة، لكنه ليس خشنًا.» مدت يده نحوه فلمسه أورِن بلا اهتمام حقيقي.
«سأفعل.»
«أنا لست جائعًا هكذا دائمًا.»
وقفا صامتين للحظة، والصوت من حولهما يمتلئ بضجيج الرحيل ، حتى مدت مارِن ذراعيها وأحاطته بهما بقوة أكبر مما توقع منها، ووجهها مدفون في كتفه.
«هذا جيد،» قالت لنفسها أكثر مما قالتها له. «انظر، النسيج متماسك، لا يتمزق بسهولة، لكنه ليس خشنًا.» مدت يده نحوه فلمسه أورِن بلا اهتمام حقيقي.
«العاصمة.» كررت الكلمة بنبرة حالمة قصيرة، ثم عادت بسرعة إلى واقعها العملي، وسألت صاحب المتجر عن السعر.
لم تبكِ بصوت عالٍ. شعر فقط بارتجافة خفيفة في كتفيها، ونفَسًا غير منتظم قرب أذنه، قبل أن تبتعد بسرعة وتمسح وجهها بظهر يدها بحركة سريعة، وكأنها تريد إنهاء الأمر قبل أن يراه بوضوح.
بدأت القافلة تتحرك أخيرًا، عربات وخيول ورجال يمشون بجانبها، والقرية تبدأ بالتراجع خلفهم شيئًا فشيئًا.
لم يكن للمنطق مكان في هذا الجدال، فأكل نصف القطعة وهو يبتسم رغمًا عنه.
«اذهب،» قالت، بابتسامة مرتجفة قليلًا. «قبل أن تفوتك القافلة وتبقى هنا تأكل طعامي طوال الشهر.»
ضحكت، وواصلا المشي، حتى مرّا بجانب ورشة كورِن، حيث كانت الأبواب مغلقة، والمكان صامتًا أكثر من المعتاد. تباطأت خطوات مارِن قليلًا، ونظرت إلى الباب المغلق دون أن تقول شيئًا، ثم واصلت المشي، وسألته فجأة عن العاصمة.
«ستذهبين يومًا،» قال، بثقة أكبر مما كان يشعر بها فعلًا.
«هذا ليس سببًا سيئًا للبقاء.»
«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»
«اذهب، أورِن.»
توقفت أمام قماش أزرق داكن، وأمسكت طرفه بين أصابعها، تفركه برفق كما يفعل من يعرف ما يبحث عنه.
ابتسم، وأمسك يدها للحظة قبل أن يتركها ويبتعد بضع خطوات، ثم يلتفت مرة أخيرة ليجدها ما زالت واقفة في مكانها، تلوح له بيد وتمسح عينها بالأخرى.
«اذهب، أورِن.»
عند مكان التجمع، رأى دارِن يقف بجانب والده، الحداد الكبير بيديه المتشققتين ورائحة المعدن التي لا تفارقه أبدًا. لم يكونا يتحدثان كثيرًا، فقط يقفان جنبًا إلى جنب، ثم قال الأب شيئًا عن قطعة حديد كان يعمل عليها قبل أن يغادر دارِن، وسأله دارِن إن كان قد انتهى منها، فأجابه أن ذلك يمكن أن ينتظر.
ضحكت، وواصلا المشي، حتى مرّا بجانب ورشة كورِن، حيث كانت الأبواب مغلقة، والمكان صامتًا أكثر من المعتاد. تباطأت خطوات مارِن قليلًا، ونظرت إلى الباب المغلق دون أن تقول شيئًا، ثم واصلت المشي، وسألته فجأة عن العاصمة.
«لمن؟»
حين بدأت القافلة تتحرك أخيرًا، ورفع دارِن يده مودعًا، رأى أورِن قطرة واحدة تنزل على خد دارِن، لم يمسحها، وربما لم يشعر بها أصلًا، فيما بقي وجهه هادئًا كعادته، كأن شيئًا لم يحدث.
«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»
على مقربة منهما، كان سيلِن يودّع أهله بضجة أكبر بكثير؛ يعانق أمه، ثم أخاه الصغير، ثم يعود ليعانق أمه مرة أخرى، ويتحدث بسرعة عن أشياء كثيرة في وقت واحد، حتى انتبه أورِن إلى كيس كبير معلق على كتفه، تفوح منه رائحة نفاذة مألوفة.
أدخل يده إلى حقيبته، ولمس طرف الوشاح الرمادي، أصابعه تتحسس الحروف المطرزة دون أن ينظر إليها، يعرف كل خطأ فيها كما يعرف كل حرف صحيح.
«ما هذا؟» سأله وهو يقترب.
«بصل،» أجاب سيلِن بفخر، وكأنه يعرض كنزًا. «طعام الجيش لا طعم له، أتذكر؟ لن أمر بشهر آخر آكل فيه ذلك الحساء الفارغ دون أن أضيف إليه شيئًا. أمي جهزت لي كيسًا كاملًا.»
توقفت أمام قماش أزرق داكن، وأمسكت طرفه بين أصابعها، تفركه برفق كما يفعل من يعرف ما يبحث عنه.
«لا شيء.»
«كيس كامل من البصل؟»
«لمن؟»
«يبدو كأي قماش آخر.»
«لن تفهم قيمته حتى تجرب حساءهم بدونه.» قالها بجدية تامة، وكأنه يتحدث عن مسألة حياة أو موت، بينما أخذ يربط الكيس بإحكام على حقيبته.
«هذا ليس سببًا سيئًا للبقاء.»
بدأت القافلة تتحرك أخيرًا، عربات وخيول ورجال يمشون بجانبها، والقرية تبدأ بالتراجع خلفهم شيئًا فشيئًا.
جلس أورِن في مؤخرة إحدى العربات، ونظر إلى القرية وهي تصغر أمام عينيه؛ سوقها، مخبزها، ورشة كورِن المغلقة، الطريق الترابي الذي يعرف كل حجر فيه تقريبًا، وأخيرًا، عند طرف الطريق، مارِن التي بقيت واقفة تلوح بيدها حتى صارت مجرد نقطة صغيرة بين البيوت.
«صنعته، لا أصنعه.» رفعت القماش وأظهرته له. كان وشاحًا بسيطًا، مخيطًا بعناية، حوافه مُطوّية بإحكام يظهر خبرتها رغم بساطة الأداة. «لبردك في الطريق. الليالي هناك باردة، أخبرتني عن ذلك من قبل.»
بقي ينظر إليها حتى ابتلعها منحنى الطريق تمامًا.
ضحك، وهو يمد يده ليأخذ الوشاح منها مرة أخرى، ويلمس الحروف بأصابعه هذه المرة بدل عينيه فقط.
قرأها مرتين قبل أن يرفع عينيه إليها.
أدخل يده إلى حقيبته، ولمس طرف الوشاح الرمادي، أصابعه تتحسس الحروف المطرزة دون أن ينظر إليها، يعرف كل خطأ فيها كما يعرف كل حرف صحيح.
قرأها مرتين قبل أن يرفع عينيه إليها.
«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»
لم يخرجه من الحقيبة. تركه هناك، قريبًا من يده، بينما تتابعت العربة طريقها والقرية تختفي شيئًا فشيئًا خلف التلال.
قرأها مرتين قبل أن يرفع عينيه إليها.
