قصة الجرح — الفصل الخامس عشر
015
«إييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي──ياهوووو!»
كانت تلك──
أولى كلمات كيس-شوت في هيئتها الكاملة.
في تلك الليلة، بعدما استيقظت، سلّمتها الأجزاء الثلاثة التي أعادها إليّ أوشينو──أما فيما يخص القلب، فقد ترددت قليلًا، لكنني أخبرتها بالحقيقة كاملة كما حدثت. فأطلقت كيس-شوت إيماءةً هادئة قائلة: «فهمت»، ثم انقضّت على القلب الأحمر القاني، وكأنها تراه تفاحةً، وراحت تنهش منه.
القاعدة تقضي بألا يجلس المرء إلى مائدة سيدة أثناء تناولها الطعام.
ولهذا خرجت إلى الممر.
وبعد برهة──سمعت صرخة فرح من ذلك النوع.
صرخة فرح صادقة، نابعة من أعماق القلب──كانت كذلك.
فتحت الباب وعدت إلى داخل الفصل.
وكانت هناك كيس-شوت في هيئتها الكاملة.
في ذلك اليوم.
هي التي التقيت بها──تحت ضوء مصباح الشارع.
شعرها الذهبي.
وقد طال أكثر، وربطته ربطًا خفيفًا عند مؤخرة عنقها.
فستان أنيق──وقامتها أطول مني بكثير.
وجدتها جميلة، ببساطة.
أما أن أجد شخصًا لطيفًا أو أنيقًا أو جذابًا، فذلك شيء، لكنني لا أظن أنني شعرت طوال حياتي بهذا القدر من معنى «الجمال» قط.
لا.
في ذلك اليوم أيضًا──كنت قد شعرت بالشيء نفسه.
إنها فعلًا──الهيئة الكاملة.
هيئة كاملة لا يشوبها نقص.
«ياااااهووو! عدت! عدت!»
«…………»
حسنًا، لو أنها لم تكن تقفز هنا وهناك داخل الفصل، متنقلةً بخفة كأنها ترقص قفزًا، لربما شعرت بإعجاب أكبر بكثير، وربما حتى بالتأثر.
يا لها من فرحة.
لا أثر للهيبة أو الوقار.
«كيس-شوت…… بالمناسبة، يبدو أن أوشينو غادر إلى مكان ما أثناء النهار.»
«هم؟ وما شأن ذلك؟»
«لا، أقصد مسألة القلب. ألا ينبغي أن تغضبي منه؟»
«لا بأس، لا بأس، سأغفر له──بل لا يهمني أصلًا!»
ثم أطلقت ضحكةً «كيهاهاهاها» أشبه بضحكات الفتيات المدللات، لا تليق بهيئتها على الإطلاق، واستمرت في القفز والتنقل هنا وهناك.
هممم.
لكن، بما أنني لم ألاحظ ذلك تحت مصباح الشارع آنذاك بسبب كل ما كان يحدث……فصدر كيس-شوت ضخم بشكل رهيب.
يهتز، يهتز، يهتز، يهتز مع كل قفزة.
وفتحة الفستان عند الصدر واسعة إلى حد لا بأس به أيضًا.
آه، هكذا إذن. ذلك الشيء (في العاشرة) يمر بذلك التطور (في السابعة عشرة)، وفي النهاية يصبح هكذا (في السابعة والعشرين)……
يا له من أمر غامض.
«…………»
لم أستطع منع فكرة مشبوهة من أن تخطر ببالي، وهي أنه ربما لو طلبت منها الآن، وهي في قمة فرحتها وحماسها، لسمحت لي بلمس صدرها، لكنني لم أمتلك الشجاعة لتنفيذ ذلك.
بل إنني لو فعلت، لكان ذلك إفسادًا للفرحة إلى أقصى حد.
«هم.»
وفجأة.
توقفت كيس-شوت عن الحركة تمامًا.
ماذا؟ هل قرأت أفكاري؟
شعرت بالقلق فجأة، فقلت:
«مـ..ماذا حدث؟ كيس-شوت؟»
وأظن أن صوتي كان يرتجف قليلًا.
«………………»
ظلت كيس-شوت ساكنةً لبعض الوقت، وهو ما زاد من قلقي، لكن بعد برهة أخرى قالت:
«هم؟ ماذا هناك؟»
«أكنتَ تتحدث إلى ظلي الآن؟»
«ظـ، ظلك؟»
«في الواقع، لقد طفت حول الأرض سبع مرات ونصف الآن.»
«أنتِ الضوء أم ماذا؟!»
كانت تلك، حتى بالنسبة إليّ، نكتةً لن أجد نفسي أقول مثلها على الأرجح لبقية حياتي.
«مجرد مزحة، مجرد كذبة! سبع مرات ونصف تعني أنني سأكون في البرازيل الآن!»
ضحكت كيس-شوت قهقهةً.
واو، حماسها مرتفع فعلًا.
«ههه. ما أجمل هذا. أن يكون المرء كاملًا تمامًا، وأن يكون ذاته ذاتها──يا تابعي.»
استمرت كيس-شوت في الاحتفال والمرح لنحو ساعتين أخريين، لكنها بحلول ذلك الوقت كانت قد هدأت أخيرًا، وقالت:
«اسمح لي أن أشكرك مجددًا. بالطبع، كنت موقنة أنك ستتمكن من جمع أطرافي ببراعة، لكنني لم أكن أتوقع منك أن تجمع حتى القلب الذي لم أكن أعرف بنفسي أنه فُقد مني. لقد كان عملًا يفوق كل توقعاتي. سأمتدحك على ذلك.»
«لا أدري.»
سواء شكرتني أم امتدحتني، ظل شعوري تجاه الأمر غريبًا وغير مريح.
فلا يمكنني التخلص من ذلك الإحساس بأن كل شيء كان مدبرًا.
كأنني كنت مجرد دمية يحركها أحدهم──هذا ما أظنه.
«أشعر أنني لم أفعل سوى التردد هنا وهناك──بدلًا من أن أكون قد جمعتها، أشعر أنها هي التي اجتمعت من تلقاء نفسها.»
ولو سألني أحد بفضل من حدث ذلك، فسيكون الفضل لأوشينو، على الأرجح.
لكن أوشينو سيكره أن يُقال له ذلك، لذا إن لم يكن هو، فربما كان الفضل لهانيكاوا.
هانيكاوا تسوباسا.
وبالمناسبة، هي لم تأتِ الليلة.
وقد قررنا──أنا وهي──أن نلتقي مجددًا مع بداية الفصل الدراسي الجديد.
قررنا ذلك معًا.
وبالطبع، الآن بعد أن هزمتُ الخبراء الثلاثة في صيد مصاصي الدماء واحدًا تلو الآخر، لا أظن أن هناك خطرًا جديدًا سيهددها──لكننا رأينا مع ذلك أن من الأفضل ألا تقترب من مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور مرة أخرى.
حين اتخذنا ذلك القرار، كان من غير المؤكد أيضًا ما إذا كان غيوتين كاتر سيعيد ذراعي كيس-شوت إليها فعلًا.
وعلى كل حال، بداية الفصل الدراسي الجديد──بعد غد فقط.
لم يبقَ الكثير.
وعندما نلتقي في المرة القادمة، سأكون──إنسانًا.
هكذا يفترض أن يكون الأمر.
……أوشينو، في النهاية، غادر وهو يتجنب هانيكاوا بوضوح، لكن تُرى، ألم ترغب هانيكاوا في مقابلته قبل أن يرحل؟ الآن بعد أن أفكر في الأمر──نسيت أن أسألها عن ذلك.
لكن──لا فائدة من التفكير في الأمر الآن.
الأهم من ذلك.
«كيس-شوت. آسف على مقاطعة احتفالك، لكن──إن أمكن، أريدك أن تعيديني إلى إنسان بأسرع ما يمكن.»
«آه، صحيح. كدت أنسى. لا تقلق، سأعيدك كما ينبغي──لكن يا تابعي، قبل ذلك، ألا تحدثني قليلًا؟»
«أتحدث معك؟»
«حديث طويل──لا، ليس لدي شيء من ذلك في الحقيقة. لكن هناك أمر أريد أن أحدثك عنه قبل أن أعيدك إلى إنسان.»
كانت نبرة كيس-شوت هادئة.
وعيناها عادتا باردتين.
يبدو أنها دخلت وضع الجدية.
«حسنًا، لا مانع لدي.»
«جيد. إذن، ألن نغير المكان؟»
«ألا يمكننا التحدث هنا؟»
«يمكننا بالطبع، لكنني أفكر في الأجواء فحسب.»
قالت كيس-شوت: «لنصعد إلى الأعلى.»
وانصعت لكلامها، فخرجت من الفصل وصعدت الدرج──يبدو أن المطر قد توقف بالفعل، لكنه الليل الآن، ولن يكون هناك خطر التبخر أينما ذهبنا.
تجاوزتني كيس-شوت في منتصف الدرج، وفي النهاية صعدت حتى الطابق الرابع.
واختارت الفصل الذي دخلته أنا وأوشينو أثناء النهار.
كنت أظن أننا سنتحدث هنا حتمًا، لكن كيس-شوت سألت باستياء:
«ألا يمكننا الصعود إلى ما هو أعلى من هذا؟»
«ألا توجد ساحة سطح أصلًا؟ لم أرَ حتى درجًا للطوارئ أو شيئًا من هذا القبيل.»
فقلت ذلك، فأجابت:
«همم.»
ثم حدقت كيس-شوت في السقف.
وبسرعة خاطفة.
انفجر جزء من السقف.
تناثرت قطع الخرسانة إلى الأسفل، لكنها لم تكلف نفسها حتى عناء تفاديها، وقالت:
«اتبعني، يا تابعي.»
ثم أنبتت──وكأن الأمر طبيعي تمامًا──أجنحة شبيهة بأجنحة الخفافيش من الفتحة الكبيرة في ظهر فستانها، تمامًا كما كان صدرها مكشوفًا، وراحت تطير وهي ترفرف بجناحيها، ثم خرجت إلى الخارج عبر الثقب الذي فتحته في السقف بمجرد نظرة منها.
«…………»
لا، هناك أشياء كثيرة جدًا تستحق التعليق.
جسدكِ مليء بالثغرات.
بل إن نظرة كيس-شوت لها قوة تدميرية مادية…… حتى نظرة إبيسود الشريرة لا تضاهيها.
وقدرتها على التحول تتفوق على دراماتورغي نفسه.
لقد أنبتت أجنحة فعلًا.
حاولت أن أفعل الشيء نفسه، لكنني، بخلاف النباتات التي راكمت لها تدريبات تخيلية لا حصر لها، لم أفكر قط في إنبات أجنحة لنفسي، ولذلك لم أستطع فعلها.
فقفزت قفزة عادية، وعبرت من خلال الثقب.
حسنًا، هذا بحد ذاته شيء مذهل بما يكفي، أليس كذلك؟
سطح الخراب، مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور──لا، ربما ليس من الدقة أن أسميه سطحًا، فهو في النهاية مجرد سطح المبنى.
فوق ذلك السطح.
كانت كيس-شوت جالسةً في وضعية القرفصاء، تنتظرني.
تحت ضوء نجوم الليل──كانت جالسةً هناك في هيئة يغلب عليها الشرود والكآبة، حتى إن في مظهرها مسحةً غريبة من الإغراء. ورغم عدم وجود أي داعٍ لذلك، شعرت بالتوتر على نحو غريب.
هكذا، دون سبب واضح.
شعرت بالرهبة وانكمشت على نفسي.
الهيئة الكاملة──الهيئة التي لا يشوبها نقص.
وجود كامل.
ثم──وجود أسمى.
شعرت وكأنني أُجبرت على إدراك أنني، في النهاية──لست سوى تابع لذلك الوجود.
«هم؟»
فجأة نظرت كيس-شوت نحوي.
«ما الذي تفعله؟ اقترب.»
«……آه.»
وانصعت لكلامها──وجلست إلى جوار كيس-شوت.
وفجأة تلقيت منها نطحة.
نعم، نطحة رأس.
«مـ، ماذا تفعلين؟!»
«لماذا ترتجف وتتململ هكذا؟──أنت تابع عزيز عليّ. لن آكلك.»
«أ، آه…… حسنًا.»
قالت شيئًا كشف تمامًا ما يدور في داخلي.
لكن حين رأيت كيس-شوت تبتسم بهذه الطريقة، شعرت أن انكماشي أمامها كان سخيفًا بعض الشيء.
وبمجرد أن فكرت في الأمر هكذا، ارتحت دفعة واحدة.
«حسنًا، ماذا كنت أريد أن أحدثك عنه؟»
«ألم تقولي أن لديك شيئًا تريدين الحديث عنه؟»
قبل أن تعيديني إلى إنسان.
هذا ما قلته قبل قليل.
«لم تكن تلك صياغة دقيقة. ليس لدي شيء محدد أريد الحديث عنه، بل أردت فقط أن أتحدث معك، أيًا كان الموضوع.»
«تقولين شيئًا غريبًا.»
«لنتحدث قليلًا.»
تذكرت أن هانيكاوا قالت لي شيئًا من هذا القبيل في وقت ما.
حسنًا، حتى لو كانت مصاصة دماء، فهي امرأة، أليس كذلك؟
ربما تحب الأحاديث الطويلة.
ربما كان هذا أشبه بحفل احتفال بعودتها الكاملة.
«وهل هذا ضروري لإعادتي إلى إنسان؟»
«ضروري بالنسبة إليّ.»
«همم. لكنك عشتِ خمسمئة سنة. لا بد أن مخزون الحكايات لديك لا ينفد.»
«لم يحدث شيء مميز.»
قالت كيس-شوت ردًا على كلامي:
«لقد أمضيت كل ذلك الوقت تقريبًا وأنا أقاتل أمثال أولئك الثلاثة قتالًا حتى الموت──حتى وجدت نفسي ذات يوم قد أصبحت أسطورة. أما رجال مثل ذلك الفتى، فهم نادرون، على كل حال──»
«ذلك الفتى…… أوشينو؟»
«أن ينتزع قلبي مني دون أن أشعر──إنه أمر يستحق الإعجاب. لم أكن غافلة أو شاردة الذهن، ومع ذلك لم أعرف حتى متى مر بي.»
«من يكون ذلك الرجل؟»
«من يدري؟ لكن مجرد التفكير في احتمال أن يكون ذلك الفتى قد كرس نفسه بالكامل لصيد مصاصي الدماء يجعلني أشعر بالقشعريرة حتى أنا. من حسن حظي أنه اختار أن يظل محايدًا، ذلك الانتهازي الذي ينتظر أين تميل الكفة.»
«انتهازي؟……»
ظننت أن ذلك وصف قاسٍ، لكن في الوقت نفسه شعرت أن أوشينو قد وجد لنفسه لقبًا يناسبه على نحو مدهش. ولو أخبرته به، لربما فرح به وبدأ يعرّف نفسه به.
«لذلك كانت هذه الحادثة مثيرة إلى حد ما، لكن──في الأساس، كانت خمسمئة سنة مملة. ……همم. إذا كان هناك شيء يستحق أن أحكيه، فلا بد أنه قصة ذلك الرجل.»
«أي رجل؟»
«لقد أخبرتك أن كونك ثاني تابع أصنعه أنا، أليس كذلك؟ لذلك فهذه قصة تابعي الأول.»
«الأول──»
هممم.
«كانت قبل أربعمئة سنة──أليس كذلك؟»
«آه، صحيح. الآن بعدما ذكرتِ الأمر، أتذكر أنك قلت شيئًا من قبيل: ثاني واحد بعد أربعمئة سنة──كأنك تتحدثين عن مدرسة شاركت في بطولة كوشيئن للمرة الثانية.»
«كوشيئن؟»
«لا، لا تهتمي. مجرد تشبيه. المهم، كيف كان تابعك الأول؟ أريد أن أعرف.»
«حسنًا. سأخبرك.»
«هل كان شخصًا مثلي؟»
«؟ لماذا تظن ذلك؟»
«ماذا؟ ذلك لأن──»
لم أكن قد أخبرتها، لكن.
حسنًا، أوشينو لم يعد هنا، فلا بأس.
«──في الواقع، أخبرني أوشينو بالأمر. قال إن امتصاص مصاص الدماء لدم شخص له معنيان، وإن امتصاص الدم لا يعني بالضرورة أن الشخص يصبح تابعًا.»
«هم.»
عقدت كيس-شوت حاجبيها.
«……لا تسيء الفهم. لم أحولك إلى تابعي لأحاول إنقاذ حياتك──بل جعلتك تابعًا كي أستفيد منك في جمع أطرافي. ربما لم يعد هناك مانع من أن أخبرك بالحقيقة، لكن لو قلت لك ذلك منذ البداية، فربما لم تكن لتطيعني، ولهذا كذبت عليك.»
«قال أوشينو أنك ستقولين ذلك.»
«…………»
سكتت كيس-شوت.
ولم تقل شيئًا.
لا أعرف إن كان ذلك لأنها أصابت الحقيقة، أم لأنها أخطأت فيها تمامًا……
«لـ، لهذا ظننت أنك ربما اخترت شخصًا مثلي──ففي النهاية، نحن الاثنان شخصان اخترتهما أنت بنفسك ليكونا تابعين لك.»
«الشيء الوحيد المشترك بينكما هو الجنس البشري.»
رغم أنني بدأت أفكر أن من الأفضل لو التزمت الصمت، عدت إلى الموضوع، لكن كيس-شوت نفت تخميني بحسم.
«كان محاربًا──محاربًا بارعًا إلى درجة أنني كنت أستطيع أن أترك ظهري في حمايته.»
«همم…… حسنًا، من الواضح أنني لا أستطيع حماية ظهرك.»
أقصى ما أستطيع فعله هو حراسة المكان في غيابك.
لا، وحتى هذا ليس مضمونًا.
«لكن ذلك كان قبل أربعمئة سنة. في ذلك الزمن، كان الرجال جميعًا تقريبًا محاربين، أليس كذلك؟»
«يبدو أن تصورك للتاريخ مليء بالأحكام المسبقة ومشوه إلى حد بعيد.»
«أوه.»
كنت سيئًا في التاريخ العالمي.
«لا، اسمعي، أعني أن شخصيتي هكذا، ولذلك أجد التفكير الهيستيري صعبًا.»
«لم أكن أعرف أن كلمة hysteric لها معنى ثانٍ هو “تاريخي” قط.»
وبذلك كشفت أيضًا عن ضعفي في الإنجليزية.
«لكنني لم آتِ إلى هذا البلد منذ زمن طويل، ويبدو أنه أصبح مسالمًا فعلًا──حتى إن هذا البلد وحده يبدو وكأنه منفصل عن بقية العالم.»
«آسف لأنني شخص غارق في السلام.»
لا أظن أن ذلك أمر سيئ بالضرورة.
لكن كان من المؤكد أنني لم أكن محاربًا.
مهما حاولت أن أتظاهر بأنني بطل في معارك القوى الخارقة المدرسية، فأنا في النهاية شخص عادي──ومهما مُنحت من مهارات مصاصي الدماء، فإنني أشبه بتلميذ إعدادي يحمل سكينًا قابلة للطي.
ولا بد أن كيس-شوت كانت مستاءة من ذلك أشد الاستياء.
وخصوصًا إذا كان تابعها الأول قد كان شخصًا عظيمًا إلى تلك الدرجة.
«على أي حال، سواء جعلتِني تابعًا بدافع حرصك على حياتي، أو من أجل جمع أطرافك، فالأمر في النهاية كان مجرد إجراء اضطراري في حالة طارئة…… لا يوجد سبب يجعلني أشبه بتابعك الأول. لكنكِ قلت إننا من الجنس نفسه، أليس كذلك؟»
«نعم.»
«إذن، هل كان من المغول؟ يابانيًا──لا، على الأرجح ليس كذلك. من جهة القارة؟»
«لا، كان يابانيًا.»
قالت كيس-شوت شيئًا لم أتوقعه.
«كان رجلًا التقيت به في هذا البلد حين كنت أتجول في أنحاء العالم وألهو به في شبابي. تعلمت اليابانية آنذاك──مع أن اللغة تغيرت كثيرًا منذ ذلك الحين.»
«اليابان قبل أربعمئة سنة……»
عصر إيدو؟ أظن؟
وكنت سيئًا في التاريخ الياباني أيضًا.
بل، في الواقع، أنا سيئ في كل شيء عدا الرياضيات.
«إذن لم يكن محاربًا، بل ساموراي……»
«هم؟ آه، أظن أنه كان كذلك.»
أومأت كيس-شوت.
«على أي حال، كان رجلًا قويًا.»
«همم──لكن إذا كان الأمر كذلك، ألم يكن بإمكانك استدعاؤه هذه المرة؟ بما أنه كان تابعًا لك، فلا بد أنه كان أشبه بي، أليس كذلك؟ كان بإمكانك الاستعانة به بدلًا من أن أضع نفسي في كل تلك المخاطر──»
«مستحيل. لقد مات منذ زمن.»
قالت كيس-شوت ذلك مقاطعةً كلامي.
بل لقد قاطعتني فعلًا.
«وهذا أيضًا حدث منذ زمن بعيد جدًا. ……أتذكر؟ سبق أن أخبرتك أنني أستخدم السيف أحيانًا أثناء القتال.»
«هم؟»
هل قالت ذلك؟
لا──آه، صحيح. عندما تحدثنا عن السيف العظيم الخاص بدراماتورغي. كان من المفترض أنها تستطيع صنع السيوف والأسلحة بقدرتها على خلق المادة أو شيء من هذا القبيل.
لقد نسيت الأمر تمامًا.
لكن لحسن الحظ تذكرت دون الحاجة إلى العبث بدماغي.
«ذلك السيف هو هيئته.»
قالت ذلك، ثم جعلت كيس-شوت يدها اليمنى على هيئة سكين، وأدخلتها في بطنها.
اخترقت الفستان، وغاص طرف أصابعها بسهولة داخل أحشائها.
يا لها من مفارقة──كنت قد نجوت لتوي من الحاجة إلى العبث بدماغي……
وبينما كنت واقفًا مشدوهًا، سحبت كيس-شوت يدها اليمنى من بطنها──وكانت تمسك في يدها بما بدا أنه مقبض سيف.
بل كان مقبض سيف──سيف ياباني؟
وكان تخميني صحيحًا.
فالسيف الذي أخرجته كيس-شوت من بطنها كان سيفًا ضخمًا يبلغ طوله قرابة مترين.
«السيف الشيطاني “كوكورو واتاري”──يقال إنه من صنع حداد سيوف مجهول، لكنه يبدو قطعةً بارعة الصنع. حسنًا، أنا لا أفهم كثيرًا في هذه الأمور──لكن ما دام السيف يقطع، فقد أدى الغرض.»
«واو……»
كان جرح بطن كيس-شوت قد التأم بالفعل بحلول ذلك الوقت──فتمكنت من التركيز على السيف.
طويل…… طويل جدًا، لكنه ليس بطول السيف العظيم الخاص بدراماتورغي. ومع ذلك…… كان سيف دراماتورغي الفلامبرج ذا شكل يحمل مسحة فنية، لكن السيف الياباني هو الآخر له نكهته الخاصة، لا شك في ذلك.
كان السيف الياباني مع كيس-شوت ذات الشعر الذهبي والفستان، بصراحة، تناقضًا صارخًا──بل، من الأساس، مهما كان السيف من أمهر الأسلحة صنعًا، هل يوجد سلاح يمكنه تحمل القوة الجسدية لمصاصة دماء؟
«لا تتحرك.»
قالت ذلك.
ثم لوّحت كيس-شوت بسيفها، «كوكورو واتاري»، بحركة خاطفة.
بدت الحركة كما لو كانت تنفض غبارًا عن السيف──لكنها لم تكن كذلك.
«مهلًا──»
«لا تتحرك. لقد قطعتك الآن.»
«هـ، هاه؟»
«هل تشعر بالألم؟»
«لـ، لا──»
«همم. إذن يبدو أن مهارتي لم تضعف أيضًا──يمكنك التحرك الآن. لقد شُفي جرحك بالفعل.»
«مـ، ماذا يعني هذا──أهي الكذبة الثانية بعد “طفت حول الأرض سبع مرات ونصف”؟ حتى لو شُفيت، ملابسي لن تشفى معي، أليس كذلك…… أين قطعتني؟»
«ضربة أفقية عبر الجذع. لقد قطعت شيئًا ثمينًا مرة أخرى.»
«شيئًا ثمينًا تقولين؟!»
«ولا تقلق بشأن ملابسك. حدة “كوكورو واتاري” في القطع مشهورة──إلى درجة أن طرفي القطع يلتصقان مجددًا إذا تركتهما لبعض الوقت. وبالطبع، هذا بفضل مهارتي أيضًا.»
«…………»
يبدو أنها كانت تقول الحقيقة.
مستحيل……
«لكن كيف يستطيع ذلك السيف تحمل مهارتك──بل قوتك الجسدية؟ ألم يكن في الأصل مجرد سيف عادي؟»
«حتى لو كان كذلك، فهو ليس السيف الأصلي. لقد استخدم تابعي الأول السيف الأصلي مادةً لصنع هذا بدمه ولحمه. ثم ورثته أنا منه. حسنًا، الإفراط في حدة القطع قد يكون مشكلة أيضًا، لأنه مهما قطعت به، يعود الجزء المقطوع ويلتصق كما كان. ولهذا يمكن القول إن هذا السيف لا يصلح إلا لقطع الكايغي.»
«قطع الكايغي……»
«نعم. ربما يصعب نطق “كوكورو واتاري” قليلًا، لذلك يكون الاسم الذي يفهمه الخصوم بسهولة أكبر هو “قاتلة الكايغي”. في الأصل، “قاتلة الكايغي” ليس لقبي أنا، بل الاسم الآخر لهذا السيف.»
وبينما كانت تتحدث──أعادت كيس-شوت السيف إلى بطنها.
كان المشهد أشبه بالانتحار طعنًا.
مرة أخرى، أدركت أنها خالدة حقًا.
لكن كيس-شوت قالت إن تذكار تابعها الأول──ذلك السيف──هو الشيء الوحيد الباقي منه.
تابعها الأول مات بالفعل──
«كون مصاص دماء خالد قد مات يعني أنه──قُضي عليه على يد قاتلي مصاصي الدماء؟»
هل كان هناك أناس مثل دراماتورغي وإبيسود وغيوتين كاتر قبل أربعمئة سنة أيضًا؟
لكن──
«لا.»
قالت كيس-شوت.
«ذلك الرجل لم يكن، تحت أي ظرف، من النوع الذي يمكن لأحد أن يقتله.»
«إذن، لماذا؟»
مع أنه خالد.
كيف يمكن لشخص خالد أن يموت؟
«انتحر.»
قالت كيس-شوت ذلك بلا مبالاة.
بعينين باردتين──وهي تحدق في البلدة الممتدة تحتنا.
«إنه سبب شائع جدًا، بل يشكل تسعة أعشار أسباب موت مصاصي الدماء.»
«…………»
«أما العُشر الباقي فهو الوقوع ضحية لصائدي مصاصي الدماء──وما عدا ذلك من أسباب الموت لا يكاد يتجاوز هامش الخطأ.»
«الانتحار؟ لماذا؟»
«يقال إن الملل يقتل الإنسان، أليس كذلك؟»
الملل──يقتل الإنسان.
الشعور بالذنب يمكنه أيضًا أن يقتل الإنسان.
لكن الملل يقتل حتمًا.
«حسنًا، يختلف الأمر باختلاف الظروف والعصر، لكن سواء كان مصاص دماء أصيلًا أم إنسانًا تحول إلى مصاص دماء، يبدو أن معظم مصاصي الدماء، بعد أن يعيشوا مئتي سنة، يبدأون في الرغبة بالموت.»
«لكن──كيف يمكن لمصاص دماء أن ينتحر؟ وهو خالد.»
«كما فعلتَ في يومك الأول، إلقاء نفسك تحت الشمس هو أسرع طريقة──أي الانتحار بإلقاء النفس.»
«لديك طريقة بارعة في التعبير عن ذلك……»
لكن──هل الأمر كذلك فعلًا؟
بالتأكيد، لقد قالت لي كيس-شوت في ذلك اليوم شيئًا عن أنني ربما كنت راغبًا في الانتحار.
«إذا كان هناك شيء مميز في ذلك الرجل، فهو أنه اختار موته بنفسه بعد بضع سنوات فقط من تحوله إلى مصاص دماء──مع أنه في مثل هذه المدة القصيرة لا يكون شيء قد تغير كثيرًا.»
مات أمام عيني.
ألقى بنفسه تحت الشمس.
وأخذ يتعمد إظهار ذلك أمامي، وكأنه يريدني أن أراه.
همست كيس-شوت:
«ومنذ ذلك الحين──لم أصنع تابعًا آخر. حتى التقيت بك.»
«……ألم تشعري بالملل؟»
سألتها.
ربما لم يكن ينبغي لي أن أسأل.
«ليس مئتي سنة فحسب، بل خمسمئة سنة──من العيش……»
«وكيف لي ألا أشعر بالملل؟»
أجابت كيس-شوت بلا اكتراث.
«كنت أشعر بالملل طوال الوقت.»
«…………»
«مللًا لا ينتهي──لم يكن لدي شيء أفعله. فإذا فعلت أي شيء، استجابوا لحركتي ولاحقني صائدو مصاصي الدماء──تمامًا كما لحق بي الثلاثة في هذه الرحلة السياحية.»
«رحلة سياحية.»
ظننت أن ذلك كان كذبة على الأرجح.
لكنني عدت وفكرت أنها ربما كانت تقول الحقيقة.
إذا كانت قد صنعت تابعها الأول هنا، في هذا البلد، ذات يوم──
«……لكنني لم أتركك تشعر بالملل، يا تابعي. فأنت──كل ما فعلته وكل ما مررت به كان عبثيًا تمامًا.»
قالت كيس-شوت، وهي تضحك في تسلية، إن الإنسان الذي يمد عنقه بنفسه لمصاص دماء هو على الأرجح أول إنسان في التاريخ يفعل ذلك.
وكانت تلك──ضحكة طفولية بشكل غريب بالنسبة إلى عمرها الظاهري.
«ثم إنك ناديتني فجأةً “كيس-شوت”.»
«آه…… كنت أريد أن أسألك عن ذلك، لكن لم تسنح لي الفرصة. يبدو أن الجميع يتفاجأ من الأمر. حتى أوشينو نفسه كان كذلك. هل هناك شيء سيئ في مناداتك بذلك؟»
«لا يوجد كثير من الحمقى الذين ينادون مصاص دماء باسمه الحقيقي.»
«اسمه الحقيقي؟ مثل الاسم الأول؟»
«……شرح الأمر سخيف. ربما يعود ذلك إلى اختلاف الأجيال…… لا، ربما اختلاف العصر──ولست وحدي. أظن أن الثلاثة الآخرين كذلك. يبدو أننا جميعًا قد أصبحنا خارج الموضة، خارج العصر. وإذا أردت أن أتكيف مع هذا العصر وأتخذ الشكل الملائم له، فربما كان الشكل الذي يتخذه ذلك الفتى هو الشكل الصحيح.»
«تقولين إن شخصًا مثل أوشينو هو الشكل الصحيح…… مستحيل. من يستطيع اعتبار شخص متأنق متلاعب مثله نموذجًا مثاليًا؟»
«ليس نموذجًا مثاليًا، بل واقعًا.»
«على أي حال»، قالت كيس-شوت.
«هذا كل ما أستطيع أن أحكيه لك. لكنني بدأت أرغب في سماع قصتك أنت أيضًا. أظنك عشت سبعة عشر عامًا؟ لم تكن حياتك كلها بلا طائل. احكِ لي قصةً مسلية.»
«واااه.»
يا له من طلب صعب.
أن تحكي قصة مسلية بعد هذا التمهيد يرفع مستوى التحدي إلى حد مخيف.
«إ، إذن…… حسنًا، إليك حكايةً سخيفة كالمعتاد. كان يا ما كان رجل، وكان شابًا طيبًا في الأصل، لكنه، لسوء حظه، كان يحب الشراب حبًا جمًا. ولو اقتصر الأمر على ذلك، لكان مجرد ميل شخصي، ولما كان شأنًا لأحد، لكن لسوء الحظ، قاد سيارته ذات يوم وهو ثمل، فدهس طفلةً صغيرة كانت تعبر الشارع وهي ترفع يدها عند الإشارة الخضراء. ولأنه كان مخمورًا، لم ينتبه إلى أنه دهسها في حينه، وفي اليوم التالي، عندما رأى الدماء عالقة بمصد السيارة في موقف سيارات البناية التي يسكن فيها، أدرك ما حدث. وعندما قرأ في الصحيفة أن اسم الطفلة التي دهسها كان “ريكا-تشان”، عرف الرجل الحقيقة. وبالطبع، كان عليه أن يسلم نفسه للشرطة، لكنه تردد. لا بد أنه لم يكن هناك شهود، ولذلك إذا التزم الصمت…… وبينما كان يفكر في الأمر، حل الليل──وعندها رن هاتف البناية الثابت. “أنا ريكا-تشان. أنا الآن أمام البناية.” ثم انقطع الاتصال. “ريكا-تشان؟! هذا مستحيل!” ارتبك الرجل. لكن الصوت كان فعلًا صوت طفلة صغيرة، بلفظ طفولي غير واضح. هل يمكن أن تكون الطفلة التي دهسها، والتي يفترض أنها ماتت……؟ وبينما كان يفكر في ذلك، جاء الاتصال الثاني فورًا. “أنا ريكا-تشان. أنا الآن في الطابق الأول.” شقة الرجل في الطابق الخامس! كانت “ريكا-تشان” تصعد إليه. وما إن أدرك الرجل ذلك حتى تجاوز الارتباك ودخل في حالة من الرعب. ثم جاء الاتصال الثالث. “أنا ريكا-تشان. أنا الآن في المصعد.” ……لا تتكاسلي، اصعدي الدرج!»
«…………»
لم تضحك.
رغم أنني أطلت في سردها.
ربما كانت طريقة إلقائي التي تعمدت فيها تقليد أسلوب حكواتي القصص أسوأ مما توقعت.
«لا، ليس الأمر كذلك. إنها قصة مضحكة فعلًا.»
«تبا……»
لقد جُرحت كرامتي!
ثم إنني، في الأساس، الشخص الذي يطلق التعليقات الساخرة…….
هل يُعقل أن أظل صامتًا بعد كل هذا الاستهزاء؟
«حـ، حسنًا، المحاولة الثانية!»
«أوه.»
«قال الدكتور كلارك──“يا فتيان، كونوا أنشوجة!”»
«…………»
لم تبتسم حتى.
حتى النكتة السريعة لم تنجح.
«إذن فلتكن الثالثة! تذكرت هذا بسبب حديثنا عن التاريخ العالمي قبل قليل، سأخبرك بقصة فشلي!»
«أنا في انتظارها.»
«كان هناك سؤال في اختبار يطلب ذكر أسماء الدول التي تشكل “طوق ABCD” الذي أحاط باليابان قبل الحرب العالمية الثانية──وكان عليّ أن أجيب! “A هي أمريكا، B هي بريطانيا، C هي الصين…… وD هي ألمانيا!”»
«…………»
مالت كيس-شوت برأسها.
حتى قصة فشلي لم تضحكها؟
«أعني…… ما المضحك هو أنني أصبت في أن B هي بريطانيا، لكنني لسبب ما قرأت D بحروفها اللاتينية وفسرتها على أنها ألمانيا…… وفوق ذلك، ألمانيا كانت أصلًا من دول المحور، أليس كذلك؟ شيء من هذا القبيل؟»
وها أنا ذا أشرح نكتتي بنفسي.
فقالت كيس-شوت:
«……ما هو طوق ABCD؟»
«لا يمكن لقواعد البشر العامة أن تنطبق عليك!»
كانت تلك طريقة حزينة جدًا لفشل النكتة.
ومنذ ذلك الحين، في النهاية──ظللت أنا وكيس-شوت نتحدث فوق سطح الخراب، حتى تجاوز عقرب الساعة منتصف الليل، وتغير التاريخ إلى السابع من أبريل──أي آخر يوم من العطلة الربيعية لثانوية ناويتسو الخاصة.
حتى إن عيني كيس-شوت الباردتين بدتا لي وكأنهما مليئتان بعزم على إحباط كل حكاية قصيرة ألقيها، لكن في منتصف الطريق، أصبحنا نحن الاثنان في حالة من “أي شيء صار مضحكًا الآن”، فصرنا نضحك على أي شيء نقوله لبعضنا حتى تكاد أحشاؤنا تنفجر.
أغلب الظن أن معظم أحاديثنا كانت بلا معنى.
أغلب الظن أنها كانت أحاديث فارغة المضمون.
لكن──ربما.
عندما أسترجع هذه العطلة الربيعية في المستقبل، فإن أكثر ما سيبقى في ذاكرتي، وما لن أتمكن من نسيانه أبدًا، سيكون على الأرجح حديثي مع كيس-شوت، هنا، في هذا المكان، في هذه اللحظة.
ضحكنا معًا──أظن أن هذا هو ما سيبقى في ذاكرتي.
«حسنًا إذن.»
بعدما ضحكت حتى كادت دموعها تنهمر، مسحت كيس-شوت عينيها اللتين ظلتا باردتين رغم كل شيء، ثم نهضت.
«حان الوقت──لأعيدك إلى إنسان.»
«هم، آه.»
صحيح.
تبًا، نسيت ذلك من شدة انشغالي.
هل يعقل أن ينسى المرء أمرًا مهمًا كهذا……؟ شعرت بالاستياء قليلًا من نفسي.
لقد أمضيت وقتًا ممتعًا أكثر مما ينبغي.
لكن حسنًا──الحفلة أوشكت على نهايتها.
«بالمناسبة──ألم يقل تابعك الأول إنه يريد العودة إلى إنسان؟»
«……هممم، الأمر معقد.»
«معقد؟»
إنها تستخدم كلمات يابانية صعبة، هذه.
«في ذلك الوقت، لم أكن أستطيع إعادته إلى إنسان مهما كان الأمر──ولهذا أحاول هذه المرة أن أستفيد قدر الإمكان من ذلك الدرس. والآن، هل أنت مستعد؟»
«لا…… في الحقيقة، ربما بسبب كثرة الضحك، أشعر بقليل من الجوع. هل يمكنني أن آكل شيئًا أولًا؟ أظن أن الطعام قد نفد، فهل سيظل لدينا وقت إذا خرجت لشراء شيء؟»
«هم؟ حسنًا، صحيح أنا أيضًا أشعر بالجوع بعدما عدت فجأة إلى هيئتي الكاملة──لكن أليس بوسعك الصبر قليلًا؟»
«بلى، لكن……»
«هل تنوي إحضار بعض الطعام المحمول؟»
«طعام محمول؟»
ما هذا بحق السماء؟
هل ذوقها قديم إلى هذه الدرجة؟
«حسنًا، هذه آخر ليلة لي كمصاص دماء، لذا أردت أن أستمتع بقليل من الوقت المتبقي. هل هناك شيء تريدين أكله؟»
«ليس لدي ما أحب أو أكره من الطعام.»
«همم.»
على أي حال، في مثل هذا الوقت المتأخر، لن يكون مفتوحًا سوى متجر صغير يعمل طوال الليل، لذلك لم تكن الخيارات كثيرة من الأساس.
«لا بأس. افعل ما يحلو لك، يا تابعي. سأقدّر رغبتك في البقاء تابعي أطول فترة ممكنة──سأستعد في الطابق الثاني.»
«حسنًا.»
وهكذا──
انتهى حديثنا فوق السطح.
رغم أنني توقعت ألا يكون مفتوحًا سوى متجر صغير يعمل طوال الليل، حتى ذلك المتجر كان بعيدًا بما يكفي بحيث أحتاج إلى الذهاب مسافة طويلة قبل أن أجده مفتوحًا──وكانت الرحلة ذهابًا وإيابًا من مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور ستستغرق ساعة كاملة.
لو لم أركض باستخدام قوة مصاص الدماء، طبعًا.
لكن──لم تكن لدي رغبة في الركض.
بل تعمدت أن أمشي ببطء.
آه.
هذا مزعج.
إعادتي إلى إنسان──قالتها كيس-شوت بكل تلك الخفة وكأن الأمر لا يستحق التفكير، ولا أستطيع إنكار أنني شعرت بشيء من التردد والرهبة.
أنا جبان وضعيف القلب.
لكن──كلماتي لكيس-شوت عن “الرغبة في الاستمتاع بما تبقى من الوقت” كانت في الحقيقة كذبة مؤقتة، مجرد عذر في اللحظة. وبالتأكيد لم أكن أرغب في البقاء تابعًا لكيس-شوت ولو لثانية أطول. هذا مستحيل.
فقط.
كنت أكره الفراق.
«……هممم.»
ربما──كانت كيس-شوت تشعر بالشيء نفسه.
الأمر الذي أرادت أن تحدثني عنه قبل أن تعيدني إلى إنسان.
في النهاية، لم يكن هناك شيء من هذا القبيل.
كل ما في الأمر أنها──كانت تريد أن تتحدث معي من صميم قلبها.
كان ذلك──حفلًا للاحتفال.
«يا للعجب.»
كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد.
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد.
مصاصة الدماء الأسطورية.
قاتلة الكايغي.
«لكنها──سترَحل في النهاية، أليس كذلك؟»
لقد استعادت جميع أجزاء جسدها.
ولم يعد هناك سبب يدعوها إلى البقاء في هذه البلدة──بل في هذا البلد──أكثر من ذلك.
كانت قد قالت إنها في رحلة سياحية.
وبالنظر إلى قصة تابعها الأول، فلا بد أنها كانت جولة في أماكن تحمل لها ذكريات──لكن يبدو أن أسوأ الذكريات قد طغت على تلك الذكريات القديمة.
لقد سُرق قلبها.
وقُطعت أطرافها.
وتابعها الثاني الذي صنعته في محاولة يائسة كان شخصًا عاديًا.
ثم إن ذلك التابع أخذ يقول إنه يريد العودة إلى إنسان.
قالت إنها لم تشعر بالملل معي، على الأقل.
«قالت إنها دُعيت لأن تصبح إلهًا ورفضت──إنها تختلف كثيرًا عن غيوتين كاتر.»
بعد أن تغادر هذا البلد.
هل ستعود إلى التجول في أنحاء العالم مرة أخرى؟
لا، قالت إنها كانت تتجول في العالم في شبابها، لذلك ربما لم تعد تسافر إلى هذا الحد في الآونة الأخيرة؟
بل، هل تستطيع أصلًا ركوب الطائرة؟ تلك…… لا، يكفي أن تنبت أجنحة وتطير في السماء. يا له من جسد مريح.
لكن مع ذلك، لا أملك أي رغبة في الرحيل.
كل ما يشبه الرابط بيني وبين كيس-شوت تقريبًا هو كوني مصاص دماء، ولهذا فإن فكرة فقدان ذلك الرابط هي التي جعلتني أشعر بالخوف.
أوشينو──ذلك الرجل الخفيف، أدركت على ما يبدو سبب عدم قوله كلمة وداع قط.
«حسنًا، لا مفر من ذلك.»
هناك لقاءات، وهناك فراق.
هذه هي الحياة.
حتى لو كان هذان الأسبوعان بالنسبة إلى كيس-شوت مجرد ذكريات سيئة، فإنني الآن، حين أفكر في الأمر، أظن أن عطلة الربيع هذه لم تكن سيئة إلى ذلك الحد بالنسبة إليّ.
ربما لم تكن سيئة إلى ذلك الحد.
لأنني──كنت أشعر بذلك حقًا.
«حسنًا.»
وقررت، بعد حفلة الاحتفال فوق السطح، أن أقيم لها أيضًا حفلة وداع. وبذلت ما استطعت من مال، فاشتريت من المتجر كل ما وقعت عليه يدي من الكعك والحلويات وغيرها، عازمًا على جعلها حفلة فاخرة قدر الإمكان، ثم أسرعت في طريق العودة قليلًا متجهًا إلى مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور.
وخلال طريق العودة.
ورغم كل شيء، كنت عازمًا على أن أقول لكيس-شوت كلمة وداع تليق بالمقام──وهكذا وصلت إلى الفصل في الطابق الثاني.
كان التاريخ السابع من أبريل.
وكان الوقت بعد الثانية صباحًا بقليل.
«لقد عدت.»
قلت ذلك محاولًا أن أبدو مرحًا، وفتحت الباب.
فوجدت كيس-شوت تتناول العشاء.
بشراهة. تمضغ. تلتهم.
بشراهة. تمضغ. تلتهم.
بشراهة. تمضغ. تلتهم.
بشراهة. تمضغ. تلتهم.
كانت تأكل──إنسانًا.
«……ماذا؟»
سقط الكيس الذي كنت أحمله من يدي.
وعلى صوت سقوطه، التفتت كيس-شوت نحوي.
وكانت تمسك بكلتا يديها──رأس إنسان قد التهمت نصفه تقريبًا.
«أوه، يا تابعي──عدت أسرع مما توقعت. لكنني أخبرتك، أليس كذلك؟ من آداب السيدة أن تترك المكان أثناء تناولها الطعام.»
كان الرأس مألوفًا لي.
أحد الخبراء الثلاثة في صيد مصاصي الدماء──
الوحيد بينهم الذي كان إنسانًا.
غيوتين كاتر.
كان جسده──لحمه──قد قُطع إلى أجزاء صغيرة، مقطعًا إلى أحجام يسهل أكلها.
وكانت تلك وجبةً كاملة──برأسها.
«كنت أنتظرك، لكنه جاء إلى هنا──يبدو أن الحاجز لم يستطع حتى هو أن يخفي قوة نفسي بكاملها. لكنني كنت جائعة أصلًا، لذا جاء في وقته تمامًا. لقد كان وجبةً منعشة.»
قالت ذلك.
ثم نظرت كيس-شوت من فوق كتفي، كما لو كانت تبحث عن شخص ما.
ثم مالت برأسها باستغراب.
«ما الأمر؟ ألم تحضر معك ذلك الطعام المحمول ذي النظارات والضفيرة؟»
«إييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي──ياهوووو!» كانت تلك── أولى كلمات كيس-شوت في هيئتها الكاملة. في تلك الليلة، بعدما استيقظت، سلّمتها الأجزاء الثلاثة التي أعادها إليّ أوشينو──أما فيما يخص القلب، فقد ترددت قليلًا، لكنني أخبرتها بالحقيقة كاملة كما حدثت. فأطلقت كيس-شوت إيماءةً هادئة قائلة: «فهمت»، ثم انقضّت على القلب الأحمر القاني، وكأنها تراه تفاحةً، وراحت تنهش منه. القاعدة تقضي بألا يجلس المرء إلى مائدة سيدة أثناء تناولها الطعام. ولهذا خرجت إلى الممر. وبعد برهة──سمعت صرخة فرح من ذلك النوع. صرخة فرح صادقة، نابعة من أعماق القلب──كانت كذلك. فتحت الباب وعدت إلى داخل الفصل. وكانت هناك كيس-شوت في هيئتها الكاملة. في ذلك اليوم. هي التي التقيت بها──تحت ضوء مصباح الشارع. شعرها الذهبي. وقد طال أكثر، وربطته ربطًا خفيفًا عند مؤخرة عنقها. فستان أنيق──وقامتها أطول مني بكثير. وجدتها جميلة، ببساطة. أما أن أجد شخصًا لطيفًا أو أنيقًا أو جذابًا، فذلك شيء، لكنني لا أظن أنني شعرت طوال حياتي بهذا القدر من معنى «الجمال» قط. لا. في ذلك اليوم أيضًا──كنت قد شعرت بالشيء نفسه. إنها فعلًا──الهيئة الكاملة. هيئة كاملة لا يشوبها نقص. «ياااااهووو! عدت! عدت!» «…………» حسنًا، لو أنها لم تكن تقفز هنا وهناك داخل الفصل، متنقلةً بخفة كأنها ترقص قفزًا، لربما شعرت بإعجاب أكبر بكثير، وربما حتى بالتأثر. يا لها من فرحة. لا أثر للهيبة أو الوقار. «كيس-شوت…… بالمناسبة، يبدو أن أوشينو غادر إلى مكان ما أثناء النهار.» «هم؟ وما شأن ذلك؟» «لا، أقصد مسألة القلب. ألا ينبغي أن تغضبي منه؟» «لا بأس، لا بأس، سأغفر له──بل لا يهمني أصلًا!» ثم أطلقت ضحكةً «كيهاهاهاها» أشبه بضحكات الفتيات المدللات، لا تليق بهيئتها على الإطلاق، واستمرت في القفز والتنقل هنا وهناك. هممم. لكن، بما أنني لم ألاحظ ذلك تحت مصباح الشارع آنذاك بسبب كل ما كان يحدث……فصدر كيس-شوت ضخم بشكل رهيب. يهتز، يهتز، يهتز، يهتز مع كل قفزة. وفتحة الفستان عند الصدر واسعة إلى حد لا بأس به أيضًا. آه، هكذا إذن. ذلك الشيء (في العاشرة) يمر بذلك التطور (في السابعة عشرة)، وفي النهاية يصبح هكذا (في السابعة والعشرين)…… يا له من أمر غامض. «…………» لم أستطع منع فكرة مشبوهة من أن تخطر ببالي، وهي أنه ربما لو طلبت منها الآن، وهي في قمة فرحتها وحماسها، لسمحت لي بلمس صدرها، لكنني لم أمتلك الشجاعة لتنفيذ ذلك. بل إنني لو فعلت، لكان ذلك إفسادًا للفرحة إلى أقصى حد. «هم.» وفجأة. توقفت كيس-شوت عن الحركة تمامًا. ماذا؟ هل قرأت أفكاري؟ شعرت بالقلق فجأة، فقلت: «مـ..ماذا حدث؟ كيس-شوت؟» وأظن أن صوتي كان يرتجف قليلًا. «………………» ظلت كيس-شوت ساكنةً لبعض الوقت، وهو ما زاد من قلقي، لكن بعد برهة أخرى قالت: «هم؟ ماذا هناك؟» «أكنتَ تتحدث إلى ظلي الآن؟» «ظـ، ظلك؟» «في الواقع، لقد طفت حول الأرض سبع مرات ونصف الآن.» «أنتِ الضوء أم ماذا؟!» كانت تلك، حتى بالنسبة إليّ، نكتةً لن أجد نفسي أقول مثلها على الأرجح لبقية حياتي. «مجرد مزحة، مجرد كذبة! سبع مرات ونصف تعني أنني سأكون في البرازيل الآن!» ضحكت كيس-شوت قهقهةً. واو، حماسها مرتفع فعلًا. «ههه. ما أجمل هذا. أن يكون المرء كاملًا تمامًا، وأن يكون ذاته ذاتها──يا تابعي.» استمرت كيس-شوت في الاحتفال والمرح لنحو ساعتين أخريين، لكنها بحلول ذلك الوقت كانت قد هدأت أخيرًا، وقالت: «اسمح لي أن أشكرك مجددًا. بالطبع، كنت موقنة أنك ستتمكن من جمع أطرافي ببراعة، لكنني لم أكن أتوقع منك أن تجمع حتى القلب الذي لم أكن أعرف بنفسي أنه فُقد مني. لقد كان عملًا يفوق كل توقعاتي. سأمتدحك على ذلك.» «لا أدري.» سواء شكرتني أم امتدحتني، ظل شعوري تجاه الأمر غريبًا وغير مريح. فلا يمكنني التخلص من ذلك الإحساس بأن كل شيء كان مدبرًا. كأنني كنت مجرد دمية يحركها أحدهم──هذا ما أظنه. «أشعر أنني لم أفعل سوى التردد هنا وهناك──بدلًا من أن أكون قد جمعتها، أشعر أنها هي التي اجتمعت من تلقاء نفسها.» ولو سألني أحد بفضل من حدث ذلك، فسيكون الفضل لأوشينو، على الأرجح. لكن أوشينو سيكره أن يُقال له ذلك، لذا إن لم يكن هو، فربما كان الفضل لهانيكاوا. هانيكاوا تسوباسا. وبالمناسبة، هي لم تأتِ الليلة. وقد قررنا──أنا وهي──أن نلتقي مجددًا مع بداية الفصل الدراسي الجديد. قررنا ذلك معًا. وبالطبع، الآن بعد أن هزمتُ الخبراء الثلاثة في صيد مصاصي الدماء واحدًا تلو الآخر، لا أظن أن هناك خطرًا جديدًا سيهددها──لكننا رأينا مع ذلك أن من الأفضل ألا تقترب من مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور مرة أخرى. حين اتخذنا ذلك القرار، كان من غير المؤكد أيضًا ما إذا كان غيوتين كاتر سيعيد ذراعي كيس-شوت إليها فعلًا. وعلى كل حال، بداية الفصل الدراسي الجديد──بعد غد فقط. لم يبقَ الكثير. وعندما نلتقي في المرة القادمة، سأكون──إنسانًا. هكذا يفترض أن يكون الأمر. ……أوشينو، في النهاية، غادر وهو يتجنب هانيكاوا بوضوح، لكن تُرى، ألم ترغب هانيكاوا في مقابلته قبل أن يرحل؟ الآن بعد أن أفكر في الأمر──نسيت أن أسألها عن ذلك. لكن──لا فائدة من التفكير في الأمر الآن. الأهم من ذلك. «كيس-شوت. آسف على مقاطعة احتفالك، لكن──إن أمكن، أريدك أن تعيديني إلى إنسان بأسرع ما يمكن.» «آه، صحيح. كدت أنسى. لا تقلق، سأعيدك كما ينبغي──لكن يا تابعي، قبل ذلك، ألا تحدثني قليلًا؟» «أتحدث معك؟» «حديث طويل──لا، ليس لدي شيء من ذلك في الحقيقة. لكن هناك أمر أريد أن أحدثك عنه قبل أن أعيدك إلى إنسان.» كانت نبرة كيس-شوت هادئة. وعيناها عادتا باردتين. يبدو أنها دخلت وضع الجدية. «حسنًا، لا مانع لدي.» «جيد. إذن، ألن نغير المكان؟» «ألا يمكننا التحدث هنا؟» «يمكننا بالطبع، لكنني أفكر في الأجواء فحسب.» قالت كيس-شوت: «لنصعد إلى الأعلى.» وانصعت لكلامها، فخرجت من الفصل وصعدت الدرج──يبدو أن المطر قد توقف بالفعل، لكنه الليل الآن، ولن يكون هناك خطر التبخر أينما ذهبنا. تجاوزتني كيس-شوت في منتصف الدرج، وفي النهاية صعدت حتى الطابق الرابع. واختارت الفصل الذي دخلته أنا وأوشينو أثناء النهار. كنت أظن أننا سنتحدث هنا حتمًا، لكن كيس-شوت سألت باستياء: «ألا يمكننا الصعود إلى ما هو أعلى من هذا؟» «ألا توجد ساحة سطح أصلًا؟ لم أرَ حتى درجًا للطوارئ أو شيئًا من هذا القبيل.» فقلت ذلك، فأجابت: «همم.» ثم حدقت كيس-شوت في السقف. وبسرعة خاطفة. انفجر جزء من السقف. تناثرت قطع الخرسانة إلى الأسفل، لكنها لم تكلف نفسها حتى عناء تفاديها، وقالت: «اتبعني، يا تابعي.» ثم أنبتت──وكأن الأمر طبيعي تمامًا──أجنحة شبيهة بأجنحة الخفافيش من الفتحة الكبيرة في ظهر فستانها، تمامًا كما كان صدرها مكشوفًا، وراحت تطير وهي ترفرف بجناحيها، ثم خرجت إلى الخارج عبر الثقب الذي فتحته في السقف بمجرد نظرة منها. «…………» لا، هناك أشياء كثيرة جدًا تستحق التعليق. جسدكِ مليء بالثغرات. بل إن نظرة كيس-شوت لها قوة تدميرية مادية…… حتى نظرة إبيسود الشريرة لا تضاهيها. وقدرتها على التحول تتفوق على دراماتورغي نفسه. لقد أنبتت أجنحة فعلًا. حاولت أن أفعل الشيء نفسه، لكنني، بخلاف النباتات التي راكمت لها تدريبات تخيلية لا حصر لها، لم أفكر قط في إنبات أجنحة لنفسي، ولذلك لم أستطع فعلها. فقفزت قفزة عادية، وعبرت من خلال الثقب. حسنًا، هذا بحد ذاته شيء مذهل بما يكفي، أليس كذلك؟ سطح الخراب، مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور──لا، ربما ليس من الدقة أن أسميه سطحًا، فهو في النهاية مجرد سطح المبنى. فوق ذلك السطح. كانت كيس-شوت جالسةً في وضعية القرفصاء، تنتظرني. تحت ضوء نجوم الليل──كانت جالسةً هناك في هيئة يغلب عليها الشرود والكآبة، حتى إن في مظهرها مسحةً غريبة من الإغراء. ورغم عدم وجود أي داعٍ لذلك، شعرت بالتوتر على نحو غريب. هكذا، دون سبب واضح. شعرت بالرهبة وانكمشت على نفسي. الهيئة الكاملة──الهيئة التي لا يشوبها نقص. وجود كامل. ثم──وجود أسمى. شعرت وكأنني أُجبرت على إدراك أنني، في النهاية──لست سوى تابع لذلك الوجود. «هم؟» فجأة نظرت كيس-شوت نحوي. «ما الذي تفعله؟ اقترب.» «……آه.» وانصعت لكلامها──وجلست إلى جوار كيس-شوت. وفجأة تلقيت منها نطحة. نعم، نطحة رأس. «مـ، ماذا تفعلين؟!» «لماذا ترتجف وتتململ هكذا؟──أنت تابع عزيز عليّ. لن آكلك.» «أ، آه…… حسنًا.» قالت شيئًا كشف تمامًا ما يدور في داخلي. لكن حين رأيت كيس-شوت تبتسم بهذه الطريقة، شعرت أن انكماشي أمامها كان سخيفًا بعض الشيء. وبمجرد أن فكرت في الأمر هكذا، ارتحت دفعة واحدة. «حسنًا، ماذا كنت أريد أن أحدثك عنه؟» «ألم تقولي أن لديك شيئًا تريدين الحديث عنه؟» قبل أن تعيديني إلى إنسان. هذا ما قلته قبل قليل. «لم تكن تلك صياغة دقيقة. ليس لدي شيء محدد أريد الحديث عنه، بل أردت فقط أن أتحدث معك، أيًا كان الموضوع.» «تقولين شيئًا غريبًا.» «لنتحدث قليلًا.» تذكرت أن هانيكاوا قالت لي شيئًا من هذا القبيل في وقت ما. حسنًا، حتى لو كانت مصاصة دماء، فهي امرأة، أليس كذلك؟ ربما تحب الأحاديث الطويلة. ربما كان هذا أشبه بحفل احتفال بعودتها الكاملة. «وهل هذا ضروري لإعادتي إلى إنسان؟» «ضروري بالنسبة إليّ.» «همم. لكنك عشتِ خمسمئة سنة. لا بد أن مخزون الحكايات لديك لا ينفد.» «لم يحدث شيء مميز.» قالت كيس-شوت ردًا على كلامي: «لقد أمضيت كل ذلك الوقت تقريبًا وأنا أقاتل أمثال أولئك الثلاثة قتالًا حتى الموت──حتى وجدت نفسي ذات يوم قد أصبحت أسطورة. أما رجال مثل ذلك الفتى، فهم نادرون، على كل حال──» «ذلك الفتى…… أوشينو؟» «أن ينتزع قلبي مني دون أن أشعر──إنه أمر يستحق الإعجاب. لم أكن غافلة أو شاردة الذهن، ومع ذلك لم أعرف حتى متى مر بي.» «من يكون ذلك الرجل؟» «من يدري؟ لكن مجرد التفكير في احتمال أن يكون ذلك الفتى قد كرس نفسه بالكامل لصيد مصاصي الدماء يجعلني أشعر بالقشعريرة حتى أنا. من حسن حظي أنه اختار أن يظل محايدًا، ذلك الانتهازي الذي ينتظر أين تميل الكفة.» «انتهازي؟……» ظننت أن ذلك وصف قاسٍ، لكن في الوقت نفسه شعرت أن أوشينو قد وجد لنفسه لقبًا يناسبه على نحو مدهش. ولو أخبرته به، لربما فرح به وبدأ يعرّف نفسه به. «لذلك كانت هذه الحادثة مثيرة إلى حد ما، لكن──في الأساس، كانت خمسمئة سنة مملة. ……همم. إذا كان هناك شيء يستحق أن أحكيه، فلا بد أنه قصة ذلك الرجل.» «أي رجل؟» «لقد أخبرتك أن كونك ثاني تابع أصنعه أنا، أليس كذلك؟ لذلك فهذه قصة تابعي الأول.» «الأول──» هممم. «كانت قبل أربعمئة سنة──أليس كذلك؟» «آه، صحيح. الآن بعدما ذكرتِ الأمر، أتذكر أنك قلت شيئًا من قبيل: ثاني واحد بعد أربعمئة سنة──كأنك تتحدثين عن مدرسة شاركت في بطولة كوشيئن للمرة الثانية.» «كوشيئن؟» «لا، لا تهتمي. مجرد تشبيه. المهم، كيف كان تابعك الأول؟ أريد أن أعرف.» «حسنًا. سأخبرك.» «هل كان شخصًا مثلي؟» «؟ لماذا تظن ذلك؟» «ماذا؟ ذلك لأن──» لم أكن قد أخبرتها، لكن. حسنًا، أوشينو لم يعد هنا، فلا بأس. «──في الواقع، أخبرني أوشينو بالأمر. قال إن امتصاص مصاص الدماء لدم شخص له معنيان، وإن امتصاص الدم لا يعني بالضرورة أن الشخص يصبح تابعًا.» «هم.» عقدت كيس-شوت حاجبيها. «……لا تسيء الفهم. لم أحولك إلى تابعي لأحاول إنقاذ حياتك──بل جعلتك تابعًا كي أستفيد منك في جمع أطرافي. ربما لم يعد هناك مانع من أن أخبرك بالحقيقة، لكن لو قلت لك ذلك منذ البداية، فربما لم تكن لتطيعني، ولهذا كذبت عليك.» «قال أوشينو أنك ستقولين ذلك.» «…………» سكتت كيس-شوت. ولم تقل شيئًا. لا أعرف إن كان ذلك لأنها أصابت الحقيقة، أم لأنها أخطأت فيها تمامًا…… «لـ، لهذا ظننت أنك ربما اخترت شخصًا مثلي──ففي النهاية، نحن الاثنان شخصان اخترتهما أنت بنفسك ليكونا تابعين لك.» «الشيء الوحيد المشترك بينكما هو الجنس البشري.» رغم أنني بدأت أفكر أن من الأفضل لو التزمت الصمت، عدت إلى الموضوع، لكن كيس-شوت نفت تخميني بحسم. «كان محاربًا──محاربًا بارعًا إلى درجة أنني كنت أستطيع أن أترك ظهري في حمايته.» «همم…… حسنًا، من الواضح أنني لا أستطيع حماية ظهرك.» أقصى ما أستطيع فعله هو حراسة المكان في غيابك. لا، وحتى هذا ليس مضمونًا. «لكن ذلك كان قبل أربعمئة سنة. في ذلك الزمن، كان الرجال جميعًا تقريبًا محاربين، أليس كذلك؟» «يبدو أن تصورك للتاريخ مليء بالأحكام المسبقة ومشوه إلى حد بعيد.» «أوه.» كنت سيئًا في التاريخ العالمي. «لا، اسمعي، أعني أن شخصيتي هكذا، ولذلك أجد التفكير الهيستيري صعبًا.» «لم أكن أعرف أن كلمة hysteric لها معنى ثانٍ هو “تاريخي” قط.» وبذلك كشفت أيضًا عن ضعفي في الإنجليزية. «لكنني لم آتِ إلى هذا البلد منذ زمن طويل، ويبدو أنه أصبح مسالمًا فعلًا──حتى إن هذا البلد وحده يبدو وكأنه منفصل عن بقية العالم.» «آسف لأنني شخص غارق في السلام.» لا أظن أن ذلك أمر سيئ بالضرورة. لكن كان من المؤكد أنني لم أكن محاربًا. مهما حاولت أن أتظاهر بأنني بطل في معارك القوى الخارقة المدرسية، فأنا في النهاية شخص عادي──ومهما مُنحت من مهارات مصاصي الدماء، فإنني أشبه بتلميذ إعدادي يحمل سكينًا قابلة للطي. ولا بد أن كيس-شوت كانت مستاءة من ذلك أشد الاستياء. وخصوصًا إذا كان تابعها الأول قد كان شخصًا عظيمًا إلى تلك الدرجة. «على أي حال، سواء جعلتِني تابعًا بدافع حرصك على حياتي، أو من أجل جمع أطرافك، فالأمر في النهاية كان مجرد إجراء اضطراري في حالة طارئة…… لا يوجد سبب يجعلني أشبه بتابعك الأول. لكنكِ قلت إننا من الجنس نفسه، أليس كذلك؟» «نعم.» «إذن، هل كان من المغول؟ يابانيًا──لا، على الأرجح ليس كذلك. من جهة القارة؟» «لا، كان يابانيًا.» قالت كيس-شوت شيئًا لم أتوقعه. «كان رجلًا التقيت به في هذا البلد حين كنت أتجول في أنحاء العالم وألهو به في شبابي. تعلمت اليابانية آنذاك──مع أن اللغة تغيرت كثيرًا منذ ذلك الحين.» «اليابان قبل أربعمئة سنة……» عصر إيدو؟ أظن؟ وكنت سيئًا في التاريخ الياباني أيضًا. بل، في الواقع، أنا سيئ في كل شيء عدا الرياضيات. «إذن لم يكن محاربًا، بل ساموراي……» «هم؟ آه، أظن أنه كان كذلك.» أومأت كيس-شوت. «على أي حال، كان رجلًا قويًا.» «همم──لكن إذا كان الأمر كذلك، ألم يكن بإمكانك استدعاؤه هذه المرة؟ بما أنه كان تابعًا لك، فلا بد أنه كان أشبه بي، أليس كذلك؟ كان بإمكانك الاستعانة به بدلًا من أن أضع نفسي في كل تلك المخاطر──» «مستحيل. لقد مات منذ زمن.» قالت كيس-شوت ذلك مقاطعةً كلامي. بل لقد قاطعتني فعلًا. «وهذا أيضًا حدث منذ زمن بعيد جدًا. ……أتذكر؟ سبق أن أخبرتك أنني أستخدم السيف أحيانًا أثناء القتال.» «هم؟» هل قالت ذلك؟ لا──آه، صحيح. عندما تحدثنا عن السيف العظيم الخاص بدراماتورغي. كان من المفترض أنها تستطيع صنع السيوف والأسلحة بقدرتها على خلق المادة أو شيء من هذا القبيل. لقد نسيت الأمر تمامًا. لكن لحسن الحظ تذكرت دون الحاجة إلى العبث بدماغي. «ذلك السيف هو هيئته.» قالت ذلك، ثم جعلت كيس-شوت يدها اليمنى على هيئة سكين، وأدخلتها في بطنها. اخترقت الفستان، وغاص طرف أصابعها بسهولة داخل أحشائها. يا لها من مفارقة──كنت قد نجوت لتوي من الحاجة إلى العبث بدماغي…… وبينما كنت واقفًا مشدوهًا، سحبت كيس-شوت يدها اليمنى من بطنها──وكانت تمسك في يدها بما بدا أنه مقبض سيف. بل كان مقبض سيف──سيف ياباني؟ وكان تخميني صحيحًا. فالسيف الذي أخرجته كيس-شوت من بطنها كان سيفًا ضخمًا يبلغ طوله قرابة مترين. «السيف الشيطاني “كوكورو واتاري”──يقال إنه من صنع حداد سيوف مجهول، لكنه يبدو قطعةً بارعة الصنع. حسنًا، أنا لا أفهم كثيرًا في هذه الأمور──لكن ما دام السيف يقطع، فقد أدى الغرض.» «واو……» كان جرح بطن كيس-شوت قد التأم بالفعل بحلول ذلك الوقت──فتمكنت من التركيز على السيف. طويل…… طويل جدًا، لكنه ليس بطول السيف العظيم الخاص بدراماتورغي. ومع ذلك…… كان سيف دراماتورغي الفلامبرج ذا شكل يحمل مسحة فنية، لكن السيف الياباني هو الآخر له نكهته الخاصة، لا شك في ذلك. كان السيف الياباني مع كيس-شوت ذات الشعر الذهبي والفستان، بصراحة، تناقضًا صارخًا──بل، من الأساس، مهما كان السيف من أمهر الأسلحة صنعًا، هل يوجد سلاح يمكنه تحمل القوة الجسدية لمصاصة دماء؟ «لا تتحرك.» قالت ذلك. ثم لوّحت كيس-شوت بسيفها، «كوكورو واتاري»، بحركة خاطفة. بدت الحركة كما لو كانت تنفض غبارًا عن السيف──لكنها لم تكن كذلك. «مهلًا──» «لا تتحرك. لقد قطعتك الآن.» «هـ، هاه؟» «هل تشعر بالألم؟» «لـ، لا──» «همم. إذن يبدو أن مهارتي لم تضعف أيضًا──يمكنك التحرك الآن. لقد شُفي جرحك بالفعل.» «مـ، ماذا يعني هذا──أهي الكذبة الثانية بعد “طفت حول الأرض سبع مرات ونصف”؟ حتى لو شُفيت، ملابسي لن تشفى معي، أليس كذلك…… أين قطعتني؟» «ضربة أفقية عبر الجذع. لقد قطعت شيئًا ثمينًا مرة أخرى.» «شيئًا ثمينًا تقولين؟!» «ولا تقلق بشأن ملابسك. حدة “كوكورو واتاري” في القطع مشهورة──إلى درجة أن طرفي القطع يلتصقان مجددًا إذا تركتهما لبعض الوقت. وبالطبع، هذا بفضل مهارتي أيضًا.» «…………» يبدو أنها كانت تقول الحقيقة. مستحيل…… «لكن كيف يستطيع ذلك السيف تحمل مهارتك──بل قوتك الجسدية؟ ألم يكن في الأصل مجرد سيف عادي؟» «حتى لو كان كذلك، فهو ليس السيف الأصلي. لقد استخدم تابعي الأول السيف الأصلي مادةً لصنع هذا بدمه ولحمه. ثم ورثته أنا منه. حسنًا، الإفراط في حدة القطع قد يكون مشكلة أيضًا، لأنه مهما قطعت به، يعود الجزء المقطوع ويلتصق كما كان. ولهذا يمكن القول إن هذا السيف لا يصلح إلا لقطع الكايغي.» «قطع الكايغي……» «نعم. ربما يصعب نطق “كوكورو واتاري” قليلًا، لذلك يكون الاسم الذي يفهمه الخصوم بسهولة أكبر هو “قاتلة الكايغي”. في الأصل، “قاتلة الكايغي” ليس لقبي أنا، بل الاسم الآخر لهذا السيف.» وبينما كانت تتحدث──أعادت كيس-شوت السيف إلى بطنها. كان المشهد أشبه بالانتحار طعنًا. مرة أخرى، أدركت أنها خالدة حقًا. لكن كيس-شوت قالت إن تذكار تابعها الأول──ذلك السيف──هو الشيء الوحيد الباقي منه. تابعها الأول مات بالفعل── «كون مصاص دماء خالد قد مات يعني أنه──قُضي عليه على يد قاتلي مصاصي الدماء؟» هل كان هناك أناس مثل دراماتورغي وإبيسود وغيوتين كاتر قبل أربعمئة سنة أيضًا؟ لكن── «لا.» قالت كيس-شوت. «ذلك الرجل لم يكن، تحت أي ظرف، من النوع الذي يمكن لأحد أن يقتله.» «إذن، لماذا؟» مع أنه خالد. كيف يمكن لشخص خالد أن يموت؟ «انتحر.» قالت كيس-شوت ذلك بلا مبالاة. بعينين باردتين──وهي تحدق في البلدة الممتدة تحتنا. «إنه سبب شائع جدًا، بل يشكل تسعة أعشار أسباب موت مصاصي الدماء.» «…………» «أما العُشر الباقي فهو الوقوع ضحية لصائدي مصاصي الدماء──وما عدا ذلك من أسباب الموت لا يكاد يتجاوز هامش الخطأ.» «الانتحار؟ لماذا؟» «يقال إن الملل يقتل الإنسان، أليس كذلك؟» الملل──يقتل الإنسان. الشعور بالذنب يمكنه أيضًا أن يقتل الإنسان. لكن الملل يقتل حتمًا. «حسنًا، يختلف الأمر باختلاف الظروف والعصر، لكن سواء كان مصاص دماء أصيلًا أم إنسانًا تحول إلى مصاص دماء، يبدو أن معظم مصاصي الدماء، بعد أن يعيشوا مئتي سنة، يبدأون في الرغبة بالموت.» «لكن──كيف يمكن لمصاص دماء أن ينتحر؟ وهو خالد.» «كما فعلتَ في يومك الأول، إلقاء نفسك تحت الشمس هو أسرع طريقة──أي الانتحار بإلقاء النفس.» «لديك طريقة بارعة في التعبير عن ذلك……» لكن──هل الأمر كذلك فعلًا؟ بالتأكيد، لقد قالت لي كيس-شوت في ذلك اليوم شيئًا عن أنني ربما كنت راغبًا في الانتحار. «إذا كان هناك شيء مميز في ذلك الرجل، فهو أنه اختار موته بنفسه بعد بضع سنوات فقط من تحوله إلى مصاص دماء──مع أنه في مثل هذه المدة القصيرة لا يكون شيء قد تغير كثيرًا.» مات أمام عيني. ألقى بنفسه تحت الشمس. وأخذ يتعمد إظهار ذلك أمامي، وكأنه يريدني أن أراه. همست كيس-شوت: «ومنذ ذلك الحين──لم أصنع تابعًا آخر. حتى التقيت بك.» «……ألم تشعري بالملل؟» سألتها. ربما لم يكن ينبغي لي أن أسأل. «ليس مئتي سنة فحسب، بل خمسمئة سنة──من العيش……» «وكيف لي ألا أشعر بالملل؟» أجابت كيس-شوت بلا اكتراث. «كنت أشعر بالملل طوال الوقت.» «…………» «مللًا لا ينتهي──لم يكن لدي شيء أفعله. فإذا فعلت أي شيء، استجابوا لحركتي ولاحقني صائدو مصاصي الدماء──تمامًا كما لحق بي الثلاثة في هذه الرحلة السياحية.» «رحلة سياحية.» ظننت أن ذلك كان كذبة على الأرجح. لكنني عدت وفكرت أنها ربما كانت تقول الحقيقة. إذا كانت قد صنعت تابعها الأول هنا، في هذا البلد، ذات يوم── «……لكنني لم أتركك تشعر بالملل، يا تابعي. فأنت──كل ما فعلته وكل ما مررت به كان عبثيًا تمامًا.» قالت كيس-شوت، وهي تضحك في تسلية، إن الإنسان الذي يمد عنقه بنفسه لمصاص دماء هو على الأرجح أول إنسان في التاريخ يفعل ذلك. وكانت تلك──ضحكة طفولية بشكل غريب بالنسبة إلى عمرها الظاهري. «ثم إنك ناديتني فجأةً “كيس-شوت”.» «آه…… كنت أريد أن أسألك عن ذلك، لكن لم تسنح لي الفرصة. يبدو أن الجميع يتفاجأ من الأمر. حتى أوشينو نفسه كان كذلك. هل هناك شيء سيئ في مناداتك بذلك؟» «لا يوجد كثير من الحمقى الذين ينادون مصاص دماء باسمه الحقيقي.» «اسمه الحقيقي؟ مثل الاسم الأول؟» «……شرح الأمر سخيف. ربما يعود ذلك إلى اختلاف الأجيال…… لا، ربما اختلاف العصر──ولست وحدي. أظن أن الثلاثة الآخرين كذلك. يبدو أننا جميعًا قد أصبحنا خارج الموضة، خارج العصر. وإذا أردت أن أتكيف مع هذا العصر وأتخذ الشكل الملائم له، فربما كان الشكل الذي يتخذه ذلك الفتى هو الشكل الصحيح.» «تقولين إن شخصًا مثل أوشينو هو الشكل الصحيح…… مستحيل. من يستطيع اعتبار شخص متأنق متلاعب مثله نموذجًا مثاليًا؟» «ليس نموذجًا مثاليًا، بل واقعًا.» «على أي حال»، قالت كيس-شوت. «هذا كل ما أستطيع أن أحكيه لك. لكنني بدأت أرغب في سماع قصتك أنت أيضًا. أظنك عشت سبعة عشر عامًا؟ لم تكن حياتك كلها بلا طائل. احكِ لي قصةً مسلية.» «واااه.» يا له من طلب صعب. أن تحكي قصة مسلية بعد هذا التمهيد يرفع مستوى التحدي إلى حد مخيف. «إ، إذن…… حسنًا، إليك حكايةً سخيفة كالمعتاد. كان يا ما كان رجل، وكان شابًا طيبًا في الأصل، لكنه، لسوء حظه، كان يحب الشراب حبًا جمًا. ولو اقتصر الأمر على ذلك، لكان مجرد ميل شخصي، ولما كان شأنًا لأحد، لكن لسوء الحظ، قاد سيارته ذات يوم وهو ثمل، فدهس طفلةً صغيرة كانت تعبر الشارع وهي ترفع يدها عند الإشارة الخضراء. ولأنه كان مخمورًا، لم ينتبه إلى أنه دهسها في حينه، وفي اليوم التالي، عندما رأى الدماء عالقة بمصد السيارة في موقف سيارات البناية التي يسكن فيها، أدرك ما حدث. وعندما قرأ في الصحيفة أن اسم الطفلة التي دهسها كان “ريكا-تشان”، عرف الرجل الحقيقة. وبالطبع، كان عليه أن يسلم نفسه للشرطة، لكنه تردد. لا بد أنه لم يكن هناك شهود، ولذلك إذا التزم الصمت…… وبينما كان يفكر في الأمر، حل الليل──وعندها رن هاتف البناية الثابت. “أنا ريكا-تشان. أنا الآن أمام البناية.” ثم انقطع الاتصال. “ريكا-تشان؟! هذا مستحيل!” ارتبك الرجل. لكن الصوت كان فعلًا صوت طفلة صغيرة، بلفظ طفولي غير واضح. هل يمكن أن تكون الطفلة التي دهسها، والتي يفترض أنها ماتت……؟ وبينما كان يفكر في ذلك، جاء الاتصال الثاني فورًا. “أنا ريكا-تشان. أنا الآن في الطابق الأول.” شقة الرجل في الطابق الخامس! كانت “ريكا-تشان” تصعد إليه. وما إن أدرك الرجل ذلك حتى تجاوز الارتباك ودخل في حالة من الرعب. ثم جاء الاتصال الثالث. “أنا ريكا-تشان. أنا الآن في المصعد.” ……لا تتكاسلي، اصعدي الدرج!» «…………» لم تضحك. رغم أنني أطلت في سردها. ربما كانت طريقة إلقائي التي تعمدت فيها تقليد أسلوب حكواتي القصص أسوأ مما توقعت. «لا، ليس الأمر كذلك. إنها قصة مضحكة فعلًا.» «تبا……» لقد جُرحت كرامتي! ثم إنني، في الأساس، الشخص الذي يطلق التعليقات الساخرة……. هل يُعقل أن أظل صامتًا بعد كل هذا الاستهزاء؟ «حـ، حسنًا، المحاولة الثانية!» «أوه.» «قال الدكتور كلارك──“يا فتيان، كونوا أنشوجة!”» «…………» لم تبتسم حتى. حتى النكتة السريعة لم تنجح. «إذن فلتكن الثالثة! تذكرت هذا بسبب حديثنا عن التاريخ العالمي قبل قليل، سأخبرك بقصة فشلي!» «أنا في انتظارها.» «كان هناك سؤال في اختبار يطلب ذكر أسماء الدول التي تشكل “طوق ABCD” الذي أحاط باليابان قبل الحرب العالمية الثانية──وكان عليّ أن أجيب! “A هي أمريكا، B هي بريطانيا، C هي الصين…… وD هي ألمانيا!”» «…………» مالت كيس-شوت برأسها. حتى قصة فشلي لم تضحكها؟ «أعني…… ما المضحك هو أنني أصبت في أن B هي بريطانيا، لكنني لسبب ما قرأت D بحروفها اللاتينية وفسرتها على أنها ألمانيا…… وفوق ذلك، ألمانيا كانت أصلًا من دول المحور، أليس كذلك؟ شيء من هذا القبيل؟» وها أنا ذا أشرح نكتتي بنفسي. فقالت كيس-شوت: «……ما هو طوق ABCD؟» «لا يمكن لقواعد البشر العامة أن تنطبق عليك!» كانت تلك طريقة حزينة جدًا لفشل النكتة. ومنذ ذلك الحين، في النهاية──ظللت أنا وكيس-شوت نتحدث فوق سطح الخراب، حتى تجاوز عقرب الساعة منتصف الليل، وتغير التاريخ إلى السابع من أبريل──أي آخر يوم من العطلة الربيعية لثانوية ناويتسو الخاصة. حتى إن عيني كيس-شوت الباردتين بدتا لي وكأنهما مليئتان بعزم على إحباط كل حكاية قصيرة ألقيها، لكن في منتصف الطريق، أصبحنا نحن الاثنان في حالة من “أي شيء صار مضحكًا الآن”، فصرنا نضحك على أي شيء نقوله لبعضنا حتى تكاد أحشاؤنا تنفجر. أغلب الظن أن معظم أحاديثنا كانت بلا معنى. أغلب الظن أنها كانت أحاديث فارغة المضمون. لكن──ربما. عندما أسترجع هذه العطلة الربيعية في المستقبل، فإن أكثر ما سيبقى في ذاكرتي، وما لن أتمكن من نسيانه أبدًا، سيكون على الأرجح حديثي مع كيس-شوت، هنا، في هذا المكان، في هذه اللحظة. ضحكنا معًا──أظن أن هذا هو ما سيبقى في ذاكرتي. «حسنًا إذن.» بعدما ضحكت حتى كادت دموعها تنهمر، مسحت كيس-شوت عينيها اللتين ظلتا باردتين رغم كل شيء، ثم نهضت. «حان الوقت──لأعيدك إلى إنسان.» «هم، آه.» صحيح. تبًا، نسيت ذلك من شدة انشغالي. هل يعقل أن ينسى المرء أمرًا مهمًا كهذا……؟ شعرت بالاستياء قليلًا من نفسي. لقد أمضيت وقتًا ممتعًا أكثر مما ينبغي. لكن حسنًا──الحفلة أوشكت على نهايتها. «بالمناسبة──ألم يقل تابعك الأول إنه يريد العودة إلى إنسان؟» «……هممم، الأمر معقد.» «معقد؟» إنها تستخدم كلمات يابانية صعبة، هذه. «في ذلك الوقت، لم أكن أستطيع إعادته إلى إنسان مهما كان الأمر──ولهذا أحاول هذه المرة أن أستفيد قدر الإمكان من ذلك الدرس. والآن، هل أنت مستعد؟» «لا…… في الحقيقة، ربما بسبب كثرة الضحك، أشعر بقليل من الجوع. هل يمكنني أن آكل شيئًا أولًا؟ أظن أن الطعام قد نفد، فهل سيظل لدينا وقت إذا خرجت لشراء شيء؟» «هم؟ حسنًا، صحيح أنا أيضًا أشعر بالجوع بعدما عدت فجأة إلى هيئتي الكاملة──لكن أليس بوسعك الصبر قليلًا؟» «بلى، لكن……» «هل تنوي إحضار بعض الطعام المحمول؟» «طعام محمول؟» ما هذا بحق السماء؟ هل ذوقها قديم إلى هذه الدرجة؟ «حسنًا، هذه آخر ليلة لي كمصاص دماء، لذا أردت أن أستمتع بقليل من الوقت المتبقي. هل هناك شيء تريدين أكله؟» «ليس لدي ما أحب أو أكره من الطعام.» «همم.» على أي حال، في مثل هذا الوقت المتأخر، لن يكون مفتوحًا سوى متجر صغير يعمل طوال الليل، لذلك لم تكن الخيارات كثيرة من الأساس. «لا بأس. افعل ما يحلو لك، يا تابعي. سأقدّر رغبتك في البقاء تابعي أطول فترة ممكنة──سأستعد في الطابق الثاني.» «حسنًا.» وهكذا── انتهى حديثنا فوق السطح. رغم أنني توقعت ألا يكون مفتوحًا سوى متجر صغير يعمل طوال الليل، حتى ذلك المتجر كان بعيدًا بما يكفي بحيث أحتاج إلى الذهاب مسافة طويلة قبل أن أجده مفتوحًا──وكانت الرحلة ذهابًا وإيابًا من مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور ستستغرق ساعة كاملة. لو لم أركض باستخدام قوة مصاص الدماء، طبعًا. لكن──لم تكن لدي رغبة في الركض. بل تعمدت أن أمشي ببطء. آه. هذا مزعج. إعادتي إلى إنسان──قالتها كيس-شوت بكل تلك الخفة وكأن الأمر لا يستحق التفكير، ولا أستطيع إنكار أنني شعرت بشيء من التردد والرهبة. أنا جبان وضعيف القلب. لكن──كلماتي لكيس-شوت عن “الرغبة في الاستمتاع بما تبقى من الوقت” كانت في الحقيقة كذبة مؤقتة، مجرد عذر في اللحظة. وبالتأكيد لم أكن أرغب في البقاء تابعًا لكيس-شوت ولو لثانية أطول. هذا مستحيل. فقط. كنت أكره الفراق. «……هممم.» ربما──كانت كيس-شوت تشعر بالشيء نفسه. الأمر الذي أرادت أن تحدثني عنه قبل أن تعيدني إلى إنسان. في النهاية، لم يكن هناك شيء من هذا القبيل. كل ما في الأمر أنها──كانت تريد أن تتحدث معي من صميم قلبها. كان ذلك──حفلًا للاحتفال. «يا للعجب.» كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد. مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد. مصاصة الدماء الأسطورية. قاتلة الكايغي. «لكنها──سترَحل في النهاية، أليس كذلك؟» لقد استعادت جميع أجزاء جسدها. ولم يعد هناك سبب يدعوها إلى البقاء في هذه البلدة──بل في هذا البلد──أكثر من ذلك. كانت قد قالت إنها في رحلة سياحية. وبالنظر إلى قصة تابعها الأول، فلا بد أنها كانت جولة في أماكن تحمل لها ذكريات──لكن يبدو أن أسوأ الذكريات قد طغت على تلك الذكريات القديمة. لقد سُرق قلبها. وقُطعت أطرافها. وتابعها الثاني الذي صنعته في محاولة يائسة كان شخصًا عاديًا. ثم إن ذلك التابع أخذ يقول إنه يريد العودة إلى إنسان. قالت إنها لم تشعر بالملل معي، على الأقل. «قالت إنها دُعيت لأن تصبح إلهًا ورفضت──إنها تختلف كثيرًا عن غيوتين كاتر.» بعد أن تغادر هذا البلد. هل ستعود إلى التجول في أنحاء العالم مرة أخرى؟ لا، قالت إنها كانت تتجول في العالم في شبابها، لذلك ربما لم تعد تسافر إلى هذا الحد في الآونة الأخيرة؟ بل، هل تستطيع أصلًا ركوب الطائرة؟ تلك…… لا، يكفي أن تنبت أجنحة وتطير في السماء. يا له من جسد مريح. لكن مع ذلك، لا أملك أي رغبة في الرحيل. كل ما يشبه الرابط بيني وبين كيس-شوت تقريبًا هو كوني مصاص دماء، ولهذا فإن فكرة فقدان ذلك الرابط هي التي جعلتني أشعر بالخوف. أوشينو──ذلك الرجل الخفيف، أدركت على ما يبدو سبب عدم قوله كلمة وداع قط. «حسنًا، لا مفر من ذلك.» هناك لقاءات، وهناك فراق. هذه هي الحياة. حتى لو كان هذان الأسبوعان بالنسبة إلى كيس-شوت مجرد ذكريات سيئة، فإنني الآن، حين أفكر في الأمر، أظن أن عطلة الربيع هذه لم تكن سيئة إلى ذلك الحد بالنسبة إليّ. ربما لم تكن سيئة إلى ذلك الحد. لأنني──كنت أشعر بذلك حقًا. «حسنًا.» وقررت، بعد حفلة الاحتفال فوق السطح، أن أقيم لها أيضًا حفلة وداع. وبذلت ما استطعت من مال، فاشتريت من المتجر كل ما وقعت عليه يدي من الكعك والحلويات وغيرها، عازمًا على جعلها حفلة فاخرة قدر الإمكان، ثم أسرعت في طريق العودة قليلًا متجهًا إلى مبنى مركز الدروس الخصوصية المهجور. وخلال طريق العودة. ورغم كل شيء، كنت عازمًا على أن أقول لكيس-شوت كلمة وداع تليق بالمقام──وهكذا وصلت إلى الفصل في الطابق الثاني. كان التاريخ السابع من أبريل. وكان الوقت بعد الثانية صباحًا بقليل. «لقد عدت.» قلت ذلك محاولًا أن أبدو مرحًا، وفتحت الباب. فوجدت كيس-شوت تتناول العشاء. بشراهة. تمضغ. تلتهم. بشراهة. تمضغ. تلتهم. بشراهة. تمضغ. تلتهم. بشراهة. تمضغ. تلتهم. كانت تأكل──إنسانًا. «……ماذا؟» سقط الكيس الذي كنت أحمله من يدي. وعلى صوت سقوطه، التفتت كيس-شوت نحوي. وكانت تمسك بكلتا يديها──رأس إنسان قد التهمت نصفه تقريبًا. «أوه، يا تابعي──عدت أسرع مما توقعت. لكنني أخبرتك، أليس كذلك؟ من آداب السيدة أن تترك المكان أثناء تناولها الطعام.» كان الرأس مألوفًا لي. أحد الخبراء الثلاثة في صيد مصاصي الدماء── الوحيد بينهم الذي كان إنسانًا. غيوتين كاتر. كان جسده──لحمه──قد قُطع إلى أجزاء صغيرة، مقطعًا إلى أحجام يسهل أكلها. وكانت تلك وجبةً كاملة──برأسها. «كنت أنتظرك، لكنه جاء إلى هنا──يبدو أن الحاجز لم يستطع حتى هو أن يخفي قوة نفسي بكاملها. لكنني كنت جائعة أصلًا، لذا جاء في وقته تمامًا. لقد كان وجبةً منعشة.» قالت ذلك. ثم نظرت كيس-شوت من فوق كتفي، كما لو كانت تبحث عن شخص ما. ثم مالت برأسها باستغراب. «ما الأمر؟ ألم تحضر معك ذلك الطعام المحمول ذي النظارات والضفيرة؟»
