الفصل 21: الأركانا
الفصل 21: الأركانا
“في إمبراطورية شاسعة مثل دراكثيس، يستحيل إخضاع السحر لرقابة تامة. فهناك سحرة هامشيون، وجمعيات سرية، وسحرة أجانب يتسللون إلى أراضينا باستمرار. ويقع على عاتق المفتشين مسؤولية احتواء ما يشكّلونه من تهديد، والحيلولة دون تحوّله إلى خطر يهددنا.”
“لن يكون اجتماعنا التالي إلا بعد أسبوع، بسبب طور القمر الغريب. وسيُنتظر حضورك… ما دام الآخرون يوافقون على أنك جدير بخوض الاختبار.” ألقت نظرة إلى يمينها ويسارها.
— كبير السحرة لوثر
رفعت حاجبًا وابتسمت، مدّت يدها بدورها، فقبّلها باحترام.
انفسح السواد عن ضوء برتقالي خافت، وعن ردهة واسعة مكشوفة تعلوها قبة. بدا المكان كأنه قاعة رقص فخمة. وعلى سقفها المقبب، رأى جداريات ضخمة لشخصيات قوية بدت مألوفة له. رجال ونساء اتخذوا أوضاعًا درامية، تحيط بهم وحوش هائلة والتواءات عجيبة من السحر.
“لماذا سعيت إلى الأركانا؟”
قبل أن يتسنّى له أن يستوعب المكان من حوله، سمع شهقات وعبارات تعجب. التفت يبحث عن مصدرها، فإذا به ينظر إلى أسفل، نحو جمع من أناس قصار القامة، لا يبلغ طول الواحد منهم نصف طوله على الأرجح. وحين أمعن النظر، أدرك أنه بلا جسد؛ أو على الأقل، ليس له جسده المعتاد. كان بلا هيئة ولا شكل، لا يملك سوى تصور مبهم لذراعين وساقين، من طاقة سوداء دوّامة، تحدّها هالة زرقاء زاهية.
كان الواقفون حوله يرمقونه بحذر. لم يعرف ما يقول، فاستعان بقواعد الإتيكيت، وانحنى انحناءة عميقة، واضعًا إحدى يديه عند بطنه ومادًّا الأخرى إلى الأمام.
لم يبدِ اكتراثًا بمن تحته، بل راح يراقب ببرود ويفكر في ما يراه. لقد كان مانا. جسده المادي لم يأتِ معه إلى هنا. أرسل التمثال عقله والمانا التي فيه إلى مكان ما. أمعن النظر في الواقفين حوله، فلاحظ أن الجميع يرتدون أفخر الثياب، وقد أخفوا وجوههم خلف أقنعة، كأنهم في حفلة تنكرية. كما رآهم يتوهجون، تمامًا كما كانت الأشياء المسحورة تتوهج في رؤاه منذ اكتسب المانا. وهذا يعني أنهم، مثله، لم يكونوا موجودين حقًا، بل لم يكونوا سوى إسقاطات من المانا.
“لن يكون اجتماعنا التالي إلا بعد أسبوع، بسبب طور القمر الغريب. وسيُنتظر حضورك… ما دام الآخرون يوافقون على أنك جدير بخوض الاختبار.” ألقت نظرة إلى يمينها ويسارها.
وهذا يعني أنه يستطيع التأثير في هيئته. بدأ يتخيل الشكل الذي يريد أن يتخذه، مركزًا عليه بالطريقة نفسها التي يركز بها حين يتدرب على حواجزه الذهنية. فشعر بهيئة المانا التي يتكون منها تنكمش شيئًا فشيئًا، وتكتسب ملامح وألوانًا وهي تفعل ذلك. كاد يطلق زفرة طويلة، لكنه تذكر أنه لا يحتاج إلى التنفس. فتح عينيه، فوجد أن رؤيته قد ضاقت بسبب قناع. لم يتذكر أنه صنعه. رفع يده إليه وتحسس حوافه، فاكتشف قرنين طويلين يبرزان من مقدمته، بينما اتخذ القناع نفسه شكل جمجمة أيل.
أومأ العشاق بحماسة، وأومأت الموت في رصانة.
تلفت حوله، فرأى الحشد المضطرب عن كثب أكبر بكثير مما استطاع قبل لحظات. كانوا مقنّعين، يرتدون ثياب النبلاء؛ فمنهم من لبس البذلات الضيقة والقصّات المألوفة في العصر الحديث، ومنهم من تأنق بأزياء أكثر زخرفة وبذخًا من العصر الماضي. تنوعت الأقنعة بين أرانب وضحكات ساخرة وآلهة باكية، لكنه لاحظ أربعة رموز شائعة تتكرر بينها، غالبًا في منتصف الجبهة: السيوف، والعملات الخماسية، والعصي، والكؤوس. رفع بصره إلى السقف المقبب، فإذا بالجداريات التي بدت مألوفة تتضح له الآن؛ كانت صورًا للأركانا الكبرى، من مجموعة أوراق لعب.
بلغت أسفل الدرج، ثم تقدمت نحوه، بينما أبدى سائر الحاضرين احترامًا لها وهي تمر بهم.
كان الواقفون حوله يرمقونه بحذر. لم يعرف ما يقول، فاستعان بقواعد الإتيكيت، وانحنى انحناءة عميقة، واضعًا إحدى يديه عند بطنه ومادًّا الأخرى إلى الأمام.
الفصل 21: الأركانا “في إمبراطورية شاسعة مثل دراكثيس، يستحيل إخضاع السحر لرقابة تامة. فهناك سحرة هامشيون، وجمعيات سرية، وسحرة أجانب يتسللون إلى أراضينا باستمرار. ويقع على عاتق المفتشين مسؤولية احتواء ما يشكّلونه من تهديد، والحيلولة دون تحوّله إلى خطر يهددنا.”
“أعتذر. لم أقصد أن أفزع أحدًا.”
قهقهت. “أخشى أن هذا الدور قد شغله غيرك بالفعل.” ثم نظرت إلى المتفرجين. “عودوا إلى ما كنتم تفعلونه. سأتولى أمره.”
سمع ضحكة، فرفع رأسه ورأى امرأة ترتدي فستانًا هائلًا من خيوط الذهب، وتمسك صولجانًا ضخمًا. كان شعرها أحمر قانيًا، مصففًا في تسريحة معقدة ومستحيلة تعلو رأسها، ومع ذلك مشت برشاقة وهي تهبط درجًا. على خلاف كل الرجال والنساء الذين رآهم، لم تكن تضع قناعًا، لكن وجهها كان مغطى بطبقة كثيفة من المساحيق البيضاء، وعلى خدها الأيسر شامة سوداء مرسومة. كانت جميلة بجمال أنيق يتعذر بلوغه، كإناء خزفي يخشى المرء أن يترك عليه أثرًا.
ابتسم برفق، محاولًا مجاراة أسلوبها، ثم نقر قناعه. “أظن أن إخفاء الهوية هو المفضّل، أيًّا يكن المكان الذي وجدت نفسي فيه.”
بلغت أسفل الدرج، ثم تقدمت نحوه، بينما أبدى سائر الحاضرين احترامًا لها وهي تمر بهم.
ابتسمت الإمبراطورة ابتسامة عريضة، لعلها كانت أعرض مما ينبغي أن تكون عليه ابتسامة.
“أيتها الإمبراطورة،” قال، ثم انحنى مرة أخرى ومدّ يده إليها.
“أمهليني بعض الوقت يا سيدتي، وأنا واثق أنني سأثبت لك أنني كذلك.”
رفعت حاجبًا وابتسمت، مدّت يدها بدورها، فقبّلها باحترام.
“ما اسمك؟” سألته.
“ضيف مفاجئ، وسريع الوصول أيضًا،” قالت بصوت رفيع رقيق، انتشر صداه في أرجاء القاعة بسهولة.
عادت الإمبراطورة إليه بنظرها. “ستأتي معي.”
لم يكن من الصعب أن يخمّن هويتها المفترضة، بالنظر إلى موضوع الحفل؛ وإن كانت ربما تشير إلى سرعة تشكيله “جسده” الحالي. شعر بخفة وراحة شديدتين فيه. فقد امتلأ جسده الحقيقي في الآونة الأخيرة بالأوجاع والمضايقات، لذا كانت هذه استراحة مرحبًا بها. بل إن جسد المانا الذي تشكل منه بدا مستقرًا تمامًا. لم يكن قادرًا على الجزم بالسبب، لكنه افترض أن ذلك يعود إلى انفصاله عن هيئته المادية، التي كانت تكافح للتكيف معه.
“أعتذر. لم أقصد أن أفزع أحدًا.”
“ما اسمك؟” سألته.
“أمهليني بعض الوقت يا سيدتي، وأنا واثق أنني سأثبت لك أنني كذلك.”
ابتسم برفق، محاولًا مجاراة أسلوبها، ثم نقر قناعه. “أظن أن إخفاء الهوية هو المفضّل، أيًّا يكن المكان الذي وجدت نفسي فيه.”
“وإن أخفقت، أهي العاقبة؟” سأل، مائلًا برأسه نحو الموت. وأقسم أن الجمجمة الخالية من الملامح ابتسمت له ردًا على ذلك.
اتسعت ابتسامتها قليلًا. “جيد. لست أحمق.”
“بالضبط. عليك أن تقدم لنا معرفة ما؛ شيئًا محظورًا ومجهولًا، أو غرضًا عظيم القوة.”
“أمهليني بعض الوقت يا سيدتي، وأنا واثق أنني سأثبت لك أنني كذلك.”
لم يكن قد سعى إليها بالضبط. فقد جُرّ قسرًا عبر غرفة نومه، وانتهى به المطاف داخلها. لكنه كان يسعى إلى المعرفة حين فعل ذلك.
قهقهت. “أخشى أن هذا الدور قد شغله غيرك بالفعل.” ثم نظرت إلى المتفرجين. “عودوا إلى ما كنتم تفعلونه. سأتولى أمره.”
كان الواقفون حوله يرمقونه بحذر. لم يعرف ما يقول، فاستعان بقواعد الإتيكيت، وانحنى انحناءة عميقة، واضعًا إحدى يديه عند بطنه ومادًّا الأخرى إلى الأمام.
انحنى الجميع باحترام، ثم استأنفوا أحاديثهم الخافتة وتجمعوا في حلقات صغيرة. ظل كثيرون يراقبونه، لكنهم فعلوا ذلك في تكتم.
“لن يكون اجتماعنا التالي إلا بعد أسبوع، بسبب طور القمر الغريب. وسيُنتظر حضورك… ما دام الآخرون يوافقون على أنك جدير بخوض الاختبار.” ألقت نظرة إلى يمينها ويسارها.
عادت الإمبراطورة إليه بنظرها. “ستأتي معي.”
“ضيف مفاجئ، وسريع الوصول أيضًا،” قالت بصوت رفيع رقيق، انتشر صداه في أرجاء القاعة بسهولة.
أومأ، ظانًّا أنه سيتبعها إلى غرفة أخرى، لكنها صفقت بأصابعها، فوجد نفسه فجأة جالسًا إلى طاولة دائرية فاخرة. أحاطت به ستائر أرجوانية داكنة في دائرة، وحين حاول تعديل جلسته أدرك أنه عاجز عن الحركة. فاختار ألا يقاوم، وركّز بدلًا من ذلك على مراقبة ما حوله.
— كبير السحرة لوثر
كانت الإمبراطورة تجلس قباله مباشرة. وبعد لحظات، ظهر شخصان آخران إلى جانبيها. كان أحدهما كائنًا بوجه جمجمة، يلتف حوله عباءٌ بني داكن. أما الآخر فكان شخصين متعانقين، يتحركان كما لو كانا يتعاشران، بينما تتبدل عيناهما وتعابير وجهيهما معًا. الموت والعشاق، على ما خمن.
تلفت حوله، فرأى الحشد المضطرب عن كثب أكبر بكثير مما استطاع قبل لحظات. كانوا مقنّعين، يرتدون ثياب النبلاء؛ فمنهم من لبس البذلات الضيقة والقصّات المألوفة في العصر الحديث، ومنهم من تأنق بأزياء أكثر زخرفة وبذخًا من العصر الماضي. تنوعت الأقنعة بين أرانب وضحكات ساخرة وآلهة باكية، لكنه لاحظ أربعة رموز شائعة تتكرر بينها، غالبًا في منتصف الجبهة: السيوف، والعملات الخماسية، والعصي، والكؤوس. رفع بصره إلى السقف المقبب، فإذا بالجداريات التي بدت مألوفة تتضح له الآن؛ كانت صورًا للأركانا الكبرى، من مجموعة أوراق لعب.
“عضو جديد؟” سألت الموت بصوت أنثوي. ثم التفتت إلى الإمبراطورة: “لماذا استدعيتنا؟ الحكم يتولى هذه الأمور بنفسه عادةً.”
ظل سولومون صامتًا، مستوعبًا المعلومات التي أفصحوا عنها بكل عفوية. فمن الطريقة التي تحدثوا بها بحرية، بدا أنهم واثقون تمامًا من قوتهم. كان لديه انطباع جازم بأنهم قادرون على قتله بسهولة إن أرادوا.
قال العشاق، وهما يتفحصانه من رأسه إلى قدميه بعينين جائعتين: “لأن في هذا الشخص شيئًا مميزًا.”
انفسح السواد عن ضوء برتقالي خافت، وعن ردهة واسعة مكشوفة تعلوها قبة. بدا المكان كأنه قاعة رقص فخمة. وعلى سقفها المقبب، رأى جداريات ضخمة لشخصيات قوية بدت مألوفة له. رجال ونساء اتخذوا أوضاعًا درامية، تحيط بهم وحوش هائلة والتواءات عجيبة من السحر.
أجابت الإمبراطورة: “كما عهدتكما، شديدا الملاحظة. لقد أرسل قدرًا كبيرًا من المانا مع إسقاطه، قدرًا يكفي لإيذاء بعض أفراد الأركانا الصغرى.”
وهذا يعني أنه يستطيع التأثير في هيئته. بدأ يتخيل الشكل الذي يريد أن يتخذه، مركزًا عليه بالطريقة نفسها التي يركز بها حين يتدرب على حواجزه الذهنية. فشعر بهيئة المانا التي يتكون منها تنكمش شيئًا فشيئًا، وتكتسب ملامح وألوانًا وهي تفعل ذلك. كاد يطلق زفرة طويلة، لكنه تذكر أنه لا يحتاج إلى التنفس. فتح عينيه، فوجد أن رؤيته قد ضاقت بسبب قناع. لم يتذكر أنه صنعه. رفع يده إليه وتحسس حوافه، فاكتشف قرنين طويلين يبرزان من مقدمته، بينما اتخذ القناع نفسه شكل جمجمة أيل.
سألت الموت بملل: “ومن قد يهاجمنا؟ لا تعرف أي جمعية أخرى بوجودنا، والاتحاد لم يمسنا قط. أعضاؤنا ملتزمون بكتمان السر، وإلا… حسنًا، أظهر أنا.”
انحنى الجميع باحترام، ثم استأنفوا أحاديثهم الخافتة وتجمعوا في حلقات صغيرة. ظل كثيرون يراقبونه، لكنهم فعلوا ذلك في تكتم.
قال العشاق: “ثمة شيء مألوف فيه، أليس كذلك؟ مذاق المانا لديه… كأن أحدهم مزج الساحر والناسك في شراب واحد.”
“أيتها الإمبراطورة،” قال، ثم انحنى مرة أخرى ومدّ يده إليها.
قالت الموت، وهي تتأمل سولومون عن كثب من خلال التجويفين الأسودين حيث يفترض أن تكون العينان: “لم أرَ الناسك منذ سنوات. لكن ثمة شبهًا بينهما، إلى حد ما. لا أظنه يشبه الساحر قط.”
قال العشاق: “ثمة شيء مألوف فيه، أليس كذلك؟ مذاق المانا لديه… كأن أحدهم مزج الساحر والناسك في شراب واحد.”
ظل سولومون صامتًا، مستوعبًا المعلومات التي أفصحوا عنها بكل عفوية. فمن الطريقة التي تحدثوا بها بحرية، بدا أنهم واثقون تمامًا من قوتهم. كان لديه انطباع جازم بأنهم قادرون على قتله بسهولة إن أرادوا.
“بالضبط. عليك أن تقدم لنا معرفة ما؛ شيئًا محظورًا ومجهولًا، أو غرضًا عظيم القوة.”
حولت الإمبراطورة انتباهها إليه.
…
“لماذا سعيت إلى الأركانا؟”
لم يبدِ اكتراثًا بمن تحته، بل راح يراقب ببرود ويفكر في ما يراه. لقد كان مانا. جسده المادي لم يأتِ معه إلى هنا. أرسل التمثال عقله والمانا التي فيه إلى مكان ما. أمعن النظر في الواقفين حوله، فلاحظ أن الجميع يرتدون أفخر الثياب، وقد أخفوا وجوههم خلف أقنعة، كأنهم في حفلة تنكرية. كما رآهم يتوهجون، تمامًا كما كانت الأشياء المسحورة تتوهج في رؤاه منذ اكتسب المانا. وهذا يعني أنهم، مثله، لم يكونوا موجودين حقًا، بل لم يكونوا سوى إسقاطات من المانا.
لم يكن قد سعى إليها بالضبط. فقد جُرّ قسرًا عبر غرفة نومه، وانتهى به المطاف داخلها. لكنه كان يسعى إلى المعرفة حين فعل ذلك.
بلغت أسفل الدرج، ثم تقدمت نحوه، بينما أبدى سائر الحاضرين احترامًا لها وهي تمر بهم.
“لأتعلم،” أجاب ببساطة.
“وإن أخفقت، أهي العاقبة؟” سأل، مائلًا برأسه نحو الموت. وأقسم أن الجمجمة الخالية من الملامح ابتسمت له ردًا على ذلك.
ابتسمت الإمبراطورة ابتسامة عريضة، لعلها كانت أعرض مما ينبغي أن تكون عليه ابتسامة.
قالت الموت، وهي تتأمل سولومون عن كثب من خلال التجويفين الأسودين حيث يفترض أن تكون العينان: “لم أرَ الناسك منذ سنوات. لكن ثمة شبهًا بينهما، إلى حد ما. لا أظنه يشبه الساحر قط.”
“إجابة جيدة. الغاية من الأركانا هي تبادل الأسرار والمواد والقوة. لكن، قبل السماح لأحد بالدخول، عليه أن يثبت أنه قادر على تقديم ما ينفع.”
أجابت الإمبراطورة: “كما عهدتكما، شديدا الملاحظة. لقد أرسل قدرًا كبيرًا من المانا مع إسقاطه، قدرًا يكفي لإيذاء بعض أفراد الأركانا الصغرى.”
“أهو اختبار؟” سأل سولومون، محافظًا على نبرة ثابتة.
لم يكن من الصعب أن يخمّن هويتها المفترضة، بالنظر إلى موضوع الحفل؛ وإن كانت ربما تشير إلى سرعة تشكيله “جسده” الحالي. شعر بخفة وراحة شديدتين فيه. فقد امتلأ جسده الحقيقي في الآونة الأخيرة بالأوجاع والمضايقات، لذا كانت هذه استراحة مرحبًا بها. بل إن جسد المانا الذي تشكل منه بدا مستقرًا تمامًا. لم يكن قادرًا على الجزم بالسبب، لكنه افترض أن ذلك يعود إلى انفصاله عن هيئته المادية، التي كانت تكافح للتكيف معه.
“بالضبط. عليك أن تقدم لنا معرفة ما؛ شيئًا محظورًا ومجهولًا، أو غرضًا عظيم القوة.”
سألت الموت بملل: “ومن قد يهاجمنا؟ لا تعرف أي جمعية أخرى بوجودنا، والاتحاد لم يمسنا قط. أعضاؤنا ملتزمون بكتمان السر، وإلا… حسنًا، أظهر أنا.”
“وكيف لي أن أعرف ما تجهلونه؟”
ابتسم برفق، محاولًا مجاراة أسلوبها، ثم نقر قناعه. “أظن أن إخفاء الهوية هو المفضّل، أيًّا يكن المكان الذي وجدت نفسي فيه.”
قال العشاق: “ليس مطلوبًا أن تكون مساهمتك مثالية. لكن كلما عظمت قيمتها، زادت فرص قبولك.”
ابتسمت الإمبراطورة ابتسامة عريضة، لعلها كانت أعرض مما ينبغي أن تكون عليه ابتسامة.
“وإن أخفقت، أهي العاقبة؟” سأل، مائلًا برأسه نحو الموت. وأقسم أن الجمجمة الخالية من الملامح ابتسمت له ردًا على ذلك.
بلغت أسفل الدرج، ثم تقدمت نحوه، بينما أبدى سائر الحاضرين احترامًا لها وهي تمر بهم.
“صحيح.”
لم يبدِ اكتراثًا بمن تحته، بل راح يراقب ببرود ويفكر في ما يراه. لقد كان مانا. جسده المادي لم يأتِ معه إلى هنا. أرسل التمثال عقله والمانا التي فيه إلى مكان ما. أمعن النظر في الواقفين حوله، فلاحظ أن الجميع يرتدون أفخر الثياب، وقد أخفوا وجوههم خلف أقنعة، كأنهم في حفلة تنكرية. كما رآهم يتوهجون، تمامًا كما كانت الأشياء المسحورة تتوهج في رؤاه منذ اكتسب المانا. وهذا يعني أنهم، مثله، لم يكونوا موجودين حقًا، بل لم يكونوا سوى إسقاطات من المانا.
“وهل هناك مهلة محددة؟” سأل.
لم يكن قد سعى إليها بالضبط. فقد جُرّ قسرًا عبر غرفة نومه، وانتهى به المطاف داخلها. لكنه كان يسعى إلى المعرفة حين فعل ذلك.
“لن يكون اجتماعنا التالي إلا بعد أسبوع، بسبب طور القمر الغريب. وسيُنتظر حضورك… ما دام الآخرون يوافقون على أنك جدير بخوض الاختبار.” ألقت نظرة إلى يمينها ويسارها.
“وإن أخفقت، أهي العاقبة؟” سأل، مائلًا برأسه نحو الموت. وأقسم أن الجمجمة الخالية من الملامح ابتسمت له ردًا على ذلك.
أومأ العشاق بحماسة، وأومأت الموت في رصانة.
“عضو جديد؟” سألت الموت بصوت أنثوي. ثم التفتت إلى الإمبراطورة: “لماذا استدعيتنا؟ الحكم يتولى هذه الأمور بنفسه عادةً.”
قالت الإمبراطورة: “أتطلع إلى رؤية ما ستقدمه.” وكانت كلمتها الأخيرة إيذانًا بعودته إلى الظلام.
“بالضبط. عليك أن تقدم لنا معرفة ما؛ شيئًا محظورًا ومجهولًا، أو غرضًا عظيم القوة.”
…
استيقظ سولومون على أرضية غرفة نومه. نهض مترنحًا، وما إن وقف حتى باغتته آلام رأسه، واضطراب المانا في داخله، ووجع أطرافه. لكنه تجاهلها، وشق طريقه إلى مكتبه. أشعل شمعة بقداحته، وفتح أحد الأدراج، وأخرج دفترًا مشفرًا من دفاتر عمه، إلى جانب صفحة دوّن عليها محاولاته لفك الشفرة. جلس وكتب كلمة الناسك في أعلى الصفحة.
حولت الإمبراطورة انتباهها إليه.
انحنى الجميع باحترام، ثم استأنفوا أحاديثهم الخافتة وتجمعوا في حلقات صغيرة. ظل كثيرون يراقبونه، لكنهم فعلوا ذلك في تكتم.
