الخاتم الداكن
استيقظ أورِن على برودة الحجر تحت خده قبل أن يستيقظ على أي شيء آخر. لم يكن هناك انتقال واضح بين الغياب والوعي، بل شعور ثقيل يتسلل إليه ببطء، كأن جسده يرفض العودة ويعقله يجرّه رغمًا عنه. فتح عينيه فلم ير شيئًا في البداية سوى ظلام كثيف، وبعد لحظات بدأ يميّز خطوط جدار حجري قريب منه، ورطوبة تلمع عليه بشكل خافت من مصدر ضوء لا يعرف مكانه.
“نادِ الاسم المحفور عليه ثلاث مرات. حينها… لن تبقى وحدك.”
الرائحة وصلته قبل أن يفهم أين هو: رطوبة قديمة، وماء راكد في مكان ما، ورائحة معدنية خفيفة يعرفها جيدًا من عمله في الأرشيف، رائحة الدم حين يجف على الحجر. حاول أن يرفع جسده، فاحتج كل عضو فيه، لكنه نجح هذه المرة في الجلوس مستندًا إلى الجدار.
“ماذا تريد؟” سأل أورِن.
ليس بعد.
ثم تذكّر.
انهار على ركبتيه قرب الباب، جبهته تلامس المعدن البارد، وأنفاسه تخرج متقطعة. الصراخ تحول تدريجيًا إلى شيء آخر، نحيب خفيض لم يحاول إيقافه، لأنه ببساطة لم يعد يملك القدرة على إيقاف أي شيء في جسده. بقي هكذا وقتًا لم يستطع تقديره، يده الجريحة ملقاة على فخذه، ودمها يتجمّع في خط رفيع على الحجر.
“مارِن.”
“نادِ الاسم المحفور عليه ثلاث مرات. حينها… لن تبقى وحدك.”
قالها بصوت لا يزال مبحوحًا من النوم، أو من شيء أعمق من النوم. انتظر، كأن الاسم وحده كافٍ لاستدعاء رد. لم يأتِ شيء.
توقف النحيب أخيرًا، لا لأنه هدأ، بل لأن جسده استنفد كل ما يملك. بقي جالسًا، ظهره إلى الباب هذه المرة، ينظر إلى الظلام أمامه بلا تركيز، يده تنزف ببطء، وعقله فارغًا بطريقة لم يعرفها من قبل.
“مارِن!”
لم يجب الرجل. نظر إلى معصمي أورِن المحترقين، وقال بنبرة محايدة كأنها تقرير حقيقة: “إن مت الآن، فلن يتغير ما حدث لها. الرجل الذي فعل بها ذلك سيستمر في حياته… وأنت ستصبح اسمًا آخر في سجل.”
“أين هي؟!” صرخ، ودفع الباب بكتفه السليم بكل ما تبقى له من قوة، ثم ضرب الحديد بكف يده السليمة. استمر يحاول حتى شعر بجلد أصابعه يتشقق من القسوة، وألم حاد يخترق الذراع كلها، لكنه لم يتوقف. “أجيبوني! أين أختي؟!”
ثم سمع صوتًا.
لم ينتبه أورِن في البداية، لكن غياب الصوت بعد كل تلك الساعة من تكراره ترك فراغًا محسوسًا.
لم يجبه أحد. لا حارس، لا صوت من زنزانة مجاورة، لا شيء سوى صدى صراخه يعود إليه أضعف مما خرج.
لأول مرة منذ بدأت هذه الليلة الطويلة، لم يجد أورِن أي خطوة عملية يمكن التفكير فيها. كان يعرف نفسه رجلًا يبحث دائمًا عن حل، عن خيط صغير يمكن سحبه، عن قطعة حديد ملقاة قرب يده. هذه المرة لم يكن هناك شيء. لا خيط، ولا قطعة حديد، ولا حتى فكرة بائسة يمكن تجربتها.
انهار على ركبتيه قرب الباب، جبهته تلامس المعدن البارد، وأنفاسه تخرج متقطعة. الصراخ تحول تدريجيًا إلى شيء آخر، نحيب خفيض لم يحاول إيقافه، لأنه ببساطة لم يعد يملك القدرة على إيقاف أي شيء في جسده. بقي هكذا وقتًا لم يستطع تقديره، يده الجريحة ملقاة على فخذه، ودمها يتجمّع في خط رفيع على الحجر.
ثم توقف.
لم ينتبه أورِن في البداية، لكن غياب الصوت بعد كل تلك الساعة من تكراره ترك فراغًا محسوسًا.
توقف النحيب أخيرًا، لا لأنه هدأ، بل لأن جسده استنفد كل ما يملك. بقي جالسًا، ظهره إلى الباب هذه المرة، ينظر إلى الظلام أمامه بلا تركيز، يده تنزف ببطء، وعقله فارغًا بطريقة لم يعرفها من قبل.
لم يرد أورِن. لم يكن يثق بهذا الرجل، ولا بشيء يخرج من فمه بهذا الهدوء المصمم بعناية. لكنه أيضًا لم يستطع أن يتجاهل الطريقة التي بدا بها كل شيء يقوله دقيقًا بشكل مزعج.
بعد وقت طويل، بدأ يلاحظ أشياء من حوله لم ينتبه لها وهو يصرخ.
لم يجب الرجل على السؤال مباشرة. نظر إلى يد أورِن المصابة، ثم إلى وجهه، وقال بهدوء: “إن مت الآن، فلن يتغير ما حدث لها.”
كان هناك صوت خافت جدًا يأتي من مكان ما أبعد في الممر، تنفس بطيء، منتظم، لشخص آخر خلف جدار آخر. لم يستطع تمييز الكلمات إن وُجدت، فقط إيقاع نَفَس بشري بعيد. أصغى أكثر، فسمع، من اتجاه مختلف، صوت شيء يُجَر على الحجر ببطء شديد، ثم يتوقف.
لم يحاول أن يناديهم. ابتعد عن الباب، وشعور جديد بدأ يستقر فيه، أثقل من الخوف الذي شعر به عند وصوله: أن ما حدث لمارِن ليس حادثًا فرديًا، وأن هذا المكان يعرف كيف يفعل هذا بكثيرين قبله.
هذا الإدراك، أنه لا يستطيع حتى أن يختار طريقة لموته، جعل كل شيء أثقل بطريقة لم يتوقعها.
نهض بصعوبة، واقترب من فتحة بابه، فرأى من خلالها جزءًا ضيقًا من الممر، وأبوابًا حديدية أخرى على الجانب المقابل، متباعدة، كل باب يحمل الفتحة نفسها. من إحدى الفتحات القريبة رأى ظلًا لشخص جالس بلا حركة، رأسه منحنٍ، لا يستجيب لأي صوت من حوله. من فتحة أبعد لمح شكلاً آخر مستلقيًا، لا يعرف إن كان نائمًا أو غائبًا عن الوعي بطريقة أخرى.
كان هناك صوت خافت جدًا يأتي من مكان ما أبعد في الممر، تنفس بطيء، منتظم، لشخص آخر خلف جدار آخر. لم يستطع تمييز الكلمات إن وُجدت، فقط إيقاع نَفَس بشري بعيد. أصغى أكثر، فسمع، من اتجاه مختلف، صوت شيء يُجَر على الحجر ببطء شديد، ثم يتوقف.
التقط أورِن الخاتم بيده المرتجفة. كان باردًا كالمعدن الميت. “وماذا بعد؟”
لم يحاول أن يناديهم. ابتعد عن الباب، وشعور جديد بدأ يستقر فيه، أثقل من الخوف الذي شعر به عند وصوله: أن ما حدث لمارِن ليس حادثًا فرديًا، وأن هذا المكان يعرف كيف يفعل هذا بكثيرين قبله.
“لكن ربما لا فائدة من المقاومة،” أضاف الرجل، “حين لا يبقى للمرء شيء يقاتل من أجله.”
مرّت الساعات، وإن كان لا يملك وسيلة لقياسها سوى تغيّر الظلام إلى ظلام أعمق قليلاً ثم استقراره. بدأ يفكر بوضوح أكبر، وهذا الوضوح لم يكن نعمة؛ كان يعني أنه يرى وضعه كما هو دون أي تخدير من الصدمة الأولى.
تراجع نحو الظلام، ولم يمشِ كالبشر، بل بدا وكأن الظلمة نفسها تبتلعه وتطويه من الحواشي. وفي لحظة، لم يعد هناك أحد.
بعد وقت طويل، بدأ يلاحظ أشياء من حوله لم ينتبه لها وهو يصرخ.
سيُعدم عند الفجر. لم يقل له أحد ذلك بصراحة، لكن كل ما سمعه من الجنود، ونبرة صوت النبيل حين تحدث عن القانون، وطبيعة هذا المكان، كل ذلك أوصله إلى الاستنتاج نفسه دون أن يحتاج إلى تأكيد. لا وسيلة للهرب؛ الباب حديدي ثقيل، والزنزانة لا تحتوي على شيء يمكن استخدامه. لا قوة كافية؛ رأى بنفسه، بشكل قاطع لا مجال للشك فيه، حجم الفارق بينه وبين من يواجهه. لا يعرف مكان مارِن، ولا طريقة للوصول إليها حتى لو عرف.
استدار أورِن بسرعة، ونظر إلى مصدر الصوت. رجل يقف عند حافة الظل، لم يسمع خطواته تقترب، ولم يلاحظ دخوله. لم يكن يرتدي ثوبًا صارخًا كالنبيل الذي واجهه في المنشأة؛ ملابسه داكنة وبسيطة نسبيًا، لكن هناك في وقفته وطريقة نظره شيء يوحي بأنه ليس أقل شأنًا، بل ربما أكثر.
بقي جالسًا وحده، الخاتم في يده، ويداه ملطختان بدم جاف من ضرباته على الباب قبل ساعات. نظر إلى الخاتم طويلاً، إلى نقشه الصغير الذي لم يقرأه بعد بوضوح كامل، ثم إلى يديه، ثم إلى الظلام الذي بلع الرجل الغريب دون أن يترك أثرًا.
لأول مرة منذ بدأت هذه الليلة الطويلة، لم يجد أورِن أي خطوة عملية يمكن التفكير فيها. كان يعرف نفسه رجلًا يبحث دائمًا عن حل، عن خيط صغير يمكن سحبه، عن قطعة حديد ملقاة قرب يده. هذه المرة لم يكن هناك شيء. لا خيط، ولا قطعة حديد، ولا حتى فكرة بائسة يمكن تجربتها.
بدأ شيء آخر يتسلل إلى مكان التفكير الفارغ ذاك.
اقترب الرجل خطوة واحدة، بلا استعجال، ووقف حيث يستطيع أورِن أن يرى ملامحه بشكل أوضح قليلاً في الضوء الخافت: وجه هادئ، لا يحمل تعبيرًا واضحًا، عينان تنظران إليه بتمعن أقرب إلى الفضول منه إلى التهديد.
لو مات الآن، لن يضطر إلى تخيّل ما يحدث لمارِن في هذه اللحظة بالذات. لو انتهى كل شيء، لن يبقى هذا الثقل في صدره، ولا هذه الصور التي تعود إليه رغمًا عنه: وجهها، عيناها نصف المغلقتين، الطريقة التي ارتجف بها جسدها. فكّر في ذلك بهدوء غريب، بلا دراما، كأنه يفكر في حل عملي آخر فشل قبل أن يبدأ: لا يملك حتى وسيلة سهلة لإنهاء الأمر. لا سكين، لا حبل، لا شيء في هذه الزنزانة الفارغة سوى الحجر والظلام وحجر صغير أحمر لا يعرف معناه.
ثم سمع صوتًا.
فكّر في مارِن. في وجهها. في الرجل الذي فعل بها ما فعل، ولا يزال، في مكان ما، يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث. فكّر في الفجر المقبل، وفي أنه لم يعد يملك وقتًا طويلاً ليقرر.
هذا الإدراك، أنه لا يستطيع حتى أن يختار طريقة لموته، جعل كل شيء أثقل بطريقة لم يتوقعها.
“من أنت؟”
انكمش في الزاوية، ضم ركبتيه إلى صدره، وأغلق عينيه. لم يكن يتمنى شيئًا محددًا، فقط أن يتوقف كل شيء، أن يغرق في نوم لا يستيقظ منه، أن يأتي الفجر وينتهي الأمر دون أن يضطر هو إلى فعل شيء بعد الآن. كان هادئًا وقاسيًا، أقرب إلى الاستسلام منه إلى اليأس الصارخ.
مرّ الوقت بلا شكل واضح. كان صوت ماء يقطر في مكان ما قريب من زنزانته، إيقاعًا رتيبًا رافق صمته منذ استيقظ دون أن يلاحظه بوعي كامل، نقطة، ثم صمت قصير، ثم نقطة أخرى.
بقي جالسًا وحده، الخاتم في يده، ويداه ملطختان بدم جاف من ضرباته على الباب قبل ساعات. نظر إلى الخاتم طويلاً، إلى نقشه الصغير الذي لم يقرأه بعد بوضوح كامل، ثم إلى يديه، ثم إلى الظلام الذي بلع الرجل الغريب دون أن يترك أثرًا.
ثم توقف.
اقترب الرجل خطوة واحدة، بلا استعجال، ووقف حيث يستطيع أورِن أن يرى ملامحه بشكل أوضح قليلاً في الضوء الخافت: وجه هادئ، لا يحمل تعبيرًا واضحًا، عينان تنظران إليه بتمعن أقرب إلى الفضول منه إلى التهديد.
قرّب الخاتم من عينيه في الضوء الخافت، وقرأ النقش المحفور عليه ببطء، كلمة تلو الأخرى، دون أن يفهم منها شيئًا سوى أنها اسم، اسم لا يعرفه، ولم يسمع به من قبل.
لم ينتبه أورِن في البداية، لكن غياب الصوت بعد كل تلك الساعة من تكراره ترك فراغًا محسوسًا.
“مارِن.”
شعر ببرد يتسلل من خلفه، ليس برد الحجر المعتاد، بل شيئًا أعمق، يلامس رقبته وكتفيه كأن نافذة فُتحت فجأة في مكان لا نوافذ فيه. استدار برأسه، فلم ير شيئًا؛ الزاوية التي كان يجلس بجانبها فارغة كما كانت قبل لحظات، لكن الظلام فيها بدا أكثف بطريقة لا يستطيع تفسيرها.
مرّ الوقت بلا شكل واضح. كان صوت ماء يقطر في مكان ما قريب من زنزانته، إيقاعًا رتيبًا رافق صمته منذ استيقظ دون أن يلاحظه بوعي كامل، نقطة، ثم صمت قصير، ثم نقطة أخرى.
ثم سمع صوتًا.
“أين هي؟!” صرخ، ودفع الباب بكتفه السليم بكل ما تبقى له من قوة، ثم ضرب الحديد بكف يده السليمة. استمر يحاول حتى شعر بجلد أصابعه يتشقق من القسوة، وألم حاد يخترق الذراع كلها، لكنه لم يتوقف. “أجيبوني! أين أختي؟!”
هادئ. لم يرتفع، ولم يحتج إلى أن يرتفع ليصل إليه بوضوح.
لم يحاول أن يناديهم. ابتعد عن الباب، وشعور جديد بدأ يستقر فيه، أثقل من الخوف الذي شعر به عند وصوله: أن ما حدث لمارِن ليس حادثًا فرديًا، وأن هذا المكان يعرف كيف يفعل هذا بكثيرين قبله.
“غريب… كنتُ أظنك ستقاتل أكثر.”
استدار أورِن بسرعة، ونظر إلى مصدر الصوت. رجل يقف عند حافة الظل، لم يسمع خطواته تقترب، ولم يلاحظ دخوله. لم يكن يرتدي ثوبًا صارخًا كالنبيل الذي واجهه في المنشأة؛ ملابسه داكنة وبسيطة نسبيًا، لكن هناك في وقفته وطريقة نظره شيء يوحي بأنه ليس أقل شأنًا، بل ربما أكثر.
اقترب الرجل خطوة واحدة، بلا استعجال، ووقف حيث يستطيع أورِن أن يرى ملامحه بشكل أوضح قليلاً في الضوء الخافت: وجه هادئ، لا يحمل تعبيرًا واضحًا، عينان تنظران إليه بتمعن أقرب إلى الفضول منه إلى التهديد.
“من أنت؟”
“لكن ربما لا فائدة من المقاومة،” أضاف الرجل، “حين لا يبقى للمرء شيء يقاتل من أجله.”
“لكن ربما لا فائدة من المقاومة،” أضاف الرجل، “حين لا يبقى للمرء شيء يقاتل من أجله.”
لم ينتبه أورِن في البداية، لكن غياب الصوت بعد كل تلك الساعة من تكراره ترك فراغًا محسوسًا.
شعر أورِن بشيء يشبه الغضب يتحرك في صدره، لا لأن الكلام خاطئ، بل لأنه كان دقيقًا أكثر مما يحتمل من غريب.
بعد وقت طويل، بدأ يلاحظ أشياء من حوله لم ينتبه لها وهو يصرخ.
فكّر في مارِن. في وجهها. في الرجل الذي فعل بها ما فعل، ولا يزال، في مكان ما، يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث. فكّر في الفجر المقبل، وفي أنه لم يعد يملك وقتًا طويلاً ليقرر.
“من أنت؟”
عاد صوت الماء يقطر من جديد في مكان ما بعيد، نقطة، ثم نقطة، كأن شيئًا استأنف مساره الطبيعي بعد توقف قصير لم يفهم أورِن سببه.
لم يجب الرجل على السؤال مباشرة. نظر إلى يد أورِن المصابة، ثم إلى وجهه، وقال بهدوء: “إن مت الآن، فلن يتغير ما حدث لها.”
مرّ الوقت بلا شكل واضح. كان صوت ماء يقطر في مكان ما قريب من زنزانته، إيقاعًا رتيبًا رافق صمته منذ استيقظ دون أن يلاحظه بوعي كامل، نقطة، ثم صمت قصير، ثم نقطة أخرى.
لم يجب الرجل. نظر إلى معصمي أورِن المحترقين، وقال بنبرة محايدة كأنها تقرير حقيقة: “إن مت الآن، فلن يتغير ما حدث لها. الرجل الذي فعل بها ذلك سيستمر في حياته… وأنت ستصبح اسمًا آخر في سجل.”
أخرج الرجل من داخل ثوبه شيئًا صغيرًا، أمسكه بين إصبعين لحظة قبل أن يمدّ يده. خاتم، بسيط الشكل، معدنه داكن لا يلمع حتى في الضوء الضعيف، يحمل على سطحه نقشًا صغيرًا لم يستطع أورِن قراءته من مكانه.
استقرت الجملة في أورِن بثقل مرعب.
“ليس السؤال ماذا أريد أنا،” رد الرجل، وثبتت نظرته. “السؤال ماذا تريد أنت.”
“لكن ربما لا فائدة من المقاومة،” أضاف الرجل، “حين لا يبقى للمرء شيء يقاتل من أجله.”
اقترب الرجل خطوة واحدة، وحركته كانت منسابة بلا صوت للخطوات على الحجر. “يمكنك أن تنتظر الصباح… أو يمكنك أن تختار شيئًا آخر.”
بدأ شيء آخر يتسلل إلى مكان التفكير الفارغ ذاك.
فكّر في مارِن. في وجهها. في الرجل الذي فعل بها ما فعل، ولا يزال، في مكان ما، يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث. فكّر في الفجر المقبل، وفي أنه لم يعد يملك وقتًا طويلاً ليقرر.
“ماذا تريد؟” سأل أورِن.
“لماذا تساعدني؟”
“ليس السؤال ماذا أريد أنا،” رد الرجل، وثبتت نظرته. “السؤال ماذا تريد أنت.”
“من أنت؟”
لم يرد أورِن. لم يكن يثق بهذا الرجل، ولا بشيء يخرج من فمه بهذا الهدوء المصمم بعناية. لكنه أيضًا لم يستطع أن يتجاهل الطريقة التي بدا بها كل شيء يقوله دقيقًا بشكل مزعج.
ثم سمع صوتًا.
أخرج الرجل من داخل ثوبه شيئًا صغيرًا، أمسكه بين إصبعين لحظة قبل أن يمدّ يده. خاتم، بسيط الشكل، معدنه داكن لا يلمع حتى في الضوء الضعيف، يحمل على سطحه نقشًا صغيرًا لم يستطع أورِن قراءته من مكانه.
استيقظ أورِن على برودة الحجر تحت خده قبل أن يستيقظ على أي شيء آخر. لم يكن هناك انتقال واضح بين الغياب والوعي، بل شعور ثقيل يتسلل إليه ببطء، كأن جسده يرفض العودة ويعقله يجرّه رغمًا عنه. فتح عينيه فلم ير شيئًا في البداية سوى ظلام كثيف، وبعد لحظات بدأ يميّز خطوط جدار حجري قريب منه، ورطوبة تلمع عليه بشكل خافت من مصدر ضوء لا يعرف مكانه.
ثم تذكّر.
أخرج الرجل من ثوبه خاتمًا داكنًا لا يلمع، وألقاه نحوه بخفة، فسقط على الحجر قرب يد أورِن.
“لماذا تساعدني؟”
“إذا أردت الانتقام…” قال الرجل، وتوقف لحظة لتستقر الكلمات، “…إذا أردت أن تصل إلى الرجل الذي فعل هذا بأختك… البسه.”
التقط أورِن الخاتم بيده المرتجفة. كان باردًا كالمعدن الميت. “وماذا بعد؟”
“نادِ الاسم المحفور عليه ثلاث مرات. حينها… لن تبقى وحدك.”
لم ينادِه.
“لماذا تساعدني؟”
شعر ببرد يتسلل من خلفه، ليس برد الحجر المعتاد، بل شيئًا أعمق، يلامس رقبته وكتفيه كأن نافذة فُتحت فجأة في مكان لا نوافذ فيه. استدار برأسه، فلم ير شيئًا؛ الزاوية التي كان يجلس بجانبها فارغة كما كانت قبل لحظات، لكن الظلام فيها بدا أكثف بطريقة لا يستطيع تفسيرها.
انكمش في الزاوية، ضم ركبتيه إلى صدره، وأغلق عينيه. لم يكن يتمنى شيئًا محددًا، فقط أن يتوقف كل شيء، أن يغرق في نوم لا يستيقظ منه، أن يأتي الفجر وينتهي الأمر دون أن يضطر هو إلى فعل شيء بعد الآن. كان هادئًا وقاسيًا، أقرب إلى الاستسلام منه إلى اليأس الصارخ.
نهض الرجل ببطء شديد، دون أن تظهر على وجهه أي ملامح تعاطف أو غضب. “لأنني أعتقد أن لديك سببًا كافيًا لتبقى حيًا.”
تراجع نحو الظلام، ولم يمشِ كالبشر، بل بدا وكأن الظلمة نفسها تبتلعه وتطويه من الحواشي. وفي لحظة، لم يعد هناك أحد.
“ماذا تريد؟” سأل أورِن.
“لماذا تساعدني؟”
عاد صوت قطرات الماء يقطر من جديد.
سيُعدم عند الفجر. لم يقل له أحد ذلك بصراحة، لكن كل ما سمعه من الجنود، ونبرة صوت النبيل حين تحدث عن القانون، وطبيعة هذا المكان، كل ذلك أوصله إلى الاستنتاج نفسه دون أن يحتاج إلى تأكيد. لا وسيلة للهرب؛ الباب حديدي ثقيل، والزنزانة لا تحتوي على شيء يمكن استخدامه. لا قوة كافية؛ رأى بنفسه، بشكل قاطع لا مجال للشك فيه، حجم الفارق بينه وبين من يواجهه. لا يعرف مكان مارِن، ولا طريقة للوصول إليها حتى لو عرف.
لكنه، بيد لا تزال ترتجف قليلًا من كل ما مرّ بها في تلك الليلة، أدخل الخاتم في إصبعه، وشعر ببرودته تلتف حول جلده، كأن الحجر يمتص شيئًا من حواسه دون أن يعطيه إجابة.
عاد صوت الماء يقطر من جديد في مكان ما بعيد، نقطة، ثم نقطة، كأن شيئًا استأنف مساره الطبيعي بعد توقف قصير لم يفهم أورِن سببه.
عاد صوت قطرات الماء يقطر من جديد.
ليس بعد.
بقي جالسًا وحده، الخاتم في يده، ويداه ملطختان بدم جاف من ضرباته على الباب قبل ساعات. نظر إلى الخاتم طويلاً، إلى نقشه الصغير الذي لم يقرأه بعد بوضوح كامل، ثم إلى يديه، ثم إلى الظلام الذي بلع الرجل الغريب دون أن يترك أثرًا.
التقط أورِن الخاتم بيده المرتجفة. كان باردًا كالمعدن الميت. “وماذا بعد؟”
فكّر في مارِن. في وجهها. في الرجل الذي فعل بها ما فعل، ولا يزال، في مكان ما، يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث. فكّر في الفجر المقبل، وفي أنه لم يعد يملك وقتًا طويلاً ليقرر.
“غريب… كنتُ أظنك ستقاتل أكثر.”
قرّب الخاتم من عينيه في الضوء الخافت، وقرأ النقش المحفور عليه ببطء، كلمة تلو الأخرى، دون أن يفهم منها شيئًا سوى أنها اسم، اسم لا يعرفه، ولم يسمع به من قبل.
لم ينادِه.
قالها بصوت لا يزال مبحوحًا من النوم، أو من شيء أعمق من النوم. انتظر، كأن الاسم وحده كافٍ لاستدعاء رد. لم يأتِ شيء.
ليس بعد.
بعد وقت طويل، بدأ يلاحظ أشياء من حوله لم ينتبه لها وهو يصرخ.
لكنه، بيد لا تزال ترتجف قليلًا من كل ما مرّ بها في تلك الليلة، أدخل الخاتم في إصبعه، وشعر ببرودته تلتف حول جلده، كأن الحجر يمتص شيئًا من حواسه دون أن يعطيه إجابة.
