مبعوث الدوق
لم يكن صباح ذلك اليوم في قلعة “الرعب الأبدي” يشبه أي صباح آخر. لم يبدأ بصراخ غول أو بشكوى إدارية من قسم الأشباح، بل بدأ بشيء أسوأ بكثير: حمامة بيضاء ناصعة.
وقفت الحمامة على حافة نافذة مكتب ألكسندر، تنظر بعينيها الصغيرتين إلى الغربان السوداء التي تسكن القلعة، والتي تحدق فيها بدورها في صمت مميت، وكأنها تتساءل عما إذا كانت هذه الحمامة وجبة خفيفة أم خطأ مطبعياً في نظام الطبيعة.
وقفت الحمامة على حافة نافذة مكتب ألكسندر، تنظر بعينيها الصغيرتين إلى الغربان السوداء التي تسكن القلعة، والتي تحدق فيها بدورها في صمت مميت، وكأنها تتساءل عما إذا كانت هذه الحمامة وجبة خفيفة أم خطأ مطبعياً في نظام الطبيعة.
“وهو ناجح جداً في ذلك، أستطيع أن أؤكد لك” قال بيرسيفال ببرود بينما يمسح جبهته من العرق البارد “أعتقد أنني رأيت ما يكفي. لنتجه إلى قاعة الطعام. أريد أن أكتب تقريري وأغادر هذا المكان المجنون”.
حمل الطائر في منقاره رسالة مطوية بعناية ومختومة بشمع ذهبي يحمل شعار “الأسد المتوج”، شعار عائلة “فاليريوس” النبيلة… عائلة ألكسندر – والده تحديداً.
“تيموثي!” نادى ألكسندر بصوت منخفض، لكنه يحمل ذبذبات جعلت زجاج النافذة يرتجف، مما دفع الحمامة البيضاء للفرار قبل أن تأكلها الغربان.
أخذ ألكسندر الرسالة ببطء، وكأنها مشبعة بسم العقارب. فض الختم الذهبي، وقرأ الأسطر القليلة المكتوبة بخط متغطرس وأنيق. مع كل كلمة يقرأها، ازدادت ملامحه قتامة، حتى أصبحت تعابير وجهه تشبه سماءً تنذر بعاصفة رعدية.
“آآآآه! الألم! لا أحتمل هذا العذاب الأبدي!” صرخت إحدى الأرواح.
“تيموثي!” نادى ألكسندر بصوت منخفض، لكنه يحمل ذبذبات جعلت زجاج النافذة يرتجف، مما دفع الحمامة البيضاء للفرار قبل أن تأكلها الغربان.
على قمة السلالم الحجرية، وقف ألكسندر. مرتديا عباءة سوداء ممزقة الأطراف، ودرعاً للكتف مليئاً بمسامير مدببة غير عملية، امسك بيده جمجمة كرمز درامي. وقف كالدور بجانبه ممسكاً بفأس إعدام ضخم بدلاً من سيفه المعتاد.
دخل تيموثي بسرعة، يحمل كالعادة رزمة من الأوراق “نعم يا سيدي؟ هل نفد الحبر مجدداً في قسم الموارد البشرية؟”.
“عفواً! عفواً! هذا هراء محض!” صرخ إغناطيوس.
“أسوأ يا تيموثي… أسوأ بكثير” ألقى ألكسندر الرسالة على المكتب “والدي، الدوق فاليريوس العظيم، قرر أنه يفتقدني. أو بالأحرى، يفتقد رؤيتي أتعذب. لقد أرسل مبعوثاً شخصياً، السير بيرسيفال، ليتفقد أحوالي في منفاي. يريد تقريراً مفصلاً عن مدى بؤسي، وعما إذا كنت قد مت من الجوع أو أكلتني الوحوش بعد”.
نهض ألكسندر من كرسيه، مشيرا بيده “كالدور… أغلق الأبواب”.
“السير بيرسيفال سيصل اليوم ظهراً يا سيدي” قرأ تيموثي الرسالة بسرعة “هذا يعني بعد 3 ساعات”.
فجأة، انسلت إيزابيلا عبر الجدار الحجري الكثيف المجاور لبيرسيفال، ناسية تماماً التعليمات بسبب ضغط العمل المتراكم.
“بالضبط… والدي يتوقع أن يجدني أعيش في كهف رطب، أبكي على مجدي الضائع، أو أن أكون قد تحولت إلى سيد ظلام همجي يعيش على فوضى الدماء والجثث. ما لا يجب أن يراه بأي حال من الأحوال، هو أنني أدير منشأة سحرية مستقرة مالياً، ذات هيكل تنظيمي ممتاز، ونظام تقاعد للغيلان!”.
بينما يتناول طاقم القلعة عشاءه بهدوء وسلام غير معتاد في قلعة الرعب، ابتسم ألكسندر وهو يتخيل وجه والده عندما يقرأ تقرير بيرسيفال. رعب الأرقام والكفاءة دائماً أقوى من رعب الأرواح المعذبة.
“لماذا لا تريده أن يرى نجاحك يا سيدي؟ أليس هذا دليلاً على كفاءتك؟”.
“هذا سهل يا سيدي! سأخبز كعك ‘الريد فيلفيت’ وأحشوه بمربى التوت الأحمر، وسأقوم بتشكيله كقلوب بشرية. سيكون طعمه لذيذاً جداً!” ابتسم جورج ببراءة.
“أنت لا تعرف النبلاء يا تيموثي. إذا رأى بيرسيفال أنني أعيش في قلعة نظيفة وآمنة وتدر أرباحاً من غارات المغامرين الاستكشافية المدفوعة ونظام الزراعة الممنهج، فإن والدي سيطالب بفرض ضرائب على هذا الوادي! سيحاول ضمي إلى إقطاعيته! لكي نتجنب لجان التفتيش الضريبي، يجب أن نكون مرعبين، فوضويين، ووحشيين. باختصار يجب أن نظهر كأننا كابوس لا يمكن السيطرة عليه” وقف ألكسندر مستردا عباءته السوداء الثقيلة “أعلن حالة الطوارئ القصوى. الرمز: ظلام حالك! استدعِ رؤساء الأقسام إلى القاعة الكبرى فوراً”.
فتح ألكسندر الباب الحديدي الثقيل. الداخل كان يبدو مرعباً. طاولات خشبية، سلاسل حديدية تتدلى من السقف، وفي الزاوية، تقف “المرأة الحديدية” (تابوت معدني مليء بالمسامير من الداخل).
—
“مرحباً بك في جحيمي، بيرسيفال” قال ألكسندر بصوت خشن وعميق اصطنعه بالكاد “هنا، حيث الأمل يموت والدماء هي العملة الوحيدة”.
بعد نصف ساعة وقف طاقم الإدارة العليا أمام ألكسندر.
رفع بيرسيفال حاجبه الأيسر بطريقة تنم عن شك عميق “مزارعي فراولة؟ في وادي الظلال القاحل؟. رائع! على أية حال، دعنا نرى ما بداخله. أريد تفقد الزنازين، ومرافق التعذيب. الدوق يريد التأكد من أنك فقدت إنسانيتك بالكامل”.
فرك اللورد كالدور سيفه بحماس بينما حملت إيزابيلا دفتر ملاحظاتها. أما جورج الخباز فإرتدى مئزراً نظيفاً بشكل مستفز، ووقف إغناطيوس المؤرخ على الجانب وبيده بضع مخطوطات.
ارتبك بيرسيفال، وتراجع خطوة إلى الوراء، واضعا يده على مقبض سيفه “ماذا تفعل؟ أنا مبعوث دبلوماسي! لا يمكنك المساس بي!”.
“اسمعوني جيداً” تحدث ألكسندر واضعا يديه خلف ظهره ويمشي أمامهم ذهاباً وإياباً “لدينا زائر من العاصمة… زائر نبيل ومغرور. طوال الساعات القادمة أريد من هذه القلعة أن تكون أسوأ مكان في الوجود. أريد رعباً، أريد دماءً، أريد أصوات تعذيب وأرواحاً تئن في الظلام. هل هذا مفهوم؟”.
فرك اللورد كالدور سيفه بحماس بينما حملت إيزابيلا دفتر ملاحظاتها. أما جورج الخباز فإرتدى مئزراً نظيفاً بشكل مستفز، ووقف إغناطيوس المؤرخ على الجانب وبيده بضع مخطوطات.
رفع كالدور يده العظمية عالياً وصرخ بحماس جعل نيرانه الزرقاء تتوهج “أخيراً! أخيراً يا سيدي! لقد كنت أنتظر هذا اليوم! سأقوم بخوزقة المبعوث فور دخوله من البوابة! سأعلق أمعاءه على الثريا لتكون درساً لكل فاني يتجرأ على…”.
“أسوأ يا تيموثي… أسوأ بكثير” ألقى ألكسندر الرسالة على المكتب “والدي، الدوق فاليريوس العظيم، قرر أنه يفتقدني. أو بالأحرى، يفتقد رؤيتي أتعذب. لقد أرسل مبعوثاً شخصياً، السير بيرسيفال، ليتفقد أحوالي في منفاي. يريد تقريراً مفصلاً عن مدى بؤسي، وعما إذا كنت قد مت من الجوع أو أكلتني الوحوش بعد”.
“توقف يا كالدور!” قاطعه ألكسندر وهو يمسح وجهه بيده “نحن لن نقتل المبعوث. إذا قتلناه سيرسل والدي جيشاً. نحن سنخيفه فقط. نريد عرضاً مسرحياً للوحشية، وليس وحشية حقيقية. مفهوم؟ مسرحية”.
وقف بيرسيفال ينظر إلى إغناطيوس، ثم إلى ألكسندر.
“مسرحية؟ تقصد…” انخفضت أكتاف كالدور بخيبة أمل واضحة “تعذيب وهمي؟ هذا يهين كرامتي العسكرية”.
في تلك اللحظة، لم يعد إغناطيوس قادراً على التحمل. كان يقف في الزاوية المظلمة، لكنه خرج فجأة إلى الضوء، رافعاً إصبعه العظمي باعتراض أكاديمي صارم.
“احتفظ بكرامتك العسكرية لما بعد رحيله… جورج!” التفت ألكسندر إلى الخباز “أريدك أن تصنع أشياء تبدو كأعضاء بشرية مقطعة. قلوب، أيادي، ربما بضعة أدمغة. انثرها في ممرات الطابق الأرضي”.
“بما أن الضيف قد رحل…” ابتسم جورج الخباز وتقدم نحو الطاولة “هل يمكننا تناول العشاء الآن؟ الفطائر ستبرد”.
“هذا سهل يا سيدي! سأخبز كعك ‘الريد فيلفيت’ وأحشوه بمربى التوت الأحمر، وسأقوم بتشكيله كقلوب بشرية. سيكون طعمه لذيذاً جداً!” ابتسم جورج ببراءة.
“إنها… إنها هلوسة! نعم! الأرواح هنا تفقد عقولها لدرجة أنها تعتقد أنها موظفة وتطالب بحقوق عمالية! هذا يثبت مدى الجنون الذي ندفعه إليهم! تعذيب نفسي بحت!”.
“لا أريد أن يكون طعمه لذيذاً يا جورج!” صرخ ألكسندر محاولاً الحفاظ على هدوئه “أريده أن يبدو مرعباً ومقززاً! لا تضف الفانيليا! لا تضف القرفة! من يخاف من دم تنبعث منه رائحة المخبوزات الطازجة؟!”.
—
“سأحاول… استخدام سكر أقل” تمتم جورج بحزن، وكأنه طُلب منه ارتكاب جريمة حرب.
جلس ألكسندر على كرسيه المريح الحقيقي رافعا شوكته “نعم يا جورج الفطيرة المبتسمة تبدو ممتازة. إيزابيلا، أبلغي الأشباح أن استراحتهم قد انتهت ويمكنهم العودة إلى التذمر بصمت. إغناطيوس، يمكنك العودة إلى كتابة رسائلك الغاضبة للأكاديمية لقد انتهت حالة الطوارئ”.
“إيزابيلا، أخبري جميع الأشباح بإلغاء إجازاتهم اليوم. أريدهم أن يحلقوا في الممرات ويطلقوا صرخات معاناة وألم مرعب” التفت ألكسندر إلى إيزابيلا ” لا أريد أن أسمع أياً منهم يناقش قضايا نقابية أو حقوق عمل أمام الضيف! مجرد عويل غير مفهوم من الجحيم”.
قفز بيرسيفال ومرافقه للوراء برعب عند سماع الهيكل العظمي لكن إغناطيوس لم يكن مهتماً بإخافتهم، بل مهتم بالدقة المنهجية.
“سأبذل جهدي يا سيدي” أجابت إيزابيلا وهي تدون ملاحظاتها “ولكن روح اللورد بيلثازار لا تتقن صرخات الجحيم، إنه يجيد فقط التذمر من آلام المفاصل التي كانت لديه قبل موته”.
تردد بيرسيفال للحظة قبل أن يجلس ببطء، وعيناه لا تفارقان الحراس.
“دعيه يتذمر بصوت عالٍ في القبو المظلم، سيفي بالغرض… إغناطيوس!”.
“لا أريد أن يكون طعمه لذيذاً يا جورج!” صرخ ألكسندر محاولاً الحفاظ على هدوئه “أريده أن يبدو مرعباً ومقززاً! لا تضف الفانيليا! لا تضف القرفة! من يخاف من دم تنبعث منه رائحة المخبوزات الطازجة؟!”.
“نعم؟” رفع المؤرخ العظمي رأسه.
“دعيه يتذمر بصوت عالٍ في القبو المظلم، سيفي بالغرض… إغناطيوس!”.
“أنت لن تتحدث. لن تصحح أي مغالطة تاريخية للضيف، ولن تنتقد تصميم أدوات التعذيب. أريدك فقط أن تقف في الزاوية وتبدو كهيكل عظمي شرير يخطط لنهاية العالم”.
–+–
“ولكن ماذا لو ادعى أن حمالة التكسير تعود للعهد الرابع وهي في الواقع اختراع من العهد الثاني؟ لا يمكنني أن أقف صامتاً أمام هذا الجهل الأكاديمي!”
“أسوأ يا تيموثي… أسوأ بكثير” ألقى ألكسندر الرسالة على المكتب “والدي، الدوق فاليريوس العظيم، قرر أنه يفتقدني. أو بالأحرى، يفتقد رؤيتي أتعذب. لقد أرسل مبعوثاً شخصياً، السير بيرسيفال، ليتفقد أحوالي في منفاي. يريد تقريراً مفصلاً عن مدى بؤسي، وعما إذا كنت قد مت من الجوع أو أكلتني الوحوش بعد”.
“إذا فتحت فمك، سأرسلك كحطب لقسم غلايات المياه!” هدد ألكسندر بحزم ثم نظر إليهم جميعاً نظرة أخيرة “الهدف بسيط: نجعل السير بيرسيفال يعتقد أنني أعيش في فوضى مرعبة، يكتب تقريره، يرحل، ونعود لحياتنا الإدارية الهادئة… تيموثي، أحضر لي عباءتي ذات المسامير المدببة التي توقفنا عن استخدامها لأنها تمزق مقاعد الكراسي”.
“هذه ‘المرأة الحديدية’ هي تلفيق تاريخي كامل!” أكمل إغناطيوس بحنق، وهو يضرب التابوت المعدني بيده “لم يتم استخدام هذا الشيء في العهد القديم على الإطلاق! إنه اختراع حديث ابتكره بعض السحرة الفاشلين في القرن الماضي لترهيب الفلاحين في المعارض الريفية! المسامير في الداخل قصيرة جداً ولا تخترق الأعضاء الحيوية، إنها بالكاد تسبب خدوشاً عميقة! استخدامها كدليل على ‘التعذيب الوحشي’ هو إهانة لتقاليد الاستجواب العتيقة!”.
—
“سيدي… هذا…” نظر إلى سيده مذهولاً “هذا مربى الفراولة. وهناك فتات كعك بجانبه”.
عند الظهيرة تماماً دوت طرقات قوية على بوابة القلعة.
“السير بيرسيفال سيصل اليوم ظهراً يا سيدي” قرأ تيموثي الرسالة بسرعة “هذا يعني بعد 3 ساعات”.
فُتحت البوابات الخشبية الضخمة ببطء مصدرة صريراً مدوياً (أمر ألكسندر بتفريغها من الزيت مسبقاً). دخل السير بيرسيفال، فارس في منتصف العمر يرتدي درعاً فضياً لامعاً لا تشوبه شائبة، وعباءة زرقاء مطرزة بخيوط ذهبية. سار بخطوات متعجرفة، نظر حوله بازدراء، متبعا مرافق يحمل صندوقاً خشبياً للرسائل.
اصبح بيرسيفال شاحباً كالموتى من حوله. أدرك أن العنف الجسدي يمكن محاربته بالسيف، لكن ما يقف أمامه هو نظام مثالي، بارد، ولا يقهر. وقف الفارس ببطء، مبتلعا ريقه بصعوبة. أخذ الفطيرة المبتسمة، وبدت له فجأة كأنها سخرية قاسية من نظام متفوق لا يهتم بآراء النبلاء ولا بأسلحتهم.
أصبحت الساحة الداخلية للقلعة مظلمة، تضيئها مشاعل تنبعث منها نيران خضراء. غطى الضباب الاصطناعي (الذي صنعه تيموثي باستخدام ثلج سحري وبعض الماء الساخن) الأرضية.
“دعيه يتذمر بصوت عالٍ في القبو المظلم، سيفي بالغرض… إغناطيوس!”.
على قمة السلالم الحجرية، وقف ألكسندر. مرتديا عباءة سوداء ممزقة الأطراف، ودرعاً للكتف مليئاً بمسامير مدببة غير عملية، امسك بيده جمجمة كرمز درامي. وقف كالدور بجانبه ممسكاً بفأس إعدام ضخم بدلاً من سيفه المعتاد.
“وهو ناجح جداً في ذلك، أستطيع أن أؤكد لك” قال بيرسيفال ببرود بينما يمسح جبهته من العرق البارد “أعتقد أنني رأيت ما يكفي. لنتجه إلى قاعة الطعام. أريد أن أكتب تقريري وأغادر هذا المكان المجنون”.
“ألكسندر فاليريوس!” نادى السير بيرسيفال بصوت عالٍ، وابتسامة متعالية ترتسم على وجهه “أتيت بأمر من الدوق لكي أرى كيف تعيش في هذا الوادي الملعون المليء بالقذارة والموت”.
تجمد ألكسندر في مكانه وسعل كالدور كذباً (رغم أنه لا يملك رئتين).
نزل ألكسندر السلالم ببطء شديد وبخطوات مسرحية ثقيلة.
فتح ألكسندر الباب الحديدي الثقيل. الداخل كان يبدو مرعباً. طاولات خشبية، سلاسل حديدية تتدلى من السقف، وفي الزاوية، تقف “المرأة الحديدية” (تابوت معدني مليء بالمسامير من الداخل).
“مرحباً بك في جحيمي، بيرسيفال” قال ألكسندر بصوت خشن وعميق اصطنعه بالكاد “هنا، حيث الأمل يموت والدماء هي العملة الوحيدة”.
“آآآآه! الألم! لا أحتمل هذا العذاب الأبدي!” صرخت إحدى الأرواح.
“دماء؟” نظر بيرسيفال إلى ألكسندر ثم إلى الأرض “هل تقصد هذه البقع الحمراء على الأرض؟”.
تحرك كالدور بسرعة البرق، وأغلق أبواب القاعة الكبرى الثقيلة بضربة واحدة دوت كصوت الرعد. حراس الهياكل العظمية اصطفوا أمام المداخل، مسددين رماحهم بدقة متزامنة.
أشار بحذائه إلى بقعة حمراء لزجة.
رفع كالدور يده العظمية عالياً وصرخ بحماس جعل نيرانه الزرقاء تتوهج “أخيراً! أخيراً يا سيدي! لقد كنت أنتظر هذا اليوم! سأقوم بخوزقة المبعوث فور دخوله من البوابة! سأعلق أمعاءه على الثريا لتكون درساً لكل فاني يتجرأ على…”.
“أجل” قال ألكسندر بابتسامة مرعبة “إنها بقايا أولئك الذين تجرأوا على تحدي حكمي. دماء الأبرياء التي لم تجف بعد”.
فتح ألكسندر الباب الحديدي الثقيل. الداخل كان يبدو مرعباً. طاولات خشبية، سلاسل حديدية تتدلى من السقف، وفي الزاوية، تقف “المرأة الحديدية” (تابوت معدني مليء بالمسامير من الداخل).
انحنى مرافق بيرسيفال ولمس البقعة الحمراء بإصبعه قبل أن يتذوقها دون تفكير. ثم اتسعت عيناه،
“مرحباً بك في جحيمي، بيرسيفال” قال ألكسندر بصوت خشن وعميق اصطنعه بالكاد “هنا، حيث الأمل يموت والدماء هي العملة الوحيدة”.
“سيدي… هذا…” نظر إلى سيده مذهولاً “هذا مربى الفراولة. وهناك فتات كعك بجانبه”.
“بما أن الضيف قد رحل…” ابتسم جورج الخباز وتقدم نحو الطاولة “هل يمكننا تناول العشاء الآن؟ الفطائر ستبرد”.
تجمد ألكسندر في مكانه وسعل كالدور كذباً (رغم أنه لا يملك رئتين).
في تلك اللحظة، لم يعد إغناطيوس قادراً على التحمل. كان يقف في الزاوية المظلمة، لكنه خرج فجأة إلى الضوء، رافعاً إصبعه العظمي باعتراض أكاديمي صارم.
“إنه… دم الفراولة!” استدرك ألكسندر بسرعة بصوت يرتفع قليلاً “نعم! لقد قمنا بتعذيب مجموعة من مزارعي الفراولة! و… دماؤهم مسكرة بسبب استهلاكهم المفرط لمحصولهم! وحشية مفرطة، أليس كذلك؟”.
أصبحت الساحة الداخلية للقلعة مظلمة، تضيئها مشاعل تنبعث منها نيران خضراء. غطى الضباب الاصطناعي (الذي صنعه تيموثي باستخدام ثلج سحري وبعض الماء الساخن) الأرضية.
رفع بيرسيفال حاجبه الأيسر بطريقة تنم عن شك عميق “مزارعي فراولة؟ في وادي الظلال القاحل؟. رائع! على أية حال، دعنا نرى ما بداخله. أريد تفقد الزنازين، ومرافق التعذيب. الدوق يريد التأكد من أنك فقدت إنسانيتك بالكامل”.
“ألكسندر فاليريوس!” نادى السير بيرسيفال بصوت عالٍ، وابتسامة متعالية ترتسم على وجهه “أتيت بأمر من الدوق لكي أرى كيف تعيش في هذا الوادي الملعون المليء بالقذارة والموت”.
“تفضلوا” أشار ألكسندر بينما يرمق تيموثي بنظرة تعني: ‘إذا رأيت جورج، اشنقه’.
وقف بيرسيفال ينظر إلى إغناطيوس، ثم إلى ألكسندر.
الجولة بدأت في أروقة الطابق السفلي حيث الأجواء ممتازة. صرخت الأشباح بشكل مرعب من الجدران.
—
“آآآآه! الألم! لا أحتمل هذا العذاب الأبدي!” صرخت إحدى الأرواح.
“سأحاول… استخدام سكر أقل” تمتم جورج بحزن، وكأنه طُلب منه ارتكاب جريمة حرب.
“تسمع؟ أرواح تتعذب في نيران الجحيم” ابتسم ألكسندر بفخر.
“أنت لا تعرف النبلاء يا تيموثي. إذا رأى بيرسيفال أنني أعيش في قلعة نظيفة وآمنة وتدر أرباحاً من غارات المغامرين الاستكشافية المدفوعة ونظام الزراعة الممنهج، فإن والدي سيطالب بفرض ضرائب على هذا الوادي! سيحاول ضمي إلى إقطاعيته! لكي نتجنب لجان التفتيش الضريبي، يجب أن نكون مرعبين، فوضويين، ووحشيين. باختصار يجب أن نظهر كأننا كابوس لا يمكن السيطرة عليه” وقف ألكسندر مستردا عباءته السوداء الثقيلة “أعلن حالة الطوارئ القصوى. الرمز: ظلام حالك! استدعِ رؤساء الأقسام إلى القاعة الكبرى فوراً”.
فجأة، انسلت إيزابيلا عبر الجدار الحجري الكثيف المجاور لبيرسيفال، ناسية تماماً التعليمات بسبب ضغط العمل المتراكم.
وقف بيرسيفال ينظر إلى إغناطيوس، ثم إلى ألكسندر.
“سيدي!” قالت إيزابيلا بصوتها المهني السريع “أعتذر عن التدخل العاجل، لكن قسم إدارة الأرواح والخدمات الطيفية رفع عريضة رسمية يطالب فيها باستراحة مجدولة ل15 دقيقة. يشتكون من أن الصراخ المتواصل يسبب تآكلاً في الحبال الصوتية الأثيرية، وهو ما يمثل خرقاً صريحاً للمادة 4 من لائحة بيئة العمل الآمنة…” توقفت إيزابيلا عندما رأت السير بيرسيفال يحدق فيها بعينين جاحظتين.
حدق بيرسيفال في الوجه المبتسم المصنوع من الصلصة. ثم رفع رأسه نحو ألكسندر، ونظرة من الازدراء المطلق والتفوق النبيل تملأ عينيه.
“إيزابيلا…” أمسك ألكسندر برأسه “أيتها الروح الشريرة الملعونة! عودي إلى… تعذيبهم! واجلدي من يطلب استراحة!”.
“دعيه يتذمر بصوت عالٍ في القبو المظلم، سيفي بالغرض… إغناطيوس!”.
“أجلده… بلائحة العقوبات؟” سألت إيزابيلا بارتباك.
“لقد كنت مرعباً جداً في النهاية يا سيدي” تقدم تيموثي مظهرا ابتسامة خفيفة نادرة “استخدام الجداول المالية كسلاح للترهيب؟ لم أرَ سحراً أسود أقوى من هذا في حياتي”.
“فقط اختفي!” زمجر ألكسندر.
على قمة السلالم الحجرية، وقف ألكسندر. مرتديا عباءة سوداء ممزقة الأطراف، ودرعاً للكتف مليئاً بمسامير مدببة غير عملية، امسك بيده جمجمة كرمز درامي. وقف كالدور بجانبه ممسكاً بفأس إعدام ضخم بدلاً من سيفه المعتاد.
تلاشت إيزابيلا عبر الجدار بسرعة.
“إغناطيوس… هو شيطان الدقة” تنحنح ألكسندر “إنه يعذب ضحاياه بالملل المنهجي وتصحيح المعلومات حتى يفقدوا الرغبة في الحياة”.
“هل مسؤولة الأرواح لديك تتحدث عن لوائح بيئة عمل آمنة في الجحيم؟” نظر بيرسيفال إلى ألكسندر ببرود.
نهض ألكسندر من كرسيه، مشيرا بيده “كالدور… أغلق الأبواب”.
“إنها… إنها هلوسة! نعم! الأرواح هنا تفقد عقولها لدرجة أنها تعتقد أنها موظفة وتطالب بحقوق عمالية! هذا يثبت مدى الجنون الذي ندفعه إليهم! تعذيب نفسي بحت!”.
ساد صمت مميت في القاعة الكبرى. تراجع كالدور خطوة، ويده ترتجف على مقبض فأسه. وضعت إيزابيلا، التي تراقب من الجدار، يدها على فمها. ونظر جورج الخباز إلى الفطيرة بحزن شديد. حدق تيموثي، الذي يقف في الظل، في ألكسندر. متوقعا أن يرى مديره محطماً أو غاضباً بشكل هستيري. لكن ألكسندر لم يكن يرتجف. لم يكن غاضباً. بل ببطء شديد… ابتسم.
يبدو أن بيرسيفال اشترى هذه الكذبة، ولو جزئياً. أكملوا مسيرهم نحو غرفة التعذيب الرئيسية (ا
قاعة الاجتماعات سابقاً).
بعد نصف ساعة وقف طاقم الإدارة العليا أمام ألكسندر.
فتح ألكسندر الباب الحديدي الثقيل. الداخل كان يبدو مرعباً. طاولات خشبية، سلاسل حديدية تتدلى من السقف، وفي الزاوية، تقف “المرأة الحديدية” (تابوت معدني مليء بالمسامير من الداخل).
في قلعة الرعب الأبدي الإنجاز الأكبر ليس في نشر الموت بل في إدارة الحياة اليومية للموتى بسلام وتجنب دفع الضرائب للعاصمة.
“هنا ننتزع الاعترافات” قال ألكسندر بصوت يقطر شراً “أدواتي مصممة لتمزيق اللحم وتحطيم العظام. انظر إلى هذه المرأة الحديدية. صُنعت لتخترق جسد الضحية ببطء شديد”.
“هذا العشاء مصنوع خصيصاً من لحوم الوحوش التي نصطادها في الغابات المحرمة” أعلن ألكسندر، آملاً أن يكون جورج قد فهم التعليمات هذه المرة.
في تلك اللحظة، لم يعد إغناطيوس قادراً على التحمل. كان يقف في الزاوية المظلمة، لكنه خرج فجأة إلى الضوء، رافعاً إصبعه العظمي باعتراض أكاديمي صارم.
“إنه… دم الفراولة!” استدرك ألكسندر بسرعة بصوت يرتفع قليلاً “نعم! لقد قمنا بتعذيب مجموعة من مزارعي الفراولة! و… دماؤهم مسكرة بسبب استهلاكهم المفرط لمحصولهم! وحشية مفرطة، أليس كذلك؟”.
“عفواً! عفواً! هذا هراء محض!” صرخ إغناطيوس.
تجمد ألكسندر في مكانه وسعل كالدور كذباً (رغم أنه لا يملك رئتين).
قفز بيرسيفال ومرافقه للوراء برعب عند سماع الهيكل العظمي لكن إغناطيوس لم يكن مهتماً بإخافتهم، بل مهتم بالدقة المنهجية.
“هل مسؤولة الأرواح لديك تتحدث عن لوائح بيئة عمل آمنة في الجحيم؟” نظر بيرسيفال إلى ألكسندر ببرود.
“هذه ‘المرأة الحديدية’ هي تلفيق تاريخي كامل!” أكمل إغناطيوس بحنق، وهو يضرب التابوت المعدني بيده “لم يتم استخدام هذا الشيء في العهد القديم على الإطلاق! إنه اختراع حديث ابتكره بعض السحرة الفاشلين في القرن الماضي لترهيب الفلاحين في المعارض الريفية! المسامير في الداخل قصيرة جداً ولا تخترق الأعضاء الحيوية، إنها بالكاد تسبب خدوشاً عميقة! استخدامها كدليل على ‘التعذيب الوحشي’ هو إهانة لتقاليد الاستجواب العتيقة!”.
بينما يتناول طاقم القلعة عشاءه بهدوء وسلام غير معتاد في قلعة الرعب، ابتسم ألكسندر وهو يتخيل وجه والده عندما يقرأ تقرير بيرسيفال. رعب الأرقام والكفاءة دائماً أقوى من رعب الأرواح المعذبة.
وقف بيرسيفال ينظر إلى إغناطيوس، ثم إلى ألكسندر.
“إنها… إنها هلوسة! نعم! الأرواح هنا تفقد عقولها لدرجة أنها تعتقد أنها موظفة وتطالب بحقوق عمالية! هذا يثبت مدى الجنون الذي ندفعه إليهم! تعذيب نفسي بحت!”.
“هل… هل هيكلك العظمي الشرير يقدم لي الآن محاضرة عن المغالطات التاريخية لأدوات التعذيب؟” سأل بيرسيفال، والصدمة تتغلب على الخوف في صوته.
أخذ ألكسندر الرسالة ببطء، وكأنها مشبعة بسم العقارب. فض الختم الذهبي، وقرأ الأسطر القليلة المكتوبة بخط متغطرس وأنيق. مع كل كلمة يقرأها، ازدادت ملامحه قتامة، حتى أصبحت تعابير وجهه تشبه سماءً تنذر بعاصفة رعدية.
أغلق ألكسندر عينيه. علم أن هذه الخطة ستفشل. القلعة لم تعد قادرة على أن تكون شريرة بالمعنى التقليدي. لقد تحولت إلى ماكينة بيروقراطية وعلمية أكثر من اللازم.
فجأة، انسلت إيزابيلا عبر الجدار الحجري الكثيف المجاور لبيرسيفال، ناسية تماماً التعليمات بسبب ضغط العمل المتراكم.
“إغناطيوس… هو شيطان الدقة” تنحنح ألكسندر “إنه يعذب ضحاياه بالملل المنهجي وتصحيح المعلومات حتى يفقدوا الرغبة في الحياة”.
“حسناً…” قال ألكسندر وهو يفرك عينيه بإرهاق حقيقي “لقد كان هذا مرهقاً للغاية”.
“وهو ناجح جداً في ذلك، أستطيع أن أؤكد لك” قال بيرسيفال ببرود بينما يمسح جبهته من العرق البارد “أعتقد أنني رأيت ما يكفي. لنتجه إلى قاعة الطعام. أريد أن أكتب تقريري وأغادر هذا المكان المجنون”.
وقفت الحمامة على حافة نافذة مكتب ألكسندر، تنظر بعينيها الصغيرتين إلى الغربان السوداء التي تسكن القلعة، والتي تحدق فيها بدورها في صمت مميت، وكأنها تتساءل عما إذا كانت هذه الحمامة وجبة خفيفة أم خطأ مطبعياً في نظام الطبيعة.
—
فجأة، انسلت إيزابيلا عبر الجدار الحجري الكثيف المجاور لبيرسيفال، ناسية تماماً التعليمات بسبب ضغط العمل المتراكم.
تم إعداد العشاء في القاعة الكبرى. غطيت الطاولة الطويلة بقماش أسود. كما وُضعت شمعدانات تنبعث منها نيران حمراء خافتة.
أشار بحذائه إلى بقعة حمراء لزجة.
جلس السير بيرسيفال على أحد الأطراف، وألكسندر على الطرف الآخر. وقف كالدور خلف ألكسندر، محدقا في بيرسيفال بنظرة قاتلة.
“دماء؟” نظر بيرسيفال إلى ألكسندر ثم إلى الأرض “هل تقصد هذه البقع الحمراء على الأرض؟”.
ُفتحت أبواب المطبخ، ودخل جورج الخباز مع فريق من الغيلان يحملون أطباقاً مغطاة بأغطية فضية. وضع الغيلان الأطباق أمام الضيوف.
فرك اللورد كالدور سيفه بحماس بينما حملت إيزابيلا دفتر ملاحظاتها. أما جورج الخباز فإرتدى مئزراً نظيفاً بشكل مستفز، ووقف إغناطيوس المؤرخ على الجانب وبيده بضع مخطوطات.
“هذا العشاء مصنوع خصيصاً من لحوم الوحوش التي نصطادها في الغابات المحرمة” أعلن ألكسندر، آملاً أن يكون جورج قد فهم التعليمات هذه المرة.
“إيزابيلا، أخبري جميع الأشباح بإلغاء إجازاتهم اليوم. أريدهم أن يحلقوا في الممرات ويطلقوا صرخات معاناة وألم مرعب” التفت ألكسندر إلى إيزابيلا ” لا أريد أن أسمع أياً منهم يناقش قضايا نقابية أو حقوق عمل أمام الضيف! مجرد عويل غير مفهوم من الجحيم”.
رفع بيرسيفال الغطاء الفضي ببطء. في الطبق أمامه، رأى فطيرة لحم. لكنها لم تكن تبدو كقطعة مشوهة من لحم الوحوش. بل محمرة بشكل مثالي، وحوافها مزينة بضفائر من العجين المخبوز بعناية فائقة، في المنتصف، قام جورج بصنع رسمة صغيرة لوجه مبتسم باستخدام صلصة اللحم، وضع حول الطبق زينة من أوراق البقدونس الطازج.
ارتبك بيرسيفال، وتراجع خطوة إلى الوراء، واضعا يده على مقبض سيفه “ماذا تفعل؟ أنا مبعوث دبلوماسي! لا يمكنك المساس بي!”.
حدق بيرسيفال في الوجه المبتسم المصنوع من الصلصة. ثم رفع رأسه نحو ألكسندر، ونظرة من الازدراء المطلق والتفوق النبيل تملأ عينيه.
—
“فطيرة لحم… بوجه مبتسم وزينة من البقدونس؟” قال بيرسيفال ببطء شديد “هل هذا هو الجحيم الذي تعيش فيه يا ألكسندر؟ هل هؤلاء هم وحوشك المرعبون؟ طباخ يصنع فطائر مبتسمة، شبح يطالب بحقوق العمال، وهيكل عظمي يصحح معلوماتي التاريخية؟” رمى بيرسيفال المنديل على الطاولة بغضب، ونهض من كرسيه “والدك محق. أنت لم تصبح سيد ظلام، ولم تنجُ بصعوبة. أنت تلعب دور قيّم بائس على نزل أثري مهجور! لقد حولت المنفى إلى… إلى منتجع غريب الأطوار للموتى الأحياء! سأكتب في تقريري أنك لست خطراً، لست شريراً، وأنك مجرد نكتة إدارية! سيسخر منك مجلس النبلاء بأكمله!”.
“دعيه يتذمر بصوت عالٍ في القبو المظلم، سيفي بالغرض… إغناطيوس!”.
ساد صمت مميت في القاعة الكبرى. تراجع كالدور خطوة، ويده ترتجف على مقبض فأسه. وضعت إيزابيلا، التي تراقب من الجدار، يدها على فمها. ونظر جورج الخباز إلى الفطيرة بحزن شديد.
حدق تيموثي، الذي يقف في الظل، في ألكسندر. متوقعا أن يرى مديره محطماً أو غاضباً بشكل هستيري. لكن ألكسندر لم يكن يرتجف. لم يكن غاضباً. بل ببطء شديد… ابتسم.
—
ولم تكن ابتسامة مسرحية أو مصطنعة كالتي استخدمها في الخارج. ابتسامة باردة، محسوبة، وخالية تماماً من أي عاطفة. ابتسامة مدير تنفيذي اكتشف للتو ثغرة قانونية تدمر خصمه.
“سيدي!” قالت إيزابيلا بصوتها المهني السريع “أعتذر عن التدخل العاجل، لكن قسم إدارة الأرواح والخدمات الطيفية رفع عريضة رسمية يطالب فيها باستراحة مجدولة ل15 دقيقة. يشتكون من أن الصراخ المتواصل يسبب تآكلاً في الحبال الصوتية الأثيرية، وهو ما يمثل خرقاً صريحاً للمادة 4 من لائحة بيئة العمل الآمنة…” توقفت إيزابيلا عندما رأت السير بيرسيفال يحدق فيها بعينين جاحظتين.
نهض ألكسندر من كرسيه، مشيرا بيده “كالدور… أغلق الأبواب”.
“أجل” قال ألكسندر بابتسامة مرعبة “إنها بقايا أولئك الذين تجرأوا على تحدي حكمي. دماء الأبرياء التي لم تجف بعد”.
تحرك كالدور بسرعة البرق، وأغلق أبواب القاعة الكبرى الثقيلة بضربة واحدة دوت كصوت الرعد. حراس الهياكل العظمية اصطفوا أمام المداخل، مسددين رماحهم بدقة متزامنة.
رفع كالدور يده العظمية عالياً وصرخ بحماس جعل نيرانه الزرقاء تتوهج “أخيراً! أخيراً يا سيدي! لقد كنت أنتظر هذا اليوم! سأقوم بخوزقة المبعوث فور دخوله من البوابة! سأعلق أمعاءه على الثريا لتكون درساً لكل فاني يتجرأ على…”.
ارتبك بيرسيفال، وتراجع خطوة إلى الوراء، واضعا يده على مقبض سيفه “ماذا تفعل؟ أنا مبعوث دبلوماسي! لا يمكنك المساس بي!”.
أغلق ألكسندر عينيه. علم أن هذه الخطة ستفشل. القلعة لم تعد قادرة على أن تكون شريرة بالمعنى التقليدي. لقد تحولت إلى ماكينة بيروقراطية وعلمية أكثر من اللازم.
“اجلس يا بيرسيفال” قال ألكسندر بصوت هادئ، لكنه يفرض الطاعة المطلقة. صوت لا ينتمي لسيد ظلام يصرخ، بل لسلطة لا تقبل النقاش.
“بالضبط… والدي يتوقع أن يجدني أعيش في كهف رطب، أبكي على مجدي الضائع، أو أن أكون قد تحولت إلى سيد ظلام همجي يعيش على فوضى الدماء والجثث. ما لا يجب أن يراه بأي حال من الأحوال، هو أنني أدير منشأة سحرية مستقرة مالياً، ذات هيكل تنظيمي ممتاز، ونظام تقاعد للغيلان!”.
تردد بيرسيفال للحظة قبل أن يجلس ببطء، وعيناه لا تفارقان الحراس.
تحرك كالدور بسرعة البرق، وأغلق أبواب القاعة الكبرى الثقيلة بضربة واحدة دوت كصوت الرعد. حراس الهياكل العظمية اصطفوا أمام المداخل، مسددين رماحهم بدقة متزامنة.
“تيموثي” أمر ألكسندر “أعطني المجلد الأحمر الداكن من خزانتي”.
“سيدي… هذا…” نظر إلى سيده مذهولاً “هذا مربى الفراولة. وهناك فتات كعك بجانبه”.
خطا تيموثي خارج الظل بسرعة، ووضع مجلداً ضخماً مغلفاً بجلد التنين الأحمر على الطاولة. ارتطم المجلد بالخشب الثقيل محدثاً دوياً مكتوماً جعل بيرسيفال ينتفض في مقعده. ببرود شديد، فك ألكسندر الأبازيم النحاسية للمجلد، وقلّب الصفحات المصفرة لتفوح منها رائحة الحبر المركز والشمع الأحمر. سحب حزمة من الوثائق الممهورة بأختام رسمية، ودفعها ببطء عبر الطاولة حتى استقرت تحت أنف الفارس النبيل.
“بما أن الضيف قد رحل…” ابتسم جورج الخباز وتقدم نحو الطاولة “هل يمكننا تناول العشاء الآن؟ الفطائر ستبرد”.
“أنت محق يا بيرسيفال” تحدث ألكسندر وهو يراقب عيني الفارس تتنقلان بين أعمدة الحبر الدقيقة “أنا لا أقوم بتعذيب الناس. أنا لا أشرب الدماء. الوحشية التقليدية هي مضيعة للوقت، ومكلفة جداً في الصيانة، وتجذب دائماً الأبطال المزعجين الذين يكسرون النوافذ” أمسك ألكسندر بورقة ونقر عليها بإصبعه “انظر إلى هذا. هذا هو جدول الإنتاج الزراعي للقلعة في الربع الأخير. هل تعلم كيف أزرع الوادي الملعون؟ أستخدم سحر الأرض المنبعث من الموتى لتقليب التربة، وغيلان الخنادق لري المحاصيل ليلاً ونهاراً. تكلفة العمالة؟ 0. الإرهاق؟ غير موجود. الموتى لا يحتاجون إلى رواتب، ولا طعام، ولا ينامون” دفع ورقة أخرى ثقيلة بالأرقام والمخططات “وهذه… أرباح الجولات الاستكشافية. المغامرون يأتون إلى هنا بحثاً عن ‘تجربة الرعب الآمنة’. يدفعون بالذهب الصافي لكي يخيفهم كالدور قليلاً ثم يعودون إلى العاصمة ليخبروا أصدقاءهم. القلعة تدر أرباحاً صافية تعادل 3 أضعاف دخل إقطاعية والدي بأكملها”.
رفع بيرسيفال حاجبه الأيسر بطريقة تنم عن شك عميق “مزارعي فراولة؟ في وادي الظلال القاحل؟. رائع! على أية حال، دعنا نرى ما بداخله. أريد تفقد الزنازين، ومرافق التعذيب. الدوق يريد التأكد من أنك فقدت إنسانيتك بالكامل”.
اتسعت عينا بيرسيفال وارتجفت يداه المغطاتان بالدروع وهو يقرأ الأرقام المكتوبة. كفارس نبيل، فهو يعرف كيف تُقرأ ميزانيات المدن. الجداول دقيقة بشكل لا يرحم، والأرقام صحيحة و… مرعبة.
“نعم؟” رفع المؤرخ العظمي رأسه.
“ماذا يعني هذا؟” تلعثم بيرسيفال حيث اختفت نبرة التفوق من صوته تماماً “هل تظن أن والدك سيهتم بنجاحك التجاري؟”.
“بما أن الضيف قد رحل…” ابتسم جورج الخباز وتقدم نحو الطاولة “هل يمكننا تناول العشاء الآن؟ الفطائر ستبرد”.
“لن يهتم بنجاحي، بل سيرتعب منه” انحنى ألكسندر للأمام، واختفت ابتسامته ليحل محلها وجه قاطع كالشفرة “والدي يمتلك جيشاً من البشر. البشر يجوعون، يمرضون، ويطالبون بالتقاعد. أنا أمتلك جيشاً من الموتى، وقوة مالية تجعلني قادراً على شراء كل مرتزقة العاصمة، وحصار إقطاعيته اقتصادياً دون أن أطلق سهماً واحداً” أشار ألكسندر نحو طاقمه “أنت سخرت من الأشباح التي تطالب بحقوق العمال. هل تعلم لماذا أعطيهم حقوقاً؟ لأن الكيان المنظم، الذي تحكمه قوانين صارمة وولاء وظيفي، هو أقوى بألف مرة من حشد عشوائي من الوحوش التي تتقاتل على قطعة لحم” صمت ألكسندر للحظة، وترك الصمت يضغط على أعصاب الفارس النبيل كالمكبس “إذا كتبت في تقريرك أنني مجرد نكتة فستكون أحمق. وإذا أخبرت والدي أنني أمتلك هذه الماكينة البيروقراطية والاقتصادية المستقلة تماماً في الظلام… فلن ينام ليلة واحدة بسلام. سيعلم أن ابنه المنفي لم يعد يعيش تحت رحمته، بل أصبح كياناً موازياً يمكنه ابتلاع مملكته بالكامل من خلال الاستحواذ المالي واللوجستي” وقف ألكسندر ليجمع الأوراق ببطء، مرتباً إياها بحركة إدارية بحتة “هذا هو الرعب الحقيقي يا بيرسيفال. ليس الدم او الصراخ. الرعب الحقيقي هو الكفاءة المطلقة التي لا يمكن إيقافها. اكتب تقريرك. أخبر الدوق أنني لم أعد سيد ظلام… بل أصبحت مديراً تنفيذياً مستقلاً غير خاضع للضرائب. دعه يعيش مع هذا الكابوس”.
عند الظهيرة تماماً دوت طرقات قوية على بوابة القلعة.
اصبح بيرسيفال شاحباً كالموتى من حوله. أدرك أن العنف الجسدي يمكن محاربته بالسيف، لكن ما يقف أمامه هو نظام مثالي، بارد، ولا يقهر. وقف الفارس ببطء، مبتلعا ريقه بصعوبة. أخذ الفطيرة المبتسمة، وبدت له فجأة كأنها سخرية قاسية من نظام متفوق لا يهتم بآراء النبلاء ولا بأسلحتهم.
أغلق ألكسندر عينيه. علم أن هذه الخطة ستفشل. القلعة لم تعد قادرة على أن تكون شريرة بالمعنى التقليدي. لقد تحولت إلى ماكينة بيروقراطية وعلمية أكثر من اللازم.
“سأنقل رسالتك… كما هي” قال بيرسيفال بصوت خافت، ثم استدار مغادراً القاعة بخطوات سريعة مرتبكة، متبوعاً بمرافقه المرتجف.
“لماذا لا تريده أن يرى نجاحك يا سيدي؟ أليس هذا دليلاً على كفاءتك؟”.
بمجرد أن أُغلق باب القلعة الرئيسي خلفهم، وتأكدوا من مغادرتهم الوادي، ساد الصمت في القاعة الكبرى مجدداً.
“أنت لن تتحدث. لن تصحح أي مغالطة تاريخية للضيف، ولن تنتقد تصميم أدوات التعذيب. أريدك فقط أن تقف في الزاوية وتبدو كهيكل عظمي شرير يخطط لنهاية العالم”.
تنهد ألكسندر تنهيدة طويلة ومجهدة، ثم سحب ربطة عنقه وأرخاها، رمى العباءة ذات المسامير المدببة على الأرض بصوت معدني رنان.
تحرك كالدور بسرعة البرق، وأغلق أبواب القاعة الكبرى الثقيلة بضربة واحدة دوت كصوت الرعد. حراس الهياكل العظمية اصطفوا أمام المداخل، مسددين رماحهم بدقة متزامنة.
“حسناً…” قال ألكسندر وهو يفرك عينيه بإرهاق حقيقي “لقد كان هذا مرهقاً للغاية”.
“دعيه يتذمر بصوت عالٍ في القبو المظلم، سيفي بالغرض… إغناطيوس!”.
“لقد كنت مرعباً جداً في النهاية يا سيدي” تقدم تيموثي مظهرا ابتسامة خفيفة نادرة “استخدام الجداول المالية كسلاح للترهيب؟ لم أرَ سحراً أسود أقوى من هذا في حياتي”.
“عفواً! عفواً! هذا هراء محض!” صرخ إغناطيوس.
“البشر يخافون من الضرائب والإفلاس أكثر من خوفهم من الوحوش يا تيموثي. إنها حقيقة اقتصادية”.
“ماذا يعني هذا؟” تلعثم بيرسيفال حيث اختفت نبرة التفوق من صوته تماماً “هل تظن أن والدك سيهتم بنجاحك التجاري؟”.
“سيدي…” تدخل كالدور بحذر “هل ما قلته صحيح؟ هل سنقوم بحصار العاصمة اقتصادياً ونشتري المرتزقة ونغزو…”.
“أسوأ يا تيموثي… أسوأ بكثير” ألقى ألكسندر الرسالة على المكتب “والدي، الدوق فاليريوس العظيم، قرر أنه يفتقدني. أو بالأحرى، يفتقد رؤيتي أتعذب. لقد أرسل مبعوثاً شخصياً، السير بيرسيفال، ليتفقد أحوالي في منفاي. يريد تقريراً مفصلاً عن مدى بؤسي، وعما إذا كنت قد مت من الجوع أو أكلتني الوحوش بعد”.
“لا يا كالدور” قاطعه ألكسندر بسرعة “أنا أكره الحروب. إنها تسبب فوضى في الأوراق وتدمر سلاسل التوريد. لقد قلت ذلك فقط لأجعله يرتعب ويتركنا وشأننا”.
“توقف يا كالدور!” قاطعه ألكسندر وهو يمسح وجهه بيده “نحن لن نقتل المبعوث. إذا قتلناه سيرسل والدي جيشاً. نحن سنخيفه فقط. نريد عرضاً مسرحياً للوحشية، وليس وحشية حقيقية. مفهوم؟ مسرحية”.
“دائماً تحطمون آمالي العسكرية” انخفضت نيران كالدور مرة أخرى، مترافقة مع تنهيدة عظمية طويلة.
رفع كالدور يده العظمية عالياً وصرخ بحماس جعل نيرانه الزرقاء تتوهج “أخيراً! أخيراً يا سيدي! لقد كنت أنتظر هذا اليوم! سأقوم بخوزقة المبعوث فور دخوله من البوابة! سأعلق أمعاءه على الثريا لتكون درساً لكل فاني يتجرأ على…”.
“بما أن الضيف قد رحل…” ابتسم جورج الخباز وتقدم نحو الطاولة “هل يمكننا تناول العشاء الآن؟ الفطائر ستبرد”.
“أنت لن تتحدث. لن تصحح أي مغالطة تاريخية للضيف، ولن تنتقد تصميم أدوات التعذيب. أريدك فقط أن تقف في الزاوية وتبدو كهيكل عظمي شرير يخطط لنهاية العالم”.
جلس ألكسندر على كرسيه المريح الحقيقي رافعا شوكته “نعم يا جورج الفطيرة المبتسمة تبدو ممتازة. إيزابيلا، أبلغي الأشباح أن استراحتهم قد انتهت ويمكنهم العودة إلى التذمر بصمت. إغناطيوس، يمكنك العودة إلى كتابة رسائلك الغاضبة للأكاديمية لقد انتهت حالة الطوارئ”.
أشار بحذائه إلى بقعة حمراء لزجة.
بينما يتناول طاقم القلعة عشاءه بهدوء وسلام غير معتاد في قلعة الرعب، ابتسم ألكسندر وهو يتخيل وجه والده عندما يقرأ تقرير بيرسيفال. رعب الأرقام والكفاءة دائماً أقوى من رعب الأرواح المعذبة.
“هل… هل هيكلك العظمي الشرير يقدم لي الآن محاضرة عن المغالطات التاريخية لأدوات التعذيب؟” سأل بيرسيفال، والصدمة تتغلب على الخوف في صوته.
في قلعة الرعب الأبدي الإنجاز الأكبر ليس في نشر الموت بل في إدارة الحياة اليومية للموتى بسلام وتجنب دفع الضرائب للعاصمة.
فُتحت البوابات الخشبية الضخمة ببطء مصدرة صريراً مدوياً (أمر ألكسندر بتفريغها من الزيت مسبقاً). دخل السير بيرسيفال، فارس في منتصف العمر يرتدي درعاً فضياً لامعاً لا تشوبه شائبة، وعباءة زرقاء مطرزة بخيوط ذهبية. سار بخطوات متعجرفة، نظر حوله بازدراء، متبعا مرافق يحمل صندوقاً خشبياً للرسائل.
–+–
—
بمجرد أن أُغلق باب القلعة الرئيسي خلفهم، وتأكدوا من مغادرتهم الوادي، ساد الصمت في القاعة الكبرى مجدداً.
“هنا ننتزع الاعترافات” قال ألكسندر بصوت يقطر شراً “أدواتي مصممة لتمزيق اللحم وتحطيم العظام. انظر إلى هذه المرأة الحديدية. صُنعت لتخترق جسد الضحية ببطء شديد”.
