اذكر الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“من هؤلاء؟!”
تمعن فايلور في الرجل جيداً لكنه لم يستطع رؤية ملامح وجهه، اذ كانت ضباببة لا يستطيع ادراكها بعينه، وكأن نظراته ستلوث وجهه ان رآه.
وعندما لم يجد فايلور املاً في رؤيته، نظر للمرأة بجانبه، حتى مع عبوسها، بدت كجمال الشمس في شروقها، وسط السحاب تتغلغل اشعة ضيائها، لتطل على الخلائق ببريقها.
لم تكن تلك المرأة انسانة، بل بدت كشبح ذهبي شفاف، شديدة الجمال، بدت كإنسانة في الثلاثين من عمرها، ذات فم عريض، وفك حاد، ورموش ذهبية طويلة، وعيناها بدت كنجمين ساطعين يأثران كل من ينظر نحوها في دورة ابدية لا تنتهي من شدة سحرها. ينسدل ثوبها الذهبي من فوق كتفيها، نزولاً مخفياً قدميها، ومن اذنيها، نزل قرطين على هيئة ثعبانين يلتهمان ذيل بعضهما.
عابسة تنظر نحو اللوحة التي يرسمها الرجل. وعندما تتبع فايلور نظراتها، عقد حاجبيه على الفور.
لم تكن تلك اللوحة مبهرة، او اسرة كما تخيل، بل لم ترقى لأن تكون لوحة حتى. ولو رسم الطفل بضعة شغبطات لربما كانت افضل منها.
كانت الرسومات على تلك الورقة الكبيرة قليلاً تشبه رسم طفل في الروضة. اذ يرسم الإنسان كخط رأسي يمثل الجسد، ويشد اربعة خطوط اخرى للأطراف، ويرسم دائرة مكان الرأس.
وعلى تلك اللوحة البدائية، كان يوجد العديد من رسومات البشر تلك، ولكن برز بينهم مشهد غريب، اذ كانت هناك صورة لإنسان في منتصف اللوحة، يجلس متربعاً بهدوء، يحاول التواصل مع شيء يشبه الكرة فوقه، ولكن من حوله كان هناك الكثير من الأشخاص الذين يتجهون نحوه، ويبدا انهم يحاولون منعه، ومن بينهم برز ستة اشخاص دوناً عن البقية.
رسمة بدت من تلك الشغبطات والخطوط الطويلة على رأسها انها فتاة. وكانت رسمة الفتاة اكبر من كل الذين حولها.
ورسمة اخرى سيئة بدت وكأنها تخص كائناً من جنس السحالي، ربما تنين او نوع ما اخر. وكانت هذه الرسمة اكبر من رسمة الفتاة.
وأربع رسمات اخرى لأربعة رجال، كل واحد يتجه نحو الرجل في المنتصف من اتجاه مختلف. وجميعهم اكبر من المخلوق السحلية. والأربعة في نفس الحجم تقريباً.
احدهم يمسك رمحاً، وآخر لديه قرنين، وآخر يرتدي قبعة، والأخير يمسك مطرقة.
امسك الرجل فرشاة الحبر التي يرسم بها، ووضع مؤخرتها على ذقنه منزعجاً، وكأن هناك مشكلة تواجهه في رسم اللوحة.
وفي هذه اللحظة، ومن بين الأشجار، جاء مخلوق بطول خمسة امتار، جسده يتكون من لحاء الأشجار، عينيه تومض بضوء ارجواني خطير، من ينظر اليهما يشعر على الفور وكأنه مجرد حشرة بجانب جبل هائل الحجم، ويحمل فوق كتفه فيما بدا وكأنها قدم طائر.
كان ذلك المخلوق تريانت، ولكن على عكس التريانت العمالقة كالجيال، كان هذا التريانت قصيراً نوعاً ما.
وقف التريانت بجانب الرجل ووضع قدم الطائر ارضاً، ثم نظر نحو المرأة مبتسماً؛ “على ان اعترف، جودة الوحوش لديك وعددها لم اره في اي مكان اخر من قبل، هذا بغض النظر عن كميات المعادن المجنونة التي التقطها بحسي الروحي فقط” ثم وضع يده على وسطه وتلفت حوله “انا انبهر حقاً بكل مرة اتي فيها الى هنا”
“هذا امر طبيعي، فلا يوجد سوى اثنين اخرين مثلي في كامل الكون” ضمت المرأة يدها الى صدرها وقالت في فخر، ثم نظرت نحو قدم الطائر وعقدت حاجبيها وعادت للنظرت الى التريانت ببعض الغضب “دعني اخمن، هذه قدم عنقاء التنين رقم سبعة اليس كذلك”
“اه، اجل انه ذلك الطائر هههههه” ضرب التريانت لحم قدم الطائر الطرية وقال بابتسامة على وجهه “صحيح انه مجرد خالد فقط، ولكنه سيفي بالغرض لهذه الوجبة. لقد طلبت منه قطعة، فأعطاني قدماً كاملة، اممم” قطع التريانت قطعة من اللحم النيء والتهمها وتلذذ بطعمها “علي ان اعترف، اممم، الوحوش لديك كرماء جداً، اممم” ثم لحس عصارة الطائر من على اصبعه بلسانه “يا رجل، اللعنة، طعم هذا الدجاجة لذيذ جداً، على ان اطلب منه قدماً اخرى في وقت لاحق!”
عندما سمعت المرأة هذا، بلغ الغضب لديها اشده، ونظرت للتريانت بعيون تطلق الشرر “قدمَّ لك قدماً كرماً، ام انه خاف من إن لم يعطك ما تبغي ان تأكله كله شرهاً”
“اممم!” توقف التريانت للحظة وعقد حاجبيه وكأنه واجه معضلة في التفكير، ولكنه في النهاية هذ رأسه بلا مبالاة “لن تفرق كثيراً، الوحوش لبعضها في النهاية!”
“انت…!” اغتاظت المرأة من رد التريانت، وكانت مستعدة لدخول نزاع اكبر معه، لكنها سمعت صراخ الرجل الذي يرسم، عليهما…
“هلا توقفتما رجاءًا، الا تريان انني افكر في بضعة اشياء مهمة هنا” لوح الرجل بفرشته عليهما، وانتبه التريانت اخيراً الى ما يرسمه الرجل، وبعد التدقيق لبضعة ثواني في اللوحة، نظر نحو الرجل بعيون معقدة، وقال ساخراً “هل هذا افضل ما استطعت رسمه؟”
“هل هذا افضل ما استطعت قوله؟!” رفع الرجل حاجباً من وجهه الضبابي ونظر نحو التريانت بانزعاج.
“اعذرني، فأنا لا افهم في الفنون كثيراً، ولكن مما يبدوا ان الرجل في المنتصف في ورطة كبيرة!” هز التريانت كتفه وبين وجهة نظره، ثم بدأ في اشعال النار لشواء قدم عنقاء التنين.
“اجل انها مشكلة، ومشكلة كبيرة ايضاً!” عض الرجل مؤخرة الفرشاة ونظر نحو اللوحة، الى الرجل ممسك الرمح وتمتم “عبد ثائر”
ثم نظر الى ذي القرون “امير منبوذ”
ثم الى صاحب القبعة “بطل الظلال”
واخيراً الى سيد المطرقة “حداد ضال”
وبعدها بدأ في اللعب بالفرشاة باستخدام اصابعه، ومع مرور كل لحظة عقد حاجبيه اكثر وقال بصوت غاضب “لماذا كل هذا الاعتراض بحق الجحيم، الم تحاربوا من اجل الحرية مرة، فلماذا لا تحاربون من اجلها مرة اخرى”
ثم وكأن ادراكاً اصابه، لوح بفرشته، رابطاً خيطين بالرجل الجالس بهدوء في منتصف اللوحة، احدهم اتصل بالرجل والفتاة، والآخر اتصل بالرجل والسحلية.
وبمجرد فعله لهذا اصبحت الفتاة بحجم السحلية، بينما ازداد حجم السحلية حتى وصل الى حجم الرجال الأربعة، وان كان اصغر بفارق بالكاد ملحوظ.
“اممم!” نظر الرجل لبعض الوقت الى التغير الجديد، مدلكاً ذقنه بمؤخرة الفرشاة “لقد تعدل الوضع هكذا كثيراً” ثم ضيق عينيه “لكن مازال هناك شيء ناقص”
رفع الرجل رأسه ونظر نحو فايلور وابتسم “برأيك، ما هو الشيء الناقص؟!”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.