في صباح اليوم التالي، كانت عتمة الفجر لا تزال تنسحب ببطء من أركان المسكن الخارجي، تاركةً خلفها برودة قاسية تنخر في الجدران المتآكلة.
جلس آزر على حصيره البارد، مغمض العينين، يتنفس بإيقاع هادئ بينما كانت طاقة حبة الترميم تعمل في مساراته بهدوء، تُرمم ما تهشم وتنسج ألياف طاقته الممزقة.
وفجأة، خرق هذا السكون المطبق، صوتُ دقات متلاحقة وخفيفة على الباب.
لم يندهش آزر، فتح عينيه ببطء شديد وسكون تام؛
فكما توقع تماماً، لم تكن تلك الخُطوات المتعجلة سوى خُطوات يوري.
دخلت الغرفة وهي غارقة في مزيج من الذهول والأسى المنزعج.
وما إن وقعت عيناها على آثار الإصابات البارزة على جسده وشحوب وجهه، حتى انهارت قواها وانفجرت باكية، لترتفع نبرة صوتها المرتعشة بالغضب:
— كيف يجرؤون.. هؤلاء الحثالة! كيف يجرؤون على فعل هذا بك!
صمت آزر..
لم يتحرك، ظل ساكناً ولم يرتسم على وجهه سوى هدوء جليدي ميت.
أكملت كلامها بصوت يقطر غيظاً:
— أيظن مجرد تلميذ داخلي أنه يستطيع التنمر عليك؟ فقط انتظر.. لأجعلن والدي يقطعه إلى أجزاء صغيرة!
التفتت بسرعة متأهبة لمغادرة الغرفة، لكن آزر مدّ يده في لفتة خاطفة وأمسك بمعصمها بقوة حازمة قبل أن تخطو خطوتها الأولى.
قال بصوت منخفض، يفيض بسكينة مطلقة:
— لا تفعلي أي شيء.
تعجبت من بروده، فوقفت مكانها متسائلة والدموع تترقرق في عينيها:
— لماذا؟
أجابها بهدوء هادئ لا يشوبهُ شائبة:
— لأنه إن تدخل الشيخ لاو، فستسوء الأمور أكثر بكثير، ولن أجد حتى متسعاً من الوقت للتدريب.
رمقته بنظرة حائرة، واستنكرت متألمة:
— ماذا ستفعل إذن؟ هل ستظل حبيس غرفتك طوال الوقت؟!
أجابها بثبات نافذ:
— «لا يوجد خيار آخر لدي؛ فالعاقل لا يخوض حرباً لا يكسبها، بل ليعرف كيف يسلمُ فيها»
حاولت الاعتراض، لكنه قاطعها بنبرة أهدأ:
— يوري.. أودّ طلب معروف صغير منك
مسحت الدموع العالقة في عينيها الرقيقتين، وسألت بترقب:
— ماذا؟
— أودّ منك أن تعرفي المزيد عن المدعو منغ، وما هي طبيعة صلته الحقيقية بتشو فينغ بالتحديد.
صمتت لبرهة تجمع في رأسها الأفكار، ثم أومأت برأسها موافقة، واستدارت نحو الباب.
وقبل أن تخطو خارج الغرفة، باغتتها نبرة هادئة غير معتادة:
— يوري.. شكراً لك.
التفتت بسرعة مذهولة، لترى على وجهه الشاحب ابتسامة دافئة ونادرة، طوقت قلبها بدفء غامر؛
فخرجت من الباب وهي تغالب غصة فرح عميق وسعادة عارمة طغت على كل حزنها.
لكن… لم يمضِ وقت طويل على رحيلها، حتى تبدد سكون الصباح.
ترددت في الممر الخارجي أصداء خطوات ثقيلة وجديدة، تلتها نبرة حادة، وصرخة تمزق هدوء المكان:
— آزر اللعين! أخرج أيها الجبان!
ميّز آزر تلك النبرة فوراً دون تفكير؛
لقد كان صوت التلميذ الخامس.. ذات الوجه الذي فرّ هارباً مذعوراً من وادي الانياب.
رسم على شفتيه ابتسامة باردة كالثلج، وهمس لنفسه في ظلام الغرفة:
— لقد بدأ الأمر إذن..
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.