وما إن خرجت الكلمة من فم المعلم، حتى انقض موباي كالوحش الكاسر.
لم يمنح آزر حتى فرصة للتنفس؛ ركلات متلاحقة ولكمات عنيفة تتالى بلا توقف.
وبسبب جراحه القديمة التي لم تلتئم تماماً، بدأت مسارات آزر تئن، وانفتحت الجروح من جديد، لتسيل الدماء القانية من كل مسام جسده وتلطخ ثيابه.
ورغم ذلك، لم تكن على وجه آزر أية تعابير؛ ظل جليداً وثابتاً، حتى سدّد له موباي ركلة قاسية مباشرة في وجهه طرحته أرضاً.
سعل آزر دماً، وسالت قطرات قانية على الأرض الحجرية.
— آزر!
صرخت يوري من بين الحشود، وقد انهار صبرها وغرقت في بكاء مرير.
حاول آزر النهوض بصعوبة بالغة، مستنداً بكفه الملطخة بالدماء، ومركّزاً بكل ذرة طاقة باقية في جسده المنهك.
لكن موباي لم ينتظر؛ جرى نحوه بسرعة خاطفة، وأمسك قدمه بقسوة وحشية، ثم قام بلويها بعنف مفرط!
احتقنت عينا آزر بالدماء، وارتعش جسده من شدة الألم المبرح.
— آزر!!!
سقطت يوري على ركبتيها خارج الساحة، تضرب الأرض بيدها وترتجف بنحيب هستيري:
— أرجوك.. فقط استسلم! أرجووك!!
وعلى المنصة، ابتسم المعلم بخبث واكتفاء، وهو يهمس لنفسه ساخراً:
— مجرد حشرة مثيرة للشفقة.. ظننت أنه سيستسلم قريباً، لكنه سيندم على عناده هذا.
اقترب موباي، ثم أمسك بيده رقبة آزر بقسوة، وهمس في أذنه بنبرة شيطانية:
— أعلم أن لديك خطوات التيار المنحرف.. لكن لا تظن أبداً أنها ستنقذك مني.
وبحركة خاطفة، رفع موباي رأس آزر وضرب به الأرضية الحجرية بكل قوة وعنف.
بووووم!
تصاعد غبار كثيف ملأ أرجاء الساحة، وساد صمت مطبق بين الحشود المتعجبة…
كانت يوري لا تزال تبكي بانهيار، بينما علت ضحكات الاستهزاء من التلاميذ، وابتسامة الخبث لم تفارق وجه المعلم.
لكن.. وسط الغبار الكثيف، تردد صوت خفيض، ثم تحول إلى قهقهة مرعبة:
— هاهاهاهاهاهاها..
ضحك آزر بجنون، من بين الركام والدم يسيل بغزارة على وجهه الشاحب.
وفجأة، تفجرت من وسط الغبار هالة مظلمة ونية قتل دموية جعلت شعر رؤوس جميع الواقفين يقف رعباً!
فتح موباي عينيه بذهول وصعق تماماً، ارتجف صوته لا إرادياً:
— ك.. كيف؟ كيف وصلت إلى الذروة بحق الجحيم؟!
توقف ضحك آزر المفاجئ.
ثم وقف ورفع رأسه ببطء نحو السماء، وبنظرة واحدة من عينيه المحقونتين بالدماء جعلت نبض قلب موباي يتوقف لثانية كاملة من شدة الرعب الخالص.
ولكن، ودون أي سابق إنذار، انحنى آزر بهدوء مرعب نحو ساقه التي لواها موباي بقسوة قبل قليل؛
وببرود ثلجي مطلق لا يمت للبشر بصلة، أمسك بقدمه ولواها بقوة وحشية ليعيدها إلى وضعها الصحيح.
كرااااك! طططق!
دوّى صوت تهشم العظام وارتطامها ببعضها بوضوح مرعب في أرجاء الساحة الصامتة، بينما لم يرف لآزر جفن، ولم يخرج من حلقه سوى زفير بارد، وكأن الجسد المتهالك الذي يعذبه لا يخصه قط.
فقد موباي صوابه من هول الصدمة، واجتاح الغضب كيانه:
— أوتظن أن وصولك للذروة سيحدث فارقاً أمام قوتي؟!
انقض موباي بكل وحشية، عازماً على إنهاء حياته باقسى طريقة ممكنة!
كان آزر لا يزال ينظر للسماء، وبهمس بارد كالثلج:
— الخطوة..
ابتسم موباي بغرور ورفع سيفه عالياً:
— قلت لك، لن تنفع معي..
— الثانية!
أكمل آزر كلمته بسرعة البرق، وقبل أن يستوعب موباي ما حدث، أو ينطق بحرف آخر، انقطع ذراعه بالكامل في ومضة نصل حاسمة!
لم يره أحد؛ لقد تحرك آزر بسرعة الظل المطلقة، متخفياً في ظلال الخصم نفسه، حتى إن فك المعلم سقط صدمةً وذهولاً.
— آآآآآآه!!
صرخ موباي صرخة مدوية مزقت أرجاء المكان، وتطايرت الدماء لتلطخ وجهه وشعره القرمزي بالكامل، محولة إياه إلى شبح أحمر.
حاول بيده الأخرى الإمساك بسيفه، لكن آزر لم يمنحه فرصة للتنفس.
صك آزر على أسنانه، وبضربة سريعة وخاطفة، جمع آخر ما بقي في جعبته من مدد وقوة، وسدد لكمة مرعبة ومباشرة في صدر موباي، أفقدته الوعي في الحال.
سقط موباي هامداً، وذراعه المبتورة تنزف بغزارة، بينما ظل آزر واقفاً لا يتحرك، والنصل في يده يقطر دماءً حارة.
لم تكن على وجهه أي تعابير، وكان شعره الأسود الطويل ينسدل ببطء مع نسمات الهواء الباردة، والدماء تسيل من كامل جسده المنهك.
ساد صمت طويل وثقيل على الساحة، قبل أن يتنفس المعلم بهدوء مصطنع ويعلن ببرود:
— انتصر.. آزر، خذوا موباي إلى العيادة فوراً.
لكن.. رغم إعلان النصر، لم يتحرك آزر من مكانه، بل ظل واقفاً كتمثال منتصب.
خطت يوري بخطوات مرتعشة نحو الساحة، واقتربت منه ببطء، ثم همست بصوت مرتجف:
— آزر..؟
لم يجب، وحين مدت يدها وأمسكت بكتفه..
ثقل الجسم وفقد توازنه.
وقع آزر على ظهره… وجهه نحو السماء، مغشياً عليه تماماً، بعد أن استنفد آخر قطرة طاقة في جسده ليقف ثابتاً حتى النهاية.
وحين رأى الجميع هذا المشهد، انقبضت قلوبهم رعباً واحتراماً في آنٍ واحد.
تمازجت في العيون نظرات الإعجاب والذهول.
وحتى المعلم نفسه، حين رمقه نظرة أخيرة، شعر بغصة احترام عميق لهذا الفتى الذي يرفض الانكسار.
تقدمت يوري بدموع حارة، وحملت جسد آزر المنهك على ظهرها الضعيف، وبدأت تمشي به بصمت مطبق، مبتعدة عن ساحة القتال وسط اندهاش الجميع وصمتهم الرهيب.
غادر الاثنان المكان.. تاركين خلفهما أسطورة دموية بدأت تلوح في أفق الطائفة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.