021
لكن ما تلا ذلك كان بسيطًا إلى حدٍّ يكاد يُخيّب التوقعات، وكأن الأمور انتهت قبل أن تبدأ. أما إن كان ينبغي اعتبار ذلك حظًا سعيدًا أم لا، فذلك أمر آخر.
«حسنًا، فهمت. سأتوقف عن استدراج طلاب المرحلة الإعدادية وخداعهم. لن أنشر المزيد من هذه «التعاويذ». أما تلك الفتاة النشيطة، أختك، فلا داعي للقلق عليها يا أراراغي. فالأمر لا يعدو كونه تأثيرًا وهميًا، أو ما يُسمّى بالتنويم المغناطيسي الفوري. وبالنظر إلى شدة اقتناعها بما تظنه، فمن الطبيعي أن تظهر عليها الأعراض بصورة أقوى من المعتاد، لكن حالتها الصحية المتدهورة ستتحسن خلال ثلاثة أيام. يمكنك القول إنها مجرد نزلة برد. وأما بشأن أمك يا سينجوغاهارا، فسأقدّم اعتذارًا رسميًا. من الناحية القانونية، كل ما فعلته هو تقديم المشورة لعائلتك، ولا يوجد قانون يعاقبني على ذلك. لكن إن كنت قد تسببت في إيذائك، فلا بد أن أواسيك بطريقة ما. وسأبذل ما في وسعي لإعادة الأموال التي انتزعتها من والدك في ذلك الوقت، وإن كان الأمر قد يستغرق بعض الوقت، لأنني أنفقت معظمها بالفعل».
ذلك الرجل المشؤوم، الذي ارتدى بدلة تشبه ملابس الحداد.
كان هذا ما قاله كايكي ديشو.
أما المكان الذي اختارته سينجوغاهارا للقاء كايكي، فكان سطح مركز التسوق المتعدد الأقسام، الذي يكاد يكون الوحيد من نوعه في هذه البلدة. اختارت المكان لأن اللقاء في غرفة مغلقة سيكون فكرة سيئة، ولأن الذهاب إلى مكان خالٍ من الناس قد يكون خطرًا أيضًا. كان ذلك جزءًا من خطة استندت، على نحو ما، إلى الخطأ الذي ارتكبته كارين.
كان ذلك مساء الثلاثين من يوليو.
بعد ما حدث، حملت كارين على ظهري وأعدتها إلى المنزل. لم أكن أظن أنها ستحاول الهرب مجددًا، لكنني اتخذت احتياطًا إضافيًا، فكتبت على وجهها بقلم تحديد سميك ودائم: «لا يهمني أي رجل، ما دام رجلًا». وبذلك ضمنت أنها لن تخرج إلى الشارع. وبالمناسبة، كتبت على وجه تسوكيهي أيضًا: «ارتداء حمالة الصدر أمر مزعج، لذا لا أرتديها». إنها مسؤولية مشتركة، بعد كل شيء.
ثم التقيت بسينجوغاهارا مجددًا، وذهبنا إلى…
سطح مركز التسوق.
كان هناك ما يشبه مدينة ملاهٍ صغيرة، وإلى جانبها منصة صغيرة. وبما أن اليوم كان الأحد، فقد كان من المقرر إقامة عرض قصير هناك، عرض لأبطال السنتاي تحديدًا. تظاهرنا بأننا ننتظر بدء العرض، واتخذنا ذلك ذريعة للقاء.
رجل يرتدي السواد من رأسه إلى أخمص قدميه، وطالبان في المرحلة الثانوية.
لم يكن اجتماعًا غريبًا بالضرورة، لكنه كان كفيلًا بجذب الأنظار بلا شك. بل إن جذب الأنظار كان هو المطلوب أصلًا.
ومع ذلك، كان من الصعب عليّ ألا أعتبر مجيء كايكي رهانًا محفوفًا بالمخاطر. فقد سبق أن تلقى توبيخًا من كارين، رغم أنه تمكن من صدّها، فهل سيجيب على الهاتف فحسب، ثم يأتي إلى المكان الذي استدعته إليه سينجوغاهارا، مرة أخرى، ومن دون تردد؟
لكن سينجوغاهارا بدت وكأنها تملك يقينًا غريبًا.
بل إن ما بدا يقينًا لم يكن سوى شيء يشبه الثقة.
وصل كايكي ديشو إلى سطح مركز التسوق قبلنا، وكان يشرب قهوة من علبة معدنية بمفرده. وحين لمحنا،
«همم».
قالها، ثم ألقى العلبة الفارغة في سلة المهملات.
وبعدها قال لي بنبرة ثقيلة:
«أنت… أظن أنني رأيتك أمام منزل عائلة الفتاة التي خلّفتها غاين. هل جئت للانتقام لأختك؟ طفل يتحلى بمثل هذه الشهامة أمر نادر في هذه الأيام».
ثم التفت إلى سينجوغاهارا وقال:
«لكن جاذبيتك اختفت يا سينجوغاهارا. لقد أصبحت فتاة عادية».
هكذا ألقى كلماته، من دون أن يبتسم حتى.
فردّت سينجوغاهارا:
«ماذا؟»
ثم وقفت أمامه مباشرة، بوجه خالٍ من التعبير.
«قول إنني لم أكن أريد رؤيتك مجددًا كذبة. لو كنت حقًا لا أريد رؤيتك، لما أردت لقاءك ولو لمرة واحدة. لكنني أعتقد أن الأجدر بي أن أقول هذا الآن… لقد أردت رؤيتك يا كايكي».
«أما أنا فلم أكن أريد رؤيتك. ليس بعدما أصبحت فتاة عادية. حين رأيتك آخر مرة، كنت تتلألئين كالظلام… لا، لعل الأدق أن أقول إنك كنت قد بلغت مرحلة من الاستنارة. لقد كنت مادة ممتازة للخداع».
قال كايكي ذلك من دون أن يبدو عليه أي ندم.
تذكرت الأمر.
لقد جعلني هذا الرجل أفكر في أوشينو، وفي غيوتين كاتر أيضًا.
كانوا مختلفين تمامًا في طباعهم، حتى إنني حين أقف أمام كايكي الآن، يصعب عليّ أن أجد شيئًا واحدًا يجمع بينهم. لكن ثمة نقطة واحدة مشتركة بينهم جميعًا.
ذلك اليقين الراسخ.
وكونهم يفعلون ما يفعلونه عن سابق معرفة وقصد.
كانوا يدركون كل شيء، ويفهمونه تمامًا، ثم يتقنون الموازنة بين الصمت والإسهاب في الكلام.
«أترى أن هذا بسببك يا أراراغي؟ هل أنت من حلّ المشكلة التي كانت هذه الفتاة تعاني منها؟»
«لا. أنا… لم أفعل سوى دفعها قليلًا إلى الأمام».
«إذًا، فأنا فعلت الشيء نفسه».
قال كايكي بنبرة عابسة، تنذر بالشؤم.
«لكنني دفعتها نحو حافة جرف شاهق».
«سمعت أنك ما زلت تفعل الشيء نفسه مع طلاب الإعدادية. تدفعهم من ظهورهم… ثم تلقي بهم إلى الهاوية».
من حافة جرف، أو ربما من فوق جسر معلّق.
«أخبرتك أختك؟ أجل، هذا صحيح. لكن يبدو أن طلاب الإعدادية في الأرياف يملكون بعض المال. لقد جنيت منهم مبلغًا لا بأس به في فترة قصيرة».
شعرت بأن سينجوغاهارا أخذت تقلّص المسافة بينها وبين كايكي ببطء. هل كانت تستعد للاشتباك؟ لا، لقد كانت مستعدة لذلك منذ زمن بعيد.
منذ أن وصلنا إلى سطح مركز التسوق.
أو ربما منذ أن سمعت اسم كايكي مني.
بل منذ أن خدعها كايكي، في الحقيقة.
«كفى. لنتحدث».
قال كايكي، محاولًا كبح اندفاع سينجوغاهارا.
«أنا هنا للاستماع إليكما، ولهذا جئت. وأنتما أتيتما للتحدث، أليس كذلك؟»
«…»
«…»
وهكذا، استمع كايكي ديشو إلى ما لدينا لنقوله.
ثم قال: «حسنًا، فهمت».
اعترف بكل ما ارتكبه، وأعلن أنه سينسحب من الأمر برمته، بل وسيكفّر عن أفعاله أيضًا.
لقد كان الأمر مخيبًا للتوقعات من شدة بساطته.
ومع ذلك، كان هذا بالضبط ما تمنيناه. بل لم يكن بوسعنا أن نطلب نتيجة أفضل. لكن…
لم يكن الأمر مجرد شيء تمنيناه بشدة.
لقد كانت إجابته غير متوقعة، بل مستهجنة بالنسبة إليّ، أكثر من كونها مفاجئة.
«…أنت متساهل للغاية في الاستسلام».
قالت سينجوغاهارا ذلك بنبرة ساخرة، لكن لا يمكن إنكار أن كلماتها بدت مرتجلة، وكأنها لم تعرف ماذا تقول، فاختارت أول عبارة خطرت ببالها.
«أتظن حقًا أنني سأصدقك؟»
«أنت لن تصدقيني، يا سينجوغاهارا».
كان كايكي يناديها باسم عائلتها من دون أي تكلف، كما لو كان ذلك أمرًا بديهيًا.
وكذلك فعل معي.
«وأنت يا أراراغي؟ هل تستطيع تصديق كلامي؟»
«…من العبث أن تطلب مني تصديق محتال. لكن، صحيح…»
أجبت بعد أن حرصت على التزام الحذر.
«إذا لم نصدقك مطلقًا، فلن يكون هناك مجال أصلًا لإجراء هذا الحديث. أنت محق يا كايكي. لقد جئنا إلى هنا لنتحدث».
«همم. أنت هادئ للغاية، ولا تتصرف كالأطفال على الإطلاق. تفتقر إلى الطرافة التي تجعل المرء يرغب في تدليلك. أما أختك، فلا تفكر في شيء على الإطلاق، وهذا ما يجعلها لطيفة للغاية. ومن هذه الناحية، لا بد أن أقول إنك أخ صالح حقًا».
قال كايكي ذلك من دون أن يبدو وكأنه يحاول استفزازي، لكنه لم يبدُ أيضًا وكأنه يمدحني.
«على الأقل…»
توقفت سينجوغاهارا قليلًا بين كلماتها، ثم بادرت إلى الهجوم.
«لا أرى أنك تشعر بأي ندم. لا يبدو عليك أي أثر للتوبة».
«حقًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا لم أعتذر بعد، ولم أتوسل إليكما طلبًا للرحمة أيضًا. لقد أخطأت، أنا آسف حقًا، يا لكما من ضحيتين بائستين. أشعر بندم شديد، ولا أستطيع التفكير في شيء سوى الحسرة… لا، ربما لا ينبغي أن أعتذر لكما أصلًا. من الأجدر بي أن أعتذر لوالدك ووالدتك، يا سينجوغاهارا، وللأطفال الذين خدعتهم هذه المرة».
«أتريد مني أن أصدق اعتذارًا بهذا القدر من التفاهة؟ كل ما تقوله… كذب».
«ربما».
أومأ كايكي من دون أن ينكر ذلك.
كان صوته الثقيل يوحي بأنه غاضب، لكن حدسي أخبرني أن الأمر ليس كذلك.
هذا الرجل، على الأرجح، لا يعرف الغضب.
بل لا يقتصر الأمر على الغضب وحده.
ربما لا يشعر بأي شيء تجاه الآخرين من الأساس.
«لكن ما المشكلة إن كان كل ما أقوله كذبًا؟ أنا محتال. ألا يُعدّ من باب الصدق ألّا أنطق إلا بالهراء؟ ثم إنك يا سينجوغاهارا…»
«ماذا؟»
«من التسرع أن تفترضي أن اختلاف الكلام عن المشاعر لا بد أن يكون نفاقًا. لمَ تحكمين بأن الكلمات كاذبة لمجرد أن المرء قال شيئًا لا يطابق ما يشعر به؟ هل الكذب في الكلمات… أم في المشاعر؟ هل الزيف في الكلام أم في القلب؟ لا أحد يستطيع معرفة ذلك على وجه اليقين».
«…أيمكنك أن تكف عن إثارة أعصابي؟ أنا، رغم كل شيء، أبذل جهدًا هائلًا لضبط نفسي».
أغمضت سينجوغاهارا عينيها للحظة.
مدة أطول من مجرد رمشة.
«إن ضبط نفسي عن قتلك أمر بالغ الصعوبة».
«يبدو ذلك. وهذا تحديدًا ما قصدته حين قلت إنك أصبحت فتاة عادية. لو كنتِ كما كنتِ في الماضي، لما ضبطتِ نفسك أبدًا».
«لا أريد استعادة المال الآن. فحتى لو استعدته، لن تعود عائلتي إلى ما كانت عليه».
«هذا يريحني. فأنا سيئ في ادخار المال، ولا أملك إلا القليل. لو اضطررت إلى رد أموالك، لاضطررت إلى ارتكاب عملية احتيال جديدة».
«…غادر هذه البلدة. فورًا».
«حسنًا».
مرة أخرى، وافق كايكي بسهولة.
بسهولة تثير الاشمئزاز، وتبعث على الريبة إلى حد لا يُحتمل.
«ما بك يا أراراغي؟ لماذا تنظر إليّ هكذا؟ لا ينبغي أن تنظر إليّ بهذه الطريقة. صحيح أن الأمر لم يكن خطيرًا في نهاية المطاف، لكنني آذيت أختك. أليس من المفترض أن تنظر إليّ بقدر أكبر من الحقد؟»
«…هي تتحمل جزءًا من المسؤولية عما حدث لها. لم يكن عليها أن تتورط مع شخص مثلك من الأساس. هذا أمر لا يحتاج إلى أن يشرحه لها أحد».
«هذا غير صحيح. خطأ تلك الفتاة الوحيد أنها جاءت لمقابلتي بمفردها. لو أرادت محاسبتي، لكان عليها أن تأتي مع مجموعة، كما فعلتما الآن. عندها كنت سأرفع الراية البيضاء من دون مقاومة، مثلما أفعل الآن. أما فيما عدا ذلك، فقد كانت محقة في معظم الأمور».
«…»
«أم أنك ستصرّ يا أراراغي على أنها حمقاء، وتحكم عليها بالغباء؟»
«لا أعتقد أنها كانت مخطئة. لكن…»
«لكنها ليست قوية، أليس كذلك؟»
سبقني كايكي إلى إكمال عبارتي، وكأنه قد فكّر في الأمر منذ زمن بعيد، وأن مثل هذه المسألة التافهة لا تستحق منه مزيدًا من التفكير.
«صحيح أنها ليست قوية. لكن لا ينبغي أن تنكر لطفها. ثم إن…»
لأول مرة.
بدا لي أن كايكي ديشو ابتسم.
ابتسامة مشؤومة حقًا، أشبه بابتسامة غراب.
كما لو أنه…
«ثم إنني، بصفتي محتالًا، سأخسر مصدر رزقي إن لم توجد فتيات من أمثالها».
«…وأنت، أيها المحتال…»
قالت سينجوغاهارا، على عكس ما فعلت أنا، وهي توجّه إليه النظرة التي ينبغي أن توجّهها.
«لماذا تنصاع لأوامري؟ كان بوسعك أن تتلاعب بي بالكلام، كما فعلت في الماضي. وحتى في قضية خداع طلاب الإعدادية، لا بد أنك لا تملك أي دليل يدينك».
«أنت تسيئين فهمي يا سينجوغاهارا».
قال كايكي، ولم يعد يبتسم.
وربما لم تكن تلك الابتسامة التي رأيتها قبل قليل سوى وهم.
«بل لعل الأدق أن أقول إنك تبالغين في تقديري. من الطبيعي أن يرغب المرء في أن يكون الشخص الذي يعاديه عظيمًا، ويمكنني تفهّم ذلك. لكن يا سينجوغاهارا، الحياة ليست درامية إلى هذا الحد. أنا، الذي تنظرين إليّ بوصفه عدوك، مجرد رجل في منتصف العمر، لا يثير الإعجاب. حتى بصفتي محتالًا، فأنا تافه للغاية. إنني رجل بائس لا أكثر».
وكأنه يقول: أنا لست رجلًا يستحق منك كل هذا الحقد.
«أنا لست عدوك، بل مجرد جار مزعج. أم أنك ترينني وحشًا؟»
«بالطبع لا. أنت مجرد…»
مزيّف، هكذا وصفتْه سينجوغاهارا، قاطعةً الكلام بلا رحمة.
ومع ذلك، كان من المؤكد أيضًا أن ذلك المزيّف هو ما يعذّب قلبها.
«بالضبط. أنا مزيّف. حتى الآن، لا أفكر إلا في كيفية الخروج من هذا الموقف الذي أحاطني فيه اثنان منكما. أنا رجل حقير. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي أن أطيعكما طاعة عمياء، أليس كذلك؟ إن استرضاءكما هو الطريق الوحيد المتبقي أمامي».
«…»
لكن لماذا إذن؟
لماذا جاء إلى هنا من الأساس؟
لم يكن ملزمًا بقبول دعوة سينجوغاهارا.
«وبالطبع يا سينجوغاهارا، لا أطيعك طاعة عمياء لأنك أنتِ تحديدًا من يطلب ذلك. في هذا الموقف، كنت سأطيع أي شخص. وسأخبرك بأمر واحد: حتى تلقيت اتصالك هذا الصباح، كنت قد نسيتك تمامًا. أما عائلتك، فهي مجرد واحدة من عمليات الاحتيال الكثيرة التي ارتكبتها. لم أتعلم أي درس من لقائنا آنذاك».
ثم نظر إلى سينجوغاهارا وقال:
«لقد اضطررت إلى بذل جهد كبير حتى أتذكر الأمر».
«أنا لست شخصًا عظيمًا، وأنتِ أيضًا لستِ شخصًا عظيمًا. أنا لست شخصية درامية، وأنتِ كذلك. مهما جمعت من فتات المال، فلن يتجاوز أثر ذلك شيئًا ضئيلًا في المجتمع بأسره. ومهما اتخذتِ قرارًا مصيريًا لمواجهتي، فلن يكون لذلك تأثير حتى على طقس اليوم».
ليست الحياة درامية.
كرر كايكي هذه العبارة وكأنه يحاول تلقيننا درسًا.
«وماذا عنك يا أراراغي؟ أود أن أسألك سؤالًا. هل حياتك درامية؟ هل هي مأساوية، أم كوميدية، أم أوبرالية؟ أشعر بشيء مزعج يصدر من ظلك…»
«…»
«ويبدو أنك تحملت نحو نصف الضرر الذي أصاب أختك أيضًا. هذا جنون محض. كيف تخاطر بشيء كهذا من دون أن تحصل على أي مقابل؟»
هل يعرف؟
هل يعرف بشأن شينوبو، وكذلك بشأن جسدي؟
وإن كان يعرف، فكيف؟
«أنت… أي نوع من الرجال أنت بالضبط؟»
«أي نوع؟ ماذا تقصد؟»
«تقول إنك مزيّف، ومع ذلك جعلت أختي تمر بكل ذلك. وكذلك سينجوغاهارا… لا بد أنك كنت تعرف حقيقتها. وكانبارو أيضًا».
أي نوع من الرجال هو؟
بل بدا لي أنه لا ينتمي إلى أي نوع محدد.
«هل تعرف الكايغي؟»
«همف. هذا سؤال سخيف على نحو غير متوقع. لقد أفسدت متعة الحديث يا أراراغي. قل لي مثلًا: هل تؤمن بالأشباح؟»
قال كايكي وكأنه لا يرغب في الخوض في الموضوع، وكأنه يكره مجرد الحديث عنه.
«قد لا يؤمن المرء بالأشباح، لكنه يستطيع فهم نفسية شخص يخاف منها، أليس كذلك؟ أنا أشبهه إلى حد ما. لا أنوي الإيمان بالخوارق، لكن الخوارق تدرّ المال».
«…»
«أنا أنكر وجود الكايغي والتحولات الخارقة، لكن هناك أشخاصًا يؤمنون بها. ومن السهل خداع أمثال هؤلاء. ولهذا أستطيع الاستمرار في كسب قوت يومي، رغم أنني محتال تافه. لذا سأجيب عن سؤالك كما يلي: أنا لا أعرف الكايغي، لكنني أعرف أشخاصًا يعرفونها. هذا كل ما في الأمر».
والأدق أنني أعرف أشخاصًا يتوهمون أنهم يعرفون الكايغي، كما قال كايكي، ثم ابتسم هذه المرة ابتسامة حقيقية.
كانت ابتسامة تشبه ابتسامة الغراب.
أما الابتسامة التي رأيتها قبل قليل، فلم تكن إذن وهمًا.
«المال هو كل شيء في هذا العالم. وأنا مستعد للموت من أجل المال».
«…حين تقولها إلى هذا الحد، تصبح عقيدة فعلًا».
«إنها عقيدة مهما بلغ ما أقوله. لا وجود للانحراف عن العقيدة. ولا تنسَ أن كل من يخدعه محتال مثلي يدفع المال ثمنًا لخداعه. لقد دفعوا المقابل لأنهم صدقوا، أليس كذلك؟ وإذا شكك المرء فيما صدقه ذات يوم، فماذا يكون ذلك إن لم يكن خيانة؟»
«دبور النار المُحاصِر».
قال كايكي فجأة اسم الكايغي الذي سلّطه على كارين.
اسم الكايغي الذي زعم أنه لا يعرفه.
«هل تعرف شيئًا عن دبور النار المُحاصِر؟»
«…إنه كايغي يعود إلى فترة موروماتشي، أو ما شابه. كانوا ينسبون مرضًا وبائيًا مجهول السبب إلى كيان خارق للطبيعة مجهول الهوية، وقد قيل إن عددًا لا بأس به من الناس ماتوا آنذاك».
«إجابة صحيحة، لكنها خاطئة».
أومأ كايكي برأسه، ثم هزّه نافيًا.
«وردت قصة دبور النار المُحاصِر في الفصل الخامس عشر من كتاب توهُو ميداري زوكان، وهو مؤلَّف ظهر في فترة إيدو. والكتاب نفسه مجهول الشهرة، لكن النقطة الأساسية هي أنه لا يوجد أي دليل على انتشار مرض مثل ذلك المذكور فيه خلال فترة موروماتشي، سواء أكان دبور النار المُحاصِر موجودًا أم لا».
«…ماذا؟»
«لو وقعت حادثة كهذه فعلًا، لكان من الطبيعي أن ترد في عدة مصادر. لكن ذلك المرض المعدي لا يُذكر إلا في توهُو ميداري زوكان. وهذا يعني أن ذلك «المرض مجهول السبب» لم يكن موجودًا من البداية».
«…»
«وبما أنه لم يكن هناك مرض، فلم يسقط ضحايا بسببه، ومن الطبيعي إذن ألا تكون هناك حادثة أصلًا نُسبت إلى كايغي. ما ورد في الكتاب لم يكن سوى اختلاق عشوائي من المؤلف. لقد وصف شيئًا لم يحدث قط وكأنه حقيقة تاريخية».
لم يكن موجودًا من الأصل.
لا سبب يتمثل في كايغي.
ولا نتيجة تتمثل في كايغي.
ولا أحداث وسيطة تتمثل في كايغي.
كل شيء كان زائفًا.
«إنه ما يُسمّى بالتاريخ المزيّف. أي إن نقطة انطلاق كايغي دبور النار المُحاصِر، مهما بحثت عنها، ليست فترة موروماتشي، بل فترة إيدو. لقد صدّق الناس في الأجيال اللاحقة، بحماقة، هراء ذلك المؤلف. ما رأيك في هذا؟ أن ينشأ كايغي من كذبة شخص واحد، من دون أي دليل أو إرث متوارث؟»
ألقيت نظرة خاطفة على ظلي.
لم أستطع أن أصدق أن أوشينو لم يكن يعرف هذه القصة. أي إن شينوبو لا بد أنها سمعتها منه أيضًا… لا، حتى شينوبو نفسها قالت ذلك من قبل: من غير المعقول أن يُطلب منها تذكّر كل تلك الأحاديث الطويلة والمملة التي كان أوشينو يثرثر بها.
ثم إن معرفة هذه القصة مسبقًا لم تكن لتغيّر شيئًا على أي حال.
فدبور النار المُحاصِر يظل دبور النار المُحاصِر، سواء أكان موجودًا أم لا، ومهما كان أصله.
«والأمر نفسه ينطبق على الأساطير الحضرية الحديثة، وليس على قصص الكايغي وحدها. فبعضها يبدأ من واقعة حقيقية، وبعضها الآخر ينشأ من الأكاذيب. وأنا، بصفتي محتالًا، لا أعمل إلا في النوع الثاني».
تأثير وهمي.
تنويم مغناطيسي فوري.
هذا ما وصف به الأمر، أليس كذلك؟
«…أختي».
«ماذا؟»
«أقصد… أختي التي لسعها دبور النار المُحاصِر. هل صحيح أنها ستتعافى حتى لو لم تفعل شيئًا؟»
«بالطبع. دبور النار المُحاصِر غير موجود. والكايغي غير موجودة. لذا لا ينبغي أن تكون هناك أضرار ناجمة عنها. أنتما تتوهمان وجودها، ولهذا تبدو لكما موجودة. سأقولها بوضوح: لا تجرّاني إلى أوهامكما. هذا مزعج».
كيف يجرؤ على قول ذلك؟
كان كايكي هو من قال هذه الكلمات.
ومن خلالها، تأكدت من الأمر.
هذا الرجل مزيّف.
كما قالت سينجوغاهارا، وكما قال هو نفسه.
إنه رجل اختار أن يواجه شعوره بالنقص طوال حياته…
مزيّف ذو كبرياء رفيع.
«وفوق ذلك، فقد تحملت أنت نصف الضرر. ربما لن يستغرق شفاؤها الكامل ثلاثة أيام حتى. لا أعرف الطريقة التي استخدمتها، لكن ما فعلته مثير للإعجاب. ومع ذلك يا أراراغي، يبدو أننا لن ننسجم معًا أبدًا. الأمر ليس مجرد اختلاف كالماء والزيت، بل كالنار والزيت».
«…وأيهما النار وأيهما الزيت؟»
«من الصعب أن أصف أيًّا منا بالنار. فلنقل الروبيديوم والماء بدلًا من ذلك. في هذه الحالة، أنا الروبيديوم». {ملاحظة : الروبيديوم (Rubidium) هو عنصر كيميائي فلزي ينتمي إلى مجموعة الفلزات القلوية في الجدول الدوري كما أنه شديد التفاعل؛ يشتعل تلقائياً عند ملامسته للهواء، ويتفاعل بعنف شديد مع الماء.}
«وأنا… الماء؟»
إذن، من تكون النار؟
لا بد أنها كارين وتسوكيهي.
نار فوق نار.
لهب يتضاعف.
فاير سيسترز.
«أراراغي، هل تعرف الشوغي؟»
«الشوغي؟»
لم أستوعب هذا التحول المفاجئ في الحديث، فاكتفيت بتكرار الكلمة خلفه.
«أعني، أعرف عنه بقدر ما يعرفه الشخص العادي… لكن ما علاقته بما نتحدث عنه الآن؟»
«لا علاقة له. إنها مجرد ثرثرة، فسايرني فيها. وأنتِ يا سينجوغاهارا، هل تعرفين الشوغي؟»
«لا أعرفه».
أجابت سينجوغاهارا باقتضاب، لكن ذلك كان كذبًا فحسب.
لم أصدق أنها لا تعرفه. بل بدا لي أنها قد تكون بارعة فيه.
وكأنه أدرك ذلك، واصل كايكي حديثه من دون أن يكترث.
«إنها لعبة بسيطة. وفي جوهرها، ليست عميقة إلى هذا الحد».
«عدد القطع محدد، وحركاتها محددة، واللوح نفسه محدد المساحة. كل شيء محدود. أي إن الاحتمالات مغلقة إلى حد كبير منذ البداية. لا مجال لأن تصبح اللعبة معقدة، ولذلك فهي لعبة متدنية المستوى. ومع ذلك، فإن كبار لاعبي الشوغي جميعهم عباقرة. إنها لعبة يستطيع حتى محدودو الموهبة إتقانها، ومع ذلك لا يتقنها حقًا سوى العباقرة. هل تعرف السبب؟»
«…لا أعرف. لماذا؟»
«لأن الشوغي لعبة تنافس على السرعة. حين يتبارى لاعبان محترفان، لا بد أنك لاحظت وجود ساعة بجانب كل منهما. الأمر بهذه البساطة: لأن اللعبة محددة بوقت، فإن قواعدها البسيطة تجعلها أكثر إثارة. المسألة هي كيف تقلل وقت التفكير إلى أدنى حد. وبعبارة أخرى، الذكاء هو السرعة. أيًّا كانت الخطوات التي يتبعها أعظم أستاذ، يستطيع أي شخص تقليدها إن مُنح وقتًا كافيًا… ولهذا فإن المهم هو ألّا يستهلك المرء الكثير من الوقت».
«…»
«وهذا لا ينطبق على الشوغي وحدها، بل على الحياة أيضًا، فهي محدودة. المهم هو تقليل وقت التفكير، أو بعبارة أخرى، التفكير بسرعة. وبصفتي رجلًا عاش أطول منكما، سأقدم لكما نصيحة واحدة».
«لا داعي. لا أحتاج إلى نصائح منك».
أجابت سينجوغاهارا على الفور، لكن كايكي لم يعرها اهتمامًا.
«لا تقولي ذلك».
ثم تابع:
«لا تبالغي في التفكير. من وجهة نظري، يسهل خداع الشخص الذي يغرق في أفكاره بقدر ما يسهل خداع الشخص الذي لا يفكر إطلاقًا. فكّري بقدر معقول… وتصرّفي بقدر معقول. هذا هو الدرس الذي ينبغي لكما استخلاصه من هذه القضية».
«…الهاتف المحمول».
لم تجبه سينجوغاهارا، وكأنها ترى أن الأمر ينطبق عليه أيضًا. اكتفت بمد يدها، وراحتها إلى الأعلى، ثم قالت:
«أعطني هاتفك المحمول».
«همم».
أخرج كايكي هاتفًا أسود من بدلته، ووضعه في يد سينجوغاهارا كما طلبت. كان هاتفًا قابلًا للطي، فأمسكته وأطبقته بالقوة في الاتجاه المعاكس، محطمةً إياه.
ثم ألقته على الأرضية الخرسانية.
وداست عليه بقدمها لتقضي عليه تمامًا.
«يا له من تصرف قاسٍ».
ومع ذلك، ظل صوت كايكي هادئًا.
لم يُظهر أي علامة على الاضطراب.
«كان يحتوي على قدر كبير من المعلومات التي أحتاج إليها في عملي القادم».
«تقصد المعلومات التي تحتاج إليها في عمليات الاحتيال القادمة».
«صحيح. لكنني لن أستطيع الآن الاهتمام بطلاب الإعدادية الذين خدعتهم، فقد فقدت أرقام الاتصال بزبائني أيضًا».
«أنا لا أطلب منك الاهتمام بأولئك الطلاب الذين لا أعرفهم».
ثم التفتت سينجوغاهارا إليّ بنظرة جانبية خاطفة، من دون أن يظهر في عينيها أي شيء.
«يا أراراغي، سأقول الآن أبشع شيء في العالم».
«هاه؟»
«…الذين يتعرضون للخداع يتحملون جزءًا من اللوم أيضًا».
قالت سينجوغاهارا ذلك للمحتال، لكايكي نفسه.
قالته للرجل الذي خدعها ذات يوم.
«أنا لست بطلة تدافع عن العدالة».
ثم أتبعت ذلك بنبرة باردة للغاية:
«أنا عدوة الشر».
«…»
«وفوق ذلك، لن تستطيع الاعتناء بالضحايا أصلًا. حتى لو حاولت، فلن تفعل سوى خداعهم بطريقة أكثر خبثًا».
«سأخدعهم، بالطبع. أنا محتال، وحتى التكفير عن ذنوبي سأفعله بالكذب. أعلم أنكما لن ترغبا في فهم ذلك، لكن كسب المال بالنسبة إليّ ليس مسألة ربح وخسارة».
«إن هذا الجانب منك…»
بدأت سينجوغاهارا تقول شيئًا، ثم توقفت.
اكتفت بالتحرك جانبًا، مفسحةً الطريق أمام كايكي.
كان ذلك أشبه بإعلان منها أن الحديث قد انتهى.
انتهى الأمر هنا.
لم يعد هناك ما يُقال.
كل شيء انتهى.
«هذا أمر مريح. لقد جئت وأنا أتوقع أن أُقتل، لكنني، كما تعلم، لا أحب الألم».
قال كايكي، مائلًا برأسه قليلًا، إلى سينجوغاهارا التي لم تعد تنظر إليه حتى.
«يمكنك أن تقولي ما تشائين، وسأستمع إليك. لا بد أن في قلبك مشاعر تراكمت على مدى سنوات طويلة، أليس كذلك؟»
اقترب منها كأنه يحاول انتزاع الكلمات منها.
«ما الذي كنتِ تقصدينه حين قلتِ إن هذا الجانب مني…؟»
«…»
«ألن تجيبي؟»
قالها كايكي، وكأنه يشعر بخيبة أمل عميقة.
«لقد أصبحتِ امرأة مملة حقًا يا سينجوغاهارا».
«…»
«كنتِ في الماضي، رغم أنك لم تكوني درامية، رائعة بحق. كنتِ مادة ثمينة للمحتال، وكان خداعك أمرًا يستحق التقدير. أما الآن، فأنت مملة للغاية. لقد غطّتك الدهون وأصبحتِ ثقيلة».
«…»
«هل تعفنت البذور التي زرعتها؟ لو كنت أعلم أن الأمور ستنتهي هكذا، لتمنيت لو بقيت أنساك. عندها كنتِ ستظلين متألقة في ذاكرتي الغامضة إلى الأبد».
«…اصمت».
تمتمت سينجوغاهارا بذلك كما لو أنها تئن، وظل وجهها خاليًا من التعبير.
لكنها أعادت توجيه نظرها إليه، وحدّقت فيه بشدة.
«يمكنك أن تقول ما تشاء عن نسختي القديمة، لكن لا تهن نسختي الحالية. أراراغي-كن قال إنه يحبني. يحبني كما أنا الآن. ولهذا أحب نفسي الحالية. لا أستطيع تجاهل كلمات تنكر الشخص الذي أصبحت عليه».
«يا للعجب. إذن هذه طبيعة علاقتكما؟»
بدا كايكي مندهشًا حقًا من تلك الحقيقة. ذلك الرجل الذي لا يتغير تعبير وجهه إلا نادرًا أظهر هذه المرة دهشة حقيقية، لا تقل عن دهشة سينجوغاهارا نفسها.
ثم قال:
«آه، فهمت، فهمت. هكذا إذن. لن أقول شيئًا آخر. ليست لدي رغبة في أن أُركل حتى الموت على يد حصان بسبب تدخلي في علاقة عاطفية».
ثم مرّ من بيني وبين سينجوغاهارا، وأدار لنا ظهره.
«إن كان ذلك يناسبكما، فلن أقدّم أي تعويض. فأنا أيضًا لا أرغب في القيام بأمور لا تدرّ المال. سأغادر هذه البلدة من دون ضجة. لن أكون هنا غدًا. هل يرضيك ذلك يا سينجوغاهارا؟»
«…أجبني عن سؤال واحد».
خاطبته سينجوغاهارا بهدوء، وهو لا يزال يدير ظهره لها.
«لماذا عدت إلى هذه البلدة؟ لقد غادرتها من قبل».
«ألم أخبرك؟ لقد نسيت ما حدث حين جئت إلى هنا سابقًا. لم أتذكر أنني عملت في هذه البلدة إلا بعدما تلقيت اتصالك. هذا كل ما في الأمر».
«…هذا كل ما في الأمر؟»
«مصاص دماء».
فجأة، نطق كايكي بكلمة جعلتني أنتفض في مكاني.
«إذا كان لا بد من ذكر سبب، فهو أنني سمعت قصة سخيفة عن ظهور مصاصة دماء، ملكة الكايغي، في هذه البلدة. في مثل هذه الأماكن، تسير الأعمال المتعلقة بالخوارق على نحو أفضل، لأنها تصبح بؤرًا تتجمع فيها الكايغي. مع أنني، بالطبع، لا أؤمن بوجودها».
«…»
أنزلت نظري مرة أخرى إلى ظلي.
لم يصدر عنه أي رد فعل.
لا يزال الوقت مساءً، لذا لا بد أنها نائمة.
أو ربما كانت تسمع كل شيء، لكنها اختارت الصمت.
مصاصة الدماء.
ملكة الكايغي… قاتلة الكايغي.
مصاصة الدماء التي تجمع بين الحديد والحرارة والبرودة.
«بالمناسبة يا سينجوغاهارا».
مع أنه قال إنه لن يتكلم أكثر، أضاف كايكي شيئًا أخيرًا، من دون أن يلتفت.
«سأخبرك بشيء مفيد».
«لا أريده».
«الرجل الذي حاول الاعتداء عليك في الماضي… يبدو أنه مات بعدما صدمته سيارة. في مكان لا علاقة له بك، ولسبب لا علاقة له بك… ومن دون أي دراما».
قال كايكي ذلك بنبرة عادية، ومضى في طريقه من دون أن يبطئ خطواته.
«ماضيك الذي ما زلت تحملين همه لا يتجاوز هذا القدر. لا يستحق حتى أن تتخذي منه موقفًا حاسمًا. لن يعود الرجل الذي آذاك يومًا ليظهر أمامك بوصفه عقبة أشد قوة، ولن تعود أمك التي ابتعدت عنك بعدما ندمت على أفعالها. هكذا هي الحياة. ما إن يمضي الماضي حتى يكون قد انتهى بالفعل. والدرس الذي ينبغي أن تستخلصيه من هذه القضية هو ألّا تنتظري من الحياة أحداثًا درامية».
«…لا بد أن هذا كذب أيضًا».
ردّت سينجوغاهارا بصوت مسطح، لكنه كان خافتًا إلى حد بالكاد استطاعت معه الرد.
«الرجل الذي نسي وجودي حتى هذا الصباح لا يمكن أن يعرف شيئًا عن الرجل الذي حاول الاعتداء عليّ. وكذلك الأمر مع أمي… ماذا تعرف أنت عنها أصلًا؟ كفّ عن مضايقتي. هل يسعدك أن تربكني؟»
«بالطبع لا، فهذا لا يدرّ عليّ فلسًا واحدًا. لكن يا سينجوغاهارا، لا تنظري إلى الأمور من زاوية واحدة. ربما يكون ادعائي أنني نسيتك هو الكذبة، لا العكس، أليس كذلك؟»
«…كذب».
«إنه كذب»، قالت سينجوغاهارا.
لكن لم يكن واضحًا أيّ الأمرين كانت تقصده.
ولم يحاول كايكي التأكد من ذلك.
قال كايكي ديشو:
«سواء أكان كذبًا أم لا، فلا وجود للحقيقة في هذا العالم، في نهاية المطاف. لا تقلقي، فكونك قد وقعتِ في حبي ذات يوم لا يُعد خيانة لحبيبك الحالي. لا أريد أن تحمّليني ضغينة بلا مبرر لأنك تحاولين أن تكوني مخلصة لحبيبك. سأكررها: الماضي ليس إلا ماضيًا. لا قيمة لتجاوزه، ولا للحاق به. لا تدعي أفكارًا تافهة تقيّد امرأة مثلك. عيشي بسعادة مع ذلك الرجل، على الأقل».
«وداعًا».
على عكس أوشينو، الذي لم ينطق قط بكلمة وداع، ألقى كايكي هذه التحية الأخيرة، من دون أدنى أثر للإخلاص، وكأنه يقذف بها في وجوهنا بعنف.
ثم اختفى كايكي ديشو من أمامي وأمام سينجوغاهارا.
بقيت أنا وسينجوغاهارا واقفين بلا حراك لبعض الوقت.
لقد حصلنا على ما أردناه.
بل كانت هذه أفضل نهاية يمكن تخيلها.
ومع ذلك… ما هذا الشعور بالعجز الذي ينتابني؟
إنه ليس شعورًا بالهزيمة، بل فراغًا عميقًا.
للأسف، في حالتي هذه، لا أظن أنني أملك من الوسامة ما يكفي لأجعل كارين تقع في حبي.
ومع ذلك، وبصرف النظر عن خيبة أملي، شعرت بأنني تمكنت على الأقل من تبديد خيبة أمل سينجوغاهارا.
ولعل ذلك يكفي، على نحو ما، لاجتياز الاختبار.
«…هل كنتِ واقعة في حبه؟»
أعلم أن هذا ليس السؤال المناسب لبدء الحديث بعد صمت طويل، لكنني لم أستطع تجاهل الأمر بسهولة، فسألت سينجوغاهارا.
قد يبدو سؤالي طفوليًا أو غيورًا.
لكنني لم أستطع منع نفسي من السؤال.
«ما هذا؟ هل تحقّق أراراغي-كن للتو من عذرية حبيبته الحالية؟»
كما توقعت، كان رد سينجوغاهارا لاذعًا.
ولم أجد ما أقوله بعد رد كهذا.
لم تكن تلك نيتي، لكن في هذه الحالة، كان عليّ أن أقبل أن يُساء فهمي بهذه الطريقة.
ومع ذلك، لم تواصل سينجوغاهارا استجوابي بلا داعٍ، بل قالت:
«بالطبع لا».
«هذا مستحيل. إنه مجرد وهم من أوهامه. يا له من متغطرس! إنه مقرف».
قالت سينجوغاهارا بصوت شديد البرودة، وبدا على وجهها الخالي من التعبير شيء من الانزعاج.
«لكن… في تلك الأيام، لو ظهر شخص يساعدني، لكنت رأيته أميرًا ينقذني، مهما كان ذلك الشخص. لذلك لا يمكنني إنكار أنني نظرت إلى ذلك المحتال بشيء من الإيجابية».
ثم أضافت عرضًا:
«كان أول شخص فحسب…»
هذا صحيح.
فبالنسبة إلى سينجوغاهارا، التي كانت أكثر الناس استسلامًا للواقع، وفي الوقت نفسه أكثرهم عنادًا في رفض الاستسلام…
سينجوغاهارا هيتاغي، التي استسلمت وتخلّت عن أشياء، لكنها لم تتخلَّ عن أشياء أخرى رغم كل شيء.
«لقد تحدثنا عن هذا من قبل، ولا أنوي إعادة فتح الموضوع، لكن… لو أن شخصًا غير أراراغي-كن هو من أنقذني، فربما كنت سأقع في حبه».
همست سينجوغاهارا بذلك فجأة.
ولم تمنحني حتى فرصة لأقاطعها، بل تابعت:
«حين أفكر في هذا… أشعر بالغثيان».
«أنا سعيدة حقًا لأن الشخص الذي أنقذني كان أراراغي-كن».
«…»
حاولت أن أقول شيئًا، لكنني فشلت، ولم أجد في النهاية سوى أن أكرر ما قلته لها ذات مرة:
«لكن لو سألت أوشينو، فسيقول إنك أنقذتِ نفسك بنفسك».
تبًّا.
لو استطعت الرد بكلمات رائعة في مثل هذه اللحظات، لربما أصبحت رجلًا ناضجًا بحق.
يا له من أمر مخزٍ.
لم تجادلني سينجوغاهارا، بل اكتفت بالإيماء برأسها قليلًا، قائلة:
«ربما».
«أظن أنني فهمت الآن، بعدما رأيت كايكي، لماذا كنتِ تكرهين أوشينو».
«أنا أكره أوشينو-سان. أما كايكي… فأنا أمقته. ثمة فرق كبير بين الأمرين».
قالت سينجوغاهارا ذلك، ثم هزّت كتفيها.
«لنعد إلى المنزل. الشمس توشك على الغروب. أشعر وكأننا أضعنا وقتنا هباءً. ومع ذلك، سأخلص إلى أنني سعيدة لأنك لم تقابل ذلك الرجل في ظروف مختلفة».
«…أتفق معك».
كانت محقة في هذه النقطة.
رغم أن اختطافي واحتجازي كانا مبالغًا فيهما، فقد أفادني أنه اتخذ الخطوة الأولى. لم يكن الأمر مجرد اختلاف بيننا، بل كان أسوأ من ذلك بكثير.
كان الانسجام بيننا مستحيلًا.
لم يكن عدوًا بقدر ما كان عدوّي الطبيعي.
«لو التقينا مجددًا، فلن يكون من المستغرب أن ينتهي الأمر بقتال حتى الموت».
لم يكن ينبغي لي أن أقول ذلك أمام سينجوغاهارا، لكنني لم أجد ما أقوله غيره، ولم أفكر مليًا قبل أن أنطق به.
كانت تلك خلاصة رأيي الصريح في الرجل المسمّى كايكي ديشو.
بمعنى آخر، فإن الدرس الذي ينبغي لي، أنا أراراغي كويومي، استخلاصه من هذه القضية هو ألّا أقابل كايكي ديشو مرة أخرى طوال حياتي.
«لم تحدث أي كارثة كبرى، لكن ربما كانت هذه أفضل نهاية ممكنة».
«كارثة؟ أكان ذلك اسم طبق من اللحم؟»
قالت سينجوغاهارا ببرود، رغم أنها لا بد كانت ترى الأمر على نحو أشد مما أراه أنا.
«أراراغي-كن، احذر. إن ظننت أن ذلك الرجل يمتلك عدالة يؤمن بها، حتى لو كانت مختلفة عن عدالتك، فستكون قد خسرت».
«…سأحذر».
«لنعد إلى المنزل».
كررت سينجوغاهارا عبارتها، وكأن شيئًا لم يحدث.
«آه، صحيح. سينجوغاهارا، قبل أن نعود، أخبريني ما ذلك الطلب الذي ذكرتِه سابقًا. لا تتركي الأمر معلقًا وكأنه تلميح لم يُكشف عنه. بصراحة، أنا قلق للغاية. ما الذي ستجبرينني على فعله؟»
«ليس شيئًا مهمًا. وربما، كما قال ذلك المحتال، لا يستحق الأمر حتى أن أتخذ منه موقفًا حاسمًا. لكنني الآن وضعت حدًا لماضيّ. هذا ما أعتقد أنني فعلته».
«وضعتِ حدًا للماضي…»
إنه أمر لا بد للجميع من فعله في مرحلة ما.
سينجوغاهارا، وهانيكاوا… وأنا أيضًا.
وربما شينوبو كذلك.
«امدحني».
«…أهذا هو الطلب الذي سأدفع مقابله؟»
«بالطبع لا. ثم إنني لن أشعر بأي سعادة لو مدحني شخص مثلك يا أراراغي-كن. كل ما في الأمر أنني لاحظت أنك نسيت واجبًا بديهيًا عليك، فأردت تذكيرك به».
«…»
أهذه المرأة مصنوعة من الحديد أم ماذا؟
«الحديد؟ مستحيل. أنا فتاة لطيفة ورقيقة. لقد سمحت لذلك الرجل أن يقول ما يشاء عني، وأنا الآن مجروحة بشدة. بل إنني بالكاد أستطيع الوقوف بصورة طبيعية».
«كفّي عن الكذب».
وحين كنت على وشك أن أقول لها: «أم أنكِ محتالة أيضًا؟»، أجابت:
«أنا جادة. ولهذا…»
ثم نطقت سينجوغاهارا بطلبها، بوجهها المعتاد الخالي من التعبير؛ بل بوجه بدا غاضبًا قليلًا، وبنبرة هادئة ومستوية تمامًا، كما لو أنها لم تقل شيئًا استثنائيًا على الإطلاق.
«كن لطيفًا معي هذه الليلة».
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.