الفصل 530: النجم الغريب
«أحسنتَ يا صاحب السمو. من فضلك مدّ ذراعيك. أريد أن أتأكد من بعض الأمور. نعم، هكذا تمامًا، ابقَ كما أنت…»
شعر تاليس كأنه ميت. فحدّق أمامه بعينين خامدتين مخدرتين، ورفع ذراعيه وفق تعليمات الخياط. وأحسّ كأن ذراعيه تصدران صريرًا.
«في الولائم الترحيبية، لا أحب عادةً الأساور الرسمية أكثر من اللازم. فاستقم من خصرك، وضمّ ساقيك. نعم، هكذا. لكن طلب الكونت كاسو كان واضحًا جدًّا: “ينبغي أن تُظهر رزانة العائلة المالكة، لكن بطراز الأمير الجديد”…»
ولم يُظهر تاليس أي تعبير وهو ملفوف في «طراز الأمير الجديد». فاستقام من خصره بتبلد، وأحسّ أنه فقد آخر أمل في الكفاح من أجل حياته.
كان هذا في الأصل درس الرياضيات. وكان ينبغي أن يشاهد الباحث خوليو يقف أمام السبورة بكل ارتباكه المحرج لا يدري أين يضع يديه. لكن مع اقتراب موعد المأدبة الترحيبية، ضاق جدوله، وازداد جدول يومه امتلاءً. ومن سوء الحظ أن شؤونًا عامة كثيرة متفاوتة الأهمية ظلت تستحوذ على وقته حتى اضطر إلى استغلال الفسحة بين حصص الرياضيات ليأتي الخياط ويصنع ثياب المأدبة الترحيبية.
وفي نظر تاليس، كان هو الحيوان الوحيد في «معرض الحيوانات النادرة للعائلة المالكة» بين الخياطين.
«قبل ست سنوات لم أتمكن من رؤيتك، وفي النهاية وقفتَ في قاعة النجوم بتلك الثياب. فجعلك ذلك موضع احتقار من الدوقات والكونتات. وقد ساءني ذلك كثيرًا. وحين عدتُ بعد ذلك، هنأني زملائي وقالوا: “كان الطراز الجديد على الأمير رائعًا”. همم، يا للسخافة! شرحتُ لهم طويلًا أنه ليس طرازًا جديدًا، وأنني لم أستخدم الطراز القديم إلا لأنني لم أتمكن من إنجازه في الوقت المناسب لتجربة ثياب الأمير الثاني. ومع ذلك فلا أحد يُلام على هذا. ففي ذلك الوقت كان عليك أن تظهر ظهورًا مفاجئًا نيابة عن العائلة المالكة. وكان الأهم أن يبقى سرًّا…»
ولم يحب تاليس أن يأخذ الخياط مقاساته.
فهو يجعله يشعر بأن حركاته مسيطر عليها ومضغوطة وخالية من أي حرية (كأنه كان يملكها من قبل). وما رسّخ هذا الإحساس في ذاكرته أن الخياط الملكي العجوز كثير الكلام، وجهه دهني، ويحب أن يضع على رأسه شعرًا مستعارًا ثابتًا تقريبًا في رأسه وشعره، وزيتًا لتكثيف الشعر.
«لكن أعدك يا صاحب السمو الموقر أنني، وأنا هنا هذه المرة، واثق من أنك ستكون محور المأدبة. وستكون أروع من ولية العهد ساويرسي في زفافها… عفوًا، أقصد أروع من الأمير هيرمان في حفل بلوغه. في ذلك الوقت جعلني وجهه… أنت تعرف، لم يكن ذلك أفخر أعمالي. وأفضلها يجب أن يكون زفافًا ملكيًّا آخر. هل يمكنك أن تسحب كتفيك إلى الخلف مجددًا؟ هذا جيد جدًّا…»
ووضع الخياط الماهر دامون بأناقة لفة شريط القياس على الصينية التي يحملها مساعده. ثم تناول مسطرة صلبة أخرى من صينية أخرى يحملها طالبه الذي يرتجف حين يرى الأمير. وأراد أن يستخدمها ليلوّح ويرقص تماشيًا مع «ثرثرته».
«أوه، نعم. لا أحب في الأصل أن أتباهى بنفسي. لكن بما أنك سألتني عن هذا (أقسم تاليس باسم الوغد الصغير أنه لم يفعل)، فسأخجل لو تهربت من السؤال. صحيح. فقد صممتُ وخطتُ بنفسي ثياب مأدبتهم وترحيب ضيوفهم. هاهاها، في الحقيقة لا يستحق ذلك الذكر، إنه مجرد عمل متواضع… فأنت تعلم أننا نخيط للعائلة المالكة منذ جيل جدي.
«ففي ذلك الوقت كانت الملكة الساحرة فيرا مشهورة بالجمال والتدقيق، لكنها اختارت عمله من بين خياطين كثيرين متنافسين… ولما كنا في هذا العمل منذ زمن طويل، فقد اعتدنا على ذلك مع أن السمعة شيء مرهق. لم يكن الأمر شيئًا بالنسبة إلينا. لكن في كل مرة يُكشف عملنا يتعلم الخياطون في السوق من نمطنا وطرازنا. وفي غضون أسابيع قليلة تصير المملكة كلها بهذا النمط. آه، وأحيانًا ينسخون حتى تصميمنا الخاطئ ويسمونه عملًا كلاسيكيًّا. يا للسخرية… يا صاحب السمو، لا أقول إن لدينا أخطاء، بل نرى أن التواضع مهم. فعائلة دامون ما زالت الخياط الملكي لثياب العائلة المالكة، ونحن أعلى حكم في مسابقة تصميم الأزياء في العاصمة. وجاء ذلك إلينا بفضل تواضعنا وإبقائنا أنفسنا بعيدًا عن الأضواء. نتواضع حين نسعى إلى التحسن، ونحن شديدو الانتباه…»
ولحسن الحظ، أنقذه أحدهم.
فقال ضابط الطليعة غلوفر، الذي كان يراقب من الجانب لأن مالوس عاقب دويل بإرساله إلى المطبخ ليساعد الخدم في نقل زيت المصابيح، ببرود: «إن لم تستطع إنهاء أخذ مقاساته، فخياط عائلة زافرك، عائلة سيف الشمس ودرعها، قال إنهم لا يحتاجون إلا إلى ثلاثين ثانية لأخذ المقاسات».
فبدا السيد دامون كأن تنينًا ضخمًا عضّه.
وقفز بسرعة من المقعد الجانبي وكاد يصدم كتفي تاليس، وبدا الغضب على وجهه.
«يا فتى، اسمع مني، إن لم تصدقني فخذ بدلة من عائلة زافرك، وستلاحظ من الغرز أن أولئك الخياطين زنادقة سوق الخياطة! ولم يصمدوا حتى اليوم إلا بسبب العلاقة القذرة بين أجدادهم ونقابة القطن…»
لكن الزومبي غلوفر تجاهل كلامه وأمر حارسًا شابًّا آخر: «نيس، اذهب الآن واحجز موعدًا عند عائلة زافرك…»
«حسنًا! حسنًا!»
ولوّح السيد دامون بيديه بعنف وأسرع إلى جمع أدواته. ونادى مساعديه الاثنين واستدار بأناقة. وأعطى تاليس ابتسامة بوجهه الدهني، وتظاهر بأن يصفق كفه في الهواء تحية بلطف وحلاوة.
«يا صاحب السمو، اطمئن، فأمثالك… بمظهر لائق سيبدون مذهلين حين يرتدون عملي…»
لكنه لم يتمكن من إنهاء كلامه، لأن غلوفر أحضر الحرس الملكي الذين في الغرفة ليطردوا دامون ومساعديه، الذين ما زالوا متوترين إلى حد الارتجاف، والذين احتلوا نصف الدرس.
ثم نزل تاليس من المقعد. وكان يشعر بالدوار فتنهد باتجاه السقف.
وأحسّ أن الأمل الذي ذهب قبل قليل يعود إليه ببطء.
و سعل الباحث خوليو بخفة ليجذب انتباه تاليس.
لكن نصف الدرس الضائع لا يمكن تعويضه.
«ينبغي أن تكون أكثر لطفًا». مدّ معلم الرياضيات لتاليس عنقه احترامًا ونظر إلى عينات السيد دامون المبهرة التي «نسي» عمدًا أن يحملها معه.
«سمعتُ أن أجر الخياطة للسيد دامون عن كل جلسة يساوي ثمانية أشهر من راتبي… بالطبع، لا أطلب زيادة في الراتب… همم، ليس في الوقت الحالي…»
وشعر تاليس بقليل من الاستسلام. «دعني أخمّن، ثوب مذهل في المأدبة أجدر بالتباهي من مهارات الرياضيات المستخدمة في حساب انحراف الشمس المقدسة؟»
فأزاح خوليو الشاب الواعد حسده وغيرته ونظرته الكارهة، وقال بأسى: «للأسف لا أستطيع إلا أن أوافق وأنا آسف نادم على أن هذا هو الواقع».
وابتسم تاليس وعاد إلى المكتب.
«حسنًا يا صاحب السمو. يبدو أنك فهمتَ تمامًا وطبّقتَ مفهوم الإحداثيات الديكارتية الذي علّمك إياه النائب العام ليزيو… فإن حسبتَ المتغير بين الإحداثيين، فسيمكنك أن تدركه بصورة أكثر مباشرة…»
وعاد الباحث خوليو إلى أسلوب المحاضرة. وفي إحدى يديه المنهج، وفي الأخرى الطبشور. وبدأ يقلق في كيفية إنهاء محتوى درس اليوم وقد بقي له نصفه فقط.
«صحيح». نظر تاليس إلى الرسوم والأرقام على الورقة وتنهد: «ما يثير إعجابي حقًّا أن هذه المعرفة الرياضية اخترعها لاهوتي تقليدي متفانٍ قبل بضع مئات من السنين».
فتحمس خوليو: «في زمن ابن آوى سومر الثالث، لم يكن القديس ليزيو لاهوتيًّا فحسب. فمعرفته الرياضية لم تكن أدنى من معرفته السيدية وتساؤلاته الفلسفية.
«وما استخدمتَه للتو، أي طريقة استخدام هندسة الإحداثيات لإظهار سرعة تغير الأعداد، تعلمها بعد أن حاول معالجة مشكلة تفرق الجموع بعد الاحتفال في المدينة. وهي مسجلة في “العبر المستفادة من مدينة البحر المقوس”».
وابتسم خوليو بحماس. وهو يقدم القديس ليزيو، كان سعيدًا لأن الأمير يهتم على نحو غير متوقع بهذه المعرفة غير الشائعة التي يرفض معظم النبلاء تعلمها.
«فهمتُ».
وحين تذكّر درس اللاهوت قبل أيام، لم يملك تاليس إلا أن يتنهد: «معبد الغروب دين يعتبر سيدته كيانًا أسمى، ومع ذلك ظهر بينهم شخص بهذه الموهبة؟ هذا مثير للاهتمام».
وأومأ خوليو، لكن تعبيره سرعان ما تغيّر. وبدا قلقًا من شيء ما: «يا صاحب السمو، قد أكون تجاوزتُ حدودي، لكنني علمتُ أنك بدأتَ درس اللا… اللاهوت…»
فعبس تاليس. «علمتَ؟»
وهزّ الباحث خوليو كتفيه وخفض صوته.
«أظن أنه ينبغي لك أن، همم، تحافظ على علاقة جيدة بالكنيسة. وأحيانًا ينبغي أن تحاول تجاهل الصراع بين المفاهيم الصغيرة. فهذا قد ينقذك من متاعب كثيرة…»
«هذا جديد».
وحرّك تاليس مؤخرته وأسند ظهره إلى الكرسي. وبدا مهتمًّا.
«ماذا تقصد؟»
وكان الباحث بونار، الذي يعطي دروس النحو، متقادمًا قليلًا في أسلوبه وبطيئًا في عمله. وكان يقول دائمًا كلمات صادمة تجعل تاليس عاجزًا عن الكلام.
«”ي-يا صاحب السمو، لـ-لماذا أنت في هذه العجلة، هل ستذهب إلى موعد غرامي؟”»
وفي دروس التاريخ، كان غيلبرت يحرص على تعليمه السياسة أيضًا. ومع أنهما في عجلة ليتمكن من التظاهر بأنه مذهل، ففي كل مسألة تاريخية مهمة لم يستطع أن يهزم غريزته بوصفه وزير خارجية فيضيف أفكاره الخاصة في المسألة. فينتهي الدرس وهو لا يزال يلقي خطبته الطويلة، حتى تأخروا كثيرًا عن الجدول.
«”آه يا صاحب السمو، أفضل لحظة تمر دائمًا بسرعة كبيرة. فلمَ لا نضيف حصة تاريخ أخرى؟”»
وفي دروس الطبيعة، كان السيد مونتون خير وصف له أنه شخص يتصبب عرقًا دائمًا ويبتسم بحرج. وقد تحول هدف الدرس من «توسيع معرفة الأمير» و«إقناع الأمير بالنظر إلى شؤون العالم» إلى «يا صاحب السمو، لمَ لا تحاول تخمين هذا السؤال أولًا؟».
وأما حصة الفنون للسيد أوهران، فقد رحمت السيدة تاليس فيها. فقد كان ينام دائمًا نومًا عميقًا حلوًا راضيًا وهو يعزف العود بانسجام ويرسم على لوحته. ولذلك عُدّ بطلًا قوميًّا لإنقاذه دوق بحيرة النجوم من الموت المبكر بسبب قلة النوم.
وماذا عن معلم الرياضيات خوليو؟
ومع أنه باحث بكل معنى الكلمة التقليدي، فلم يكن بارعًا في الكلام، وكان ذلك في تناقض شديد مع الأذكياء الماكرين. كان بسيطًا، وغير مطلع على شؤون العالم، وهما صفتان تكمل إحداهما الأخرى. وكان ذلك يجعل تاليس يتساءل دائمًا كيف نال هذه الوظيفة الطيبة التي تجلب الشهرة والثروة. وبالطبع عرف تاليس لاحقًا أن حما خوليو كان شخصًا كبيرًا في وزارة المالية، فليس من الصعب تفسير سبب قدرة خوليو على إظهار كشوف مالية واضحة دائمًا.
لكن لو اضطر إلى أن يقترح على تاليس بناء علاقة طيبة مع أشخاص معينين… فإن تاليس يفضل أن يصدق أن جلسة الخياطة لم تنتهِ بعد.
وشوهد الباحث خوليو يلقي بضع نظرات إلى مكتب الدوق قبل أن يقول بتصلب: «أتعلم، كانت هناك فترة اعتُبرت فيها بعض المعارف والأبحاث غير قانونية في نظر المعابد، وكانت الرياضيات، للأسف، من أبرز المواد المحظورة…»
وازداد اهتمام تاليس. «لماذا؟»
وأخذ خوليو نفسًا عميقًا: «لأننا لو درسنا بعض الأمور بعمق، فسننتهي إلى تجاوز محظورات قديمة، وستستاء السيدة».
«محظورات قديمة». وغرق تاليس في تفكير عميق لحظة: «وهل تؤمن بذلك؟»
فهزّ خوليو كتفيه وظهر على وجهه الاستسلام: «بالطبع لا. لكن كل ما يحدث في تلك الفترة يحدث لسبب منطقي في تلك الفترة. فمثلًا، كانت معرفة حساب حجم السوائل تُعدّ شريرة، ومُنع أصحاب الصيدليات من استخدام أدوات القياس…»
وبينما صار كلامه أسلس، أدرك خوليو شيئًا فجأة وتغير تعبير وجهه: «آسف، لستُ هنا لأعلمك التاريخ…»
«لا، لا، أنا مهتم جدًّا». ورفع تاليس يديه بأدب: «تفضّل وأجب عن أسئلتي».
وارتبك خوليو قليلًا، لكنه أجبر نفسه على الابتسام. وبعد أن تأكد أن مزاج الأمير جيد، تكلم بحذر: «باختصار، قبل بضع مئات من السنين، في مجزرة مبولا الشهيرة، كان كاهن الطائفة الرئيسية صيدليًّا. وكانت معرفته الواسعة في الصيدلة هي المعرفة الأساسية لهم ليقدموا الأضاحي البشرية ويحسبوا الهندسة لنقش رموزهم…»
«أضاحي الطائفة.
«أضاحٍ بشرية.
«نقش رموز».
ورفع تاليس حاجبيه قليلًا.
وسعل خوليو: «ومنذ ذلك الحين، أُدرجت الصيدلة والهندسة في أساطير الساحرات والشياطين والسيدة الزنديقة. فنالتا سمعة سيئة».
«إذن ما علاقة هذا بدرس اللاهوت لدي؟»
وذُهل خوليو لحظة قبل أن يتذكر ما أراد قوله: «آه، شكرًا لأنك ذكّرتني. كدتُ أنسى الموضوع…»
«على العموم، في ذلك الوقت كانت كل الكنائس، ومنها معبد الغروب، لا تزال… أمم… تقليدية. ولمدة طويلة لم يكن الباحثون يمرون بوقت طيب، حتى في أكاديمية قبلة التنين».
ولو كانت هناك مسابقة في التلعثم أثناء الكلام بجمل طويلة، فإن تاليس كان يرى أن حامي أبيه المقنع يمكنه أن يحتل المركز الأول. لكن يودل لا يستطيع أن يشعر بالأمان في مكانه، لأنه لو كانت المسابقة في الجمل الطويلة خارج تخصصه، فإن الباحث خوليو سيكون منافسًا قويًّا على اللقب.
ولو أضاف إلى المسابقة الابتعاد كثيرًا عن الموضوع الرئيسي، فسيراهن بلا شك بثروته كلها على فوز خوليو.
وحدّق تاليس فيه بغضب.
«ثم ظهر بعض الناس كالنائب العام القديس ليزيو. لم يكونوا جزءًا من المعبد فحسب، بل كان لديهم أيضًا طموح تطوير عالم الأكاديميا ليستطيع الجميع إجراء الأبحاث بأمان… وبفضل رؤاهم الواسعة، استطعنا أنا وأنت أن نكون هنا لندرس هذه المعادلات الصغيرة اللطيفة التي تشكلت بتراكم أبحاث أسلافنا». ونظر الباحث خوليو إلى الأرقام والرموز على الورقة بنظرة لطيفة حانية كأنه ينظر إلى حبيبته.
وأخذ خوليو نفسًا عميقًا، وصار وجهه جادًّا: «لذلك يا صاحب السمو، أن تكون ودودًا مع المعبد ليس أمرًا سيئًا، وبخاصة وهم قوة كبيرة الآن. ينبغي أن تكون ودودًا معهم، وإن كان بناء علاقة معهم قد لا يوافق رغبات قلبك. وبهذه الطريقة ستُحل عقبات كثيرة».
ونظر تاليس إلى خوليو بنظرة فضولية غير مسبوقة: «وماذا عنك؟»
فأشرقت عينا خوليو. ورفع أصابعه وهزّها كأنه يقدم شيئًا ثمينًا لتاليس. ثم سحب من صدره قلادة تأديبية نحاسية.
«انظر، أنا مؤمن مخلص بمعبد الغروب، وكاهن فخري في الفرع اللاهوتي للأكاديمية الملكية. أذهب دائمًا إلى معبد الغروب للصلاة، وحين أعود إلى مسقط رأسي أذهب إلى المعبد كثيرًا أيضًا».
وكانت عينا خوليو مليئتين بالفخر والتباهي، كأنه نال إنجازًا ما: «أدرس الرياضيات باسم السيد!»
فضحك تاليس ضحكة مكتومة.
فتصلب تعبير الباحث خوليو، ولم يبدُ أنه يعرف أين يضع يديه.
«لماذا؟» سعل تاليس قليلًا ليخفي مزاحه: «لماذا ذكرتَ هذا لي خصوصًا؟»
ووضع خوليو قلادته التأديبية، ومسح يديه بثيابه، وأشار بحذر إلى مكتب تاليس.
«أنت… تمسك بالكتاب منذ أيام قليلة. وأوشكت بصمات يديك أن تبقى على الغلاف».
وخفض تاليس رأسه ونظر.
كان «أعمال حواريي سيدة الغروب» الموضوع تحت أوراق مسودته.
فذُهل دوق بحيرة النجوم.
وبعد بضع ثوانٍ، لم يملك تاليس إلا أن يضغط بيده على رأسه ويتنهد.
كيف ارتكب خطأً غبيًّا كهذا؟
هل كان مضغوطًا أكثر من اللازم خلال الأيام الماضية بعد عودته إلى الكوكبة؟
ولو كان في الشمال، لكان تاليس يغيّر الكتاب بعناية إلى كتاب جديد كل يوم وهو في قصر الأرواح البطولية، ولما استطاع الناس أن يكتشفوا بسهولة ما أثار اهتمامه.
همم… لكنه لا يستطيع أن يقول ذلك أيضًا.
فنيكولاس في النهاية لم يكن ذكيًّا جدًّا.
«أنت فتى ذكي يا صاحب السمو». وبدا خوليو قلقًا قليلًا: «أعني، ليس كثيرون من يستطيعون فهم أسئلة رياضية معقدة كثيرة في سنك، وفوق ذلك عدتَ للتو من الشمال الهمجي. بلا إساءة.
«والذين لهم هذه العقليات لا يرغبون في الإصغاء إلى دروس اللاهوت المملة ولا العظات. أعرف ذلك، وجربتُه من قبل، لكن…»
وأشار خوليو إلى الغلاف المجعد لكتب المعبد المقدسة: «حين تريد أن تمزق الكتاب لتفرغ غضبك، فلا تدع الناس يرون».
ومرّ تاليس بأصابعه على علامات الأصابع على «أعمال حواريي سيدة الغروب» التي كانت أوضح بكثير مما كانت عليه قبل أيام، وصمت لحظة.
«كنتُ فقط… أقرأ بجدية أكثر من اللازم».
«أرغ… إذن لا داعي إلى أن تقلق كثيرًا». وكان خوليو هذه المرة هو من خشي أن يكون قد أزعج حياة الأمير أكثر من اللازم. فخفض رأسه وقال: «لحسن الحظ، هذا عصر التنوير. ولو كنا في العصور القديمة لما كانت عواقب تصرفك حسنة جدًّا».
وضحك تاليس: «لا تقلق. قد لا أكون مهمًّا جدًّا، لكنني على الأقل أمير، أليس كذلك؟»
«أرغ… قبل أربعمئة عام، كان النجم الغريب هيرمان أيضًا الابن الأكبر ووريث ملك الصعود، لكنه بسبب عدم احترامه للسيدة…»
وتوقف الباحث خوليو عن الكلام فجأة.
وتجمدت ابتسامة تاليس أيضًا.
وساد الهدوء الغرفة.
وبعد بضع ثوانٍ، أدرك خوليو ما قاله للتو. فحدّق في تاليس برعب قبل أن ينظر حوله بذعر.
«أ-أ-يا صاحب السمو…»
فضبط تاليس تعبيره.
«أيها الباحث خوليو، لقد حللنا هذا السؤال، أليس كذلك؟»
«آه، بالطبع، بالطبع يا سموّ الدوق، يا صاحب السمو… أنتوقف هنا الآن؟» بدا خوليو كأنه على وشك البكاء.
وصمت تاليس لحظة. ثم رفع رأسه وأظهر ابتسامة: «حسنًا».
وعندها فقط تنفس خوليو الصعداء. وجمع كل مواده التعليمية بحركات محمومة ليغادر. ولم يتذكر حتى أن قلادته التأديبية ما زالت معلقة خارج ثيابه.
«أمم، يا سموّ الدوق، بشأن ما قلتُه اليوم. أمم… الكونت غيلبرت كاسو…»
فتنهد تاليس بخفة: «لن يعلم غيلبرت بذلك».
«شكرًا يا صاحب السمو».
وغادر خوليو وهو يترنح.
«خوليو».
فارتجف خوليو بعنف.
«شكرًا لك أنت أيضًا»، قال تاليس بخفة.
وربما أدرك أنه قال ما لا ينبغي أن يقوله، فكان الباحث خوليو، الذي يحب أن يمدد درسه أبعد بكثير مما ينبغي، أكثر مراعاة من المعتاد فأنهى الدرس قبل نصف ساعة.
وقبل درس التاريخ بعد الظهر، حيث سيهرع غيلبرت ليحدثه عن مكاسب ملك النصال السياسية وخسائره، كان تاليس حرًّا، وهذا نادر.
وجلس تاليس بهدوء في غرفة دراسته. وجالت نظرته على غلاف «أعمال حواريي سيدة الغروب»، لكنه لم يستطع أن يخرج نفسه من المزاج الذي أحدثته كلمات خوليو.
«غلوفر، أغلق الباب، أريد أن أنام قليلًا».
ولم يُبدِ الزومبي، الواقف عند الباب، أي رد فعل إضافي. فلم يسأل عن سلامته ولا أثار ضجة من لا شيء. بل أومأ بهدوء وأغلق الباب وهو عند ذلك.
وسمع غلوفر يعطي أوامر للحراس المناوبين خارج الباب.
«بهذا وحده، ضابط الطليعة غلوفر أكثر احترافية بكثير من دي دي».
يتصرف بتواضع وطاعة وهدوء ولامبالاة، ولا يفعل أي شيء غير ضروري». فكّر تاليس بكآبة: «ربما هو النوع الذي يثق به الملك كيسل».
ولسبب غير معروف، حين فكّر تاليس في هذا، أحسّ بقلبه يتوتر.
ولو كان يستطيع الاختيار، فإن تاليس ما زال يرى أن التعامل مع أناس مثل دويل أكثر راحة بكثير.
«لماذا؟»
وتنهد تاليس.
ونظر إلى غرفة الدراسة الخالية، ثم التقط «أعمال حواريي سيدة الغروب» الذي يحوي السر، و نهض، ومشى إلى الرف خلفه.
ودفع الدوق رافعة آلية خلف لوح وسحب رف الكتب.
ودخل الغرفة السرية داخل غرفة الدراسة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.