تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل533

الهدوء على الأوتاد الحديدية

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 533: الهدوء على الأوتاد الحديدية

 

ذُهل تاليس من حركات الفيكونت باترسون المبالغ فيها، ولم يتسنَّ له أن يستوعب المعنى العميق الكامن وراء تلك الكلمات، إذ سُمع صوت غيلبرت من خلفه.

 

«سيدي باترسون».

 

«لقد أُعدّت المقاعد الخاصة في قاعة المأدبة كلها. فإن شئتَ…»

 

وكان غيلبرت يستقبل في الجانب الآخر ضيوفًا أقل أهمية، من كبار قادة الصناعة إلى موظفي المملكة. ومن الواضح أنه علم بالموقف الطارئ هنا، ولذلك أسرع إليه.

 

«لا حاجة إلى ذلك يا كاسو الصغير. جئتُ من أجله هو». ومن الجليّ أن باترسون لم يسمع ما قاله غيلبرت بوضوح، لكن ذلك لم يمنعه من معاملته ببرود حين رآه: «من أجله وحده».

 

وانحنى الفيكونت باترسون للأمير مرة أخرى. وكانت حركاته واسعة جدًّا حتى تصبب من حولهم عرقًا باردًا. وبعد قليل، رافقوه إلى قاعة المأدبة.

 

وزفر تاليس ودويل وغلوفر نفسًا واحدًا من الارتياح.

 

وراقب غيلبرت ظل الفيكونت وهو يبتعد ببطء، ثم تنهد برفق.

 

«باترسون… أحد تابعي النجوم اليشمية السبعة، وله شخصية فريدة. فهو لا يكلف نفسه حتى حضور كثير من المناسبات. ومن أسباب ذلك أنه شاخ ولم يعد لديه ما يخشاه.

 

«لكن من الواضح أنه بلغ مرحلة عليه فيها أن يفكر في وريثه».

 

ولما رأى حيرة عيني تاليس، تابع شرحه: «أحد أبنائه من حرسك الخاص الآن، نائب ضابط العقوبات، السيد غراي باترسون».

 

ففهم تاليس ما يجري.

 

وواصل الضيوف الوصول إلى المكان. ومع أن معظمهم مجرد موظفين ونبلاء من الطبقات الدنيا فلا داعي لأن يستقبلهم تاليس بنفسه، فقد كانت قاعة ميندس مزدحمة إلى حد أن أيديهم كانت مشغولة بما يفوق طاقتها.

 

وأحسّ مالوس و غيلبرت بالإرهاق وحدهما من استقبال الضيوف. وحتى الفيكونت كيني والكونت غودوين، اللذان تظاهرا بأنهما سيدا المناسبة، كانا يتنقلان جيئة وذهابًا بلا لحظة راحة.

 

لكن، على غير ما توقعوا، لم يكن باترسون الوحيد الذي وصل مبكرًا.

 

«ببركة الشمس المقدسة يا صاحب السمو!»

 

فلم يتح الضيوف الكرام الذين تبعوا باترسون لتاليس أن يعود إلى غرفة الانتظار ليستريح من جديد.

 

فقد جاء الفيكونت أدريان ومعه زوجته، فاضطر تاليس إلى التخلي عن فكرة الراحة، وجمع نفسه من جديد وأضاء وجهه بالبشر.

 

«لقد كبرتَ، وتبدو في أعلى المعنويات. وهيئتك أنيقة، وفيك رشاقة اللورد كيسل في الأيام الخوالي».

 

وكان أدريان في ثلاثيناته. بدا شابًّا واعدًا شديد النشاط.

 

لكن تاليس، بفضل الدروس المكثفة المرعبة في الأيام الماضية، كان يعلم جيدًا أن عائلة هذا الفيكونت تحكم المنطقة المحيطة بمقاطعة البجع، الواقعة في الإقليم الأوسط، الخصبة الجميلة، وأنه من أهم أعضاء النجوم اليشمية السبعة.

 

فلم يجرؤ تاليس على إظهار أدنى علامة كسل. وأبدى لهما احترامه وحيّاهما بابتسامة.

 

«من الواضح أنه مهما كان الطقس باردًا في الشمال، ومهما اشتدت العواصف الثلجية، ومهما عتا رمل الصحراء الغربية الأصفر، ومهما حرّ الجو…» وحدّق الفيكونت أدريان في عيني تاليس مباشرة. وابتسمت زوجته دون أن تنبس بكلمة، وظلت صامتة جميلة وزوجها يواصل كلامه: «فسيظل من الصعب أن تُحجب نجوم السماء عن التألق الساطع».

 

ولم يسع تاليس إلا أن يتصرف وفق ما علّمه غيلبرت. فأجاب برفق، بلا تواضع زائد ولا كبرياء، وبلا مبالغة ولا تقصير عن المعايير، وبلا بروز ولا خفوت، كما يليق بأمير يشمي مؤهل.

 

ثم انحنى أدريان وأمسك راحة تاليس برفق، وقبّل ظهر يده.

 

وودّع تاليس الفيكونت أدريان وهو يفرك ظهر يده التي قُبّلت مرتين، وسأل في حيرة: «لستُ سيدهم الأعلى ولا ملكهم الأسمى، أليس كذلك؟ أعني… لستُ هذه الأشياء بالنسبة إليهم مؤقتًا».

 

«لا»، أجاب دويل شارد الذهن.

 

وجعله رد حارسه الغريب يلاحظ أن أمرًا ما غير طبيعي.

 

وعندئذ فقط رأى دي دي يومئ وينحني وهو يراقب الفيكونت أدريان يغادر بما يشبه التذلل. وحتى غلوفر بدا أشد احترامًا طوال وجود الفيكونت أدريان.

 

ومقارنة بما كانا عليه حين خدما الفيكونت العجوز قبل قليل، كان موقفهما مختلفًا تمامًا.

 

«ما الأمر؟» عقد الدوق الشاب حاجبيه.

 

«هل هما مميزان إلى هذا الحد؟»

 

ولم يفق دويل من شروده إلا بعد أن حكّ رأسه.

 

«آه، أعتذر. بخصوص هذا يا صاحب السمو، هل ما زلتَ تذكر اللورد أدريان؟ قائدنا الأعلى، القائد الأول؟»

 

وعبس تاليس. فهو يتذكر المشهد الذي قاد فيه اللورد أدريان الحرس الملكي حين دخل قصر النهضة ليطلب مقابلة الملك، والمشهد الذي جاء فيه اللورد أدريان بنفسه إلى قاعة ميندس ليقدم مذكرة المكافأة.

 

وبدا أن الأمير فهم شيئًا ما.

 

«إن كان الأمر كذلك، فالفيكونت أدريان، الذي وصل قبل قليل، ليس من تابعي النجوم اليشمية السبعة فحسب، بل أيضًا…»

 

«هذا صحيح». ولما رأى دويل أن الرجل اختفى تدريجيًّا عن بصره، زفر زفرة ارتياح.

 

«إنه ابن أخي رئيسنا الأعلى».

 

«فهمت».

 

وفكّر تاليس، لكنه في أعماق قلبه فكّر في سياسة المناصب التي لا يُستثنى منها حتى دويل وغلوفر.

 

«باترسون وأدريان… هاتان العائلتان العظيمتان من تابعي النجوم اليشمية السبعة وصلتا إلى قاعة ميندس قبل ما توقعت بكثير، وأتتا إليّ… هكذا…

 

«لا يمكن أن يكون هذا محض مصادفة، أليس كذلك؟»

 

وسرعان ما تأكد الشك الذي في أعماقه.

 

فبعد خمس دقائق، وبينما كان تاليس يستعد للعودة إلى غرفة الانتظار لينتظر الدفعة التالية من كبار الضيوف، نزل رجل وامرأة من العربة ويداهما متشابكتان. وبحراسة أحد الخدم، دخلا قاعة ميندس بخطوات مختلفة حتى وصلا أمام تاليس.

 

ولما رأى غلوفر ودويل القادمين، تغيّر تعبيرهما قليلًا، كأن عدوّين كبيرين لهما قد وصلا.

 

وقال دي دي بقلق: «يا صاحب السمو، أمم… من الأفضل أن نعود… ونترك الكونت كاسو يتولى هذا…»

 

وقال تاليس بشك:

 

«لكنني أعرف شارتهما. إنهما من تابعي النجوم اليشمية السبعة… لماذا؟ هل في الأمر خطب؟»

 

وقطّب غلوفر. أما دويل فقد فتح فمه وكشّر عن أسنانه.

 

«كيف أصوغ هذا بكلمات… لم أتوقع قدومه أبدًا…»

 

لكن الضيفين مشيا بسرعة كبيرة. وقبل أن يتم دويل كلامه، كانا قد وصلا أمام تاليس.

 

«ص-صاحب السمو». وحثّت السيدة التي بجانب الشاب النبيل على الكلام، وعندئذ فقط تكلم بكره شديد، وصوته غير واضح، وأنفاسه خفيفة جدًّا: «أنا… أنا لوثر، لوثر… ويسعدني… حقًّا أن…»

 

وعقد تاليس حاجبيه وبدأ يتفحصه من رأسه إلى قدميه.

 

كان الفتى الذي أمام عينيه صغيرًا جدًّا. بدا في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة فقط. لكن كل شيء فيه يشع حضورًا محرجًا، وتعبيره متوتر، وهيئته توحي بالخجل.

 

والأسوأ أنه ظل مطأطئ الرأس طوال الوقت لا ينظر إلا إلى حذائه. ولم ينظر حتى في عيني تاليس، كأن رخام قاعة ميندس أجمل بكثير من كل ما سواه.

 

ولاحظ تاليس كذلك أن هذا النبيل الصغير المدعو لوثر، مع أنه بدا غريبًا متوترًا، كان مهندمًا جيدًا وثيابه فاخرة. ومن الواضح أنه اعتنى بهندامه عناية بالغة.

 

وكان عدد العربات خارج القاعة يتزايد تدريجيًّا. وازداد صوت العجلات التي تدور وترتطم بالطريق الحجري علوًّا واضطرابًا.

 

وفي الثانية التالية، قبل أن يتم لوثر تحيته لتاليس بكلامه المتعثر، تشنجت ملامحه.

 

وانتابه قلق مفاجئ وهو لا يزال يحدق في الأرض. وجعل يهز ذراع السيدة بجهد. وبدت كلماته طفولية بعض الشيء، وإيقاع كلامه غريبًا.

 

«أمي، أريد أن أعود إلى البيت، لا أريد أن أكون هنا… أريد قطع الشطرنج خاصتي…»

 

وتغيّر تعبير السيدة في لحظة.

 

وعندئذ فقط لاحظ تاليس النبيلة التي بجانب لوثر. بدت في الثلاثينات فقط. وكانت جميلة، رشيقة الحركة، وقورة الهيئة. لكن تعبيرها بدا متعبًا بعض الشيء. وارتدت ثيابًا محافظة بألوان داكنة.

 

ونظرت إلى تاليس بقلق وأجبرت نفسها على ابتسامة اعتذار للأمير. وبعد ذلك مباشرة، اقتربت من أذن ابنها وهمست برفق: «يا بني، لقد تدربتَ من قبل. وقد أحسنتَ. تذكر ما قلتَه لي…»

 

وصار في نبرتها شيئًا فشيئًا حدّة صارمة.

 

لكن صوت لوثر ازداد قلقًا. وصارت حركاته عنيفة. «لا!»

 

وبدا كأنه يبكي. وصارت حركات ذراعيه أوسع. «أريد أن أذهب إلى البيت. أريد قطع الشطرنج خاصتي، أريد لوحة الشطرنج خاصتي…»

 

وتجاهل تمامًا أن دوق بحيرة النجوم، ومعه فرقة حاشيته كلها من تابعين وحراس وخدم في الرواق، يشاهدون الحادثة من الجانب.

 

وكانت أمه تواسيه بقلق. لكن تخبط لوثر صار أبعد عن المنطق. وجلس مباشرة على الأرض بهيئة غير لائقة.

 

«أريد أن أذهب إلى البيت! البيت! البيت البيت البيت البيت البيت البيت…»

 

ونظر غلوفر ودويل أحدهما إلى الآخر. واقتربا بقلق وحاولا أن يفصلا تاليس عن لوثر، الذي كانت حركاته تتسع أكثر فأكثر. وبدا أنهما يخشيان أن يؤذي هذا الضيف، الذي من الواضح أنه غير مؤذٍ كثيرًا، الدوق.

 

وفهم تاليس فجأة لماذا كان زميلاه الحارسان متردديْن إلى هذا الحد.

 

وشحب وجه السيدة الجميلة الرشيقة. وبذلت قصارى جهدها لتسحب ابنها ليقف على قدميه. وواسته في الوقت نفسه بكلمات لطيفة. لكن من الواضح أن جهودها ضاعت هباءً.

 

ثم قاطع صوت لطيف هذه الحادثة الصغيرة: «لا بأس يا لوثر».

 

وبينما كان لوثر يبكي بلا مبرر، التفت بعض الناس برؤوسهم. ورأى الجميع تاليس يبتسم وهو يدفع غلوفر ودويل جانبًا. وتجاهل محاولاتهما منعه وجثا أمام لوثر.

 

فذهلت النبيلة قليلًا، وكانت على وشك أن تنادي الخدم ليساعدوها.

 

«أنا أيضًا أحب لعب الشطرنج. نسخة صعود الإمبراطورية وسقوطها، أليس كذلك؟»

 

وكأن لكلام الأمير أثرًا سحريًّا، كف لوثر عن التخبط وعن إثارة الضجة. وحدّق في الأرض وظل يلهث بلا انقطاع.

 

«لكنني لا أنجح أبدًا في استخدام المبارز على نحو جيد. فعادة أخسر نصف القوات قبل أن أتمكن من ترقيتها إلى فرسان». ورفع تاليس كتفيه.

 

ولم ينطق لوثر بكلمة. بل ظل يلهث بسرعة.

 

«ليست معي قطع شطرنج الآن». وبدا في صوت تاليس شيء من الإحباط كأنه هو أيضًا غير راضٍ عن ذلك.

 

«لكن لحسن الحظ، لدي قطعة شطرنج جديدة أكثر إثارة».

 

ومدّ تاليس ذراعه إلى صدره.

 

ورأى غلوفر حركة الدوق بوضوح. فصُدم فورًا.

 

«يا صاحب السمو—»

 

ونزع تاليس الشارة التي على صدره، التي تمثل النجمة التساعية، وعرضها على لوثر كأنه يعرض كنزه.

 

«انظر، إنها بلورة مطعّمة. تلمع ساطعة تحت ضوء الشمس. وفيها بكرة خاصة. فإن غيّرتَ زاويتها، انكسرت منها ألوان مختلفة من الضوء. جرّب وعُدّ، كم لونًا فيها؟»

 

ورفع لوثر رأسه بنظرة بلهاء.

 

وحدقت السيدة في حركات الأمير بذهول. وأرادت أن تتكلم لكنها لم تفعل.

 

«وهنا أيضًا مفتاح مخفي. يمكنك أن تخبئ فيه بعض الأوراق وأشياء أخرى… ضعها على لوحة الشطرنج، وربما استطاعت أن تحل محل الملك، أحم، أعني، أن تحل محل فارس».

 

وبدا تاليس متحمسًا وهو يعبث بالشارة التي تمثل هويته. ثم نهض ببطء.

 

وتبعت عينا لوثر شارة الأمير ببطء إلى الأعلى. فوقف بلا وعي.

 

وفجأة ابتسم تاليس ابتسامة عريضة.

 

«هل أعجبتك؟ خذها».

 

ومد لوثر يده مذهولًا.

 

لكن تاليس توقف فجأة في منتصف الطريق.

 

وقال الأمير مبتسمًا: «لكن عليك اليوم أن تسمع كلام أمك، وإلا استعدتُها».

 

وظل لوثر يحدق في شارة النجمة اليشمية فقط. حدق فيها بتعبير شديد التركيز. ولم يعرف تاليس كم فهم.

 

وأحسّ تاليس بشيء من الاستسلام، لكنه وضع الشارة في يد الفتى في النهاية.

 

ولما تسلم الفتى شارة النجمة التساعية، خفض رأسه وبدأ يبحث عن المفتاح المخفي وعن انكسار الضوء على القطعة.

 

وتنفس تاليس الصعداء. وظل يبتسم وهو يراقب لوثر مركزًا انتباهه على القطعة.

 

ونظر غلوفر ودويل أحدهما إلى الآخر في حيرة، مع أنهما كانا مستعدين للقتال طوال الوقت. ثم عادا إلى موقعيهما الأصليين.

 

وتنفست النبيلة الشابة بهدوء ثم زفرت ببطء.

 

ونظرت إلى ابنها أولًا ثم التفتت لتواجه تاليس. وكانت ابتسامتها صادقة وكلماتها مفعمة بالامتنان.

 

«الأمير تاليس. مع أنني سمعتُ عنك من قبل، فإن لطفك وتسامحك أشد تأثيرًا في نفسي من الشائعات عن ذكائك وسمات عبقريتك.

 

«وهذا ما يليق بسيد هذه القاعة».

 

ورفعت المرأة تنورتها بأناقة ومالت برأسها قليلًا. وبدت في غاية الرشاقة، وهيئتها ساحرة جدًّا.

 

«إلينور بارني. تحياتي.

 

«لقد انقضت معاناتنا. فلتتجاوز كل العقبات، و لتبسط جناحيك وتحلّق نحو النجاح».

 

«بالطبع، شكرًا لكِ يا سيدتي إلينور». وأومأ تاليس مجاملًا، لكنه لم يملك إلا أن تتجه عيناه نحو لوثر، الذي كان في الجانب الآخر.

 

«بارني من الإقليم الأوسط.

 

«لقب مألوف، أليس كذلك؟»

 

وانتبهت إلينور إلى نظرات الأمير. فتنفست بعمق.

 

«لوثر لم يكبر بعد». وزمّت المرأة شفتيها وهي تحاول جاهدة أن تخفي الدموع المتجمعة في عينيها، مع أن تاليس لم يعرف أهي من الحرج أم من الخجل.

 

«لكن حتى المراهقين يصنعون المعجزات. وأظن أنك تعرف هذا جيدًا يا صاحب السمو». وكان في عينيها إصرار.

 

فابتسم تاليس ردًّا على ذلك.

 

وابتسمت إلينور أيضًا. ومدت يدها اليمنى بأناقة.

 

وأمسك تاليس يد الأم برفق واحترام، وكان على وشك أن يقبّل ظهر يدها ردًّا للتحية.

 

«بالطبع يا سيدتي إلينور. أعرف ذلك جيدًا».

 

لكن في الثانية التالية، أحسّ تاليس بقبضتها على يده تشتد، وتغيّر تعبيره.

 

وأبدت إلينور تعبيرًا اعتذاريًّا وهي تبتسم. لكنها خالفت التقاليد وقلبت راحة تاليس ثم جثت على ركبتيها.

 

«أرجو ألّا تأخذ هذا على محمل شخصي. فبصفتي تابعة، من واجبي أن أقبّل يد حاكمي تحيةً».

 

وصُعق تاليس صعقًا شديدًا وهو يراقب السيدة إلينور تمسك راحته بكلتا يديها. وسحبت قفازه ببطء، وبادرت هي إلى تقبيل ظهر يده.

 

كانت شفتاها ناعمتين. وكانت القوة التي طبعت بها القبلة مختلفة تمامًا عن قوة من سبقوها. بل كانت أشبه باحتكاك رقيق على يده.

 

«ابني لم يستطع أداء واجبه». وفي هذه اللحظة فقط تركت الأم يد الأمير. وابتسمت فجأة لتزيل الحرج الذي سبق: «ولذلك من الطبيعي أن تؤديه الأم بدلًا منه.

 

«وستبقى عائلة بارني إلى جانبك إلى الأبد».

 

وفزع تاليس من تصرف المرأة الجريء، وصُدم إلى حد أنه لم يستطع أن ينطق بكلمة. ولم يملك إلا أن يسحب يده بلا وعي.

 

ولم تعبأ السيدة إلينور بذلك. بل ابتسمت برفق واستدارت ومضت. وسحبت ابنها، المنهمك في لعبته، ومشت نحو قاعة المأدبة.

 

وذُهل تاليس لحظة. ثم استدار ونظر إلى الحارسين اللذين كانا مذهولين أيضًا.

 

ولم يستنشق دويل نفسًا عميقًا إلا بعد أن مرّ وقت طويل.

 

«أظنك قابلتَ للتو الوتد الحديدي الصغير الابن».

 

وحكّ دي دي رأسه وأحسّ بشيء من الحرج.

 

«بخصوص هذا يا صاحب السمو… أعرف أن الكلام لن يبدو مقنعًا إن صدر مني…

 

«وأعرف كذلك أن سحر السيدة الناضجة عظيم جدًّا…»

 

ورفع تاليس حاجبيه.

 

«لكن يا صاحب السمو، يجب ألّا تنخدع بالسيدات الجميلات…»

 

وشخر تاليس بخفة باستسلام. فقد فهم ما يعنيه وشعر بالحرج.

 

لكنه ذُهل فورًا بعد ذلك: «الوتد الحديدي الصغير الابن؟ أتقصد السيدة إلينور؟»

 

وفكّر تاليس قليلًا. فقد وجد الإجابة في دروس تاريخ الكوكبة المرعبة التي تلقاها حديثًا. وبعد ذلك مباشرة، هدأ بعد أن أُجيب سؤاله: «لا بد أن هذه السيدة استثنائية لتنال هذا اللقب».

 

الوتد الحديدي. وهذا ليس لعبة جنسية غريبة أو شريرة.

 

فعلى مر التاريخ، كان الاسم يمثل شخصًا من منتصف القرن الثالث، أي قبل نحو أربعمئة عام، وكانت أيضًا جدة جدة جدة جدة… جدة تاليس (أقدم من شخص معين كان يحب أكل أفخاذ الدجاج).

 

الإمبراطورة الأرملة إلينور الوتد الحديدي.

 

وهذه المرأة الأسطورية صارت ملكة الكوكبة وهي في السادسة والعشرين من عمرها. وعلى مدى السبعين سنة التي تلت تتويجها، مرّت بشتى المحن، ورأت شتى الأمور حتى ابيض شعرها.

 

فقد عاشت اثنتي عشرة حربًا في حياتها، وأربع تمردات، ورأت ثمانية ملوك أعلين، وشهدت تمرد القاطعين، وعودة المراهق إلى المملكة، وإذلال الروح العملاقة، والأمواج الضارية في بحر الشرق، ودم الجبل الحاد، وكثيرًا غيرها من القصص الأسطورية التي حُرّرت إلى مسرحيات تاريخية، لكنها ظلت في ذروة عصرها، في العصر الذي صعد فيه ذلك التنين العملاق إلى السلطة والكوكبة ضعيفة. وفي ذلك العصر الذي عمّت فيه الفوضى وتفاقمت المشكلات، أمسكت بثبات بالدفة التي تقود سفينة مصير المملكة.

 

لكن تاليس حار فورًا: «ولكن لماذا تُسمى الوتد الحديدي الصغير الابن؟»

 

وأشرق وجه دويل. فقد بدا سعيدًا لأن الأمير يسأله عن نمائم النبلاء.

 

«لأن هناك وتدًا حديديًّا آخر، وهي للأسف من عائلة بارني أيضًا. إنها جدة جدة هذا البارون الدمية.

 

«وتلك العجوز ما زالت حية إلى اليوم. قابلتُها مرة حين ذهبتُ إلى قصر بارني. ظننتُ أنني صادفتُ جنية شجر شريرة أسطورية».

 

وتنحنح غلوفر بصوت عال.

 

ولاحظ دويل أنه قال كلمات خاطئة. وبحكمة بالغة، غيّر نبرة الحديث فورًا.

 

«المهم، أن السيدة إلينور هذه، التي تحب تقبيل يدك، تزوجت من عائلة بارني النافذة وهي صغيرة جدًّا. وكان ذلك قبل العام الدامي. وكان الوتد الحديدي الابن مذهلة، فجعلت لهم مقعدًا بين أهم المناصب في المملكة. وكان لهم أيضًا إقطاع خارج الإقليم. بل لديهم فرعان من العائلة في الحرس الملكي، وهما ما زالا في الخدمة».

 

وتكلم دويل بلا اكتراث. وبدا أنه يستمتع بهذا النوع من النمائم كثيرًا.

 

وعائلة بارني… كانت قد سطعت كالشمس.

 

وذُهل تاليس لحظة.

 

«لكن المشكلة أن…»

 

ونظر دي دي إلى ظل السيدة إلينور وهمس: «يا للأسف».

 

«ماذا هناك؟»

 

«زوج السيدة إلينور الذي تزوجته حديثًا، وكان الفيكونت بارني حينها… لم يكن في سن أبيها فحسب، بل كان رجلًا عليلًا لا يفارق فراشه. وبعد بضع سنوات من العام الدامي، مات».

 

وبرم دويل شفتيه بتعبير حزين: «تركها أرملة وهي ما زالت صغيرة جدًّا، وكان عليها أن تتحمل يتيمًا أحمق. وحتى لو أرادت أن تتزوج من جديد، فسيكون الأمر مشكلة».

 

لكن فكرة خطرت لدويل فجأة.

 

«لا، ليس هذا صحيحًا. ومع وجود الوتد الحديدي الابن، من سيجرؤ على أن يسمح لزوجات أحفادها وحفيداتها بالزواج من جديد؟

 

«وأنت تعلم، هناك كثيرون في المنطقة المحيطة بالعاصمة يضحكون في الظلام. يقولون إن الطفل الذي في بطنها ليس في الحقيقة…»

 

وكانت كلمات دويل لا تزال ترن في أذنيه. لكن انتباه الأمير كان قد انجذب إلى الأم التي صارت أرملة منذ زمن بعيد وربّت طفلها وحدها.

 

ونظر تاليس إلى ظل السيدة إلينور بتعبير جاد.

 

رآها تمسك بيد ابنها الخاص بهدوء. وأمسكت أصابع ابنها بطريقة لا تقبل نقاشًا. وأخذت أولًا بضعة أنفاس عميقة. وبعد ذلك، أخرجت صدرها ومشت إلى الأمام بخطوات ثقيلة، ودخلت مباشرة قاعة مأدبة دوق بحيرة النجوم.

 

ولم تأبه بالنظرات الغريبة التي رمقها بها الآخرون.

 

وعندئذ فقط لاحظ تاليس أن مكياج إلينور على وجهها متقن. لكن كان من الصعب أن يغطي التجاعيد عند طرفي عينيها.

 

لكن عنقها كان أبيض طويلًا. وخصرها كذلك آسر.

 

ولم تحنِه قط.

 

وتذكّر تاليس فجأة أنه بعد أن انتهت حياة الإمبراطورة الأرملة إلينور العاصفة الجامحة، اختلفت آراء الناس فيها.

 

فقد انتقدها قوم لشهوتها للسلطة، ولسيطرتها على القصر، وتسميمها الناس بمؤامراتها لتنفرد بالحكم، واضطهادها المخلصين الصادقين.

 

وأثنى عليها من أيدوها على مهاراتها الفائقة وصلابتها وشجاعتها، وعلى دعمها للمملكة في الأزمنة المظلمة التي مرت بها الكوكبة، وعلى قلبها الموازين لصالحهم.

 

لكن العبارة التي لمعت في التاريخ وحفظها العالم في قلبه أكثر من غيرها تركها في الحقيقة شاعر مجهول الاسم.

 

«لم أعد أذكر أكانت إلينور جميلة، ولا مدى أناقتها.

 

«أعلم فقط أنه حتى لو كانت عشرات الآلاف من الأوتاد الحديدية مخبأة تحت السجادة…

 

«فستظل تتمشى بهدوء، لا يتغير تعبيرها».

 

  

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.