الفصل 38: توبيخ
حين كنتُ فتاة، كان التنصّت يسيرًا. كان بوسعي أن أمكث في ردهة أو قرب باب بكل سهولة، فأسمع شتى الأمور الشيطانية. أما الآن، فأخشى أن ضخامة فساتيني ورنين جواهري يجعلان هذه الهواية مستحيلة.
الليدي أربيسا، في رسالة إلى صديقة—
“مساء الخير”، قال سولومون، معلنًا حضوره وهو يقترب منهم.
“مساء الخير يا لورد”، قال بارنابوس، وانحنى قليلًا مخفيًا يده المبتورة.
“اللورد مورو”، قال بارت، مقلّدًا انحناءة أخيه ومُرخيًا قبضته على المطرقة التي يحملها. كان بارت أسمر مثل أخيه، وشعره أشبه بممسحة سوداء فوق رأسه، لكنه ظل يتصرف باحترام رغم أنه من أصغر خدمه سنًا. كثيرًا ما رآه يتحدث مع ريجيس، فتى الإسطبل لدى دنكان. لقد كان سولومون يستلطفه، لا سيما أنه هو من طعن ماركوس، قائد الحرس الأول السابق، حتى الموت.
أومأ البنّاء والنجار المسنّان له باحترام، ثم أشاحا بأبصارهما عنه.
“أحتاج إلى بضع دقائق مع خادميّ هنا. هل تتركاننا؟” سأل سولومون.
أومأ سايمون وبوفي، فجمعا بعض أدواتهما وغادرا قاعة الرقص.
ما إن ابتعدا حتى التفت سولومون إلى الأخوين بملامح جادة.
“لستُ حرفيًا، ولا أتوقع من الآخرين الالتزام بمستوى الإتيكيت الذي تعلمته، لذا أود أن أسألكما: هل التعليق الذي سمعته للتو مألوف ومقبول في رأيكما؟”
قال بارت، وقد اشتدت قبضته على المطرقة التي لا يزال يمسك بها: “ليس كذلك. لم أسمع مثل هذه الإهانات قط.”
قال بارنابوس: “هذا غير صحيح. كان سيدي وسيدك سليطي اللسان، سريعي إطلاق التعليقات.”
“أجل، لكن ليس بشأن…” توقف بارت.
تململ بارنابوس في حرج.
قطّب سولومون حاجبيه. لطالما تساءل كيف فقد الشاب يده. فبقدر ما استطاع أن يلاحظ، كانت يده غير المهيمنة، لكنها بلا شك أثّرت في قدراته كنجار. ومع ذلك، لم يرَ منه عملًا دون المستوى.
“إن كنتما تريان أن تعليقاتهما تجاوزت الحد، فأنا أفضل أن أصرفهما وأبحث عن بديلين، على أن أدع الأمور تتفاقم حتى تبلغ العنف.” ثم ألقى نظرة على المطرقة التي يمسك بها بارت، فوضعها الشاب أرضًا على استحياء.
“لا يا لورد. أشعر أنني أتعلم من سايمون. أما أخي، فلم يبدأ تدريبه المهني إلا منذ وقت قريب، وقد تعلم الكثير من بوفي أيضًا. يمكننا تحمّل بعض الكلام الفظ. أليس كذلك يا بارت؟”
تنهد بارت. “أجل. نستطيع تحمّله يا لورد.”
أومأ سولومون. “إذًا لن أُجري أي تغيير في الوقت الراهن. لكن أخبراني إن أصبحت الأمور لا تُطاق.”
أومأ بارنابوس. “حاضر يا سيدي.”
وقع بصر سولومون على عتلة، فالتقطها وتفحّصها.
“كان عمّي رينتوس رايلاند فاقدًا لإحدى يديه. فكان يرتدي يدًا ذهبية زائفة في الحفلات، لكنه كان يملك أيضًا خطّافًا بسيطًا غير حاد. هل ستفيدك يد كهذه؟ ولو لمساعدتك على الإمساك والاستفادة من الرافعة؟”
أومأ بارنابوس. “نعم يا لورد. فكرت في الأمر كثيرًا. لكنني لم أجد الوقت للأسف لأبحث عن حدّاد أو طبيب يساعدني في صنع شيء من هذا القبيل. كما أنني لا أملك المال اللازم.”
“اذهب غدًا وتحدث إلى الدكتور آيزاكس في البلدة. أنا واثق أن خبرته بحالات مشابهة لحالتك ليست بعيدة، بالنظر إلى تاريخ التعدين هنا. قد يعرف من أين تبدأ. أخبرني بالتكلفة، وسأتكفل بها.”
هزّ بارنابوس رأسه. “يا لورد، أستطيع العمل كما أنا.”
“أعلم. ومع ذلك ستذهب، وستقبل أن أدفع ثمنها أيضًا. مفهوم؟”
أومأ. “نعم يا لورد.”
“جيد. سأستعير هذه للحظة.” ابتعد ممسكًا بالعتلة قبل أن يعترضا أو يصرّا على تولّي أي عمل يحتاج إليها بأنفسهما. وفي طريقه إلى الخارج، أومأ لسايمون وبوفي، ثم انعطف في الرواق واتجه نحو المكتبة.
ما إن دخل حتى أغلق الأبواب، واتجه إلى الحجرة السرية. ثم سار إلى الجدار البعيد الذي ثُبّتت فيه السلسلة. وعلى خلاف السلسلة نفسها، كان موضع تثبيتها في الجدار من الحديد الأسود الثقيل. تفحّصه بعناية، ثم أدخل الطرف الرفيع للعتلة فيه. لم يفلح في إدخالها خلفه. فحاول تحريكها ذهابًا وإيابًا مع الضغط عليها، فتمكن بهذه الطريقة من دسّ العتلة خلفه. ثم جذبها بكل ما أوتي من قوة، مستخدمًا وزن جسده رافعةً. وبعد ما يقارب دقيقة من ذلك، لم يزحزحه سوى بضعة سنتيمترات. تنهد وكرّر المحاولة مرارًا؛ يشدّ ويجذب ويحرّك العتلة حتى سقطت السلسلة أخيرًا عن الجدار.
ألقى العتلة على الأرض وأسند يديه إلى ركبتيه ليلتقط أنفاسه. وبعد أن استعاد قواه، استخدم العتلة لجرّ السلسلة حتى صارت قرب المكتب. كان المعدن خفيفًا. رفع العتلة وصوّب طرفها الرفيع نحو إحدى حلقات السلسلة، ثم هوى بها بكل قوته، ففوجئ حين ارتطمت بأرضية الحجر. دقّق النظر، فرأى أن معدن إحدى الحلقات انشطر إلى نصفين. لم يكن المعدن خفيفًا فحسب، بل لينًا كالذهب. صحيح أنه لم يستطع كسره بقوته العارية، لكنه يستطيع، بالأدوات المناسبة، فصل الحلقات بعضها عن بعض، وربما تفتيتها إلى قطع أصغر. سيحتاج إلى اختبار فاعليتها، لكن فرصته في استخدام شظايا صغيرة من المعدن ضد سيد الغابة السوداء بدت أفضل بكثير من جرّ السلسلة كلها ومحاولة لفّها حول الإله.
اكتفى بذلك مؤقتًا، ثم اتجه إلى الأوعية، ووخز سبابته بمشرط. فأسقط قطرتين في كل وعاء، متنقلًا بينها حتى أتمّها كلها. شعر ببعض ماناه تتحرك داخل الأوعية بينما يغذيها. وبعد ذلك تفقد قوارير الدم الاحتياطية التي تركها على المكتب. ظل يحس بماناه فيها من دون صعوبة، لكنها خفت قليلًا. أعاد ضخ المانا فيها، ثم سحب قارورتين أخريين من دمه ووضعهما إلى جانب البقية.
ما إن فرغ من الحجرة حتى خرج منها واتجه إلى باب المكتبة. وبعد قليل، سمع وقع خطوات عرف أنها لميليسا، أعقبها طرق على الباب. مضى إليه وفتحه.
ابتسمت ميليسا ومدّت إليه رسالة. “هذه لك يا لورد. وصلت للتو مع رسول البريد.”
تسلّمها. “هل من شيء آخر؟”
“أجل، الرجل الذي ما برح… يلحّ على إيمري موجود هنا. هل تريدني أن أدعوه إليك؟”
“نعم، من فضلك.”
أومأت وغادرت. ترك الباب مفتوحًا واتجه إلى المكتب. لم يكن يُستخدم كثيرًا، إذ كان ينجز كل شيء في الحجرة السرية، لكنه ظل خاليًا من الغبار، لقد احتفظ فيه ببعض الدفاتر للتمويه، كي يبرر انعزاله لساعات كل يوم. أخرج فتّاحة رسائل احتياطية من أحد أدراجه وفضّ بها الختم. ولأنه لم يمض سوى بضعة أيام على إرسال رسالته الأخيرة، خمّن أن هذه من جيمس باير؛ إذ كان يقيم في إتلنغ، ولذلك يُرجّح أن تصل مراسلاته أسرع من سواها.
سولومون،
بلغني أنك واجهت متاعب أخرى في مونفالو، وإن كانت أقل خطورة. لقد أصبحت حديثًا رائجًا بيننا نحن النبلاء الصغار هنا في إتلنغ. أعلم أنك ما زلت مترددًا في قبول دعوتي للزيارة، لكنني سأقيم حفلة راقصة صغيرة هنا بعد أسبوع، وأنا واثق أن كثيرين سيرغبون في حضورك. ستكون مناسبة حميمية نسبيًا، لن يتجاوز ضيوفها مئةً أو نحو ذلك، ومعظمهم من صغار النبلاء وتجار البلدة. وأود، إن أمكن، أن أستضيفك يومًا قبلها وبضعة أيام بعدها.
أرجو أن تخبرني حين يتيسر لك.
الفيكونت جيمس باير —
طوى الرسالة بعناية بعد أن أتم قراءتها، وسحب ورقة من مكتبه. لم يكن قد حسم بعد مواعيد اللقاءات مع بعض العاملين في تجارة الأخشاب وحجر الماناريت في إتلنغ، وكانت الدعوة أبكر قليلًا مما خطط له، لكن لم يكن بوسعه تفويت فرصة توسيع دائرة معارفه. كتب ردًا سريعًا بالموافقة، كان قد فرغ لتوّه من ختمه حين عادت ميليسا.
وكان معها شاب في مثل عمر سولومون تقريبًا؛ عريض البنية، فاتح الشعر، مربع الفك. تذكّر أنه استأجره للمساعدة في توفير الحراسة منذ وقت قريب.
“هذا نيلز.”
خلع الشاب قبعته وأمسكها بين يديه.
“أردت رؤيتي يا لورد؟”
“نعم. ميليسا، اتركينا من فضلك.”
أومأت وغادرت الغرفة.
“نيلز، سأوجز. بلغني أنك أكثرت من محاولات التقرب إلى إيمري. لم يتجاوز أيٌّ منها حدّ اللياقة، لكن كثرتها سببت لها انزعاجًا. أوقفها، وإلا أنهيت عملك لديّ. كنت أنوي، في ظل الظروف الراهنة، أن أضمن لكل من يعمل هنا فرصة عمل أيضًا حين تبدأ إصلاحات الطرق وتوسعتها. لا أريدك أن تضيّع هذه الفرصة على نفسك.”
“نعم يا لورد. فهمت.”
“جيد. وشكرًا لك على عملك الجاد حتى الآن.”
أومأ وغادر الغرفة.
تنهد سولومون. في الحقيقة، لم يكن يمانع أن يوطّد خدمه علاقاتهم بأهل البلدة، لكنه بالتأكيد لن يجبرهم على ذلك. تناول رسالته وناولها ميليسا.
“يا لورد، الجو جميل جدًا اليوم.”
“أحقًا؟”
“نعم. ربما يحسن أن نلقي نظرة على مدى تقدم الحديقة.”
قطّب حاجبيه؛ فالحديقة لم تكن في تلك اللحظة سوى مساحة شاسعة من التراب. ثم لاحظ حاجبها المرفوع ففهم ما ترمي إليه.
“أتظنين أنني بحاجة إلى بعض الهواء الطلق وأشعة الشمس؟”
“نعم يا سولومون.”
ابتسم لها. “سأحاول.”
ابتسمت بدورها، فعاد إلى المكتبة ليأخذ عصاه، ثم تناول العتلة وناولها إياها.
“أعيدي هذه إلى بارنابوس، واسأليه إن كان لديه إزميل ومطرقة صغيرة يمكنه الاستغناء عنهما.”
أومأت، من دون أن تسأل عن السبب.
خرج سولومون من الباب الأمامي، وأخذ يتجول على مهل حول الملكية. وحين انعطف عند إحدى الزوايا، سمع حديثًا صاخبًا بين أصحابه صوتٌ عرفه.
“— ويحمي حريمه الصغير هنا. لا يختلف عن زعيم أورك، له اثنتا عشرة زوجة أسيرة.”
“كل النبلاء أوغاد قذرون مثلنا، لكنهم يحبون التظاهر بعكس ذلك.”
“أنا واثق أن إيمري كانت ستذهب معي إلى الحانة لو لم يكن يتحكم في مصروفها.”
أعقب ذلك صوت بصق. “وغد.”
تنهد سولومون واستدار بهدوء. يبدو أن نيلز سيفقد عمله قريبًا، بعد كل شيء.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.