الفصل 37: شؤون ومهمّات
لا أحسد الرجال المكلّفين بتنظيم التقويم الإمبراطوري. إن الموازنة بين عدد الأيام والعطلات على امتداد ثلاثة عشر شهرًا، سُمّي كلٌّ منها باسم عائلة قادرة على تدمير حياتك وقتل أهلك، لمهمّة شاقة حقًا.
— الوزير الأعلى بروست
تأمّل سولومون الأوعية الترابية الخمسة الكبيرة التي جمعها ووضعها في مختبره. كان نقل كل واحد منها إلى الداخل مرهقًا، لا سيما أنه اضطر إلى إخفاء ما يفعل عن الخدم. أخذ الأوعية من المواضع التي جمع فيها بوث عشراتٍ منها في أرجاء القصر؛ فقد كانت فيما مضى تضم أزهارًا نضرة تزيّن المكان، لكنهم لم يستبدلوها قط. ولم يكن ملؤها بالتراب صعبًا، إذ قُلّبت كمية كبيرة منه حين أُخليت الحديقة. أما نقل الأوعية بعد ملئها، فقد اختبر حدود قوته. فحين فرغ، كان يلهث وقد غطّت جسده طبقة من الأوساخ جعلته يتمنى لو اغتسل في الحال.
لم يكن جمع بقية المواد صعبًا. ففي المطبخ بيض وحليب طازجان، محفوظان على رفوف حجرية في المخزن، فقد كانوا قد تناولوا حساء اليقطين قبل بضعة أيام، فأمكنه الحصول على قرع طازج. أما الطين، فعثر على دلو كبير ممتلئ به بين مكونات الكيمياء القديمة الخاصة بعمّه، عند المكتب. لقد افترض أن فيكتور استخدمه لصنع خدمه.
بعد أن جمع المواد كلها، شرع في العمل. أحضر وعاءً وبدأ يعجن فيه نصف رطل من الطين، يلفّه ويبسطه حتى صار ليّنًا. ثم صبّ فيه درخما من الدم، ودفع المانا بحذر إلى الدم والطين وهو يمزجهما. كانت ماناه ساكنة تمامًا أثناء ذلك، كما كانت حين ألقى تعويذة التحكم بالدم. لم يوضح الكتاب مقدار المانا الواجب ضخّها، لذا اكتفى بقدر متحفظ. فاستنادًا إلى ملاحظاته وما رآه في الأركانا، كان يملك مانا أكثر من معظم الناس، ولم يشأ أن يفرط في استخدامها. حين انتهى، مزج الحليب بالبيض، ثم شكّل الطين في هيئة رجل بدائية. وضعه برفق داخل ثمرة قرع مجوّفة، وسكب فوقه مزيج البيض والحليب. ثم أغلقها ووضعها برفق في أحد الأوعية، وغطّاها بالتراب.
وحين سوّى التراب فوقها وربّت عليه برفق، عاد إلى الطين وكرّر العملية. وعندما انتهى، تأمّل الأوعية الخمسة راضيًا. حتى لو فشل واحد أو اثنان منها، فسيظل لديه ما يعمل عليه.
قدّر الوقت في ذهنه، فوجد أن أمامه ما يكفي لتنظيف نفسه والنوم لبضع ساعات. راودته رغبة في الانتقال إلى المرحلة الثانية من إنشاء دائرة الحماية الأبوية، لكنه كان سيضطر إلى الانتظار أسبوعًا على أي حال حتى تكتمل مخلوقاته.
كانت نظريته أنه يستطيع استخدام الغولم موضوعًا للحماية الأبوية. فالدم الذي يجري فيها هو دمه، بعد كل شيء، وبدا أن ذلك العامل الأساسي في عمل التعويذة الأخرى. فإن أخفق، فسيكون الأمر على الأقل تجربة يتعلم منها؛ أما إن نجح، فسيحصل على وسيلة تحميه حين يواجه سيد الغابة السوداء.
تنهد واتجه إلى مخرج الحجرة السرية. بسبب التراب والطين والدم، كان عليه أن يُدخل قدرًا من الماء وبعض المناشف لينظف نفسه. مهمة يؤجلها إلى وقت لاحق.
ضغط على الرمز الذي يتيح له الخروج، وهمس بالشكر لبدلة الدرع وهو يمر بها. ثم تسلل عبر الممرات حتى بلغ غرفته. لم يكن الاستحمام ممكنًا، لكن في حجرته دائمًا طست ماء ومنشفة. نظّف نفسه قدر استطاعته، ثم استلقى في الفراش. كان جنبه المصاب يؤلمه، والجرح الذي سحب منه الدم ينبض، كما كانت ذراعاه وساقاه توجعه من مجهود تلك الليلة، ومن مجهود قبل يوم واحد حين أنقذ الصياد. مع كل ذلك الانزعاج، غلبه النوم سريعًا؛ فقد كان الإرهاق أشد وطأة منها جميعًا.
استيقظ في الصباح التالي وهو يشعر ببؤس جسدي يكاد يطابق ما شعر به في اليوم السابق. نهض وجلس إلى مكتبه، وسمع طرقات ميليسا المعتادة على الباب بينما كان يستقر في مقعده.
“ادخلي”، قال، وعيناه على الورقة القديمة التي تركها فوق المكتب.
دخلت وهي تحمل حزمة من الفرو البرتقالي.
رفع سولومون حاجبًا ونظر إليها.
“هذه هدية من كولم برايتلي، الصياد. أحضرها أحد العمال المؤقتين نيابةً عنه. إنها شكرٌ لك لأنك أخرجته من الغابة.”
أومأ سولومون وتسلّم الفراء. كان كاملًا ومحفوظًا جيدًا. فخمّن أنه الثعلب نفسه الذي أخرجه من المصيدة. ولأنه بقي كاملًا، فقد يستطيع ارتداءه كوشاح من الفرو في الشتاء.
“عليّ أن أشكره حين أراه مجددًا.” وضع فراء الثعلب برفق على مكتبه. “هل يمكنك إحضار ماء جديد للطست، ومعه صابون ومنشفة؟ واطلبي من كلير أن تعدّ لي مزيدًا من ذلك الكبد مع الفطور، إن أمكن. لقد بدأت أستسيغه.” كان يكذب؛ لكنه إن كان سيستنزف مزيدًا من دمه، أراد أن يضمن بقاء صحته ولياقته في أفضل حال.
أخذ وقته في تنظيف نفسه وتناول فطوره، ثم اختار إحدى بدلاته البنفسجية، وارتدى معها صديري عمّه الأخضر. لاحظ أن فيه جيوبًا صغيرة نافعة، فأدخل قوارير دمه فيها بحذر. وبعد أن نظّف نفسه وارتدى ثيابًا جديدة، شعر بأنه أقدر بكثير على مواجهة النهار. ألقى التحية بإيماءات مقتضبة على خدمه والعمال الإضافيين الذين استأجرهم، وهو في طريقه إلى عربته.
ما إن وصل إلى مركز الحرس حتى ترجل وتبادل تحيات سريعة، ثم دخل مكتبه فوجد فايست منهمكًا في مراجعة بعض الوثائق. رفع الرجل رأسه حين رأى سولومون، وعدّل نظارتي القراءة. كان مسنًا أشيب الشعر، ذا هيئة مولعة بالكتب. فقد عمل معلمًا ومدرّسًا خاصًا في السابق، فامتلك مهارات القراءة والكتابة اللازمة للعمل سكرتيرًا.
نهض على عجل. “أعتذر يا لورد. لم أدرك أنك ستصل بهذه السرعة. سأرفع أغراضي.”
رفع سولومون يده، بيما ناول ميليسا معطفه وعصاه. “لا بأس إطلاقًا. خذ وقتك من فضلك.”
أومأ فايست، لكنه واصل ترتيب أغراضه ونقلها بسرعة.
“ألم يوفّر لك فانتوس مكتبًا؟”
“بلى يا لورد، لكنه صاخب في الخارج. أقدّر أن الحرس عادوا إلى كامل عددهم هنا، لكنهم كثيرو الجلبة.”
ابتسم سولومون. “مفهوم. لا تتردد في استخدام هذا المكتب حين لا أكون موجودًا.” جلس خلف المكتب الذي أُخلي لتوّه. “والآن، قبل أن تذهب، كيف تسير الأمور؟”
جلس فايست على الكرسي المقابل له، بينما خرجت ميليسا لتحضر له القهوة.
“الأموال اللازمة لبدء العمل في الطريق متاحة، وقد اخترنا عددًا من العمال وفق توصياتك، واستقررنا على بدء العمل في شهر مورو.”
تنهد سولومون. “آمل أن يكون اختيار ذلك الشهر لسبب غير أنه يحمل اسم عائلتي.”
“ستكون المواد متاحة حينها، ولن يكون الطقس قد اشتد بردًا بعد. محض مصادفة يا لورد.”
أومأ سولومون. كانت أشهر السنة الثلاثة عشر تحمل أسماء العائلات الثلاث عشرة. وحتى عائلة دنتوس احتفظت بشهرها، رغم محوها من سائر مظاهر الحياة في دراكثيس بعد خيانتها.
قضى بقية وقته في المكتب يرسم خريطة للطريق ويقرر المناطق التي ستُفتح لتحويل حركة المرور. لم يكن ثمة الكثير مما ينبغي تحويله، لكن التنظيم أفضل ما أمكن. وبعد أن انتهوا، أنجز سولومون بعض الأعمال الورقية، ثم غادر عائدًا إلى القصر.
حين عاد، أجبر نفسه على السير في الممرات حتى بلغ قاعة الرقص الصغيرة، حيث وجد بارنابوس وأخاه بارت، ومعهما البنّاء والنجار اللذان استأجرهما مؤقتًا. كان الرجلان مسنّين، أشيبَي الشعر، ولحيتيهما أشعثتان مرقّعتان بالشيب. كفّاهما غليظتان من كثرة العمل، لكن عيونهما حادة صافية. تذكّر أن اسميهما سايمون وبوفي. كانا غارقين في الحديث حين اقترب منهما.
“— لا يلزم أن يكون القطع متقنًا في هذه القطعة، لأنها لن تُرى. لا بأس إن كان رديئًا نصف رداءة أو كاملها، ما دام قريبًا من الصواب”، قال سايمون، وهو يميل بيده ليرسم خطًا على قطعة خشب مستوية.
وأضاف بوفي: “وهذا حسن، لأن ذلك النتوء عندك لن يساعدك على تثبيت الأشياء.” فضحك الرجل المسن الآخر.
رأى سولومون بارت يشد قبضته على المطرقة، بينما أخفى بارنابوس يده المبتورة مجددًا، في شيء من الحرج.
لقد بدا أن معرفة سبب انعدام الانسجام بينهم لن تكون صعبة.
____________
مرحبا Sol هنا :-
درخما : هو وحدة قياس للوزن = 4.3 غرام كانت تستخدم في الطب المصري والإغريقي القديم
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.