“ودارِين؟” سأل أورِن، بصوت لا يزال متعبًا لكنه أكثر إلحاحًا من أي سؤال طرحه منذ استيقاظه. “ماذا حدث له؟”
رفعت الأفعى رأسها قليلاً، وإن كانت جروحها الداكنة لا تزال تسيل ببطء على الأرض تحتها. “لا تقلق. للورد فاليريوس عيون في أماكن كثيرة.”
انتظر أورِن أن تضيف شيئًا آخر، فتابعت، باقتضاب لا يحمل تفصيلاً زائدًا: “أعاده إليان بالفعل. اللورد كان يعرف أن هذا الرجل صديق لك.”
جلس أورِن بصمت لحظة، يحاول أن يستوعب الجملة. لم يكن قد أخبر أحدًا باسم دارِين، ولا بعلاقته به، على الأقل ليس بشكل مباشر يتذكره. مع ذلك، بدا أن فاليريوس عرف، ورتّب شيئًا، دون أن يُقال لأورِن كلمة واحدة عن ذلك حتى هذه اللحظة.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يشعر فيها بهذا النوع من الامتنان تجاه ذلك الرجل. أنقذه من الزنزانة حين كان على وشك الإعدام. منحه هوية جديدة حين لم يعد اسمه القديم يحمل له سوى الخطر. ساعده على الوصول إلى مارِن. والآن، دون أن يطلب منه شيئًا، أعاد له صديقًا ظنّ أنه فقده إلى الأبد بين أيدي غرباء.
فكر، وهو ينظر إلى يده حيث لا يزال الخاتم باردًا على إصبعه، أن رجلاً بهذا القدر من النفوذ، القادر على الوصول إلى أماكن لا يعرف أورِن حتى بوجودها، ليس شخصًا عاديًا. تذكّر، بلا سبب واضح، حديثًا سمعه من أحد الكهنة في طفولته، عن شخص سيظهر يومًا، حين تشتد الحاجة إليه، لينقذ من لا حول لهم ولا قوة.
لم يكن يعرف إن كان لهذا الحديث أي أساس حقيقي، ولم يفكر فيه طويلاً حتى الآن. لكن الفكرة مرت في رأسه، عابرة، بلا يقين، ولم يطردها بالكامل.
تذكّر أيضًا، بثقل أقل سرورًا، مشهد دارِن على تلك المنصة، معصماه مقيدان، وأحدهم يقيّم بنيته كأنه حصان يُباع. رجل قاتل من أجل الإمبراطورية، تحمل ليالي حراسة باردة وجروحًا حقيقية من أجلها، ثم وجد نفسه، بعد أيام قليلة فقط، سلعة تُعرض على منصة خشبية أمام غرباء يناقشون سعره.
لم يفهم كيف حدث ذلك، ولم يحاول أن يفهم الآن. كانت الفكرة نفسها ثقيلة بما يكفي دون حاجة إلى تفصيل إضافي: أن نظام هذا العالم الذي نشأ فيه أعقد وأقسى بكثير مما تصوره طوال حياته في القرية والأرشيف.
جلس صامتًا وقتًا، ينظر إلى التحفة على المنضدة، ثم إلى الأفعى المصابة، ثم إلى يديه، يشعر بشيء يشبه الطمأنينة يتسلل ببطء إلى صدره، رغم كل ما حدث، ورغم كل الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة.
نجا. مارِن بخير. دارِن عاد. لديه مكان ينام فيه، وطعام لا يحتاج إلى القلق منه، وعمل يمنحه هدفًا، ورجل يبدو، رغم غموضه، أنه يهتم بمن حوله أكثر مما يظهر.
بدأ يفكر، بحذر، أن حياته ربما أصبحت أفضل مما كانت عليه منذ زمن طويل.
سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
نهض بصعوبة، جسده لا يزال يحتج على كل حركة، وتوجه نحوه، متسائلاً إن كان إليان قد عاد بشيء آخر.
فتح الباب.
وقفت مارِن أمامه.
بدت أفضل بكثير مما تذكرها. وجهها لا يزال شاحبًا، لكنه لم يعد بذلك اللون الميت الذي رآه في المرة الأخيرة؛ عيناها أكثر وضوحًا، وقفتها أكثر ثباتًا، وإن كانت يدها لا تزال تستند إلى إطار الباب كأنها لا تثق تمامًا بقدرة ساقيها على حملها طويلاً.
“سمعت أن إليان أنقذ أخي.” قالت، بصوت أوضح مما سمعه منها منذ أيام، ثم نظرت إلى الأفعى ، وكان الأفعى صامت من دون رد ، ثم نظرت إليه، تفحص وجهه بارتباك خفيف لم يختفِ فورًا.
لم تتعرف عليه في اللحظة الأولى. رأى ذلك في عينيها، في تلك الثانية القصيرة من التردد، محاولة الربط بين ملامح غريبة أمامها وبين صورة أخيها التي تحملها في ذاكرتها.
ثم تغيّر شيء في وجهها.
“أورِن؟”
قالتها بصوت أهدأ هذه المرة، أقرب إلى يقين متأخر منه إلى سؤال، وقبل أن يجيب، اقتربت منه وعانقته.
لم يكن عناقًا قويًا؛ ذراعاها لا تزالان ضعيفتين، لكنه كان حقيقيًا، وشعر بها ترتجف قليلاً ضده، ودمعتين تسقطان على كتفه دون صوت عالٍ يرافقهما.
“ظننت أن شيئًا سيئًا حدث لك.” قالت، وهي لا تزال تمسك به. “لم يخبرني أحد شيئًا واضحًا.”
“أنا هنا.” قالها ببساطة، وأمسك بها بحذر، خائفًا أن يضغط عليها أكثر مما تحتمل في حالتها.
ابتعدت بعد لحظة، ومسحت وجهها بظهر يدها، ثم نظرت إليه من جديد، بتمعن أكبر هذه المرة. “ما هذا الوجه؟”
“طويلة القصة.” رد بابتسامة متعبة.
“سأصدّقك إذن.” قالت، وابتسمت هي الأخرى، ابتسامة خفيفة لم يرها منها منذ زمن طويل.
جلسا على حافة السرير، وسألها عن حالها، فأخبرته أن الدواء الذي يعطونها كل أسبوع خفف السعال الذي كان يلازمها، وأنها بدأت تنام دون أن تستيقظ كل ساعة تقريبًا، وأن شهيتها عادت أخيرًا بعد أيام من نفور كامل من الطعام.
“أستطيع المشي وحدي الآن.” أضافت، بنبرة فخر صغيرة لم تخفها. “ولو لمسافة قصيرة فقط.”
استمع إليها بارتياح لم يخبره صراحة، يكتفي بالإيماء والابتسام في الأماكن المناسبة، ممتنًا لكل تفصيل صغير يدل على أنها تتحسن فعلاً، لا فقط تتظاهر بذلك من أجله.
“علينا أن نشكره.” قالت بعد صمت قصير، وكأنها تقرأ أفكاره. “فاليريوس، أعني.”
“أعرف.” رد أورِن. “فعلت هذا بالفعل. سأفعله مرة أخرى حين يستيقظ.”
“يستيقظ؟”
“إنه في تأمل طويل.” أوضح، دون تفصيل أكثر مما يعرفه هو نفسه. “لن يعود قبل أسبوعين تقريبًا.”
هزّت مارِن رأسها، دون أن تطلب المزيد من الشرح، وبقيا صامتين لحظة، يستمتعان بهدوء لم يعتاداه منذ وقت طويل.
“ربما نبقى هنا للأبد .” قال أورِن، أكثر لنفسه منه لها، لكنه قالها بصوت مسموع. “لدي عمل معه. مكان آمن. طعام. أنتِ يمكنك أن تعودي إلى الخياطة حين تستعيدين قوتك بالكامل.”
نظرت إليه مارِن، وشيء في عينيها بدا وكأنه يزن الفكرة بجدية حقيقية، لا مجرد استماع مهذب.
“حياة عادية؟” سألت، بنبرة تحمل شكًا خفيفًا وأملًا في آن واحد.
“ربما.” رد، وابتسم قليلاً. “لا أعد بشيء أكثر من ذلك. لكن ربما.”
ثم نظرت مارِن إلى الزاوية، وأومأت للأفعى برأسها لشكرها على حراسة أخيها بوقار حذر، ثم التفتت إلى أورِن وقالت بصوت خفيض: “حتى حراس هذا المكان يبدون مجهدين الليلة” .
ثم تذكّر أورِن، فجأة، الشوارع التي مر بها في طريقه إلى المزاد، الحي الذي لم تصله الحرب بنفس القسوة، المتاجر المفتوحة، الأطفال الذين يركضون خلف كرة صغيرة، رائحة الخبز الطازج التي عبرت النافذة المغلقة للعربة.
“رأيت مكانًا في العاصمة أظنك ستحبينه.” قال، بحماس خفيف لم يعتد إظهاره. “غدًا، إن كنتِ تشعرين أنكِ تستطيعين، أريد أن أريكِ المدينة.”
نظرت إليه مارِن بدهشة صغيرة، ثم بفضول واضح. “أي جزء منها؟”
“كله تقريبًا.” قال، وضحك خفيفًا. “أو ما استطعنا رؤيته على الأقل.”
فكرت لحظة، ثم قالت، بنبرة أقرب إلى الطفولة من أي شيء سمعه منها منذ فترة طويلة: “أريد أن أرى سوق الأقمشة. سمعت الخدم يتحدثون عن قماش من الشرق لم يصل إلى قريتنا قط.”
“إذن سوق الأقمشة أولاً.” وافق، وشعر بشيء يشبه السعادة الحقيقية يستقر في صدره، بسيطًا، هادئًا، لا يشبه أي شعور آخر عاشه منذ ليال طويلة.
جلسا يتحدثان قليلاً بعد ذلك عن أشياء صغيرة، أي حي يزورانه أولاً، وهل سيحتاجان إلى عربة أم يمكنهما السير، بينما الأفعى المصابة تراقبهما بصمت من زاويتها، ونور المصباح يهتز بخفة مع نسيم يتسلل من نافذة موصدة جزئيًا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.