الفصل 10:
العبد الآخر (الجزء 1)
مَرَّت عدة أيام منذ الحادثة المروعة التي أطلقت عليها اسم جريمة
اللحم المجفف. عادت بورسينا إلى شاريا معنا، وكانت إيريس أكثر من سعيدة بتدليلها. كما انضمت إلى صفوف فرقة المرتزقة الخاصة بنا، لكن تلك قصة أخرى تمامًا.
اليوم، كنت أعمل مع زانوبا كالمعتاد، محاولًا تحسين درعي السحري. كنا نجري بعض التعديلات الطفيفة على النسخة الثانية بينما نطور نسخة ثالثة ورابعة أكثر قوة.
كان لدي جبل من الأفكار، لكن غالبيتها كانت إما مستحيلة أو شبه مستحيلة التحقيق. كان تطورنا بطيئًا، لكنني استمتعت بعملية العمل مع شخص ما واتخاذ خطوات صغيرة نحو هدفنا. لم يكن اليوم مختلفًا؛ جلسنا أنا و زانوبا مقابل بعضنا البعض، ندرس المخططات المنتشرة أمامنا.
في تلك اللحظة، قال زانوبا فجأة: “يبدو أن جولي تخفي شيئًا عني.”
“حقًا؟ جولي، من بين كل الناس؟”
أومأ برأسه. “نعم. إنها تفعل شيئًا سرًا من ورائي.”
“همم.”
كان من النادر أن يقلق بشأن أي شيء بخلاف الدمى والتماثيل، لكن كان من الغريب بشكل خاص أن تكون جولي هي من تشغل باله. ربما تعلقت به منذ أن عاشا معًا لفترة طويلة الآن.
“إذًا،” قلت، “ماذا تقصد بـ ‘سرًا’؟”
“مؤخرًا، كانت تذهب إلى السوق بمفردها. حتى لو سألتها عما اشترته، فهي لا تجيبني. في الواقع، إنها لا تريني حتى التمثال الذي يفترض أن تعمل عليه. يبدو الأمر وكأنها تصنع شيئًا آخر دون علمي. لقد حاولت سؤالها عما تفعله، لكن كل ما تفعله هو تجاهلي…”
“حسنًا، إنها تصل إلى ذلك العمر. ربما تكون هذه مجرد مرحلة؟”
كانت جولي قد مرت بأول دورة شهرية لها منذ وقت ليس ببعيد، والتغيرات الجسدية غالبًا ما تجلب معها تغيرات عقلية: باختصار، كانت جولي تدخل مرحلة البلوغ. كانت تعرف زانوبا منذ أن كانت صغيرة جدًا، لكنه لا يزال رجلًا. لم يكن من الغريب أن تشعر بالحرج من اكتشافه لأسرارها. مثل، على سبيل المثال، لون ملابسها الداخلية. هذا النوع من الأشياء.
“ما الذي تعتقد أنه يجب علي فعله؟” سأل زانوبا.
“لا أرى خيارًا سوى تركها وشأنها.”
يمر الجميع بمرحلة البلوغ في مرحلة ما. كان ذلك جزءًا طبيعيًا من الحياة – الفترة التي يتحول فيها الشخص تدريجيًا من طفل إلى بالغ. التغييرات لها دائمًا تأثير متسلسل، مما يعني أن المحيطين بهم يجب أن يغيروا طريقة تعاملهم مع الشخص الذي ينضج. يجب أن تبدأ في معاملتهم كبالغين أكثر وإلا خاطرت بدفعهم للتمرد.
بعد قولي هذا، كان زانوبا بحاجة إلى وقت لمعرفة كيفية التفاعل معها. لم يكن هناك نص ثابت لكيفية التعامل مع الناس. كان ذلك شيئًا يجب أن تتعلمه بمرور الوقت.
“همم، بما أنها جارية، فأنا متأكد من أن إجبارها على الإجابة خيار متاح، لكن…” صمت زانوبا وهو يجر أطراف كلماته.
“هل تخطط لجعلها تخبرك؟”
هز رأسه نافيًا. “لا، لا. قد تعيش معي الآن، لكنها في الواقع ملك لك يا معلمي. ليس لدي السلطة لفعل ذلك. ومع ذلك، لن أعارض قرارك إذا طلبت مني ذلك.” كان هناك تردد في أسلوبه حتى وهو يقول ذلك. كان وصفي لها بأنها جاريتي مجرد عذر؛ فحتى لو كانت ملكًا له، لم تكن لديه أي نية لإجبارها على طاعته. لم أستطع لومه على ذلك. فأنا لم أكن مختلفًا عنه.
“طالما أن الأمر ليس سيئًا ولا يسبب مشاكل، فلا أرى ضررًا في تركها وشأنها. هل ترى أنت غير ذلك؟”
“أرغ.” قطّب زانوبا وجهه. “في الواقع، أعتبر أنها مشكلة كبيرة أنها لا تشاركني المجسم الذي انتهت من صنعه…”
قلت: “أظن أنني أتفهم وجهة نظرك. همم، في هذه الحالة، لماذا لا تطلب من الآنسة جينجر محاولة التحدث معها؟”
إذا كان الأمر شيئًا لا تشعر جولي بالراحة في مشاركته مع رجل، فربما تكون أكثر انفتاحًا على مشاركته مع امرأة. كانت فتاة صغيرة تدخل مرحلة البلوغ، لذا ربما كان من الصعب عليها مناقشة بعض الأمور مع الجنس الآخر. هذا ما افترضته على أي حال.
“همم؟ آه، هذه فكرة رائعة!” أشرق وجه زانوبا. “بالتأكيد ستتمكن جينجر من التعامل مع الأمر بسلاسة!”
كان من الصعب تصديق أن جولي بدأت بالفعل في دخول مرحلة البلوغ. لقد مر الوقت بسرعة حقًا. ربما لن يمر وقت طويل قبل أن تصل لوسي الصغيرة إلى نفس المرحلة في حياتها. لقد أصبحت أكثر اعتيادًا عليّ مؤخرًا، وبدأت علاقة أب بابنته مليئة بالمودة تزدهر بيننا. واأسفاه، كنت متأكدًا من أن اليوم سيأتي الذي ستعود فيه لتكون متذمرة وعنيدة، قائلة أشياء مثل: “لا أريدك أن تغسل ملابسي الداخلية مع ملابس أبي!” و”أنا أكره الاستحمام بعد أبي. إنه أمر مقرف!” أرغ، مجرد تخيل ذلك جعل معدتي تنقبض.
أعدك أنني لن أجبرك على الاستحمام معي، لذا أرجوكِ على الأقل أن تكوني مستعدة للجلوس على نفس طاولة الطعام.
قال زانوبا: “بالمناسبة يا معلمي، هناك موضوع آخر أود طرحه معك.”
“أوه؟”
“هل لديك أي اهتمام بالصناديق؟”
“الصناديق؟”
هل كان يشير إلى صندوق التعرق؟ كما في النادي؟ قد يشير صندوق التعرق بدلاً من ذلك إلى مكان يتجمع فيه الكثير من الناس، مما فهمته من لغة الشباب الدارجة. وبما أن لدي فرقة مرتزقة وبالتالي الكثير من الفرص للتجمعات الكبيرة، فقد يكون الأمر يستحق البحث. بالتأكيد، كنت مهتمًا.
انتظر، لا توجد طريقة ليكون هذا ما يعنيه. نحن نتحدث عن زانوبا هنا. ربما يكون صندوق كنز أو شيئًا من هذا القبيل. نعم، هذا كان أكثر احتمالًا. ربما كان هناك الكثير من تلك الصناديق هناك مرصعة بالجواهر وما شابه. لقد رأيت مثلها في مكان بيروجيوس، وكانت تعريفًا للفخامة. على الرغم من أنها كانت فارغة.
قال زانوبا: “نعم. في الواقع، لقد وجدت حرفيًا رائعًا. أود منك أن ترى بضائعه أيضًا.”
بكل صراحة، لم أكن مهتمًا حقًا. من ناحية أخرى، كان من النادر أن يدعوني زانوبا لرؤية حرفي كهذا.
سألت: “أي نوع من الصناديق؟”
“تلك ذات التصاميم الأكثر روعة. لقد رأيت مثلها بهذا المستوى من قبل. في الواقع… أوه، لا. سيكون من الأفضل أن تراها بعينيك بدلًا من أن أشرح لك!”
هوه. كنت أظن أن زانوبا رجل لا يحب سوى المجسمات ولا شيء غيرها، لكن يبدو أنه يتمتع بنظرة ثاقبة عندما يتعلق الأمر بأنواع أخرى من الحرف أيضًا. بالنسبة لشخص صعب الإرضاء مثله أن يغدق الثناء على أي شيء، فقد جعلني ذلك أشعر بفضول عميق.
قلت: “في هذه الحالة، أعتقد أنني سألقي نظرة.”
ابتسم من الأذن إلى الأذن. “كنت أعلم أنك ستقول ذلك يا معلمي.”
***
كان المتجر المعني يقع في أعماق حي الحرفيين. فقدت تتبع عدد المربعات السكنية التي مررنا بها في الطريق. كان عدد الأشخاص الذين يعبرون حي الحرفيين أقل بكثير من منطقة التجارة، وكانت المباني قديمة الطراز، وتفتقر إلى أي خصائص مميزة. علاوة على ذلك، يمكنك بسهولة أن تضيع في الشوارع المتعرجة.
على الرغم من هدوء الشوارع، كان لا يزال هناك عدد لا بأس به من الناس يتجولون. كان معظمهم من الحرفيين المتذمرين، الذين يسيرون بعبوس دائم محفور على وجوههم، كما لو أنهم نسوا كيف يبتسمون. لو كنت طفلًا صغيرًا، فربما كنت سألقي نظرة واحدة على الناس هنا وأبدأ في البكاء.
سار زانوبا بهدف، دون إضاعة أي وقت. عندما وصلنا إلى مفترقات الطرق في الشارع، كان يعرف بالضبط أين يتجه. نزلنا درجًا قصيرًا، ثم تسلقنا مجموعة أكبر بكثير. مررنا بشوارع مزينة بحبال الغسيل وقطعنا الطريق مباشرة بجانب ورشة تنتج دخانًا أرجوانيًا غريبًا. أخيرًا، وصلنا.
كان المتجر بحجم منزل مدني صغير. لم يكن فخمًا ولم تكن هناك لافتة في المقدمة أيضًا. تصاعد أثر رفيع من الدخان من مدخنته، مما يشير إلى وجود شخص ما في الداخل، لكن معظم الناس لن يخمنوا أبدًا أن هذا متجر.
“هذا هو.” دفع زانوبا الباب، فتردد رنين لتنبيه المالك بوجود زبائن.
لم يكن هناك سوى القليل من الضوء في الداخل. في الواقع، كانت المصادر الوحيدة للإنارة هي خيوط أشعة الشمس التي تتسلل عبر النافذة. اصطفت بضع خزائن عرض غير مزخرفة في صفوف عشوائية، مما حجب معظم الضوء عن الغرفة. ومع ذلك، كان هناك ما يكفي لرؤية البضائع التي كانت تحتويها.
احتوت الرفوف العلوية على دمى نسائية بملابس فاخرة. كانت تشبه دمى الخزف، لكنها مصنوعة من الخشب بدلاً من ذلك. كانت هذه الدمى موضوعة في صناديق خشبية مزينة ببذخ، ومرتبة جميعها بدقة في صفوف. كانت هذه الدمى والصناديق التي تحتويها متقنة للغاية، وهو ما شكل تباينًا صارخًا مع الجو العام للمتجر والتصميم البسيط لخزائن العرض نفسها.
لا بد أن هذه هي الصناديق التي كان زانوبا يتحدث عنها.
“ما رأيك يا معلمي؟” سأل.
“الآن فهمت ما كنت تتحدث عنه. هذه حقًا صناديق جميلة.”
“كنت أعلم أنك ستوافقني الرأي.”
بصراحة، كانت الصناديق مصنوعة بدقة تفوق بكثير دقة صنع الدمى. لقد طابق الحرفي خشب الصناديق مع تصميم كل دمية قبل أن يقوم بنحتها بعناية وتزيينها بالجواهر، وتبطينها بقماش باهظ الثمن. بدا كل صندوق وكأنه سرير معقد للدمية الخاصة به. بالطبع، لم يكن هناك صندوقان متطابقان؛ فقد صُنعت جميعها حسب الطلب. انتقادي الوحيد هو أن الدمى بدت غير عضوية للغاية مقارنة بالطابع العضوي للصناديق التي كانت بداخلها. في الواقع، ستبدو مجسماتي أفضل بكثير إذا كانت مستقرة في تلك الصناديق، مما سيعزز من سحرها. انتابني شعور بأن المبتكر كان يقدر جودة صناديقه أكثر من الدمى نفسها.
“همم؟”
نظرت عن كثب ولاحظت حروفًا صغيرة—أسماء—محفورة على الصناديق. ليلى، آبي، صوفيا، كلارا، فرانسين، ناتالي… “زانوبا، ما هذه الأسماء؟” سألت.
“تلك هي أسماء الدمى.”
“أوه، فهمت.”
لم أطلق أسماءً على مجسماتي من قبل، ويرجع ذلك أساسًا إلى أنها كانت مبنية على أشخاص حقيقيين. ومع ذلك، في عالمي السابق، كان الكثير من الناس يطلقون أسماءً على دمى الخزف أو دمى الدببة الخاصة بهم. عادة ما يعني تسمية الأشياء بهذه الطريقة أن الناس يظلون مرتبطين بها لفترة أطول بكثير. وعلى الرغم من أن الدمى كانت أقل روعة من الصناديق التي تحتويها، فمن المؤكد أن ذلك لم يكن لأن الحرفي أحب الصناديق أكثر. ففي النهاية، هل سيحب الوالد أطفاله أقل لمجرد أنهم قبيحون؟ ولكي نكون واضحين، كانت بناتي جميلات ومحبوبات كأجود الجواهر.
“اسمح لي أن أقدمك إلى المبتكر،” قال زانوبا.
تسلل بين صفوف الدمى وتوجه إلى عمق المتجر. سارعت خلفه، متجاوزًا خزائن العرض إلى منطقة ذات جو مختلف قليلًا. لم تكن في هذه الغرفة سوى نافذة واحدة، وكان الضوء يتدفق منها مباشرة عبر طاولة عمل كبيرة. تناثرت عليها مجموعة من الأدوات—أدوات كنت على دراية تامة بها بنفسي: خشب، غراء، أوتاد خشبية، فرشاة ذات شعيرات خشنة، فرشاة رسم، مبرد، مكشطة، سكين نحت، وإزميل. كانت كلها أشياء يستخدمها المرء عند صنع دمية. من الواضح أن هذا المتجر كان يعمل كورشة عمل أيضًا.
كان رجل يجلس على طاولة العمل وظهره لنا، يركز بشدة على ما كان يصنعه. بمجرد أن أدرك زانوبا أن الرجل لم يلحظ وجودنا، مد يده إلى جرس موضوع بالقرب منه ورنه ثلاث مرات.
رن، رن، رن.
كان صوتًا نقيًا وواضحًا ترددت أصداؤه في الغرفة. قفز كتفا الرجل عندما سمع الصوت.
“من هناك؟” تمتم وهو يرفع نفسه ببطء ويلتفت نحونا.
كان الرجل بطول زانوبا، بنظرة حادة، وخدين غائرين، وشعر أشعث، ويدين متصلبتين. اتسعت عيناه وهو يمسح المكان، باحثًا عن الجاني الذي رن جرسه. عندما وقعت عيناه على وجه مألوف، انحنت شفتاه وارتفع صوته عدة درجات—وكذلك طبقات صوته.
“حسنًا، حسنًا! انظروا من لدينا هنا! أليس هذا المعلم زانوبا.”
“هذا صحيح،” قال زانوبا. “لقد عدت مجددًا، المعلم بيلفريد.”
“أنت دائمًا موضع ترحيب كبير. ما الذي أتى بك إلى هنا اليوم؟” دوى صوته في أرجاء الغرفة، وبطريقة ما كان ذلك يناسب الرجل. كنت أكثر دهشة من مدى ودية الاثنين. ربما كانا أخوين في حياة سابقة أو شيء من هذا القبيل.
“لقد عدت لأقدم لك معلمي،” قال زانوبا. “لقد حدثتك عنه من قبل، إذا كنت تتذكر.”
“أوه، هو!” أومأ بيلفريد برأسه. “الرجل المسؤول عن تلك الفتيات الجميلات، نعم؟!”
“بالضبط!” التفت زانوبا نحوي بينما كان يشير إلى بيلفريد. “معلمي، هذا هو مالك ورشة العمل هذه، المعلم بيلفريد. إنه الحرفي الموهوب المسؤول عن عدد الصناديق الممتازة—أو بالأحرى، أسرّة الدمى—التي رأيتها تزين المتجر.”
كان صوته مشوبًا باحترام أكثر من المعتاد وهو يغمر الرجل بالإطراءات. لا بد أنه شعور لطيف أن تحصل على مقدمة فاخرة كهذه.
“والمعلم بيلفريد، هذا هنا هو معلمي، الساحر العظيم والقوي روديوس غرايرات. إنه بحد ذاته حرفي بارز لا يمكن لأي شخص آخر على قيد الحياة تقليد مجسماته—نوع من الموهبة النادرة التي من المرجح أن يتم الحديث عنها لعقود عديدة بعد وفاته.”
كانت كلماته عند تقديمي لي مليئة بقدر كبير من التبجيل لدرجة أنها بدت مبالغاً فيها، وجعلتني أشعر بعدم الارتياح حقاً. لم أكن أهتم كثيراً بما سيقوله الناس عني بعد وفاتي. فمن المحتمل أنهم سيذمونني فقط كزير نساء لديه العديد من الزوجات.
قال بيلفريد: “لقد سمعت الكثير من الشائعات عنك. أنت لست مجرد ساحر من الطراز الأول، بل أنت أيضاً حرفي واسع الاطلاع!”
هززت رأسي قائلاً: “أؤكد لك، مقارنة بـ زانوبا، أنا جاهل تماماً بهذه الأمور”.
“أوه، أنت متواضع للغاية!”
لم أرد منهم أن يضعوني في هذه المكانة العالية. في الحقيقة، كنت هاوياً تماماً مقارنة بـ زانوبا و بيروجيوس، اللذين كانا أكثر تفانياً بصدق في الفنون الجميلة. كنت أمتلك فقط المعرفة حول التماثيل التي جلبتها من حياتي السابقة، وحتى تلك كانت سطحية في أحسن الأحوال.
قلت: “على أي حال، تلك الصناديق كانت رائعة للغاية. حتى بمجرد نظرة سريعة، أنا—”
قاطعني بيلفريد بنبرة حازمة: “إنها أسرّة. هذا هو المكان الذي تنام فيه بناتي. أرجوك، أطلب منك أن تشير إليها على أنها أسرّة”. هاه. كان متطلباً جداً بشأن ذلك.
صححت لنفسي: “حسناً. أسرّة إذن. أنا أتفهم ذلك. إنها ذات حرفية عالية لدرجة أن كلمة ‘سرير’ تبدو المصطلح الأكثر ملاءمة لها”.
“أنا أفكر في طلب التعاون معك في مرحلة ما، لذا أطلب منك أن تكون حذراً بشأن كيفية حديثك عن أسرّة بناتي في المستقبل”.
“حـ-حسناً”.
حسناً، يمكنني فعل ذلك إذا كان هذا كل ما يريده.
نظرت إلى زانوبا، الذي بدا معتذراً بشكل خاص. وبالحكم على الطريقة التي تحدث بها، فلا بد أنه أثار غضب بيلفريد بنفس الطريقة. ومع ذلك، كنت متأكداً تماماً من أنه أشار إليها على أنها صناديق عندما تحدث معي.
بدا بيلفريد دقيقاً بعض الشيء، لكن حرفيته واهتمامه بالتفاصيل في هذه “الأسرّة” كان من الطراز الأول. كان زانوبا محقاً في شيء واحد: قد نرغب حقاً في التعاون مع هذا الرجل في الوقت المناسب. تماماً كما يفضل المرء وضع لوحاته باهظة الثمن في إطارات ذات جودة مماثلة، كان من الأفضل وضع التماثيل الفاخرة في صناديق تناسبها. لم نكن بحاجة إلى مثل هذه الصناديق في خططنا لتمثال رويجيرد، ولكن ربما قد نجد لها استخداماً في مناسبة أخرى. على سبيل المثال، إذا قدمنا هدية لـ بيروجيوس أو أردنا بيع شيء لنبلاء أسورا. كانت هناك طرق عديدة قد تكون فيها مهاراته مفيدة.
“سيد بيلفريد، أدرك أنك قد تكون حرفياً موهوباً للغاية، لكن الوقاحة التي أظهرتها لسيدي هي—”
قاطعته قائلاً: “لا بأس يا زانوبا. لا أرى أي خطأ في طلبه. من المهم أن تكون دقيقاً بشأن أشياء معينة”.
عبس زانوبا وكأنه غير مقتنع تماماً، لكن بيلفريد بدا حقاً وكأنه يعتبر صناديقه أسرّة لدمى بناته. لقد صنعها برغبة في منح دمى بناته مكاناً مريحاً وهادئاً للنوم، وكانت تلك المشاعر هي التي دفعته إلى إتقان حرفته لتصل إلى هذه الجودة.
“بالحديث عن التعاون…” توقف بيلفريد، وكأنه يتذكر شيئاً ما. تحولت نظراته مرة أخرى إلى زانوبا. “صانعة التماثيل الصغيرة الخاصة بك جاءت إلى المتجر في ذلك اليوم”. صانعة تماثيل؟
سأل زانوبا: “جولي؟”
آه، إذن هذا هو الشخص الذي كان يشير إليه.
لم أستطع التخلص من صورتها الذهنية كهاوية عديمة الخبرة، ولهذا السبب كان من الغريب جداً سماع بيلفريد يشير إليها كنوع من الحرفيين المحترفين. ومع ذلك، كان صحيحاً أن مهاراتها نمت بشكل هائل. وبصرف النظر عن استخدام السحر، فقد فاقت مهاراتها مهاراتي بكثير. من المحتمل أنها كانت صانعة تماثيل بارعة بمعايير هذا العالم.
تمتم زانوبا: “هذا غريب. لم أطلب من جولي شراء أي شيء”.
تابع بيلفريد حديثه، متجاهلاً تماماً رد فعل زانوبا: “يجب أن أخبرك، الآنسة جولي، هي… أوه، بالكاد أستطيع التعبير عن ذلك!” لأي سبب من الأسباب، بدا متحمساً للغاية.
لا تقل لي أن هذا الرجل مهووس بالفتيات الصغيرات وشهد جولي تفعل شيئاً منحرفاً بطريقة ما. أعني، قد يكون لدينا شيء مشترك إذن، لكنني بالتأكيد لا أريده أن يقترب من بناتي في هذه الحالة.
ضيق زانوبا عينيه بارتياب: “ماذا فعلت جولي؟”
صرخ بيلفريد بسعادة: “الكلمات، أنا… أخشى أنني لا أستطيع حتى العثور على الكلمات المناسبة للتعبير عما حدث!”
تبادلنا أنا و زانوبا النظرات.
دعني أحاول السؤال. لا تقلق، يمكنك ترك هذا لي. قد لا أبدو كذلك، ولكن بصفتي واجهة شركتنا، فقد خضت مؤخراً غمار أعمال استخلاص المعلومات من الناس. حتى أنني توليت استجواباً لاكتشاف المجرم الحقيقي وراء عملية سطو.
قلت: “أرجوك، اهدأ واشرح نفسك. ما الذي جاءت جولي من أجله بالضبط؟”
“تمثال—لقد أحضرت تمثالاً معها”.
حدقت فيه: “تمثال؟”
لم يكن يجيب على سؤالي بالضبط، لكنني كنت مستعداً لتجاهل ذلك في الوقت الحالي.
“نعم. كان واحداً لم أر مثله في حياتي من قبل. كان لا يصدق”.
“لا يصدق، وبشكل قاطع. تحفة فنية!”
تبادلنا أنا وزانوبا النظرات مرة أخرى. كانت جولي قد عرضت علينا كل قطعة صنعتها. وقد احتفظ زانوبا بمعظمها بأمان في مخزنه، وكانت تحتاج إلى إذنه لتأخذ واحدة منها. ومع ذلك، ذكر زانوبا أنها لم تسمح له برؤية أحدث أعمالها.
“آه، لا أستطيع منع نفسي من الارتجاف بمجرد التفكير في الأمر. أترون؟ يداي ترتجفان لأن الفرحة غامرة للغاية.” مد بيلفريد يديه لنراهما، وكانتا تماماً كما وصف… على الرغم من أنني شعرت شخصياً بشيء أكثر شراً بكثير من الفرح.
“وهكذا قلت لنفسي، يجب أن أصب هذه المشاعر – هذا الود، وهذا السرور – في حرفتي الخاصة. ألقِ نظرة بنفسك!” هرع بيلفريد عائداً إلى طاولته وأمسك بشيء ما قبل أن يعود إلينا. كان يحتضن صندوقاً بين يديه.
لا، ليس صندوقاً. يجب أن أسميه “سريراً” طالما أنني هنا في هذا المتجر.
كان أبيض اللون مع زخارف ذهبية. كان القماش الذي يبطنه وردياً فاتحاً فاخراً يكمل بقية الألوان بشكل مثالي. وعلى الرغم من افتقاره إلى الأحجار الكريمة، على عكس القطع الأخرى التي رأيتها، إلا أن تلك البساطة زادت من أناقته. كاد يذكرني بسرير ملكي ذي مظلة.
“هذا هو السرير الذي صنعته لها!” أعلن بيلفريد. “يمكنني عد المرات التي شعرت فيها بهذا الإلهام الإبداعي من قبل. لقد كان الأمر مؤثراً للغاية! آه، هذه هي المرة الأولى التي أتمكن فيها من صنع مثل هذا السرير الرائع في غضون أيام قليلة فقط.”
لقد كان مصنوعاً بإتقان مذهل؛ لم يكن هناك شك في ذلك. لقد رأيت الكثير من الأعمال الفنية المذهلة من كل مكان، ولهذا السبب أدركت على الفور أن هذا السرير جوهرة نادرة. لقد كان خطوة أعلى من العينات الموجودة في خزائن العرض، بحرفية تليق بملك. حتى بيروجيوس قد يدرك جودته على الأرجح.
“أوه، سيد زانوبا، لا أستطيع تصديق أنك ستمازحني هكذا – بجعل صانعة الدمى الصغيرة الخاصة بك تستعرض عملاً بهذا المستوى.”
“همم، لكنني أخشى أنني في غفلة تامة عن الأمر بنفسي…” ألقى زانوبا نظرة عليّ.
كنت تائهاً قليلاً، لكنني خمنت أن جولي قد أحضرت تمثالاً إلى هنا. كان مثيراً للإعجاب لدرجة أنه دفع بيلفريد لصنع سرير له من تلقاء نفسه. هذا ما استنتجته. كانت المشكلة أن زانوبا لم يكن لديه أي ذكرى لأمره لجولي بالقيام بمثل هذا الشيء. كان لا بد أن يعني ذلك أنها فعلت ذلك بمحض إرادتها. ولكن لماذا؟
“لماذا أحضرت جولي ذلك التمثال إلى هنا؟ هل قالت أي شيء؟” سألت.
“ليس لدي أدنى فكرة. لقد تحمست كثيراً في اللحظة التي رأيت فيها التمثال لدرجة أنني لم أسمع السبب الذي أحضرته من أجله. على الرغم من أن معظم الناس يحضرون بناتهم الرائعات إلى هنا لأنهم يريدون منحهن سريراً يمكنهن النوم فيه بسلام. ربما كان ذلك هو قصدها؟”
هوه… كان من الصعب عليّ تصديق وجود الكثير من الناس الذين يرغبون في سرير لدميتهم. كان ذلك تخصصاً دقيقاً جداً لدرجة أن العملاء ذوي الاهتمام المحدد هم فقط من قد يأتون إلى هذا المتجر. هل يمكن أن تكون جولي واحدة منهم؟
تنحنح زانوبا وقال: “عندما يزوج المرء إحدى بناته، سيكون خطيبها أكثر سعادة بوجود سرير يضعها فيه.”
يزوج؟ خطيب؟ رمشت بعيني نحوه. أوه، فهمت. بعبارة أخرى، وجود صندوق لوضع دمية فيه يرفع من قيمتها عند بيعها. كان ذلك منطقياً.
قال بيلفريد: “بالضبط. ولهذا السبب كنت آمل أن تتزوج هذه القطعة في منزلي. حاولت شراءها مقابل مائتي قطعة ذهبية أسورية، لكن… للأسف، هربت صانعة الدمى الخاصة بك مني.”
“مائتا قطعة ذهبية أسورية…؟” حدقت في الرجل.
“أوه! سيد روديوس، أرجوك لا تنظر إليّ بهذه الطريقة. لا بد أنك تظن بي السوء، لمحاولتي شراء قطعة بهذا المستوى مقابل مائتي قطعة زهيدة. لكنني أقسم لك، كان هذا كل ما أملكه في ذلك الوقت! لدي الآن ثلاثمائة لأعرضها. لا، لا! أنا مستعد للذهاب إلى ثلاثمائة وخمسين!”
ما صدمني هو أن تمثالاً قد يجلب سعراً مرتفعاً كهذا في المقام الأول. ولكن هل يعني هذا أن جولي كانت تحاول بيعه؟
“لكن لماذا قد تحاول بيعه؟” تمتمت لنفسي.
نظر إليّ بيلفريد نظرة استغراب. “ولماذا لا؟ كلما زاد المال كان ذلك أفضل، أليس كذلك؟”
لا يمكنك أبداً الحصول على الكثير منه.”
“أنا أكثر فضولاً بشأن ما ستستخدم المال من أجله. لم تكن بحاجة لأي شيء حتى الآن… على الأقل، ليس حسب ما سمعته.” ألقيت نظرة على زانوبا. كان من الممكن أن يكون زانوبا قد قصر في توفير شيء لها، مما أدى إلى حاجتها للمال بنفسها. إذا كان زانوبا، على سبيل المثال، غارقاً فجأة في ديون مجنونة مثل شخص آخر أعرفه.
هز زانوبا رأسه. “في الآونة الأخيرة تحسنت مهاراتها بشكل كبير، لذا كنت أمنحها أجراً سخياً.”
كنت أنا من توصل إلى فكرة دفع أجر لها. كان زانوبا مصدوماً من مفهوم إعطاء المال لعبدة، لكنه لم يجادل في الأمر. كانت جولي تعمل بجد لدرجة أنها تستحق ذلك القدر. كان من الطبيعي فقط أن أدفع لها.
“همم… نعم، هذا صحيح، السيدة جولي عبدة، أليس كذلك؟” مسح بيلفريد ذقنه. “في هذه الحالة، ربما تحاول شراء حريتها؟” “حريتها؟” رددت خلفه.
“بالفعل.”
كان العبيد يُشترون ويُباعون عادةً مقابل المال؛ حيث يتم شراؤهم من مكان ما ثم يُعرضون في المزاد في مكان آخر. كانت حقوقهم الفردية تختلف بناءً على البلد الذي يتواجدون فيه ومن يملكهم. كانت هناك بعض الدول التي تعطي الأولوية للمعاملة الحسنة للعبيد، بينما كانت دول أخرى أقل اهتمامًا بذلك بكثير.
كان من السهل جدًا أن تصبح عبدًا. إذا لم تكن تملك أي مال، فيمكنك زيارة تاجر عبيد وبيع نفسك. كان هناك الكثير من الناس الذين يفضلون أن يكونوا ملكًا لشخص آخر على أن يموتوا. كان هذا صحيحًا بشكل خاص في الأقاليم الشمالية. فبالإضافة إلى مناخها القاسي، كان معظم الناس الذين يعيشون هناك يعانون من الفقر المدقع. وإذا لم يتمكن المرء من العثور على أي نوع من العمل، فإنه يخاطر بالموت جوعًا أو بسبب انخفاض حرارة الجسم.
علاوة على ذلك، كان من السهل في الواقع التوقف عن كونك عبدًا، من الناحية النظرية على الأقل. وبما أن العبد يُباع مقابل المال، فيمكن شراؤه بالمال أيضًا. كان بإمكان المرء ادخار المال ليشتري حريته، ويصبح حرًا بعد ذلك. يعتمد المبلغ المطلوب على عدد من العوامل: بلد الإقامة، وعدد السنوات التي قضاها العبد في الخدمة، ومقدار المال الذي أُنفِق على ذلك العبد. كانت هناك حتى بعض الدول التي لا يُسمح فيها للعبيد بالحصول على أجور.
لقد اشترينا جولي بسعر زهيد بشكل مثير للسخرية. وعلى الرغم من أننا علمناها عددًا من المهارات المختلفة، إلا أنها كانت تستطيع بسهولة شراء حريتها بمائتي عملة ذهبية أسورية ويتبقى معها بعض المال. ليس أننا أردنا حقًا السماح لها بالرحيل، بالطبع. وكان هناك شيء أكثر أهمية يزعجني.
“لا أستطيع تصديق أنها قد تفعل شيئًا كهذا دون التحدث معي أولاً…” خفض زانوبا بصره، وسقط ظل على وجهه، مما جعل من الصعب تمييز ملامحه.
ومع ذلك، كنت أتفهم صدمته. لقد فعلنا كل ما في وسعنا من أجل جولي. كانت في حالة مروعة عندما اشتريناها، لكننا قدمنا لها الطعام والملابس ومكانًا دافئًا للنوم، وعلمناها ودرّبناها على مهارات عملية. حتى أننا منحناها أجرًا. لقد اشتريناها لسبب محدد؛ فزانوبا، كونه طفلًا مباركًا، لم يكن يستطيع صنع الفن الذي يريده بنفسه. كنت أرغب أيضًا في إنتاج تماثيل رويجيرد بكميات كبيرة في المستقبل. لقد كنا صارمين للغاية مع جولي، على أمل تحقيق تلك الأهداف في النهاية، لكننا لم نكن قساة عليها أبدًا.
بالطبع، إذا كانت جولي ترغب حقًا في أن تكون حرة، فسنطلق سراحها. لكن ذلك لم يقلل من صدمة اكتشاف أنها كانت تعمل من خلف ظهورنا للحصول على الأموال اللازمة للقيام بذلك. كان الأمر وكأنها لا تثق بنا على الإطلاق.
“…لا،” تمتمت لنفسي.
لم تكن حياة العبودية نزهة في الحديقة. لم أكن عبدًا من قبل، لذا لم يكن من الصواب بالنسبة لي أن أقلل من شأن المعاناة التي واجهوها. بعد أن رأيت مأزق لينيا بنفسي، أصبح من الأسهل عليّ تخيل ما مر به بعضهم. أي شخص سيشعر بالضغط لعدم تمتعه بحرية شخصية حقيقية. لم يكن بإمكانهم قول ما يدور في أذهانهم أو فعل الأشياء التي يريدون القيام بها.
قلت: “اعتقدت أننا أحسنا معاملتها، لكنني أظن ربما كان من الصعب عليها أن تكون عبدة طوال هذا الوقت”.
لقد بدأت للتو مؤخرًا في الانتقال إلى مرحلة البلوغ. ربما دفعها ذلك إلى التفكير في مستقبلها بجدية أكبر. لا شك أنها وجدت نفسها تواجه عددًا من المخاوف؛ هل كان من الصواب حقًا الاستمرار في صنع التماثيل كما كانت تفعل؟ وماذا سيحدث في مستقبلها؟
كان من الممكن أيضًا أنها أصبحت تخشى أن تكون عبدة لرجل بالغ الآن بعد أن بدأ جسدها في النضوج، بغض النظر عن مدى كون زانوبا رجلاً نبيلًا. بالنظر إلى علاقتهما كخادم وسيد، لم يظهر زانوبا أي تردد في تعريتها؛ تمامًا كما فعل خلال ذعر الدورة الشهرية منذ وقت ليس ببعيد. قد تكون جولي لا تزال صغيرة، لكن كان لا بد أن يكون ذلك محرجًا ومخيفًا بالنسبة لها.
تساءل زانوبا بصوت عالٍ: “لكن إذا كان الأمر كذلك، فماذا سيحدث لأحلامنا؟ لقد دفعت أنت نفسك مبلغًا ليس بالقليل للمساعدة في تربيتها، أليس كذلك،
يا سيدي؟”
لم يكن المبلغ الذي ساهمت به شيئًا مقارنة باستثمارات زانوبا. في الواقع، كنت قلقًا بعض الشيء عندما فكرت في مقدار ما أنفقه على تطورها. لم يكن الأمر مجرد ذهب، بل كان وقتًا وجهدًا.
قلت: “مهما كان الأمر، جولي إنسانة مثل أي شخص آخر. إذا كانت حريصة جدًا على تحرير نفسها، فلا أشعر أن من حقنا إيقافها”.
“آه…” تذمر زانوبا وضم ذراعيه إلى صدره، ولا يزال قلقًا. استمر في الأنين بهدوء لبعض الوقت بعد ذلك.
ربما كان من الصعب عليه تقبل الأمر. على الرغم من موقفي بشأن السماح لها بالرحيل، لن يكون من السهل عليه التخلي عن دماه وتماثيله، ومن هنا جاء التفكير العميق.
حسنًا، كيف يجب أن أقنعه إذن؟
بفضل قفاز زاليف، أصبح لديه الآن التحكم الحركي الدقيق لعدم سحق الأشياء، وحتى لو أطلق سراح جولي، فربما لا يزال بإمكانه تكليفها بالقيام بعمل له. ربما تكون هذه أفضل الحجج.
“همم…” همهمت لنفسي، وما زلت مترددًا ذهابًا وإيابًا.
التفت زانوبا أخيرًا نحوي، كما لو أنه اتخذ قراره.
“أنت محق،” قال. “لقد عملت جولي بجد تحت رعايتنا. ربما أقل ما يمكننا فعله هو تحقيق أي أمنية لديها.”
كان ذلك غير متوقع بعض الشيء. بمعرفتي بـ زانوبا، ظننت أنه سيرفض التراجع. ففي نهاية المطاف، يعني هذا خسارة الشخص الذي كان يبذل قصارى جهده لصنع التماثيل له كل يوم. أظن أنه حتى مع ولعه الشديد بالدمى، لم يكن بوسعه معاملتها كآلة بعد العيش معها لفترة طويلة. حتى إنه منحها اسماً مشابهاً لاسم أخيه الأصغر.
“حسناً، لنعد في الوقت الحالي. يجب أن نسأل جولي عما تنويه حقاً،” قلت.
في هذه المرحلة، كنا نستبق الأحداث فقط. الشيء الأكثر أهمية هو ما تريده جولي. ومع ذلك، إذا كانت تنوي حقاً تحرير نفسها دون أن تنبس ببنت شفة لـ زانوبا، فسيتعين عليّ إجراء حديث جاد معها. كنت أتفهم أن هذا ليس موضوعاً سهلاً للطرح، لكن بعض الأمور يجب أن تُقال.
وهكذا عدنا إلى غرفة سكن زانوبا.
استغرقت الرحلة عشر دقائق بالعربة، ولأسباب تفوق خيالي، قرر بيلفريد مرافقتنا. “أريد رؤية ذلك التمثال مرة أخرى،” قال.
لم أصدق ذلك. كانت جيوبه تصدر رنيناً مستمراً، مليئة بالعملات المعدنية، وهو مؤشر واضح على أنه لم يتخلَّ عن رغبته في شراء التمثال من جولي. كان من الصعب عليّ تصديق أن زانوبا سيتخلى عنه طواعية إذا كان رائعاً حقاً كما ادعى بيلفريد. رغم أنني أظن أن زانوبا قد لا يشارك بيلفريد إعجابه المفرط به. ففي النهاية، لكل شخص ذوقه الخاص. ومع ذلك، كان من الجيد أن بيلفريد ينوي التفاوض للحصول على ما يريد. بدا غريب الأطوار تماماً، لكنه كان على الأقل تاجراً محترفاً.
“لقد عدت!” أعلن زانوبا، دافعاً بابه ليفتح دون أن يكلف نفسه عناء الطرق.
في الداخل، كان الوضع كما أتذكره. حبيبة زانوبا، التمثال البرونزي لامرأة عارية، لم يكن في الأرجاء. وبالطبع، لم تكن جولي ولا جينجر في منتصف تبديل ملابسهما عندما دخلنا. في الواقع، كانت جولي غائبة بشكل ملحوظ.
“أهلاً بعودتك يا سيدي!” اندفعت جولي خارجة من إحدى الغرف الداخلية.
انسَ ما قلته للتو إذن. أظن أنها هنا.
كانت تحمل سكيناً فولاذياً في يدها، يُستخدم لنحت الحجر. على ما يبدو، لم تكن تستخدم طاولة العمل في الغرفة الرئيسية، بل كانت تمارس حرفتها في مكان آخر. أو ربما تخفيها، حسب الحالة.
لا بد أن زانوبا أدرك الشيء نفسه. ومع ذلك، لم تظهر على جولي أي علامات ذعر بسبب عودتنا المفاجئة. بل بدت أكثر سعادة مما رأيتها من قبل. إذا كانت تخطط حقاً لشراء حريتها والهروب من خلف ظهر زانوبا، فإن قدرتها على الابتسام بهذه البراءة كانت تمثيلاً مبهراً. ومثيراً للقلق أيضاً.
كل ما يمكنني قوله هو أن النساء يمكن أن يكنّ مخيفات أحياناً.
“أوه!” تلبد وجهها بالغيوم في اللحظة التي رأت فيها بيلفريد، وتراجعت خطوة إلى الوراء وكأنها مذعورة.
أوه؟ ما هذا يا ترى؟ هل رأت بيلفريد وأدركت أن شخصاً مطلعاً على سرها موجود هنا الآن؟
“مرحباً يا جولي. شكراً لقدومك في ذلك اليوم.” ابتسم بيلفريد لها بابتسامة شيطانية.
سرت قشعريرة في جسد جولي، وألقت نظرة استعطاف على زانوبا، تتوسل طلباً للمساعدة. همهم زانوبا تحت أنفاسه وبدأ يتجه نحوها. قطع المسافة بينهما في لمح البصر وحدق فيها. نظرت جولي إليه بقلق، في انتظار ما سيقوله. “جولي… هل ترغبين في التوقف عن كونكِ عبدتي؟” اتسعت عيناها بذهول.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.