الفصل السابع:
مشروع تجاري
“هاه… هاه…”
وجد الفارس الشاب لينهارد، الذي بالكاد بلغ الخامسة عشرة من عمره، نفسه في قمة برج المستنقع. كانت يداه مغلقتين بإحكام حول مقبض سيفه بينما كان يلهث طلباً للنفس.
“كيهيهيه. ما الخطب، أيها البطل؟ هل هذا كل ما لديك؟”
كان يقف أمامه شخصية مشؤومة ترتدي رداءً رمادياً وقناعاً أبيض مريباً.
“هل تعتقد حقاً أنك ستتمكن من هزيمة الساحر الشرير القوي رود… إيه، أحم… روكواغ ماير بتلك الهجمات الضعيفة؟”
“تـ-تباً!” عدل قبضته على سيفه. وبينما كان يتقدم بصعوبة، بدت ساقاه كأنهما من رصاص، لكنه تمكن مع ذلك من شق الهواء بسلاحه.
السهولة التي تجنب بها روكواغ ماير الضربة جعلت الأمر يبدو وكأنه يسخر من لينهارد، ثم دفع بيده اليمنى نحو الفارس الشاب. في لحظة، تموجت موجة صدمة غير مرئية عبر الهواء، مما أطاح بلينهارد إلى الخلف.
“غاه؟!”
“آه! لينهارد!” صرخت فتاة جميلة مقيدة في زاوية الغرفة. كانت ترتدي فستاناً بلون الخوخ الفاتح، وعلى رأسها استقر تاج ذهبي صغير. كانت هذه الفتاة أميرة تويل، وهي مملكة صغيرة في الأقاليم الشمالية.
“لا تخافي يا أميرة! سأهزم هذا الوحش المنحرف بسرعة، ثم سنعود أنا وأنتِ إلى الوطن معاً!” بينما كان يلقي هذا الخطاب الحماسي، أجبر لينهارد جسده غير المستقر على النهوض مجدداً، مرسلاً أفضل ابتسامة استطاع رسمها إلى غيرترود.
“هـ-هيه!” قاطع روكواغ ماير، مرتبكاً. “من الذي تنعته بالمنحرف، هاه؟!”
“أنت، بوضوح! لقد سرقت ملابس الأميرة الداخلية، وإذا لم يكن ذلك سيئاً بما يكفي، فقد وضعتها على رأسك! ألا تشعر بالخجل؟!”
“لقد فهمت الأمر كله بشكل خاطئ! لقد أحضرتها معي من المنزل، لتعلم ذلك. بصراحة، كم أنت وقح!”
لم يكن مهماً لمن تعود تلك الملابس الداخلية. كان لينهارد هو الفارس الوحيد المتبقي؛ وإذا خسر، فستقع الأميرة غيرترود في أيدي روكواغ ماير القذرة. كانت مسألة وقت فقط قبل أن يضع ملابس الأميرة الداخلية على رأسه حقاً.
“غراااااه!”
“هل هذا كل ما لديك؟”
اندفع لينهارد نحو الساحر، لكن روكواغ ماير تفادى الهجوم بسرعة مذهلة، تشبه الحشرة تقريباً، وأرسل لينهارد طائراً إلى الخلف بموجة صدمة أخرى. كان يفعل الشيء نفسه طوال القتال.
“غوه…” أنين لينهارد. “تباً. لا يمكنني… السماح لك بفعل ما تريد… بأميرتنا.”
كان جسد لينهارد مغطى بالجروح والكدمات، لكن روح القتال لم تفارقه أبداً. مدفوعاً بحس قوي بالواجب، اندفع نحو روكواغ ماير مرة أخرى.
“كيهيهيه! أنت مخلص حقاً، أليس كذلك؟ لكن فكر في الأمر. على الرغم من اختطاف ابنة الملك، إلا أنه أرسل حفنة مثيرة للشفقة من الناس لإنقاذها. هل هذا حقاً رجل يستحق كل هذا الولاء؟”
“لا علاقة للأمر به أو بالبلاد. أنا أفعل هذا لأنني… لأنني… أحب الأميرة!” صرخ لينهارد بأعلى صوته، وتردد صدى صوته في جميع أنحاء البرج.
غارقة في العاطفة، ضغطت غيرترود بكلتا يديها على فمها، بينما انهمرت دمعة على خدها.
“رااااه!” زأر لينهارد مرة أخرى.
“كيهيهيه! يا له من عرض مؤثر للحب. للأسف بالنسبة لك، الحب ليس كافياً للتغلب على الفجوة في القوة بيننا!”
“آآآه!” طار لينهارد في الهواء مرة أخرى. “اللعنة… لا أستطيع حتى الاقتراب منه. ماذا يفترض بي أن أفعل؟!”. ضحك روكواغ ماير بقهقهة شريرة: “لا توجد طريقة يمكنك بها هزيمتي. ربما لو كنت تمتلك أعظم نقاط ضعفي، تمثال السوبيرد وكتاب الصور المصاحب له الذي يصور إنجازات ذلك الرجل العديدة… لكن بدون ذلك، الأمر مستحيل! بوهههههه!”
“آه!” شهق لينهارد حين أدرك الحقيقة. ذكر تمثال السوبيرد كان مفتاح اللغز. في الواقع، بينما كان في طريقه إلى هنا، قام عراف مشبوه بقراءة طالعه بشكل مبالغ فيه دون حتى طلب إذنه، ثم أجبره على أخذ تمثال الشيطان ذاك. أقسم العراف أن التمثال سيكون مفيدًا في نهاية المطاف، لكنه لم يكن ليحلم أبدًا بأنه سيكون مفتاح هذه المعركة!
قفز لينهارد نحو حقيبته التي تركها مهملة بجانب المدخل. استخرج التمثال منها، وكان يصور محاربًا بشعر أخضر زمردي ورمح أبيض في يده. وإلى جانبه، سحب كتاب الصور الذي ذكره روكواغ ماير.
“لا! لا تقل لي ذلك؟!” شهق روكواغ ماير.
“هذا صحيح. أغراض السوبيرد التي تخشاها كثيرًا!”
“نعم! الرجل نفسه الذي صوره العالم أجمع كشرير، بينما هو في الواقع طيب للغاية ويحب الأطفال بعمق… بطل أسطوري لعب دورًا حيويًا في هزيمة لابلاس… تمثال رويجيرد سوبيرديا!”
بصراحة، لم يكن لينهارد يعرف شيئًا عما يقوله. لم يقرأ كتاب الصور، لكن الأغراض بدت فعالة على الأقل.
“لااا، قوتي… إنها تتضاءل!” صرخ روكواغ ماير وهو يترنح.
“لينهارد!” صرخت الأميرة غيرترود في بطلها: “الآن، افعلها!”
“رآآآه!” التقط لينهارد سيفه مرة أخرى وألقى بنفسه على الساحر الشرير. رفع روكواغ ماير يده اليمنى المرتخية ليحاول إيقاف الهجوم، لكن الأوان كان قد فات بالفعل. انغرس النصل عميقًا، عميقًا داخل صدره… انتظر، لا، لم يفعل. سُمع صوت رنين عالٍ بينما انزلق السيف عن شيء ما تحت الرداء.
تبًا! ألا يزال هذا غير كافٍ؟ كان لينهارد على وشك الاستسلام، ولكن بعد ذلك…
“غواااااه!” أطلق روكواغ ماير صرخة خارقة للآذان بينما تدفق الضوء من جسده، دافعًا إياه مباشرة نحو الشرفة. ارتطم بالدرابزين، وأطلق أنينًا مثيرًا للشفقة، ثم سقط من فوق الحافة.
كان هذا البرج مكونًا من ثلاثة طوابق، لكن ذلك لم يكن كافيًا لقتل ساحر مثله. واثقًا من ذلك، شق لينهارد طريقه إلى الشرفة ونظر من فوق الحافة. في تلك اللحظة، اندلع انفجار هائل من الأسفل. داعبت رياح الانفجار وجنتي لينهارد، وبعثرت شعره.
“واو!” شهق بدهشة.
عندما انقشع الدخان، استقبل لينهارد حفرة ارتطام حول المنطقة التي سقط فيها روكواغ ماير على الأرجح. كانت الأشجار المحيطة بها قد سويت بالأرض بفعل الانفجار.
عندها أدرك لينهارد ما حدث. على الرغم من أن روكواغ ماير كان يرتدي درعًا تحت ردائه، فلا بد أنه كان هناك قلب مركزي تضرر أثناء هجوم لينهارد. تسبب ذلك في خروج مانا الساحر عن السيطرة، مما جعله ينفجر كما قد ينفجر بالون.
ما يهم هو أنه فاز. كان لينهارد هو المنتصر.
“لينهارد!” صرخت الأميرة.
“أيتها الأميرة! هل أنتِ بخير؟” اندفع نحوها واحتضنها بين ذراعيه.
“لينهارد، أوه، لينهارد! كنت أعلم أنك ستأتي لإنقاذي!”
“سموكِ… أنا أدرك تمامًا مدى خجلي”
“من أن أكن مشاعر رومانسية لشخص نبيل مثلك، لكنني… أنا”
“فقط…”
هزت رأسها: “لا، هذا ليس صحيحًا على الإطلاق. لأنك ترى يا لينهارد، أنا… أنا أحبك أيضًا.”
“أيتها الأميرة… أنا لا أستحق هذه الكلمات! ولكن تعالي، لنسرع بالعودة إلى القلعة!”
“موافق!”
وهكذا، لقي الساحر الشرير العظيم روكواغ ماير نهايته المأساوية.
تم الترحيب بعودة لينهارد إلى وطنه واستُقبل كبطل، وحصل على رتبة عالية بين النبلاء. حتى أن الملك سمح بعلاقته مع الأميرة. سيتزوج الاثنان في نهاية المطاف ويعيشان في سعادة أبدية.
النهاية.
روديوس
“يا رجل، كان ذلك مرهقًا.”
كانت مهمتي هذه المرة هي التأكد من أن الفارس الشاب لينهارد يرتبط بغيرترود، أميرة بلد صغير. يبدو أن أحد أحفادهما سيكون مفيدًا لأورستيد. في العادة، لم تكن علاقتهما لتُقبل بسبب اختلاف مكانتهما رغم حبهما المتبادل. كان الملك يعلم بمشاعرهما المتبادلة وحاول”
“تشجيعهما، لكن الوضع الاجتماعي منعه من الترتيب علنًا”
“لاتحاد بينهما. بدلاً من ذلك، كان الملك يأمل أن يتميز لينهارد في المعركة، حتى يتمكن من استخدام شجاعته كذريعة لإتمام الأمر. المشكلة كانت أن لينهارد كان جبانًا في قلبه، لذا كان عادةً يضيع كل فرصة تلوح في الأفق.”
لم يجد الملك خيارًا آخر، وكان يائسًا من أن يصنع الفتى لنفسه اسمًا ما، فقرر إرساله إلى الخطوط الأمامية خلال حرب مع دولة مجاورة. وكما كان متوقعًا، لقي لينهارد حتفه في المعركة. وهكذا أُجبرت الأميرة غيرترود على زواج سياسي، لتصبح مجرد بيدق للمساومة من أجل السلام.
تحولت هذه الأحداث في السنوات اللاحقة إلى أغنية تروي قصة الملك الغاضب الذي أرسل فارسًا شابًا وقحًا، كان مغرمًا بالأميرة، إلى الخطوط الأمامية للمعركة، حيث فقد حياته حتمًا. وكما يقولون، لا يعرف الأبناء مدى غلاوتهم الحقيقية لدى والديهم.
على أية حال، كانت مهمتي هي تغيير المصير الذي كان ينتظرهم، وجعل لينهارد وغيرترود ينتهيان معًا حقًا. بدأت بالتواصل مع ملك تلك الدولة، واقترحت خطة لاختطاف الأميرة واحتجازها كرهينة في برج محاط بغابة على أطراف المملكة. بعد ذلك، لم يكن على الملك سوى إرسال لينهارد لإنقاذها. كان الملك متشككًا في البداية، لكنني تمكنت من إقناعه بذكر اسم أرييل. وهكذا، متنكرًا في زي الساحر الشرير العظيم روكواغ ماير، اختطفت الأميرة.
بالمناسبة، البرج الذي سجنتها فيه كان من صنع يدي. لقد كان شيئًا جمعته على عجل، ومن المؤكد أنه سينهار إذا ضربه زلزال، لكنه كان مناسبًا بما يكفي لتحقيق الغرض المقصود منه.
قبل أن ينطلق لينهارد نحو البرج، تنكرت في زي عراف وأعطيته تلميحًا حول كيفية هزيمة روكواغ ماير. كانت هذه صفقة “عصفورين بحجر واحد”، حيث انتهزت الفرصة لتوزيع مجسم السوبيرد الخاص بي وكتابي أثناء ذلك. ثم سارعت بالعودة إلى البرج قبل وصوله. لم يتبقَّ سوى انتظار أن يقتحم المكان بوقاحة ويشتبك معي في معركة. وبعد معركة طويلة وشاقة، سأسمح له بهزيمتي.
كان القول أسهل من الفعل بكثير. في الحقيقة، كانت مهمة شاقة ومضنية أن أعتني بكل شيء بنفسي؛ بدءًا من المفاوضات والتحضيرات وصولًا إلى تنفيذ الخطة نفسها. بالنظر إلى الماضي، ربما لم يكن الأمر بحاجة إلى أن يكون بهذا القدر من الضخامة، لكن مهلًا! سارت الأمور على ما يرام في النهاية.
“أنا منهك تمامًا.”
بعيدًا عن الإرهاق، كانت مهمتي ناجحة. بدأت أجرُّ نفسي عائدًا إلى المنزل، حيث كان من المؤكد أن ثناء أورستيد وامتنانه ينتظرانني. ستستغرق العودة إلى شاريا حوالي شهر.
ربما سيكون من الأفضل أن تساعدني سيلفي في تخفيف تعبي. رؤية زوجين شابين مفعمين بالحيوية جعلتني أتوق لرؤية تعبيرات الخجل على وجه سيلفي مجددًا. أردت الاستمتاع بليلة عاطفية، أتعلم؟ إطلاق العنان للوحش الشهواني بداخلي و…
حسنًا، الحقيقة هي أن سيلفي اعتادت نوعًا ما على تصرفاتي، لذا لم تعد تشعر بالخجل الشديد بعد الآن. في المرة الأخيرة التي ألقيت فيها نظرة خاطفة عليها وهي تغير ملابسها، قالت فقط: “مهلًا، رودي، هل يمكنك مناولتي ذلك البنطال هناك؟” يبدو أنني بحاجة لرفع مستوى التحدي لأجعلها تحمر خجلًا. ولكن حتى لو قدمت طلبًا جريئًا، فقد ترد ببساطة: “أوه، رودي، يا منحرف.”
بغض النظر، عدت إلى المنزل، حيث كانت الأمور كما أتذكرها تمامًا. فتح لي بيت الباب، وهربت لوسي مني. توقفت لأداعب بطن إيريس، وتحسست مؤخرة سيلفي، وربتُّ على رأس لارا، ولعقت أذن سيلفي.
ثم لعق ليو يدي، وهربت لوسي مني مجددًا…
كان من المريح جدًا أن أكون محاطًا بالعائلة هكذا. عندما كنت أعيش في اليابان، كان والدي يعود من رحلات العمل يبدو منهكًا ولكن بسلام ما. ربما كان هذا هو شعوره.
بما أن نورن كان من المفترض أن تعود إلى المنزل اليوم، فكرت في الاسترخاء على أريكة غرفة المعيشة بينما أنتظرها هي وروكسي. وبينما كنت أغوص في الوسائد، أدركت شيئًا.
“هوه؟ لا أرى ايشا في أي مكان. هل خرجت للتسوق؟”
في اللحظة التي سألت فيها، تغير تعبير وجه ليليا، وضيقت عينيها وزمَّت شفتيها. كما بدت سيلفي منزعجة وظهرت عليها علامات القلق. أما إيريس، فبدت على حالتها المعتادة. خيّم جو غير مريح في المكان. يا إلهي، ما الذي يمكن أن يكون السبب في ذلك؟ تساءلت.
“كما ترى،” بدأت ليليا قائلة وهي تبدو معتذرة، “لقد كانت ايشا خارج المنزل كثيرًا مؤخرًا…”
خارج المنزل… أوه، صحيح. كدت أنسى. لقد طلبت منها القيام بمهمة من أجلي، أليس كذلك؟
“تقصدين أنها تقوم بالعمل الذي أوكلتها به، أليس كذلك؟” سألت.
“لست متأكدة من ذلك. إنها تزداد ارتباطًا ببعض الشخصيات الرهيبة والمشبوهة. لا أرى كيف يمكن أن يكون ذلك متعلقًا بالعمل تمامًا.”
شخصيات مشبوهة، هاه؟ كانت الصورة الأولى التي خطرت ببالي هي مجموعة من الرجال بقصات شعر “الموهوك” ووسادات الكتف. من النوع الذي يقود دراجات نارية غير موفرة للوقود على الإطلاق رغم الأضرار البيئية، بينما يقهقهون قائلين: “غياهاها!” أيًا كانوا في الحقيقة، لم أستطع إلا أن أخمن أنهم أشخاص قامت لينيا بتجنيدهم.
“امم، كما ترى يا رودي،” قالت سيلفي، “لقد ظهر بعض الأشخاص غريبي الأطوار في المدينة مؤخرًا. إنهم يرتدون ملابس سوداء بالكامل، ويبدو أن ايشا كانت معهم كثيرًا.”
لم يمر سوى شهر واحد منذ أن أوكلت ذلك العمل إلى ايشا ولينيا. كان من الصعب عليّ تصديق أنهما تمكنتا من جذب عدد كافٍ من الناس لدرجة أنك تستطيع رؤيتهم بانتظام في الشوارع.
يرتدون الأسود بالكامل، هاه؟ همم… كانت ايشا قد بلغت الرابعة عشرة بالفعل. كانت تمر بمرحلة البلوغ، مما يعني أنها في تلك المرحلة المتمردة والمشاكسة. غالبًا ما يثور المراهقون في مثل عمرها ضد عائلاتهم ويتصرفون وكأنهم أكبر من سنهم. ربما لأنني أجبرتها على التفاعل أكثر مع العالم الخارجي، انتهى بها الأمر بالانجرار وراء مجموعة سيئة كهذه.
قالت ليليا: “أعتذر بشدة، يا سيد روديوس. لم أتخيل قط أن ايشا قد تفعل شيئًا كهذا. ستعود إلى المنزل في وقت لاحق من هذه الليلة، وسأحرص على توبيخها حينها”.
أوه. إذًا فهي لن تعود في ساعات الصباح الأولى؟ كان ذلك مريحًا للأعصاب على الأقل.
بينما كنت أفكر في ذلك، تفوهت سيلفي بشيء غريب: “أتعلم، قالت ايشا إن لديها إذنك للقيام بكل هذا”.
حدقت بها. قالت ايشا إن لديها إذني؟ فجأة، قفز إلى ذهني أسوأ مشهد يمكن تخيله. تخيلت مجندي لينيا متجمعين في مستودع، وعلى وجوههم ابتسامات مبتذلة وهم يلعقون شفاههم. على من كان هؤلاء البلطجية الأشرار يثبتون أنظارهم؟ لا أحد سوى الجميلة لينيا وايشا. محشورين في ذلك المستودع الصغير، لا شك أن البلطجية سيحيطون بالفتاتين و… حسنًا، لم أستطع سوى تخيل الأسوأ.
بالتأكيد، كانت لينيا مقاتلة جيدة إلى حد ما، لكن فقط ضد الخصوم العاديين.
قد تغرق في موقف تكون فيه الأعداد ضدها. أما بالنسبة لايشا، فقد اعتبرتها لفترة طويلة مجرد طفلة، لكن جسدها بدأ يتطور بسرعة في الآونة الأخيرة. سيصبح حجم صدرها مثل حجم صدر والدتها في وقت قصير. بالإضافة إلى ذلك، حتى كأخ لها، كان عليّ أن أعترف بأنها لطيفة. كان وجهها ساحرًا مثل وجه بول غرايرات، وتزيده جاذبية تلك الأنياب التي تظهر عندما تبتسم.
تبًا. لقد أفسدت الأمر حقًا. كانت لينيا وايشا جميلتين، ومع ذلك كنت طائشًا بما يكفي لأطلب منهما تجميع مجموعة من الأشخاص المشبوهين. لقد رميت لحمًا طازجًا في محيط مليء بأسماك القرش! على الرغم من ذلك -لكي نكون واضحين- لم أطلب منهما تحديدًا جمع حفنة من البلطجية!
سألت وأنا أشعر بغصة في حلقي: “إيريس… إيريس، ألم توقفيها؟”
أمالت إيريس رأسها وقالت: “… هاه؟ ولماذا أفعل؟”
آه، صحيح. ربما لا تهتم إيريس بايشا على الإطلاق.
“كانوا جميعًا مجرد صغار لا قيمة لهم على أي حال”.
أو ربما لا. نحن نتحدث عن إيريس هنا. بالنسبة لها، لا يوجد فرق حقيقي بين قطة صغيرة وأسد. حتى لو كان هؤلاء الرجال مريبين بما يكفي لإثارة قلق ليليا وسيلفي، فهم بالنسبة لإيريس ليسوا أكثر من جانحين صغار.
لا، لا ينبغي لي الاعتماد على إيريس على أي حال. إنها حامل الآن. بالإضافة إلى ذلك، أنا من بدأ كل هذا. يجب أن أكون أنا من يتولى الأمر.
قلت بعد أن فكرت في الأمر قليلًا: “حسنًا، سأذهب لأتولى الأمر”.
لم تكن لدي أي نية لإملاء من يمكن لايشا معاشرته ومن لا يمكنها ذلك. أحيانًا، الأشخاص الذين يعتبرهم المجتمع غير صالحين ليسوا سيئين للغاية بمجرد التحدث معهم. ومع ذلك، كانت هناك حدود. لم تكن ايشا بالغة بعد. إذا كان هؤلاء الرجال يحاولون استغلالها دون أدنى اعتبار للعواقب، فسأتحمل أنا، بصفتي أخاها الأكبر، عبء التدخل لإنقاذها. ولا شك أن بول غرايرات كان سيفعل الشيء نفسه.
في الواقع، ربما كان بول غرايرات نفسه يُصنف كشخصية مشبوهة.
سألت: “هل تعرفين أين مكان تجمعهم؟”
قالت إيريس دون تردد: “يمكنني أن أقودك إلى هناك”. لكنها كانت حامل. هل يجب أن أسمح لها بالمجيء معي حقًا؟ ربما ستحاول القفز والقتال إذا أخذت الأمور منحى عنيفًا. لم أستطع المخاطرة بذلك.
قالت سيلفي: “أنا ذاهبة أيضًا”.
على الرغم من تقديري لهذه المشاعر، هززت رأسي. “لا. سأذهب وحدي”.
كنت أتخيل أسوأ سيناريو في ذهني، لكن من يدري ما إذا كان هناك أي شيء مريب يحدث بالفعل؟ بهذا التبرير، توجهت لرؤية مكان التجمع الذي كانت تتردد عليه ايشا. بالكاد وجدت وقتًا لألتقط أنفاسي منذ عودتي إلى المنزل من مهمتي الأخيرة، لكن لم يكن هناك جدوى من الشكوى بشأن ذلك.
***
أخبرتني سيلفي عن موقعهم: الكتلة الثالثة من حي المغامرين. كان المبنى المكون من طابقين، والمبني من الطوب المقاوم للسحر، بعيدًا عن الطريق الرئيسي. مسكن مثير للإعجاب يشبه إلى حد ما نقابة المغامرين أو حانة. بدا الباب جديدًا جدًا ليكون الأصلي، وكان مطليًا باللون الأسود الحالك مع شعار نمر شرس في المنتصف.
بينما كنت أتحرك نحو الباب، خرجت مجموعة من الرجال يرتدون ملابس سوداء بالكامل. كانوا يرتدون معاطف متطابقة مع ذلك الشعار الذي يمثل نمرًا مطرزًا على الظهر. ولأسباب لم أستطع سوى تخمينها، كانوا جميعًا يحملون معاول ومناجل. “هيا يا رفاق، لننطلق! ووه!”
“أجل!”
أخذوا يحمسون بعضهم البعض بينما مروا بجانبي، متجهين نحو الطريق الرئيسي.
كان ذلك مقلقاً. كانوا أشبه بمجموعة من مشجعي الرياضة المهووسين المتجهين لتشجيع فريقهم في مباراة بيسبول. لا شك أنهم اقتنعوا بأن النمور أقوى من أي أسد، وكانوا في طريقهم للاشتباك مع بعض الأسود كتدريب قتالي. هذا أمر مرعب حقاً. هل سأكون بخير؟
بفضل تدريب أورستيد، أصبحت أقوى. حتى أنني توقفت عند المكتب لأرتدي درعي السحري لهذه المناسبة، تحسباً لأي طارئ. سأكون بخير، بالتأكيد. لا توجد طريقة تجعلني أخسر أمام بضعة بلطجية من رتبة منخفضة. وعلى أية حال، لم أستطع التراجع لمجرد أنهم مخيفون. أختي الصغيرة اللطيفة ايشا كانت تتسكع مع هؤلاء الأوغاد. وبغض النظر عن مدى ذكائها، ستكون عاجزة في أي قتال. على الأقل كانوا يسمحون لها بالعودة إلى المنزل ليلاً، لكن لا يمكن معرفة ما كانوا يفعلونه بها خلال النهار. كان عليّ إنقاذها، بغض النظر عن عدد الأعداء الذين سيواجهونني.
سيسير كل شيء على ما يرام. كنت أعرف بالفعل التكتيكات التي يجب أن أستخدمها عند مواجهة أعداد غفيرة. سدد ثلاث لكمات، ثم استدر للحظة ووجه لكمة واحدة في الهواء، ثم عد ووجه ثلاث لكمات أخرى. تماماً كما في لعبة “فاينال فايت”؛ قاطع السلسلة القتالية لتبدأها من جديد وتطرح خصمك أرضاً. سيكون ذلك كافياً للقضاء عليهم.
“عـ-عذراً على الاقتحام…” دفعت الباب وخطوت إلى الداخل.
انتشر أمامي شيء يشبه الردهة: مساحة واسعة تتخللها براميل على مسافات معينة. لماذا البراميل؟ لأنها كانت تستخدم كطاولات مؤقتة. كان هناك العديد من الأشخاص يجلسون حولها ومعهم زجاجات الخمور، يحتسونها بمرح. تماماً مثل الحانة. ومع ذلك، كان هناك شيء واحد يميزهم: كل شخص هنا يرتدي نفس المعطف الأسود الذي يحمل شعار النمر على ظهره.
يا لللعنة. الآن بدأت أرتجف من الخوف.
“هل لديك عمل هنا؟” لاحظني أحدهم—رجل وحش بوجه أسد—وتقدم نحوي. كان أطول مني وأضخم. بالكاد كان معطفه يتسع لما لا بد أنه عضلات مثيرة للإعجاب.
لسوء حظه، الضخامة لا ترتبط بالقدرة القتالية. لم يكن أورستيد ولا رويجيرد يبدوان كأنواع مفتولي العضلات، لكنهما كانا قويين بشكل لا يصدق على أية حال.
“أمم، حسناً، كما ترى…” تمتمت. “أختي. جئت لرؤيتها. هل يمكنك إخباري ما إذا كانت هنا؟”
كان من المهم أن أكون مهذباً. حتى لو كانت قوتي تتضاءل أمام قوة هذا الرجل تماماً، فكان لا يزال هناك بروتوكول يجب اتباعه. كان جزء من سر نجاحي في هذا العالم هو كوني مهذباً مع كل من أقابله لأول مرة. وبالتأكيد لم يكن ذلك لأنني كنت أشعر بالرهبة. لا يا سيدي.
“أختك، هاه؟” بنظرة مريبة، فحصني الرجل للحظة قبل أن يمسح الردهة بنظره.
الآن بعد أن هدأت قليلاً وأصبحت قادراً على النظر حولي، لاحظت وجود عدد كبير من النساء، حتى بين أولئك الذين يرتدون الأسود بالكامل. لم يبدون مريبات بالضرورة، لكنهن بدين جميعاً كمحاربات ذوات ماضٍ. على أقل تقدير، كنّ قد عشن حياة أقسى بكثير من الطلاب الذين يرتادون جامعة رانوّا للسحر. أعتقد أن ذلك جعلهن مريبات نوعاً ما. ومع ذلك، لم تكن ايشا بينهن.
“اعذرني لثانية،” قال الرجل وهو يميل نحوي.
ماذا؟ هل تريد قتالاً، هاه؟ من تظن نفسك؟ فـ-فقط لتعلم، أنا صديق مقرب لـ أورستيد! توترت، مستعداً لأن تسوء الأمور، لكن الرجل اكتفى بشم الهواء حولي. على ما يبدو كان يتفحص رائحتي.
هذا محرج نوعاً ما. أملت رأسي، في حيرة.
في منتصف ذلك، قطب حاجبيه. تجمد ودرس وجهي للحظة، ثم تراجع بضع خطوات.
تباً. هل رائحتي كريهة إلى هذا الحد؟ أعتقد أنني عدت إلى المنزل للتو، لذا لم تتح لي فرصة للاستحمام بعد.
“عذراً، لكن آه، هل أنت… شقيق الآنسة ايشا؟” سأل. على ما يبدو كان قادراً على معرفة ذلك من الرائحة العرقة لجسدي غير المغتسل.
“أمم، نعم، هذا صحيح. اسمي روديوس غرايرات. هل… أعني، هل ايشا موجودة؟”
بالطبع. كان من المهم إجراء التعريفات. كانت الخطوة الأولى للتواصل السليم هي ذكر اسمك وإخبار الشخص الآخر بمن أنت مرتبط. كنت مشهوراً جداً في المدينة، لذا كان تقديم نفسي طريقة جيدة لتثبيط الناس عن القيام بأي شيء غير لائق.
فجأة اندلع ضجيج حولي. في اللحظة التي نطقت فيها اسمي، تغير الجو في الغرفة. كل شخص في الجوار ممن سمع صوتي حول نظره فجأة نحوي.
“غرايرات، قال ذلك.”
“إذن ذلك الرجل هناك هو…”
“كنت أعلم أنني سأراه يوماً ما، لكن لم أتوقع أن يكون اليوم…”
شعرت أنني في غير مكاني تماماً. هذا لا يبشر بالخير. كان هناك شيء مألوف في هذا الأمر. على حد تذكري، كانت إيريس قد فقدت صوابها في الماضي، واضطررت للذهاب والاعتذار للمجموعة التي ضربتها—مجموعة تشبه هذه. الجو الآن كان يبدو تماماً كما كان في ذلك الوقت.
ربما كانت إيريس قد لقنت هؤلاء الرجال درسًا بالفعل؟ انتظر، سيكون ذلك غريبًا. في هذه الحالة، لماذا لم تعد ايشا إلينا؟ ربما أقنعت ايشا إيريس بالتراجع؟ حسنًا، لكن مهلًا. هذا يعني أنها هنا بمحض إرادتها، أليس كذلك؟ مستحيل. لا بد أن هؤلاء الرجال كانوا يهددونها.
تبًا. ربما ما كان ينبغي عليّ إخبارهم باسمي الحقيقي. كان من الأفضل لو أعطيتهم اسمي المستعار، روكواغ ماير. لكن الأوان قد فات على الندم.
“…هذا يعني أنك الرئيس!”
“إنه رئيسنا!”
“الرئيس روديوس!”
لسبب ما، بدأ جميع الأشخاص في الغرفة بالانحناء. لم تكن انحناءة عادية، بل وقفوا جميعًا بانتباه وأدوا انحناءة بزاوية خمس وأربعين درجة، كما تقتضي الإتيكيت الياباني. وما جعل الأمر أكثر غرابة هو أنهم فعلوها جميعًا في وقت واحد.
“أوه؟” رمشت ببطء. بحق الجحيم، ما الذي يحدث هنا؟
كان الرجل الذي أمامي قد انحنى لدرجة أنني استطعت رؤية قمة رأسه. قال: “أقدم أعمق اعتذاراتي لعدم التعرف عليك على الفور، أيها الرئيس”.
“عذرًا؟” قلتها بعفوية.
“المستشارة في هذا الاتجاه. سأرشدك إلى هناك”.
“مستشارة؟ أوه، حسنًا إذًا”. كنت أواجه صعوبة في مجاراة مسار هذه المحادثة.
استقام الرجل في وقفته، وذيله منتصب تمامًا وهو يشير لي بالدخول إلى عمق المبنى. قد لا أكون فهمت ما كان يتحدث عنه، لكن إذا كان مستعدًا لإرشادي، فأقل ما يمكنني فعله هو اتباعه. صعدنا إلى الطابق التالي، حيث قادني إلى إحدى الغرف الداخلية وقال: “من خلال ذلك الباب”.
كانت الغرفة مظلمة نوعًا ما، وكانت صورة لرجل غامض ووسيم معلقة على الحائط تضفي على المكان طابعًا مخيفًا. في هذه الغرفة وجدتهم؛ أكثر الأشخاص إثارة للريبة في المدينة بأكملها. كانوا يرتدون نفس المعاطف السوداء التي رأيتها على المجموعة في الطابق الأول، ورغم أننا كنا نقترب من فصل الصيف، كانوا يرتدون ما يشبه الأوشحة البيضاء حول أعناقهم. وعلى الرغم من أن الغرفة كانت مغلقة تمامًا ومضاءة بضعف، إلا أنهم كانوا يرتدون نظارات شمسية. كان الاثنان يجلسان مقابل بعضهما البعض، ويبتسمان بخبث بينما يعدان العملات الذهبية معًا.
“ميوهاهاها! كان قرارًا جيدًا حقًا شراء هذه النظارات الشمسية في نهاية المطاف. وإلا لكان بريق هذه العملات الذهبية قد أصابني بالعمى، ميو!”
ضحكت إحداهما بقهقهة، وارتسمت على وجهها ابتسامة غير سارة. ربما كان السبب هو نقص الإضاءة في الغرفة، لكن أسنانها بدت وكأنها تلمع كالذهب أيضًا. جعلت النظارات الشمسية من المستحيل قراءة تعابير وجهها، لكنني لم أكن بحاجة لرؤيته لأعرف أن المال قد صعد إلى رأسها. ربما كانت عيناها الآن على شكل علامات دولار. بالنسبة لي، كانت قد أصيبت بالعمى بالفعل.
“آه، كدت أنسى. ها هي رسوم هذا الشهر، ميو”.
“جيد جدًا”. أومأت الفتاة الصغيرة بجانبها، والتي كانت ترتدي نظارات أيضًا. جلست بوقار على كرسيها، مائلة إلى الخلف بغطرسة وكأنها رئيسة مؤسسة كبرى. أبقت ذقنها مرفوعًا بينما دفعت المرأة الأخرى كومة العملات الذهبية نحوها. لا بد أنها كانت عشر عملات على الأقل.
مما استطعت تمييزه، لم تكن العملات الذهبية من عملات مملكة أسورا، بل من النوع المستخدم هنا في مملكة رانوّا.
قامت الفتاة الأصغر بعدّ المال الذي تسلمته بشكل روتيني وألقته في كيس نقود فارغ كان ملقى بالقرب منها. دونت المبلغ بسرعة ووقعت باسمها قبل أن تمرر الإيصال إلى المرأة ذات أذني القط.
“هذا كل شيء، تم استلام الدفعة”، قالت.
“أجل، ميو!”
“وماذا أيضًا؟” أشارت الفتاة الأصغر بذقنها نحو المرأة ذات أذني القط، لتحثها على المزيد.
“ميوهاهاها! وهذه هي رسوم الاستشارة، ميو”. مررت المرأة ذات أذني القط إحدى الأبراج الصغيرة المكونة من عملات ذهبية. ربما كان هناك حوالي خمس أو ست عملات في كل كومة. “بهذا، آمل أن أتوقع منك الاستمرار في العمل معي، ميو، أليس كذلك؟”

“بالطبع. أنوي الاستمرار في العمل معكِ لفترة طوييييلة قادمة”.
“ميوهاهاها!” قهقهت المرأة ذات أذني القط. “أنتِ حقًا فاسدة حتى النخاع، أليس كذلك؟”
ارتسمت على شفتي الفتاة الأصغر ابتسامة ماكرة وهي ترد: “هيهيهي، لستِ بفسادي يا لينيا”. وضعت المال في كيس نقود آخر قبل أن تضعه داخل مقدمة فستانها، في الفجوة بين ثدييها. “أوه!”
أخيرًا، لاحظتا وجود الشاب الوحشي وأنا نقف عند المدخل.
“الرئيس روديوس هنا لرؤيتكما، الرئيسة لينيا والمستشارة ايشا”.
نعم، بالفعل. الشخصيتان اللتان ترتديان النظارات الشمسية أمامي كانتا في الواقع لينيا وايشا.
رحبت بي الفتاتان وأشارتا لي بالجلوس، فجلست على الأريكة بينما اتخذتا مقعديهما مقابلتي.
“ما هذا؟ ما الذي يجري هنا؟”
قررت أنه من الأفضل أن أفهم الموقف قبل الحديث عن أي شيء آخر. ففي النهاية، لقد أمرت الاثنتين بتجميع مجموعة من الناس. لكنني لم أستأجر هذا المبنى ولم أخبرهما بجعل الجميع يرتدون الأسود. كما أن عدد الأشخاص هنا أكبر بكثير مما تخيلت.
“حسنًا، كما ترى يا أخي الأكبر… لقد فعلنا ما أخبرتنا به. جمعنا الناس وقمنا ببعض الأعمال معهم”، قالت ايشا.
أومأت برأسي. “أجل. أعطني التفاصيل.”
أطلعتني ايشا على الحقائق. فبعد أن غادرت في مهمتي، شرعت لينيا وايشا على الفور في توظيف الأشخاص. ركزتا بشكل أساسي على الطلاب الذين لا يزالون يرتدون الجامعة، والخريجين، وأشخاص من نقابة المغامرين. وقبل أن تدركا ذلك، كان لديهما ثلاثون عضواً. هذا صحيح، ثلاثون من العدم. ومع وجود هذا العدد الكبير من الأشخاص، كان المستودع الصغير الذي اشتريته ليكون مكتبنا ضيقاً للغاية. باعت ايشا المستودع بسرعة، ثم استخدمت علاقاتها الشخصية لطلب الرعاة واستئجار هذا المبنى بدلاً منه. أما بالنسبة للصورة المعلقة في الغرفة للرجل الوسيم، فقد كانت في الواقع صورتي؛ حيث قام زانوبا برسمها على هيئتي. لكنه بالغ في تجميل ملامحي لدرجة أنها لم تعد تشبهني في أدنى شيء.
قالت ايشا: “كما يمكنك أن تتخيل، لم يكن هناك أي تضامن بين أعضائنا لأننا جمعنا الفريق على عجل… ناهيك عن أننا لم نكن نملك حتى فكرة ملموسة عن كيفية عملنا”.
وبما أن جذب الناس لم يستغرق أي وقت على الإطلاق، فقد كان لديهم وقت طويل للانتظار حتى أعود من مهمتي. كانوا سيفقدون الأعضاء إذا لم يقرروا الاتجاه الذي يريدون أن تسلكه الشركة. ولهذا السبب زارت ايشا القلعة الطافية لاستشارة ناناهوشي. لقد سرقت الناي من غرفتي—ذلك الذي أعطاني إياه بيروجيوس في حال احتجت إليه يوماً ما—واستدعت ألمانفي ليأخذها إلى هناك. ثم قدمت احترامها لبيروجيوس قبل أن تقابل ناناهوشي وتتلقى بعض التوجيهات.
حدقت فيها للحظة، وفقدت القدرة على الكلام. “هاه؟ هل قابلتِ اللورد بيروجيوس؟”
“أجل. لقد كان شخصاً رائعاً حقاً.”
كانت تلك خطوة جريئة، وربما خطيرة، للقيام بها دون أن تنبس ببنت شفة لي. كان بإمكان بيروجيوس إنهاء حياتها في ثوانٍ لو أنها أزعجته. على الرغم من أن… لا. لقد كان كريماً جداً في النهاية، وأكثر رزانة من أن يفقد أعصابه عند التعامل مع شخص في عمر ايشا. علاوة على ذلك، إذا علقت ببراءة على مدى “روعة” بيروجيوس، فمن المحتمل أن تعاملها سيلفاريل معاملة تفضيلية.
تابعت ايشا: “وهكذا، كما ترى…”
كانت اقتراحات ناناهوشي هي الزي الموحد، والأخلاق الحميدة. فمن خلال جعل الجميع يرتدون نفس الملابس، تعزز لديهم شعور التضامن حتى لا يتركوا الفريق بسهولة، حتى لو لم يكن لديهم اتجاه واضح. علاوة على ذلك، فإن تعليمهم العادات والآداب العسكرية من شأنه أن يزيد من ثقة العملاء.
أخذت ايشا نصيحة ناناهوشي على محمل الجد واشترت بعض الملابس الرخيصة والفائضة من أحد متاجر معارفها. وهذا ما أدى إلى ظهور المعاطف السوداء الكئيبة. حتى ايشا أدركت أن الملابس السوداء بالكامل ستبدو بمظهر سيء، لذا اشترت بعض القماش الأصفر الفائض من نفس المتجر باستخدام مالها الخاص، ثم خاطت شعارات الفئران على كل معطف.
نعم، شعارات فئران. لقد استلهمت الفكرة من اسمنا غرايرات. وبما أنه كان أصفر على أسود، فقد ظننت بالتأكيد أنها كانت تهدف إلى أن تكون نموراً.
أوه، لقد نجوت من ورطة حقيقية. من حسن حظي أنني لم أخبرها بمدى روعة شعارات النمور التي ظننتها.
بمجرد أن أصبحوا جميعاً يرتدون نفس الملابس، بدأت ايشا في تعليمهم الأخلاق الحميدة، مثل كيفية الانحناء بشكل صحيح. الانحناء المثالي بزاوية خمس وأربعين درجة هو ما نسميه “أوجيجي” باليابانية. كان من السهل على أي شخص تعلمه، وسيفهم الناس بلمحة واحدة أن الشخص يحاول أن يكون محترماً.
على أي حال، هكذا اجتمع كل شيء معاً—منظمة من أشخاص يرتدون ملابس سوداء بالكامل ويحنون رؤوسهم بشدة.
بعد الانتهاء من ذلك، بدأت ايشا تفكر فيما يمكنها أن تجعل هؤلاء الموظفين الجدد يفعلونه. كان معظمهم من عرق الوحوش الذين جندتهم لينيا. لم تكن لديهم أي مواهب حقيقية خارج القتال. نحن نتحدث عن أنواع رياضية مدمنة على رفع الأثقال، ولا يستطيعون حتى قراءة الأرقام، ناهيك عن الحروف. كانت هناك بعض العقول النيرة بينهم، لكن مقابل كل شخص ذكي كان هناك خمسة آخرون على الأقل من أصحاب العقول المحدودة.
الفكرة الوحيدة التي خطرت ببالي لمجموعة كهذه هي العمل كمرتزقة، وهذا ما قررت الفتيات القيام به. كما ساعدهن ذلك في اختيار اسم، استمدوه من الاسم المستعار الذي كنت أستخدمه غالباً: فرقة مرتزقة روكواغ.
كانت هناك مشكلة واحدة، مع ذلك. كانت شاريا تقع في قلب دول السحر الثلاث، وهي أماكن سلمية نسبياً. لم تكن هناك حروب دائرة، وكان سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً لنشر الناس في أماكن غارقة في الصراعات. لذا ابتكرت ايشا فكرة عمل الحراس الشخصيين. مقابل سعر محدد، يمكن للشخص استئجار العديد من مرتزقتنا لفترة من الوقت. يتم تعيين شخص واحد كقائد للمجموعة، وهو من يتخذ القرارات أثناء المهمة. وإذا مات شخص ما أو أصيب أثناء العمل، فسترسل الشركة بديلاً على الفور.
بمعنى آخر، كانوا يؤجرون حراساً شخصيين. بالتأكيد ليسوا عصابة إجرامية. قطعاً لا.
“وبمجرد أن بدأنا العمل، حققنا شهرة واسعة على الفور.”
مع تولي أميرة قبيلة دولديا قيادة الشركة، تمكنت من كسب قدر غير عادي من ثقة الناس. وفوق ذلك، جعلت دعاية ايشا والعلاقات الشخصية للأعضاء الأفراد المجموعة تحظى بشعبية سريعة. وفي غضون أربعة عشر إلى خمسة عشر يوماً من تأسيس الفرقة، كانوا يتلقون بالفعل طلبات من شخصيات بارزة مثل فرسان مملكة رانوّا، ونقابة السحرة، وورشة الأدوات السحرية. كانت عضويتهم تتزايد في هذه الأثناء، ولهذا السبب كان لديهم حالياً حوالي خمسين شخصاً في المدينة.
كانت شاريا تضم جميع أنواع الناس: فرساناً، وطلاباً، وحدادين، وحرفيي ورش، وغيرهم. وبشكل طبيعي، تشكلت فصائل داخل هذا التنوع، مما أدى إلى عدد من المشاجرات والخلافات البسيطة. وقد خلق ذلك حاجة إلى صناعة متخصصة—طرف محايد يمكنه حماية المتورطين.
إذا لم نتوخَّ الحذر، فقد تصبح فرقة المرتزقة فصيلاً خاصاً بها، ولكن لهذا السبب رأت ايشا أنه من الأفضل قبول الطلبات من أي شخص دون تمييز، من أجل الحفاظ على هذا الحياد.
قالت ايشا: “لقد كنا نخصص جزءاً مما نكسبه كرسوم للشركة، ولكن حتى مع ذلك، فقد جمعنا مبالغ أكثر بكثير مما كنت أتخيل”.
“أصبتِ في ذلك، ميو. الجميع يدفعون لنا رسوماً أكثر بكثير مما كنا نظن أنهم سيفعلون. إنهم أناس صادقون، كلهم، ميو.”
وهكذا أنشأوا منظمة حراسة شخصية تختلف قليلاً عن نقابة المغامرين. كما حققوا أرباحاً جيدة في هذه العملية، مما جعل بداية عملنا سلسة. بالطبع، لم يكن إجمالي الإيرادات كبيراً؛ وسيستغرق الأمر وقتاً طويلاً جداً جداً قبل أن تتمكن لينيا من سداد كل ما تدين به. ولكن مع ذلك، إذا قمنا بتوسيع أعمالنا أو تغيير خدماتنا بعد ملء خزائننا، فقد تتمكن من سدادها بسرعة كبيرة. في الواقع، لم أمانع في شطب بقية ما تدين به بمجرد أن تعيد نصفه على الأقل. لم أكن أسعى وراء المال على أي حال.
زممت شفتي.
بصراحة، كان هذا مختلفاً تماماً عما تخيلته في رأسي. لا، ربما لم يكن ذلك مهماً. إذا كانت الأمور تسير بسلاسة، فهذا يكفي. لم أحلم أبداً بأن تسير الأمور بهذا الشكل الجيد. كنت أظن أن لمسة ايشا الماهرة هي المسؤولة عن نجاح هذا المشروع. كانت عبقرية، ولو لم تكن جادة بشأن القيام بذلك، لاستغرق الأمر وقتاً أطول بكثير حتى تنطلق الأعمال. لم أعتقد أبداً أنها ستكون بهذا التفاني.
قلت متنهداً: “لم أدرك أنك تحبين المال بهذا القدر يا ايشا”.
“مهلاً، ليس الأمر كذلك على الإطلاق.” زمّت ايشا شفتيها في عبوس، كما لو كانت تشعر بالإهانة من هذه الفكرة. “الشيء الوحيد الذي أحبه بهذا القدر هو أنت، أيها الأخ الأكبر. لقد قلت إن هذا سيكون في مصلحتي، لذا فقد بذلت قصارى جهدي بنسبة مئة وعشرة بالمئة.”
“ايشا…”
تألقت عيناها وهي تنظر إلي. يا إلهي، كانت لطيفة جداً. لو لم تكن أختي، لربما شعرت بالإغراء.
أضافت ايشا: “أيضاً، سيكون أمراً مزعجاً للغاية إذا عادت هذه القطة إلى المنزل”.
آه، ربما هذا هو السبب الحقيقي. ظننت أنهما تبدوان متوافقتين بشكل جيد، لكن أعتقد ربما كنت مخطئاً، هاه؟ كلا، هذا شيء. وهذا شيء آخر.
قلت وأنا أربت على رأسها: “حسناً، مهما كان الأمر، فقد قمتِ بعمل جيد”.
ابتسمت ايشا ابتسامة عريضة. “إيهيهي، شكراً لك!”
بغض النظر عن الظروف، على الأقل وجدنا طريقة لتبدأ لينيا في سداد ديونها. لا بد أن هناك بعض المواهب الواعدة في المكتب أيضاً، بالنظر إلى عدد الأشخاص الذين جمعوهم. بالتأكيد سيكون لدى أحدهم براعة في التجارة. ربما يمكنني العثور على شخص للعمل في شركة أورستيد بالإضافة إلى شخص لتوظيفه كموظف متجر لمساعدتنا في بيع تماثيل رويجيرد.
أعتقد أنه لا ينبغي أن أتفاجأ بوصولهم إلى هذا الحد في شهر واحد فقط، ولكن هذه هي ايشا. ربما قللت من تقدير مدى كفاءتها.
اقترحت قائلاً: “مع ذلك، كانت ليليا قلقة، لذا دعنا نجلس ونتحدث قليلاً في المنزل”.
عبست ايشا وقالت: “ماذا؟ لكن الأم عنيدة جداً. لن تفهم حتى لو شرحت لها، وأريد الاستمرار في القيام بهذا النوع من العمل لفترة قصيرة”.
“سيكون الأمر على ما يرام. سأشرح لها أنني طلبت منكِ القيام بذلك.”
سأشعر بالسوء إذا أجبرتها على الاستمرار إذا كانت غير راغبة، ولكن بشكل غريب، كانت ايشا متحمسة للاستمرار. سأسمح لها إذا كان هذا ما تريده. بالإضافة إلى ذلك، رؤية مقدار ما أنجزته هنا جعلني أشعر أنه من الهدر إبقاؤها مجرد خادمة في المنزل.
قالت: “حسناً. أنا أثق بك يا أخي الأكبر. أنت تعلم أنها تكون لينة جداً عندما يتعلق الأمر بك. لذا تأكد من شرح كل شيء لها بشكل صحيح، حسناً؟”
وبهذا، أصبح لدي مرؤوسون خاصون بي تحت اسم شركة فرقة مرتزقة روكواغ. لم يسبق لي أن كان لدي أشخاص يعملون تحت إمرتي هكذا. يمكنني استخدامهم في كل أنواع الأشياء من أجلي في المستقبل. فُتحت أمامي الكثير من الاحتمالات.
“أوه نعم، أيها الزعيم!”
غارقاً في أفكاري، كنت على وشك اصطحاب ايشا إلى المنزل عندما نادتني لينيا.
سألت: “ما الأمر؟”
“وصلتني رسالة مؤخرًا من الغابة العظيمة، مياو.”
هوه. من الغابة العظيمة؟ افترضت أنها مكتوبة من قِبل بورسينا.
ناولتها لي لينيا. لاحظت أنها موجهة إليها، وكانت قد فتحتها وقرأت محتواها بالفعل. لم يكن هناك اسم يشير إلى هوية المرسل، مما جعلني أتساءل كيف عرفت أنها قادمة من الغابة العظيمة. ربما الرائحة؟ دون إضاعة أي وقت، سحبت الرسالة المطوية بالداخل وألقيت نظرة سريعة على المحتوى.
حبست أنفاسي في حلقي.
لم يضيع الكاتب أي وقت في التحيات الموسمية أو أي شيء من هذا القبيل.
كانت رسالتهم قصيرة وبسيطة، مكتوبة بلغة الوحوش: مشكلة كبيرة!
لقد اختفى الوحش المقدس! نطلب عملية بحث وإنقاذ طارئة!
“من جانبه، قال الوحش المقدس أن نتركه وشأنه وألا نقلق بشأنه، لذا فمن المحتمل ألا يكون الأمر جللًا، مياو.” شبكت لينيا أصابعها خلف رأسها وضحكت.
بصمت، عقدت العزم على زيارة الغابة العظيمة. ربما ستكون فكرة جيدة أن آخذ هدية معي أيضًا، كنوع من الاعتذار.
فرقة رويجيرد للمرتزقة
الرئيس: روديوس غرايرات
الرئيس التنفيذي بالإنابة: لينيا ديدولديا
المستشارة ونائبة الرئيس: ايشا غرايرات
عدد الموظفين: حوالي خمسين
العلامة التجارية: جزء من شركة أورستيد
المستشارة: الصامتة ناناهوشي
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.