خرجا إلى شارع لم يتذكر أورِن أنه مر به من قبل، أوسع من الشوارع التي عرفاها في اليوم السابق، تصطف على جانبيه عربات صغيرة تبيع الفاكهة المجففة والتوابل، ورائحة قوية تختلط فيها القرفة بشيء آخر لم يستطع تسميته.
توقفت مارِن أمام عربة فاكهة، وسألت البائع عن نوع تمر غريب الشكل، وأخذت حبة منه لتتذوقها قبل أن تشتري، وضحكت حين وجدت طعمه أحلى مما توقعت.
“جربه.” قالت، ومدّت له واحدة.
“حلو أكثر من اللازم.”
“أنت لا تحب أي شيء حلو.”
“أحب أشياء كثيرة حلوة.”
“اذكر واحدًا.”
لم يجد جوابًا سريعًا، فضحكت مارِن وتابعت السير.
مرّا بعد ذلك بمتجر صغير لبيع الأزرار والخيوط، حيث أمضت مارِن وقتًا طويلاً تقارن بين لونين من الخيط الأزرق، تقلّب بكرة بين يديها، تقرّبها من ضوء الشمس عند الباب، ثم تعيدها وتأخذ الأخرى.
“لن يلاحظ أحد الفرق.” قال أورِن.
اشترت البكرتين معًا في النهاية.
عند الظهر تقريبًا، وصلا إلى سوق الأقمشة نفسه الذي زاراه بالأمس، أو هكذا بدا له، الزقاق نفسه، الأقمشة المعلقة فوق الرؤوس، الرجل العجوز عند المنضدة الأولى.
“ظننت أننا كنا هنا أمس.” قال أورِن.
نظرت إليه مارِن بشيء من الحيرة. “لم يكن أمس.”
“كان أمس.”
توقفت لحظة، عيناها تتحركان بسرعة كأنها تحاول تذكر شيء هرب منها. “لا أعرف لماذا قلت هذا.” قالتها أخيرًا، بنبرة عادية، وواصلت السير نحو المنضدة الأولى، وكأن الجملة لم تعنِ لها شيئًا.
لم يلح أورِن على الموضوع. ربما أخطأ هو في العد. الأيام كانت متشابهة مؤخرًا، وربما مرّ يوم أو يومان بينهما دون أن ينتبه.
اقترب الرجل العجوز، وبدأ يشرح عن قماش جديد وصل، أزرق داكن بخيوط ذهبية، وسألته مارِن عن سعره وكأنها لم تسمع هذا الشرح من قبل، رغم أن أورِن كان متأكدًا، تقريبًا متأكدًا، أنه سمع الكلام نفسه قبل يوم.
بعد ساعة أو أكثر، وهما يتنقلان بين المنضدات، توقفت مارِن أمام قطعة قماش زرقاء فاتحة، لمستها بإعجاب واضح.
“هذه جميلة.” قالت.
“اشتريتِها بالأمس.”
نظرت إليه، ثم إلى يديها الفارغتين من أي قماش أزرق. “لا، لم أفعل.”
“أنا متأكد.”
بحثت في الحزمة التي تحملها، وأخرجت قماشًا أزرق، مطويًا بعناية، وبدأت بالفعل ببعض الخياطة عليه، خطوط متقنة تمتد على أحد أطرافه.
“هذا ليس من الأمس.” قالت، وهي تتفحصه بارتباك خفيف. “لقد عملت عليه بالفعل. انظر.”
كان صحيحًا. العمل متقدم أكثر مما يمكن أن يحدث في ليلة واحدة، خياطة دقيقة تحتاج ساعات طويلة.
“متى بدأتِ هذا؟”
فكرت مارِن، شفتاها تتحركان دون أن يخرج صوت واضح. “لا أعرف بالضبط. ربما بدأت مباشرة بعد أن اشتريته.”
لم يبدُ الجواب مقنعًا لها هي نفسها، لكنها هزت كتفيها وأعادت القماش إلى الحزمة، وتابعت السير نحو منضدة أخرى، وكأن السؤال لم يترك أثرًا يستحق التوقف عنده.
نظر أورِن إلى ذراعه، حيث كان هناك خدش قديم من التدريب مع الأفعى، والتفتت إليه مارِن في تلك اللحظة بالذات، وقالت: “هذا الجرح يبدو أقدم مما أتذكره.”
“إنه من التدريب.”
“أعرف. لكنه يبدو… لا أعرف. أقدم.”
لم يجد أورِن ما يقوله. لمس الجرح بإصبعه، حاول أن يتذكر متى حدث بالضبط، ووجد أن التاريخ نفسه أصبح أقل وضوحًا مما توقع، كأنه يحاول الإمساك بشيء يتراجع كلما اقترب منه.
جلسا بعد ذلك عند طاولة صغيرة أمام أحد المتاجر، يأكلان شيئًا اشترته مارِن من بائع قريب، ولم يعد أورِن متأكدًا إن كانا قد أكلا شيئًا آخر قبل ذلك في اليوم نفسه.
“كم يومًا ونحن هنا؟” سألها، بلا سبب واضح، فقط لأن الفكرة مرت في رأسه فجأة.
توقفت مارِن عن الأكل لحظة. “في العاصمة؟”
“في هذا المكان. الفندق. أو أينما نحن.”
فكرت، ونظرت إلى الأفق كأنها تبحث هناك عن الجواب. “مدة.” قالت أخيرًا. “لا أعرف بالضبط.”
انتقلت بعدها، دون تردد يذكر، إلى الحديث عن قطعة القماش التي تريد شراءها قبل العودة، وتبعها أورِن في الحوار، وإن بقي شيء من السؤال معلقًا في مكان ما خلف كلماته.
لاحظ، بعد فترة، أن الشمس تغيرت زاويتها أكثر مما توقع. قال لنفسه إن الوقت يمر بسرعة حين يكون المرء منشغلاً، وحاول أن يتذكر متى خرجا من الفندق ذلك الصباح، فوجد الصورة أقل وضوحًا مما ينبغي، كأن الصباح نفسه امتزج بصباح آخر لا يستطيع تمييزه عنه.
“يجب أن نعود.” قال، دون قناعة كاملة.
“لماذا؟”
“إليان قال شيئًا عن الوقت.” حاول أن يتذكر الكلمات بدقة، فلم يستطع. “لا أذكر بالضبط ماذا.”
“سنعود حين نريد.” قالت مارِن، بنبرة عادية، دون أي شعور بالإلحاح.
لم يجادلها.
عادا في وقت متأخر من بعد الظهر، أو هذا ما بدا له من لون السماء، إلى نُزل صغير في حي هادئ، بابه خشبي بسيط، ودرج ضيق يصعد إلى غرفة في الطابق الثاني.
فتح أورِن الباب دون تردد، كأنه فعل هذا مرات كثيرة من قبل، ودخلت مارِن خلفه، تضع حزمة القماش على كرسي بجانب النافذة، بجانب حزم أخرى مشابهة كان أورِن متأكدًا أنها ليست من اليوم.
جلست على حافة السرير، وأخرجت القماش الأزرق من جديد، وبدأت تخيط بهدوء، حركات يديها سريعة ومريحة، كمن اعتاد العمل نفسه كثيرًا.
راقبها أورِن وهو يخلع معطفه، ثم قال، دون تفكير عميق، بنفس النبرة التي يقول بها أي ملاحظة عابرة: “يجب أن نعود. إليان سيكون منتظرًا، ولا أريد أن يعطينا محاضرة جديدة.”
توقفت مارِن.
لم تنظر إليه فورًا. بقيت أصابعها معلقة فوق القماش، الإبرة في منتصف غرزة لم تكملها.
“إليان؟” قالت، بنبرة لم يفهمها.
نظر إليها أورِن.
رفعت عينيها أخيرًا، وفيهما شيء يشبه الارتباك أكثر من أي شيء آخر رآه فيها منذ استيقظا هذا الصباح.
“أورِن…” قالت، ببطء. “هل أنت بخير؟”
لم يجب.
“نحن في هذا الفندق منذ أسبوع.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.