اشربها في صالة التدريب.” قال إليان. “لا في مكان آخر.”
“لماذا هناك تحديدًا؟”
“لأنك ستحتاج إلى مساحة، وإلى شيء يراقبك.” لم يوضح أكثر من ذلك. لم يقل ما الذي قد يحدث ليحتاج أورِن إلى مراقبة، ولم يسأل أورِن أكثر، لأنه عرف من نبرة إليان أن الإجابة لن تختلف مهما أعاد السؤال.
أمسك بالقارورة، شعر بثقلها غير الطبيعي في راحته، وسار نحو صالة التدريب دون أن ينظر خلفه.
كانت الأفعى ملتفة في وسط القاعة حين دخل، رأسها مرفوعًا قليلاً، عيناها السوداوان تتابعانه منذ أن فتح الباب. توقف عند حافة الدائرة الحجرية المعتادة، ووضع القارورة أمامه على الأرض.
اعتاد وجودها هنا. لم يعد يشعر بذلك الرعب الأول الذي عرفه أول مرة رآها فيه، بل بشيء أقرب إلى احترام حذر، كمن يعرف أن الشيء الذي أمامه يستطيع قتله في أي لحظة، لكنه اختار، حتى الآن، ألا يفعل.
أمسك بالقارورة مرة أخرى، رفعها إلى مستوى عينيه، ونظر إلى السائل الداكن يتحرك ببطء غريب داخلها، ثم شربها دفعة واحدة، قبل أن يمنح نفسه فرصة للتراجع.
لم يحدث شيء.
لثانية، ثانيتين، ثلاث، بقي واقفًا كما هو، يتنفس بشكل طبيعي، يتساءل إن كان قد أخطأ في فهم شيء ما.
ثم شعر بشيء يمسك بقلبه.
لم يكن ألمًا عاديًا في الصدر. كان إحساسًا حقيقيًا، لا يستطيع تفسيره، بأن شيئًا داخل جسده أمسك بقلبه فعليًا وبدأ يسحبه من مكانه، ببطء، بثبات، دون أن يهتم بصراخه الداخلي.
سقط على ركبتيه.
نبضه ارتفع بجنون، وضاق تنفسه، ورؤيته بدأت تتموج عند أطرافها. شعر بجسده يزداد ثقلاً للحظة، ثم يخف فجأة، وكأن قوانين الوزن نفسها تتلاعب به. أصوات القاعة، خطوات الأفعى، صرير الحجر تحت جسده، كل ذلك وصل إليه بحدة مبالغ فيها، قريبة جدًا، كأن أذنيه فقدتا القدرة على تصفية أي شيء.
شعر بشيء يتحرك في عروقه، ثقيلاً وباردًا، يتسلل من صدره إلى أطرافه.
ثم بدأ جسده بالرفض.
انحنى إلى الأمام، وتقيأ.
لم يكن طعامًا. كان دمًا في البداية، دافئًا وكثيفًا، ثم شيئًا أسود، لزجًا، يشبه الصدأ الرطب أكثر مما يشبه أي شيء خرج من جسد إنسان من قبل. استمر يتقيأ، جسده يرتجف بعنف، ويداه تسندانه على الأرض الباردة، بينما الأفعى تراقبه من مكانها، غير مقتربة، غير مبتعدة، فقط تراقب.
فتح عينيه.
كان واقفًا.
استغرق وقتًا ليستوعب أنه واقف، لا راكع، وأن رئتيه تعملان بانتظام، وأن يديه لا ترتجفان.
لم يفهم. لم يحاول أن يفهم أكثر من اللازم. وضع القارورة الفارغة جانبًا، وثبّت قدميه، لأن الأفعى بدأت تتحرك.
بدأ التدريب كالمعتاد، لكن شيئًا كان مختلفًا فورًا.
حين اندفعت الأفعى نحوه، لاحظ، قبل أن تتحرك حتى بضع سنتيمترات، تغيرًا طفيفًا في وزنها، انتقالاً في مركز ثقلها من جانب إلى آخر، اهتزازًا خفيفًا في الأرض تحتها سبق حركتها بجزء من ثانية.
تفاداها بصعوبة، مرتبكًا من كمية المعلومات التي وصلت إليه دفعة واحدة، أكثر مما يستطيع معالجته بسرعة كافية.
هاجمته مرة أخرى، واستغلت ارتباكه، فسقط على الأرض بضربة من ذيلها.
نهض، وحاول مرة أخرى، هذه المرة يركز فقط على شيء واحد: تغير الهواء حوله قبل أن يصله رأسها. نجح جزئيًا، تحرك في الاتجاه الصحيح، لكنه لم يكن سريعًا بما يكفي، فأصابه طرف فكها في كتفه، ليس بقوة كافية لتحطيمه، لكنها كافية ليشعر بألم حاد ينتشر من هناك.
شعر بوعيه يبدأ بالتشتت، كمية المعلومات الجديدة تتزاحم في رأسه بلا نظام، الأصوات، الحركة، الاهتزازات، كل ذلك يصل إليه دفعة واحدة دون تمييز.
لمس الخاتم بإصبعه، غريزيًا، دون قرار واعٍ.
هدأ شيء ما. لم يكن تفسيرًا واضحًا، فقط إحساسًا بأن العالم من حوله استقر قليلاً، أن الأصوات بدأت تنفصل عن بعضها، أن بإمكانه أن يميز خطوة الأفعى عن صرير الحجر عن صوت أنفاسه هو.
استمر التدريب، وبدأ يتكيف تدريجيًا، يستخدم تلك المعلومات الزائدة بدل أن تستخدمه، حتى تمكن، في إحدى المحاولات، من التنبؤ بحركة الأفعى قبل أن تكتمل، والابتعاد في الوقت المناسب تمامًا.
ثم اختفت الأفعى.
لم تتحرك بعيدًا. لم تختبئ. اختفى شكلها من أمام عينيه للحظة، وحين عاد بصره ليستقر، رأى شخصًا آخر يقف في مكانها.
دارِين.
جسده يتساقط منه شيء يشبه الصدأ الأحمر، من أصابعه، من ذراعيه، يتساقط على الأرض بصمت. لم يتكلم. لم يتحرك نحوه. رفع يده ببطء، وأشار بها إلى مكان خلف أورِن.
استدار.
تغيّر المكان.
لم يعد صالة تدريب. كان مكانًا حجريًا آخر، مظلمًا، عمود منتصب في وسطه، وجسد مقيد إليه.
جدّه.
كهنة يقفون حوله، لا وجوه واضحة لهم، وأحدهم يصب سائلاً رماديًا داكنًا في حنجرته، ببطء، وجده لا يقاوم، فقط ينظر إلى أورِن مباشرة، دون حاجة إلى كلمة واحدة.
اندفع أورِن نحوه، حاول أن يصل إليه، أن يفعل شيئًا، أي شيء.
بدأ جسد جده يختفي من الأسفل إلى الأعلى، كأن شيئًا يمحوه ببطء، ساقاه أولاً، ثم جذعه، وأورِن لا يزال يحاول الوصول إليه، دون أن يقطع أي مسافة حقيقية، كمن يركض في مكانه.
اختفى تمامًا.
وقف أورِن، يتنفس بصعوبة، في المكان نفسه الذي لا يعرف طبيعته بعد.
ثم رآه.
النبيل.
واقفًا على بعد خطوات، وجهه غير مكتمل الملامح، كأن شيئًا يرفض أن يثبته أمام عيني أورِن بالكامل. شعر بثقل حضوره يملأ المكان، وبخطر لا يحتاج إلى تفسير.
وجد السكين في يده، دون أن يتذكر متى أمسك بها.
اندفع نحو النبيل بلا تفكير.
طعنه في صدره، حتى المقبض.
لكن الصوت الذي سمعه لم يكن صوت نصل يخترق لحمًا. كان صوتًا ثقيلاً، احتكاكًا مميزًا، صوت حراشف تتمزق تحت المعدن.
توقف كل شيء.
نظر إلى السكين. ثم إلى ما طعنه.
كانت الأفعى.
جسدها الضخم ممددًا أمامه، والسكين مغروسة في جانبها، ودمها الأسود يتجمع ببطء تحتها على أرضية صالة التدريب.
لم يعرف أورِن متى أصبحت السكين في يده.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.