الفصل 48: نِدّان
“ما فتئت قاعدة البكورية تصبح أقل قابلية للاستمرار، بينما تواصل الإمبراطورية اتساعها. فأفضل أبناء النبلاء وأنبغهم يُرسلون إلى حتفهم وهم يخوضون مخاطر جسيمة، بينما ينفق إخوتهم الأقل حكمة ميراثهم في الشراب. ينبغي أن يكون للأب الحق في اختيار أَولى أبنائه بتولي أملاكه.”
— غارلاند ريد، زعيم حزب الكف المفتوحة
دخل سولومون، وتبعه الخادم الذي اصطحبه مباشرة. لم يكن قد ألقى إليه بالًا من قبل، لكنه أدرك الآن أن الخادم أطول منه برأس كامل، وأعرض منه بكثير.
تقدّم بضع خطوات حتى استطاع أن يرى الرجل المعلّق بوضوح أكبر. قبل أن يُضرب، كان يرتدي بذلة أنيقة تزيّنها أزرار فضية كبيرة. كان من الجنوب الشرقي للإمبراطورية، بعيدًا إلى الشمال عن موطنه الأصلي، كانت بشرته سمراء فاتحة. وقد تهشّم وجهه، لكن سولومون قدّر أن عمره في أوائل الثلاثينيات.
قال الفيكونت باير وهو ينهض عن كرسيه ويتجه إلى حوض ماء: “يمكنك الانصراف يا فاين.”
انحنى الخادم وغادر.
تناول الفيكونت زجاجة من شراب شفاف، وصبّ مقدار إصبعين في كأس، ثم سار نحو سولومون وقدّمه إليه.
أخذ سولومون الكأس، ولاحظ مسامير الكف والجروح في قبضة الرجل. كان جيمس قويّ البنية، ذا عضلات مشدودة يصعب تقدير قوتها حين تخفيها بذلته الأنيقة، لكن أكمامه المرفوعة كشفت بوضوح عن قوته.
عاد جيمس إلى الحوض، وسكب الشراب على يديه، فغسل الدم عنهما. لم يبدُ عليه أي انزعاج حين لامس الشراب جروحه الصغيرة. ثم وضع الزجاجة جانبًا، وغمس يديه في الحوض. وبعد أن نظّفهما، جفّفهما، وسوّى شعره إلى الخلف حتى استقام، ثم أعاد إنزال أكمامه. صبّ لنفسه شرابًا، واتجه إلى سولومون، فلامس كأسه بكأسه.
قال مبتسمًا: “نخب حفل راقص حسن.”
أومأ سولومون. “أُحسن تنظيمه، وقد سرّني مستوى المدعوين.”
تلألأت عينا الفيكونت الذهبيتان، وخفّت فيهما لمحة من الوحشية التي كانتا تنطويان عليها.
“تبًّا للآلهة. حقًا لا أستطيع منع نفسي من الإعجاب بك.”
ارتشف سولومون من شرابه، وشعر بحرارته وهو ينساب في حلقه.
“حقًا؟”
“تواصل التصرف على نحو يخالف توقّعاتي. أظن أنك لا تذكر أختي أصلًا، ثم تتذكر رائحتها من إحدى المرتين اللتين التقيتها فيهما. آخذك إلى القمار، فلا تفوز فحسب، بل تنجو أيضًا من موقف مميت لم أتوقعه أنا. ثم أريك رجلًا ميتًا معلّقًا بخطاف، محاولًا إخافتك، فلا تكاد ترمش. أعني، أعلم أنك تعرف بأمر الأسلحة المخفية، وربما توقعت شيئًا كهذا، لكن حتى لو توقعت ذلك، ما كنت لأتنبأ برباطة جأشك. أنت رجل الجليد من آل مورو.”
“ولمَ ترى أن من الضروري إخافتي؟” سأل سولومون، وهو يدير شرابه بلامبالاة.
“لأن رجلك رأى أسلحتي، وخادمك الشخصي يتجسس بلا داعٍ. أحتاج إلى إخضاعك، حتى لا أضطر إلى قتلك.”
سأل سولومون، بنبرة يغلب عليها الفضول: “أتخاطر بقتل رجل من آل مورو؟” كان جيمس ذكيًا بما يكفي ليعرف عاقبة قتل رجل بمكانته. ربما يتمكن من الإفلات، لكن الأمر يظل محفوفًا بمخاطر جسيمة. وهذا يعني أن ما لدى سولومون من معلومات بسيطة كافٍ لزجّ جيمس في ورطة أكبر حتى من قتله. “ولمَ دعوتني إلى هنا إن كان الأمر قد يعرّضك لمثل هذه المخاطرة؟”
هزّ الفيكونت كتفيه. “كنت أرغب حقًا في التعرف عليك فحسب. وربما سماع حكاية عن أختي. أفتقدها كثيرًا.”
أومأ سولومون. كان جيمس في مثل عمره تقريبًا، مما يعني أن أخته كانت تقاربه عمرًا حين ماتت. سيكون الأمر كما لو أن برنيس ماتت، وهي فكرة بثّت وخزة قلق في أحشائه.
“لكن علينا الآن، للأسف، أن نخوض في أمور غير سارة. سأضطر إلى الإصرار على أن تجد لي بعض الأماكن لتخزين البضاعة في مونفالو. مستودعات قديمة، ضيعتك، أي مكان تختاره. فالسبيل الوحيد لضمان تعاونك هو أن أجعلك شريكًا في الجريمة.” ارتشف من شرابه. “لكن لا تقلق، لا أنوي أن يقبض عليّ، وسأجعل الأمر مجزيًا لك أيضًا. وربما نستطيع أن نذهب إلى القمار مرة أخرى؟”
تأمل سولومون العرض بعناية، وأدار السائل الشفاف في كأسه.
“أخشى أن عليّ الرفض. قد أقبل أنا شخصيًا بالمخاطرة، لكن ما تقترحه ينطوي على احتمال كبير لإلحاق الأذى بخدمي وبأهل مونفالو. إنهم مسؤوليتي، ولا يمكنني السماح بتعرّضهم للخطر.”
رفع الفيكونت باير حاجبيه. “عجبًا. يا له من تصور عتيق للمسؤولية. لقد ازددت إعجابًا بك.”
“لكنني لست واثقًا من أنك تفهم تمامًا الموقف الذي وجدت نفسك فيه.” أشار إلى الرجل الميت المعلّق على الخطاف خلفه. “لا أرغب في إيذائك، لكنني سأقتلك أنت وخدمك إن لم توافق على شروطي.”
“أفهم شروطك تمامًا؛ كل ما في الأمر أنني لا أظن أنك تفهم الموقف على حقيقته.” قطّب سولومون حاجبيه، وهو يقرّر كيف سيتصرف. كانت المخاطرة كبيرة، لكن هذه الخطوة تحمل بالتأكيد أكبر فرصة لتحقيق مكاسب.
“حقًا؟ أنرني إذًا. رأيتك تلهث من التعب وأنت ترقص هذا المساء، ولا أظنك كنت تكذب على ضيوفي حين نسبت إلى خدمك الفضل كله في نجاتهم.”
وجّه سولومون يده نحو الرجل المعلّق على الخطاف، وركّز المانا فيها، تاركًا إياها تتراكم إلى أقصى حد ممكن قبل أن يطلق دفعةً من الهواء نحوه.
اندفع الجسد إلى الخلف، وانسحبت السلسلة معه. طار إلى الخلف أيضًا حوض الماء الملطخ بالدماء، والطاولة التي يستقر عليها، والكرسي الذي كان جيمس يجلس عليك.
ضيّق جيمس عينيه حين انقلب الكرسي إلى الخلف، وقد تمكن من التدحرج معه، ثم عاد واقفًا، ويده على مقبض سكين عند خاصرته.
لكن سولومون كان قد وجّه يده الأخرى نحوه، يسكب فيها المانا بهدوء.
قال سولومون وهو يخفض يده ويطلق المانا التي ركّزها: “كما ترى، لا حاجة إلى محاولة إخافتي. نحن نِدّان، أنت وأنا.” سوّى سترته. “أعرف معلومة قد تقضي عليك، وأنت تعرف الآن المثل عني.”
تقلّص وجه جيمس في عبوس، ثم أطلق ضحكة ساخرة، وراح يضحك. رفع يده عن مقبض السكين، وانفجر ضاحكًا بصوت أعلى.
“الرجلان اللذان رأيتهما خارج الحانة… أكنتَ أنت؟”
“كانا ينتظران قرب النافذة التي تسلّقتُ منها إلى الخارج.”
“كنت أظن أنني أحسست بوجود شخص آخر هناك. أظن أنني كان ينبغي أن أكون أكثر تدقيقًا.”
“بدا لي أنك كنت دقيقًا بما يكفي بالفعل.”
“والأضواء؟ أكانت أنت أيضًا؟”
“نعم.”
“وهجومهم على قصرك… أأنت حقًا من قتل كل أولئك الحراس المتمردين؟”
“لقد ساعد الخدم فعلًا في القضاء على عدد كبير منهم، لكن نعم، كان لي إسهام أكبر مما أوحيت به.”
هزّ جيمس رأسه. “ساحر… كيف أخفيت أمرك عن الاتحاد؟ هل يعرف آل مورو؟ هل أنتم عائلة من السحرة المتخفّين؟”
“أما عن سؤالك الأخير، فالجواب لا. وبالنسبة إلى السؤالين الآخرين، فعليك أن تسمح لي ببعض الأسرار، وسأفعل الشيء نفسه من أجلك.”
أومأ جيمس. “حسنًا.” سار إلى زاوية الغرفة، حيث تدحرجت زجاجة الشراب الشفاف من دون أن تنكسر. تناول منها جرعة، ثم عاد إلى سولومون وملأ كأسه.
سأله وهو يصبّ له: “مذهلٌ حقًا ما يضطر أمثالنا من الأبناء الأصغر سنًا إلى اجتيازه كي يحققوا النجاح، أليس كذلك؟”
أجاب سولومون: “حقًا.”
“إذًا، بما أننا نبدو نِدّين، ما رأيك أن نبدأ من جديد؟”
“لعلّنا لا نحتاج إلى البدء من الصفر. أظن أننا كنا نتفاهم جيدًا كصديقين، إلى أن قررت أن تريني جثة بوليفار.”
ابتسم. “تخمين موفق.”
“شكرًا”، قال سولومون. “أولًا، أظن أنه من البديهي ألا يشي أحدنا بالآخر.”
“بالطبع.”
“ثانيًا، ينبغي أن نبحث عن سبل تعود بالنفع على كلينا. لقد قدمت لي مساعدة كبيرة في الحفل، وفي التعرف إلى من التقيتهم هناك. لا بد أن ثمة طريقة أردّ لك بها الجميل.”
“تقصد، إلى جانب السماح لي بتخزين البضائع غير المشروعة في مونفالو؟”
“نعم، إلى جانب ذلك.”
ضحك جيمس. “لم يكن لديّ الكثير لأعرضه عليك من قبل، لكن معرفتي الآن بأنك ساحر تغيّر الأمور. ثمة بعض… المشكلات ذات الطبيعة السحرية التي اضطررت إلى التعامل معها.”
“أرسل إليّ تفاصيلها مع رسول خاص. أكون أقدر على التعامل مع المشكلات السحرية حين أكون في المنزل.”
“حسنًا. وبعيدًا عن علاقاتي، هل ثمة طريقة أخرى أستطيع بها مساعدتك؟”
“حسنًا… معك عدد من الأسلحة. هل من الممكن أن أحصل على واحد منها؟”
رفع حاجبيه. “وماذا يريد ساحر بسلاح؟”
“لا شيء خطير.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.