الفصل 47: الحفل الراقص
النبلاء في أبراجهم الشاهقة يتهامسون ضاحكين ويتبادلون الابتسام، بينما نكدح نحن الباقين في الوحل.
— دالمر المنشق
كانت قاعة الرقص في مقر الفيكونت باير، شأنها شأن بقية مقر إقامته، مبنية على أحدث طراز. فعلى الرغم من وجود الطابقين المعتادين، العلوي والسفلي، صُنعت أرضية الرقص من الخشب الداكن بدلًا من الفاتح، لتنسجم أكثر مع السجاجيد المحيطة بها. كما خُصّصت مساحة أكبر للاختلاط بالضيوف، بدلًا من الرقص الرسمي. وكان الحفل نفسه أقل رسمية أيضًا؛ فلم يكن يُعلن عن كل ضيف عند وصوله، بل كان الفيكونت يستقبل كل مدعوّ على حدة، ويتبادل معه بضع كلمات، ثم يرسله للاندماج بين الحاضرين.
وبما أن سولومون كان ضيفه، فقد وصل أولًا، ووقف ممسكًا بكأس من الشمبانيا. لم يكن لائقًا به أن يأكل قبل أن يرقص مرتين على الأقل، أو يمضي وقتًا طويلًا في الحديث. وكان ذلك مؤسفًا، إذ أعدّ الفيكونت مائدة بوفيه شهية عند أحد طرفي القاعة، تفوح منها رائحة أخّاذة بفعل التوابل القوية، التي يُرجّح أنها غير قانونية.
وقبل أن ينهي ربع كأسه، وجد رجلًا وامرأة مسنّين يقتربان منه. كان الرجل بدينًا ذا شارب أبيض كثيف، أما المرأة فكانت نحيلة على نحو يبعث على الغرابة، وتمسك سيجارة بين أصابعها برقة.
“مساء الخير، أنا البارون فيم موند، وهذه البارونة غريت موند.”
“مساء الخير. أنا البارون مورو.” مدّ يده وصافح البارون، ثم تناول يد البارونة برفق بين يديه، وضغط عليها ضغطًا خفيفًا قبل أن يتركها.
“إنه لشرف لي يا لورد مورو. لقد حظيت بفرصة لقاء والدك مرات عديدة في العاصمة.”
“حقًا؟ أين، إن جاز لي السؤال؟”
“لي مقعد في البرلمان. وكان كلانا من رجال اليد الحازمة.”
“آه، بالطبع. كان ينبغي أن أدرك ذلك من مصافحتك وحدها.”
ضحك الرجل.
“سمعت الكثير عنك وعن تجاربك الأخيرة يا لورد مورو. آمل أن تكون بخير؟” سألت البارونة.
“أنا بخير تمامًا. لا بد دائمًا من بعض التكيّف حين يستقر المرء في منزل جديد.”
“أجل، لكن من النادر أن يشمل ذلك التعرّض لهجوم من ثلاثين حارسًا، ثم إنقاذ رجل من قطيع ذئاب شرسة.”
ضحك سولومون. “لم يكن الأمر دراميًا إلى هذا الحد. فلم يكن عدد الرجال قريبًا من الثلاثين، ولم أرَ قط ما الذي هاجمنا في الغابة. كنت منشغلًا أكثر بمحاولة الابتعاد عنه.”
“ومع ذلك، فإنك واجهت هذا العدد وحدك، وعرّضت نفسك للخطر لإنقاذ مجرد صياد… هذا ينمّ عن شجاعة كبيرة.”
“لم أكن وحدي. ما كنت لأبقى حيًا لولا شجاعة خَدَمي، ولولا أن الصياد كان حريصًا على إرشادي إلى الطريق عبر الغابة، لربما تهت فيها.”
“أنت مفرط في التواضع”، قالت المرأة، ثم توقفت لحظة لتسحب نفسًا من سيجارتها. كان في ضيعة والده غرفة للتدخين تتفرع من قاعة الرقص، لكن يبدو أن الأمور في إتلينغ تسير على نحو مختلف قليلًا.
قال البارون: “نعم، عليك الحذر من صفة كهذه وأنت بعيد إلى هذا الحد عن العاصمة. فالمرء هنا يُتوقَّع منه أن يبالغ في كل ما يخص نفسه قدر استطاعته، وإلا فلن ينسجم مع الآخرين.”
“سأضع ذلك في حسباني”، أجابهم مبتسمًا.
ثم توجّه الزوجان إلى مائدة البوفيه، ولاحظ سولومون أن نحو اثني عشر شخصًا آخر قد دخلوا القاعة، وأخذوا يراقبونه منتظرين فرصة للحديث إليه. ابتسم وارتشف جرعة طويلة من الشمبانيا.
انقضت الساعة التالية والرجال والنساء يتوافدون عليه، يستفسرون عمّا حدث في ضيعته. كانوا يغدقون عليه الثناء، وكلما حاول صرف المديح عنه أو نسب الفضل في نجاته إلى الآخرين، بدا أن تقديرهم له يزداد. وبعد محادثة مرهقة على نحو خاص مع تاجر منسوجات، تمكّن أخيرًا من الإفلات منه، وبدأ يتجه نحو البوفيه. كان يأمل أن يتيح له الطعام في فمه فرصة لالتقاط أنفاسه قليلًا، قبل أن يبدأ في البحث عن التجار العاملين في مجالي قطع الأخشاب والتعدين، ممن أراد التحدث إليهم.
وقبل أن يبلغ البوفيه، باغته وجه مألوف. كانت بريسيلا، المرأة خضراء العينين التي التقاها في قاعة القمار.
قالت وهي تتفحّصه من رأسه إلى قدميه: “إنه لون لافت حقًا، أن ترتدي الأرجواني في كل إطلالة.”
هزّ سولومون كتفيه. “أحب ما أحب. ولست بارعًا في الاندماج مع الآخرين على أي حال، لذا يبدو لي أن الأفضل هو ألّا أقاوم ذلك.”
أومأت. “موقف حسن.”
“أعتذر، لم نتعارف كما ينبغي. أنا سولومون مورو.”
ابتسمت ومدّت يدها، واضعة إياها برفق في يده. “بريسيلا آيرونز.”
ضغط على يدها، ولاحظ غياب أي لقب يسبق اسمها.
سألها: “هل لي أن أسأل كيف تعرفين الفيكونت باير؟”
“لدينا مصالح تجارية متشابهة، ونتفق في ما نعدّه تسلية ممتعة.”
“وهل لي أن أستفسر عن طبيعة تلك المصالح التجارية؟”
“أملك عددًا من المناجم في أنحاء المنطقة. وأنا صاحبة الحصة الأكبر في شركة آيرون بيك.”
رفع سولومون حاجبًا. “إذًا يمكن القول إننا التقينا من قبل، بطريقة ما.”
“نعم. لقد تسلّم رجالي رسالتك التعريفية الموجّهة إلى شركتنا. ويجب أن أقول إنني أتساءل كثيرًا إلى أين تأمل أن تقود الأمور من هنا.”
تجاهل سولومون جوعه، ومدّ يده إليها. “ما رأيك أن نبدأ بأرض الرقص، ثم نرى إلى أين يقودنا الأمر؟”
ابتسمت، وبرق بريق في عينيها الخضراوين. “أظننا نستطيع فعل ذلك.”
قادها برفق إلى أرض الرقص. كان الموسيقيون قد أخذوا استراحة قصيرة بين المقطوعات، لكنهم عادوا إلى العزف ما إن امتلأت الأرض بالراقصين، فأدّوا لحنًا سريعًا مرحًا على طراز جديد.
وضع سولومون يده اليسرى على خصر بريسيلا، وبدأ يؤدي الخطوات التي حفظها على مدى سنوات من التدريب على الرقص. لكنها جذبته إليها بيدها، وأجبرته على الرقص بإيقاع يكاد يكون أسرع بضعفين مما نواه. وحين انتهت المقطوعة، كان يكافح ليخفي أنه يلهث.
ابتسمت، فقد رأت خداعه بوضوح، بينما قادها مبتعدًا عن أرض الرقص.
“إذًا، ما نواياك تجاهي؟” سألته.
فهم المعنى المزدوج بسهولة، وابتسم مشيرًا إلى أحد الخدم ليحضر له شرابًا آخر.
“شراكة. تساعدينني على إعادة فتح المنجم، في مقابل حصولك على النصيب الأكبر من أرباحه.”
“ألم يعد منجم مونفالو منتجًا؟”
“لم يكن منتجًا قبل نصف قرن، لكن تقنيات التعدين قطعت شوطًا طويلًا منذ ذلك الحين، أليس كذلك؟ إلى جانب ذلك، لقد ظل ينتج بعض الماناريت؛ ولم يُغلق في الأساس إلا بسبب حادث.”
“هذا صحيح. حققت آيرون بيك أرباحًا لا بأس بها من استخدام تلك التقنيات التي ذكرتها في مناجمنا. وهناك طلب كبير على الماناريت خصوصًا، بسبب مشروع السكك الحديدية التابع للاتحاد. ما نسبة الأرباح التي تفكر فيها؟”
قال: “ثمانون مقابل عشرين.”
ابتسمت. “إذًا سأتولى توفير البنية التحتية والخبرة اللازمة لإعادة فتح منجم قديم، ولن أحصل إلا على ثمانين في المئة من الأرباح.”
“ثمانون في المئة من صافي الأرباح. ولن تُفرض أي ضرائب إضافية على أرباح منجم مونفالو.”
“تسعون في المئة”، ردّت. “يمكنك الاحتفاظ بالضرائب والرسوم، على أي حال. وبعد احتسابها، يُفترض أن تقترب حصتي من خمسة وثمانين في المئة.”
“لديّ بعض الشروط الأخرى. أريد أن يقتصر توظيف العمال على أبناء المنطقة، إلا إذا كانت الوظيفة تتطلب تخصصًا عاليًا. وحتى في هذه الحالة، أريد أن تُتاح لهم فرصة التدرّب عليها.”
هزّت كتفيها. “إن العمال المحلية ارخص من العمال لدينا، لذا سأفضّل توظيفهم على أي حال.” ثم ارتشفت من شرابها. “سأرسل مفتشًا وعددًا من الرجال لفحص المنجم. وإذا رأى أن إنتاجه المحتمل ما زال مجديًا، أمكننا المضي قدمًا.”
“اتفقنا.” ارتشف من شرابه هو الآخر. “آمل ألا تمانعي أن ألتقي ببعض الشركاء المحتملين الآخرين.”
ابتسمت. “لا تقلق. لن أجرؤ على اعتبار علاقتنا حصرية بعد موعد واحد فقط. فهذا يتطلب وقتًا أطول بكثير.”
أومأ، وقد بدأ يشعر بشيء من الحرّ تحت ياقة قميصه، بينما ظل جائعًا. لكنه كان بحاجة إلى ترك انطباع قوي.
“ما رأيك برقصة أخرى؟”
ابتسمت. “أقول: نعم.”
أمسك بيدها وقادها إلى أرض الرقص مجددًا. ولحسن الحظ، كانت الفرقة تعزف هذه المرة لحنًا أبطأ بكثير، مما أتاح له التقاط أنفاسه. وحين انتهت الرقصة، غمزت له ثم ذهبت لتتحدث إلى عدد من الرجال والنساء المتجمّعين هناك.
وأخيرًا، شقّ سولومون طريقه إلى البوفيه، فتذوّق بعض الحساء الفاتر واللحم. ولحسن الحظ، كان جائعًا إلى حدّ لم يعد معه يكترث كثيرًا ببرودة الطعام. أكل كل ما في طبقه، ثم عثر على بضعة تجار آخرين يعملون في قطع الأخشاب والتعدين. لم يكن أي منهم مباشرًا في حديثه بقدر بريسيلا، لكنهم جميعًا أبدوا اهتمامًا تجاوز مجرد المجاملة.
مرّ ما تبقى من الحفل بلا أحداث تُذكر.
كان سولومون على وشك العودة إلى حجرته والاستمتاع بحمام ساخن، حين اعترضه أحد خدم جيمس.
“لورد مورو، يرغب السيد باير في مشاركتك شرابًا.”
أومأ سولومون. “بالطبع.” لم تتح له إلا فرص قليلة جدًا للحديث إلى جيمس طوال الحفل، ورأى أن مشاركة الشراب وتبادل بضع كلمات أمر مناسب تمامًا. تبع الخادم عبر ممر يقود إلى جزء من القصر لم يره من قبل. وكان يسمع صوت شيء يُضرَب. لعلّ أحد الخدم ينفض سجادة.
بدا الممر الطويل أقل زينة وأكثر بساطة، وفي نهايته لمح ضوءًا يتسرّب من باب بعيد. وأدرك أن الصوت لا يمكن أن يكون صادرًا عن خادم ينفض سجادة؛ إذ كانت الضربات رطبة أكثر مما ينبغي.
فتح الخادم الباب، فرأى سولومون الفيكونت باير جالسًا على مقعد خشبي، أمام رجل معلّق كخنزير لدى الجزار.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.