لم يكن الظلام مجرد غياب للضوء.
انفجر من حولهما دفعة واحدة، من الأرض، من الجدران، من الهواء نفسه، حتى بدا أن صالة التدريب بأكملها ابتلعتها كتلة سوداء واحدة. لم تكن ظلالًا تتحرك، بل شيئًا أثقل من ذلك، ثقلًا حقيقيًا يضغط على كل نقطة من الجسد في اللحظة نفسها. لم يعد بإمكان أورِن أن يميز حدود الصالة، الجدران التي عرفها منذ سنوات ذابت في الكتلة السوداء نفسها التي تملأ كل شيء.
لم يأتِ الضغط دفعة واحدة بكامل قوته. بدأ خفيفًا، كوزن يد واحدة تستقر على كتفيه، ثم تضاعف في أقل من ثانية، مرة، ثم مرة أخرى، حتى بدا أن كل خطوة إضافية في شدته تعادل ما سبقها كاملًا. حاول أورِن أن يتنفس بعمق ليواجهه، فوجد أن التنفس نفسه أصبح فعلًا يحتاج جهدًا واعيًا.
انحنت الأفعى فورًا، جسدها الضخم ينزل نحو الأرض وكأن قوة خفية تدفعه من الأعلى، حراشفها التي لم تهتز من قبل أمام أي هجوم بدت الآن عاجزة عن مقاومة شيء لا شكل له.
حاول أورِن أن يبقى واقفًا.
لم يستطع.
شعر بركبتيه تنحنيان دون أن يقرر ذلك، بضغط يمر عبر عظامه مباشرة، كأن الهواء نفسه تحول إلى وزن حقيقي يستقر على كتفيه. تنفسه ضاق، شهقة واحدة عالقة في صدره رفضت أن تكتمل. حاول رفع رأسه، فوجد رقبته عاجزة عن حمل هذا القدر البسيط من الحركة.
تحت جسده، شعر بالأرضية الخشبية تئنّ، خيوط دقيقة من التشقق تمتد تحت راحتيه، تتفرع ببطء نحو أطراف قدميه وكأن الضغط لا يكتفي بجسده وحده بل يمتد إلى كل ما حوله.
حاول أن يقاوم، أن يدفع بجسده ولو خطوة واحدة إلى الأعلى، فلم يجد شيئًا يستجيب. كانت العضلات نفسها موجودة، القوة التي اكتسبها منذ ساعات قليلة ما زالت هناك، لكنها بدت الآن غير ذات معنى، كأنها لا تنتمي إلى المقياس نفسه الذي يُقاس به هذا الضغط.
لم يكن خوفًا بالمعنى الذي يعرفه.
كان شيئًا أبسط وأقسى: جسده يعرف، بطريقة لا تحتاج إلى تفكير، أن هذا يفوق كل ما اختبره من قبل بمسافة لا تُقاس.
حاولت الأفعى أن ترفع رأسها.
بصعوبة واضحة، بمجهود بدا غير متناسب مع مستواها، رفعت رأسها بضع درجات فقط، وقالت، بصوت أقرب إلى الهمس منه إلى الكلام:
“أخيرًا…”
ثم، بعد لحظة صمت ثقيلة:
“اللورد استيقظ.”
ثم توقف الضغط.
لم يتلاشَ تدريجيًا. توقف، ببساطة، كأن يدًا رفعت عنهما شيئًا كانت تحمله للتو.
رفع أورِن رأسه بصعوبة.
كان هناك رجل يقف على مسافة قصيرة منهما.
فجأة نادى أورن “اللورد فاليريوس”
لم يسمع أورِن خطوات، ولا صوت باب، ولا أي إشارة تسبق ظهوره. كان ببساطة هناك، واقفًا بهدوء تام، وكأنه لم يغادر المكان قط. ملامحه
هادئة، وقفته عادية، لا شيء في مظهره يوحي بما حدث للتو، وهذا التناقض بالذات جعل وجوده أثقل من أي ضغط سبقه. حتى الغبار الذي
تطاير مع الانفجار الأول بدا وكأنه يتجنب الاقتراب منه، يستقر على مسافة منه كأن هناك حدًا غير مرئي يحيط به.
نظر إلى أورِن.
لم يفعل شيئًا. لم يرفع يدًا، لم ينطق كلمة. مجرد نظرته وحدها كانت كافية.
شعر أورِن برغبة تسري في جسده، شيء يبدأ من رقبته وينزل نحو أسفل ظهره، ميل قهري نحو الانحناء، لا علاقة له بقرار واعٍ. لم يكن
عقله هو من فكر في الركوع. كان جسده وحده من بدأ يميل، ببطء، وكأن قوة غير مرئية تسحبه من صدره نحو الأرض.
سجدت الأفعى بجانبه دون أي مقاومة، جسدها الضخم ينبسط على الأرضية بالكامل، رأسها منخفض إلى أقصى درجة، وكأن كل ما تبقى من كبريائها اختفى في لحظة واحدة.
حاول أورِن أن يبقي عموده الفقري مستقيمًا. شدّ عضلات ظهره، ثبّت قدميه على الأرضية المتشققة، لكن الميل استمر، بطيئًا لكنه لا يرحم، جسده يفقد المعركة تدريجيًا أمام شيء لا يستطيع تسميته. شعر بعنقه يميل أولًا، ثم كتفيه، ثم أعلى ظهره، كل جزء يستسلم بدوره رغم كل ما يبذله من إرادة لمنعه.
عندها اهتز الخاتم.
اهتزازًا عنيفًا، مفاجئًا، في إصبعه الصغير شعر بحرارة خفيفة تسري من إصبعه نحو كفه، مختلفة تمامًا عن البرودة التي عرفها منه سابقًا.
لاحظ فاليريوس ذلك.
نظرته لم تتغير كثيرًا، لكن شيئًا فيها توقف عليه لحظة أطول قليلًا مما توقف على أي شيء آخر في المكان.
“قف.”
كلمة واحدة، بلا ارتفاع في الصوت، وانتهى الضغط تمامًا.
استقام أورِن ببطء، يتنفس بعمق لأول مرة منذ لحظات. شعر بثقل غريب ما زال عالقًا في مفاصله، أثرًا متبقيًا من الضغط الذي غاب عنه للتو لكنه لم يغادر جسده بالكامل بعد. نظر إلى فاليريوس، محاولًا أن يقرأ شيئًا في وجهه، فلم يجد سوى هدوء لا يتزعزع.
“أنت تبلي بلاءً حسنًا في الارتقاء،” قال فاليريوس، بنبرة عادية تمامًا، كأنه يعلّق على تقدم عابر في جلسة تدريب اعتيادية.
لم يجد أورِن ما يقوله.
انفتح باب الصالة في تلك اللحظة.
دخلت مارِن، متوقفة عند العتبة حين رأت الرجل الغريب واقفًا في منتصف الصالة. لاحظت أولًا الغبار المتناثر على الأرضية، ثم الشق الذي ما زال ظاهرًا في الخشب قرب قدمي أورِن، وأخيرًا الرجل نفسه. نظرت إليه بحذر خفيف، ثم بتمعن أكبر.
ثم تذكرت أنه اليوم هو يوم استيقاظ الذي انقذها هي وأخوها .
مرّت لحظة قبل أن تتضح الصورة في ذهنها.
ثم سألت بتلهف.
“هل أنت… اللورد فاليريوس؟”
ابتسم فاليريوس ابتسامة دافئة.
“نعم.”
حرّكت الأفعى رأسها نحو مارِن، بشيء أقرب إلى الانزعاج.
“لماذا لم تسجدي؟”
نظرت إليها مارِن باستغراب حقيقي، بلا أي فهم لما تعنيه.
“أسجد؟”
بقيت واقفة في مكانها، تنظر من الأفعى إلى فاليريوس ثم إلى أورِن، محاولة أن تفهم إن كان هناك خطأ ارتكبته دون أن تدرك ذلك.
“دعها،” قال فاليريوس، بهدوء، قبل أن تكمل الأفعى.
نظر إلى مارِن، وأضاف: “هي أقرب إلى ابنتي من كونها تابعة لي.”
لم يشرح أكثر من ذلك.
تقدم خطوة نحوها، وسألها، بنبرة لا تحمل أي ثقل أو رسمية: “هل أكلتِ جيدًا اليوم؟”
هزّت مارِن رأسها، ما زالت مرتبكة قليلًا من الموقف كله.
“وهل نمتِ بما يكفي هذا الأسبوع؟” .
“نعم… أظن ذلك.”
“وماء؟ هل تشربين ما يكفي؟”
بدت مارِن وكأنها على وشك أن تضحك من بساطة الأسئلة بعد كل ما شعرت أنه حدث للتو في هذه الصالة، لكنها اكتفت بابتسامة صغيرة وأجابت بنعم مقتضبة.
“جيد،” قال فاليريوس، بارتياح واضح، وكأن هذه الإجابات البسيطة كانت تكفيه تمامًا. نظر حولها للحظة، إلى الصالة، إلى الأثر الخفيف الذي تركه الانفجار على الجدار الشرقي، ثم عاد بنظره إليها. “إن احتجتِ أي شيء، أخبري إليان، لا تترددي.”
هزّت مارِن رأسها مرة أخرى، دون أن تعرف بالضبط ماذا تقول أمام كل هذا الدفء غير المتوقع.
راقب أورِن المشهد بصمت.
كان هناك تناقض لا يستطيع تجاوزه بسهولة: الرجل نفسه الذي جعل الصالة بأكملها تنحني قبل لحظات، يسأل أخته الآن إن كانت قد شربت ماء بما يكفي، بنفس الطريقة التي قد يسأل بها أب عاد لتوّه من رحلة طويلة. لاحظ حتى الطريقة التي يميل بها فاليريوس رأسه قليلًا وهو يستمع لإجاباتها، انتباهًا كاملًا لا يشبه أي شيء توقعه من رجل استطاع للتو أن يجعل صالة كاملة تكاد تنهار تحت ضغط نظرة واحدة.
مرّت فكرة صغيرة في ذهنه.
ربما كان لفاليريوس ابنة يومًا.
انفتح الباب مرة أخرى.
دخل إليان بخطوات سريعة ومنضبطة، خطوات من اعتاد أن يعرف بالضبط إلى أين يتجه ولماذا، وحين وقعت عيناه على فاليريوس توقف فورًا، وركع بلا تردد، رأسه منحنٍ إلى الأمام بزاوية دقيقة تبدو متدربًا عليها منذ زمن طويل.
“سيدي.”
لم يرفع رأسه فورًا.
“فعلت كل ما طلبته،” قال، بصوت واضح رغم انحنائه.
نظر إليه فاليريوس للحظة.
“جيد.”
بقي إليان راكعًا لحظة إضافية قبل أن ينهض، ونظر نحو أورِن ومارِن نظرة سريعة، دون أن يقول شيئًا لهما. كانت نظرته محايدة، لا تحمل أي فضول ظاهر تجاههما، وكأن وجودهما في المكان لا يغير شيئًا من مهمته.
وقف إليان على مسافة قصيرة من فاليريوس، منتظرًا دون أن يسأل عن شيء آخر، بهدوء من اعتاد على تنفيذ الأوامر دون الحاجة إلى مزيد من الشرح.
عاد فاليريوس بنظره إلى أورِن.
نظر إليه للحظة قبل أن يتكلم، نظرة تقييم هادئة لا تحمل أي عداء، لكنها لا تحمل ودًا زائدًا أيضًا، مختلفة تمامًا عن النظرة التي وجّهها إلى مارِن قبل قليل.
“استعد غدًا صباحًا.”
استغرب أورِن. “لأجل ماذا؟”
نظر إليه فاليريوس مباشرة، بنفس الهدوء الذي لم يفارقه منذ ظهوره.
“سنلتقي بالإمبراطور.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.