الفصل 544: مدونة الحراس
ضوء الشموع الرومانسي يرافقه لحن عذب.
وانتقلت المأدبة إلى مرحلتها التالية. وعلى حلبة الرقص في وسط القاعة، تشكلت أزواج من الرجال والنساء ورقصوا بحماسة.
إلا تاليس.
«لا يا سيدتي. لقد أدهشتني جرأتك، وأضفت الحياة إلى المأدبة»،
وأمام شابة نبيلة يافعة نابضة بالحياة محببة، وهو جالس في مقعده، أجاب تاليس إجابة تقليدية جافة (ربما لا تنطلي إلا على أيدا): «لكنَّ لي مكانة حساسة، والأمر جلل ولا ينبغي أخذه باستخفاف،
«خصوصًا أنها أول رقصة منذ عودتي. وأيًّا كانت من أرقص معها، فلن يكون ذلك منصفًا، وسيشعر الآخرون بالإهانة»،
ولاحظ تاليس بطرف عينه أن مالوس أنهى اتصاله بعدد من مرؤوسيه وهو يتجه نحوه.
وكان في عيني الحارس عجلة وحذر معًا؛ وفهم تاليس معناهما: أسرع.
«لذا، من أجل استقرار المملكة وتوازنها، ومن أجل ازدهار الكوكبة وسلامها…»
وانتبه تاليس وحدّق بحرارة في عيني الشابة المتألقتين، وأمسك يدها برفق وهو يكبح احتقاره لنفسه.
«لا أملك إلا أن أتحمل حزنًا عظيمًا وأنا أتخلى عن شرف مشاركتك الرقص،
«إن هذا يفطر قلبي».
وعضت الشابة أمامه شفتها السفلى. وانخفضت نظرتها وبدت جريحة.
لكنها انحنت انحناءة خفيفة وفي نفسها شيء من الاستياء، ثم ألقت على تاليس نظرة أخرى منكسرة واستدارت ومضت.
ولم تجرّ قدميها، بل مضت رشيقة خفيفة.
حتى لا يملك المرء إلا أن يختلس نظرة جانبية إليها.
وتنفس تاليس الصعداء. فقد شعر بأنه منهك.
كانت هذه التاسعة من السيدات اللاتي دعونه إلى الرقص الليلة، والضيف الرابع والأربعين (أو الرابع والخمسين؟ لا يذكر) الذي اقترب منه.
«إذن فقد تخلصتَ للتو من الآنسة إينوسا»، قال مالوس من خلفه: «أحسنت».
«أهذا اسمها؟ إينوسا؟» وتنهد تاليس: «تعبيرها. أشعر بالذنب».
ونفى مالوس بقطع: «لا حاجة بك إلى ذلك.
«فالآنسة إينوسا ليست جريئة صريحة فحسب، بل تعرف أيضًا كيف تستعمل سحرها لتظفر بغنيمتها. وكثير من الشبان الموهوبين الوسيمين مستعدون لخوض الجحيم من أجلها»، وجلس الحارس إلى الطاولة الإضافية وتابع بهدوء: «صدقني. لن ترغب في القتال مع أحد في أول مأدبة لك،
«خصوصًا حين يوجد مغتال في المكان».
وأحس تاليس بالصداع.
آه، صحيح.
فبحسب مالوس، يوجد هنا الآن مغتال لعين يختبئ في مكان ما من هذه المأدبة.
وربما سيسبب ضجة هائلة.
والملك—أبوه وعدد لا يحصى من النبلاء كلهم حاضرون يرقبون بلهفة.
وبتحيات تقليدية، صرف الأمير الضيف التالي الذي اقترب منه، ثم محا ابتسامته المثالية، ووضع كأس نبيذه الذي لامس شفتيه مرات لا تحصى، ومد ظهره.
«هل أنت متأكد؟ من المغتال؟
«لمجرد… نظرة؟»
وظل صوت مالوس ثابتًا: «الحذر خير من الندم».
والتفت تاليس إليه بنظرة ثم عاد إلى مكانه.
«حسنًا.
«إذن، شخص ذو مكانة عالية جدًّا، تكفي ليحضر هذه المأدبة الملكية، يتجاهل حياته وسمعته ليحاول اغتيالي بجنون أمام هذا العدد الكبير من الناس وفي ظل حراسة مشددة هكذا؟»
ورفع مالوس كأس نبيذه دون أن يتأثر، وشرب نخب صديق على الطاولة المجاورة من بعيد: «أو والدك».
«أو والدي»، وقبل تاليس حجة مالوس عن طيب خاطر، لكنه بقي كئيبًا غير راضٍ: «لكن لماذا؟ لقد عدت لتوّي إلى الكوكبة، فماذا لهم عندي؟ هل أخذتُ زوجته أو قتلتُ أباه؟»
وتفحص مالوس الضيوف بنظرة متيقظة لكنه أجاب بدعابة جافة نادرة: «أو كليهما؟»
ورمقه تاليس بنظرة منزعجة.
«على أي حال، لا تسترخِ. لم نجده بعد»، قال مالوس بخفوت، ثم غادر ليعطي رجاله مزيدًا من التعليمات.
وزفر تاليس—ولم يكن بعيدًا أمامه، اقتربت منه الشابة العاشرة بتوجس وانحنت.
لكن بصفته أميرًا، كان عليه أن يحافظ على هدوئه، ويتحمل انتباه عدد لا يحصى من الناس، ويراعي الأثر، ويحفظ هيبته.
وكان عليه أن يبقي معنوياته مرتفعة وأن يتعامل مع الضيوف الذين يحيونه بشتى المقاصد.
ومنهم الشابة أمامه التي دعته إلى الرقص. كان عمرها نحو الحادية عشرة أو الثانية عشرة. وذكّره التعبير العصبي على وجهها بالوغدة الصغيرة حين كانت صغيرة.
صحيح، ما زالت هناك ساروما.
فتلك الفتاة ما زالت عالقة في الحرب في الشمال.
وهو ما زال يفكر في كيفية مساعدتها من مسافة آلاف الأميال في هذه المأدبة.
وعند تذكر الدوقة الكبرى، انكسر خاطر تاليس من جديد.
لكن كل ما يستطيع فعله هو…
«ابتسم يا تاليس. في ساحة المعركة هذه، الابتسامة أفضل درع».
«حين تكبرين قليلًا أيتها الآنسة الصغيرة الجميلة، فسيسحرني جمالك حتمًا وأرقص معك—لكن الآن، علي أن أتحمل مسؤوليتي تجاه أبيك وإخوتك».
وتصنع تاليس ابتسامة وهو يودع «الآنسة رقم عشرة» الباكية الجريحة.
ولم ينل إلا بضع ثوانٍ من الراحة، حتى شق طريقه الضيف السادس والخمسون، ليفي ترينتيدا من برج الإصلاح في الشمال، ووجهه مملوء بالتملق.
«أم، أيها نجم الشمال؟
«ذلك الأمر الذي، الذي اتفقنا عليه… نحن…»
آه.
وغطى تاليس عينيه وقلبهما خلف راحته.
كيف كان المثل؟ اذكر الوغد الصغير تجده أمامك؟
«أعلم، أعلم»، وأنزل الأمير يده وكبت إرهاقه وارتدى «الدرع» من جديد: «ساعدني فقط يا صاحب قصة الوعاء الصغير».
صاحب قصة الوعاء الصغير؟
وذُهل ليفي قليلًا وهو يلمس قصته الوعائية دون وعي.
«اجلس وابتسم فقط»، قال تاليس والصداع يأخذ منه: «وخذ ما شئت من الطعام، بما في ذلك ما في صحني، فلم يبق إلا قطعة واحدة…
«وكفّ عن الكلام».
وذُهل ليفي من جديد: «لكننا…»
لكن نظرة تاليس أرجعت كلماته إلى فمه.
وفهم ضيف برج الإصلاح الأمر بتواطؤ صامت. فجلس، وابتسم لتاليس ابتسامة ماكرة وهو يأكل، بينما يراقب سرًّا موظفًا بيروقراطيًّا في المأدبة بالأسفل.
وابتسم له الأمير ابتسامة لطيفة ليبين أنهما ودودان.
وفي عيون الآخرين، بدا الأمر كلقاء بين صديقين مقربين يتحدثان في كل شيء.
وجلسا متقابلين بهدوء خمس دقائق.
ولسوء الحظ، لم يظهر مغتال.
ولحسن الحظ، لم يدعُه أحد إلى الرقص.
«حسنًا، كاد الوقت ينتهي. ربما يظنون الآن أننا شاذان»، قال تاليس بتراخٍ.
وتجاهل نظرة ليفي الغريبة وانتهى من التمتع بوقت راحته الثمين: «بالمناسبة يا ليفي،
ووضع ليفي كأس نبيذه وأصغى بتواضع.
«أخبرني دوق أرض الجروف نانتشستر»، وأغمض تاليس عينيه وفرك جبهته بقوة: «أنه اكتشف أنك اشتريت الحبوب من الكوكبة وهربتها عبر أراضيه،
وتغير وجه ليفي تغيرًا شديدًا.
وقال تاليس بفضول: «يبدو أن “التنين ذا العين الواحدة” كوشدر ليس راضيًا جدًّا».
«تهريب، تقول؟»
وعلى غير المتوقع، تغير تعبير صاحب قصة الوعاء مرة أخرى وبسرعة تكاد تكون فورية وقال بوقار: «ماذا؟ يوجد مجرمون كهؤلاء في أرضنا؟ اطمئن يا صاحب السعادة، سأعاقبهم بشدة حين…»
«هدّئ من روعك»، ولوّح تاليس بيده بلا اكتراث. وبدا ضجرًا وهو يكذب بلا حرج: «لقد أقنعته. سيغض “التنين ذو العين الواحدة” الطرف عما تفعله، ليمنع لامبارد من توسيع نفوذه،
«ويمكنك أن تواصل نقل المؤن».
وحدق ليفي بعينين متسعتين.
وحاول أن يتصنع ابتسامة، وتعثر في العثور على الكلمات المناسبة: «آه، أيها نجم الشمال، أنت حقًّا، حقًّا…»
منقذ؟ وجد له تاليس الكلمة.
«لكن عليك أن تفكر مرتين…» وأراد تاليس أن ينهي الحديث سريعًا، فقاطعه بإشارة من يده: «إن اكتُشف هذا الطريق في المستقبل من قِبل منطقة الرمال السوداء، أو حتى انكشف أنك جئتَ إلي طلبًا للعون—فلن يظن الملك تشابمان إلا أنك تتواطأ مع الكوكبة منذ زمن بعيد، وتضمر نوايا خفية،
«وأنت تعلم كم يكرهني».
وراحت نظرة صاحب قصة الوعاء تتنقل من جانب إلى آخر.
«عليك أن تضاعف جهودك في طلب الدعم الداخلي لتقف في وجه قاتل الأقارب»،
وتنهد تاليس: «ففي النهاية، لا يمكن حل شؤون إكستيدت إلا من الداخل».
الدعم الداخلي، من الداخل.
ورأى تاليس أنه كان واضحًا بما يكفي.
وصمتا معًا قليلًا.
«سأضع هذا في ذهني»، وصار ليفي جادًّا: «نصيحة صاحب السمو لا تُقدَّر بثمن».
وهز تاليس رأسه: «بالطبع، “التنين ذو العين الواحدة” ليس ممن يُستهان بهم». ورفع الفتى كأس نبيذه وقرعها بكأس ليفي: «وإن نقض كلمته من وراء ظهري وقطع طريق نقلك، أو نوى أن يهددني بهذا…» وتحولت نظرة تاليس باردة: «فأبلغني».
وكان وجه ليفي كئيبًا فاكتفى بإيماءة.
«وأخيرًا، بخصوص وعدك السابق…» قال تاليس شارد الذهن.
وأجاب ليفي بحزم: «سأنجزه لصاحب السمو حتمًا».
وبهذا ودّع نجم الشمال صاحب قصة الوعاء الذي بدا مشغول البال.
وزفر تاليس بثقل وهو يشعر بالخيبة.
كأن حتى خطيئة نهر الجحيم قد جفت.
لكن الراحة التي جاء بها ليفي لم تتجاوز تلك الدقائق الخمس.
وسرعان ما لم يجد تاليس بدًّا من ارتداء «درعه» من جديد وهو يستقبل «الآنسة أحد عشر» بكامل عدتها.
وبعد أن ودعها، بذل جهدًا ليركز وينتبه إلى محيطه.
فما زال المغتال مصدر قلق.
وفي هذه الأثناء، كان حراس بحيرة النجوم الخاصون به (أو بالأحرى بمالوس) قد بدأوا يتحركون؛ ونُشروا بهدوء بدروع خفيفة.
الضابط السابق جان كومودور الذي سبق أن بارزه تاليس؛ والضخم المخيف المظهر باستيا؛ والطويل النحيل فرانزوكه؛ وفيري البليد المظهر—هؤلاء أعضاء فرقة الدفاع تجمعوا بصمت. بعضهم اختبأ في ظلال الممر، وبعضهم تنكر في زي خدم يصبون النبيذ، وبعضهم تظاهر بتسلم نوبة حراسة ووقف قرب تاليس وهو يمسح بيقظة كل من يقترب من الأمير.
وفي فرقة الطليعة، تفرق في أرجاء القاعة السياف الأعسر جونفيلد، وفلاديفوستوك الذي تدرب مع تاليس على رفع الدرع، والشاب نيس، وأوسكارسون عادي المظهر، وسوبا المختلط الأصول، والمحارب القديم مورغان، يشغل كل منهم قسمًا مختلفًا. ووقفوا يحرسون الطبقات العليا وممرات الخدم والمداخل، وينتبهون هم أيضًا إلى الجموع.
أما بروكا وبقية فرقة الإمداد، فبناءً على طلب الأمير الجاد، فتشوا المدافئ وسائر أماكن الاختباء في قاعة ميندس كلها («كان يا ما كان دوق كبير لم يهتم بالمدفأة، فصار ملكًا»—قال تاليس بجدية بالغة).
وأما المبعوثان المباشران لمالوس، توليدو وتاونسند، فكانا يجوبان المكان ذهابًا وإيابًا بحسب الجدول. وتنقلا بين الحراس دون أن يلفتا النظر، ينقلان الأوامر والمعلومات.
وكانا يراقبان الأمير عن كثب أيضًا.
وعند هذا المشهد، ازداد ضغط تاليس.
الملك، والمأدبة، والضيوف، والمغتال، والكوكبة، وإكستيدت، وساروما، وحراس بحيرة النجوم، وقاعة ميندس اللعينة هذه، ولقب الدوق…
وشعر بأنه مقيد بسلاسل لا تحصى.
وكان الطرف الآخر من السلاسل مثبتًا بإحكام في كل عمود من أعمدة القاعة، يشلّه ويخنقه.
وكانت ابتسامة تاليس قد تجمدت كالجليد، كدرع بالٍ.
ونظر الأمير من بعيد إلى الدوق فال الوحيد المكبل بالأغلال، فأحس في الواقع بشيء من الحسد.
ولعله أوفر حظًّا.
فعلى الأقل، بعد هذه الليلة، لن يضطر إلى تحمل كل هذا.
وفي هذه اللحظة، عاد دويل الذي أُرسل في استطلاع بين الضيوف.
«سيدي، يا صاحب السمو».
وكان ممتلئًا حيوية، مشرقًا مهيبًا نشيطًا.
على النقيض من تاليس المنهك ومالوس المتوتر.
وضيق تاليس ومالوس عينيهما في آنٍ واحد ومالا إلى الأمام.
وحدق كلاهما في العلامة الخافتة تحت ياقة دويل، احمرار مريب—أهو أثر أحمر شفاه؟
ولاحظ دويل نظرتيهما فعدّل ياقته بهدوء: «هذا، كما تعلمان، عمل استخباراتي… فبعض المخبرين المخضرمين يطلبون ثمنًا مرتفعًا…»
وسعل مالوس: «دويل؟»
«أعتذر يا سيدي»، وصار تعبير دويل جادًّا وهو يعود إلى الموضوع: «كما أرى، فإن كل العازبات تقريبًا بين التاسعة والتاسعة والثلاثين، وكذلك أقاربهن الذكور، يقيّمون صاحب السمو بشكل ظاهر أو خفي، ويرفعون أنظارهم كل عشر ثوانٍ، ويتناقشون بحماسة في مكانتك ومظهرك وقوامك وثيابك وحياتك العاطفية وإنجازاتك السابقة وشخصيتك، بترتيب تنازلي من حيث الأهمية…
«وكثيرون سألوني عن أذواقك وعاداتك، ويراهنون على من تستطيع أن تأسر قلبك! هيهي، لا يعلمون أن صاحب السمو يحب…»
وقطب تاليس جبينه: «دويل؟»
«أعتذر يا صاحب السمو». وأحس دويل أن في الأمر خطبًا فغيّر الموضوع على عجل: «اغفر لي صراحتي، لكن حماستهم في جمع المعلومات عن صاحب السمو، ونظراتهم إليه، من دون تمييز بين الجنسين، تبدو كأنهم يريدون أكله حيًّا، وهي أشبه بنظرات القتلة من القتلة الحقيقيين».
وهز دويل كتفيه بعجز.
وشرد تاليس لحظة وهو ينظر نحو وسط قاعة المأدبة.
لكن حيثما نظر، كان الضيوف غارقين في عالمهم الصغير، يتحدثون بحماسة أو يتنعمون بالطعام.
متحضرون مهذبون.
والشابات مشرقات جميلات. فبعضهن يمزحن مع صديقاتهن على طاولاتهن، وبعضهن دُعين إلى الغناء والرقص، وبعضهن يرافقن كبارهن بهدوء وأناقة، لكن لا واحدة منهن حدّقت عمدًا إلى طاولة الأمير.
وحتى إن التقت نظرة إحداهن بنظرة تاليس، فأغلبهن يخفضن رؤوسهن بأدب، فتومئ إحداهن بخجل، أو ترد بابتسامة، أو تنحني احترامًا.
وبدون تكلف، طبيعيات واثقات بأنفسهن ذوات وقار.
لا متصلبات ولا مضطربات من مكانة الأمير.
مثل الشابة التي اسمها لينوسا أو إنيسا قبل قليل.
ولم يستطع المرء إلا أن يشعر باحترام لهن.
ونظر تاليس حوله: «لماذا لا أشعر بذلك؟»
وابتسم دويل ابتسامة غامضة: «من الواضح أن السبب قلة خبرتك، ولأنهن مخضرمات اعتدن استكشاف حال الخصم قبل شن الهجوم…»
وهذه المرة قاطعه مالوس بصوت مسموع: «كفى.
«عاد غلوفر».
والتفت الثلاثة معًا: غلوفر، الذي ذهب ليبلغ الرتب العليا، ظهر من ظلال الممر.
وخلفه حارس ملكي ذو مظهر هادئ وسمت استثنائي لم يعرفه تاليس.
وتغير وجه دويل في الحال.
«يا للهول».
ونظر تاليس إلى الحارس وسأل: «من هذا؟»
ووقف دويل، وصر على أسنانه، وهمس في أذن تاليس: «إنه شرير يا صاحب السمو. بذرة فاسدة بين الحرس الملكي، الشرير الحقيقي في قصر النهضة…»
وذُهل تاليس.
«أنا فوغل تالون»، ورفع الرجل كأس نبيذه واقترب من طاولة تاليس. وانحنى بأناقة، وبدا كضيف أكثر منه حارسًا: «يا صاحب السمو،
«نائب قائد الحرس الملكي،
«وفي الوقت نفسه كبير حمال الراية،
«أتمنى لصاحب السمو الصحة والسعادة».
واعتدل فوغل تالون في وقفته ونظر إلى غلوفر ودويل.
وأدى الأخيران التحية على مضض وتراجعا.
«نائب القائد…»
وتاليس، الذي أتقن «الدرع» إلى أقصى مستوى، رفع كأسه بابتسامة وتصرف كأن الأمر مجرد مجاملة اجتماعية عادية: «أي أنك نائب قائد الحرس الملكي؟ نائب القائد أدريان؟
«واسم عائلتك… تالون من مدينة نهر الجليد؟»
واستعمل الفتى سرعة بديهته وسعى إلى التنقل سريعًا بين لقب الضيف واسم عائلته.
«بالفعل يا صاحب السمو»، وحل فوغل تساؤلاته: «عمي هو دوق مدينة نهر الجليد».
ومرت عينا تاليس على نقش النجمة الخماسية على كمه.
تالون من مدينة نهر الجليد.
قريب بعيد للعائلة المالكة جايدستار، من العائلات الثلاث عشرة المرموقة، ومعاون كفؤ في الإقليم الأوسط، عائلة تالون التي شعارها النجمة الخماسية.
وكان أحد أجدادهم، بالمصادفة، أحد دوقات بحيرة النجوم في التاريخ.
لكن…
وتأمل تاليس لقبه الآخر.
كبير حمال الراية؟
وفكر فجأة في سامل، الحارس الملكي السابق الذي انضم إلى سيف الكارثة.
«أتمنى لك أمسية طيبة».
ولم يقل فوغل شيئًا آخر. فانحنى ومضى إلى الطاولة الإضافية، وجلس إلى جانب مالوس وقرع كأسه بكأسه.
وبدوَا كصديقين قديمين يشربان معًا في ركن.
«اللورد تالون، مساء الخير»، حياه مالوس بلا تعبير وبنبرة رسمية: «أظنك تحمل معك أوامر القائد؟»
«آه يا تورموند»، وخاطب فوغل مالوس بحرارة، لكن تاليس لاحظ أن ابتسامته سطحية كأن على وجهه طبقات منفصلة: «بخصوص ما أبلغتَ عنه…
«ننتظر تفسيرك».
«أظن أن غلوفر شرح الأمر بوضوح تام»، أجاب الحارس بهدوء: «لأسباب أمنية، نحن الآن…»
«بوضوح؟» وأدار فوغل كأسه وقاطع مالوس بلطف: «أأنت متأكد أنه مغتال؟»
وانقبضت حدقتا مالوس.
وعقد تاليس حاجبيه.
وبعد بضع ثوانٍ، أجاب مالوس ببطء: «على الأرجح».
ووضع فوغل كأس نبيذه، وتوترت نبرته: «على الأرجح؟
«عزيزي تورموند، هل تدري حتى عمّ تتكلم؟»
وأحس غلوفر ودويل أن الجو بدأ يتوتر فتبادلا النظرات.
«هذه أول مأدبة رسمية تقيمها العائلة المالكة منذ أكثر من عقد بعد الحرب. لقد أُعدّ لها منذ زمن طويل، والضيوف مرموقون، وأهميتها هائلة،
وتابع نائب القائد بصوت صارم: «كل ما يحدث هنا الليلة سينتشر في أرجاء المملكة بحلول الغد. وعواقبه بعيدة المدى،
والتفت ليحدق في مالوس، كأنه يحدق في مجرم: «سواء قُطعت المأدبة وتقرر أن يغادر الضيوف على عجل، أو بدت العائلة المالكة جايدستار جبانة مرتجفة في سعيها وراء مغتال،
وضيق فوغل عينيه: «كل هذا… لأن رجلًا ما نظر إليك؟
«كل هذا يبدو كمشهد في حانة ريفية يا تورموند».
وكان الازدراء في نبرته واضحًا.
ولم يستطع تاليس إلا أن ينظر نحو مالوس.
«وبسبب أهمية هذه المأدبة بالذات»، لم يغضب قائد الحرس الشخصي لدوق بحيرة النجوم، ونبرته مسطحة كالعادة: «فلو صحت مؤامرة الاغتيال، لكانت العواقب أعظم».
وسخر فوغل ببرود.
وحدق ثابتًا في جانب وجه مالوس، لكن الأخير نظر أمامه بصمت كأن النظرة المرتابة الحادة كالنصل ليست موجهة إليه.
وبعد بضع ثوانٍ، زفر فوغل: «لقد بدأنا العمل.
واستدار فوغل وأعاد انتباهه إلى كأس نبيذه: «سيراقبون عن كثب كل من يحاول الاقتراب. وجلالة الملك وصاحب السمو وسائر الضيوف المهمين سيكونون في أمان…»
«لكن الدرع القوي لا يوقف الرمح الحاد»، ولم ينظر مالوس إليه، بل واصل مراقبة الوضع في القاعة: «وأفضل طريقة هي تجنب الحادث قبل وقوعه. ولعلنا نستطيع إخلاء جزء مؤقتًا من…»
لكن نبرة فوغل الدافئة تصلبت وقطعت كلام مالوس كالفولاذ، بل غيّر أيضًا طريقة مخاطبته: «بحق حاكمة الغروب يا مالوس،
«لا تقل لي ماذا أفعل».
قالها ببطء، لكن بجد.
وساد صمت مفاجئ بين الاثنين.
وفي تلك اللحظة، أحس الجميع بالتوتر، سواء دويل وغلوفر أو تاليس.
وخفتت الموسيقى وانتهت الحفلة الراقصة.
وعاد المنشدون وغنوا لحنًا مأساويًّا عن حملة ملك النصال إلى أرض قبلة التنين، التي انتهت بموت الملك في أرض غريبة عشية انتصاره.
وقاوم تاليس رغبته في التدخل، وحاول جاهدًا ألا ينظر إلى الرجلين خلفه. وقطع بقوة خسًّا آخر وهو يبتسم ابتسامة عريضة ليودع الضيف التالي الذي حياه.
وبعد قليل، سمع صوت مالوس الهادئ يقول مجددًا: «لن أجرؤ يا سيدي».
وصمت فوغل برهة. فلما تكلم ثانية، كان كل شيء قد عاد إلى طبيعته: «لا نستطيع أن نرسل الجميع إلى بيوتهم لمجرد تجنب حادث. هذه قاعة ميندس. وإعادة افتتاحها تعني عودة وريث المملكة، وعودة المملكة إلى السلام والازدهار».
وتنهد تاليس في ذهنه.
العودة إلى السلام والازدهار…
ونظر فوغل حوله بيقظة ليتأكد أنه لم يجذب انتباهًا كبيرًا: «ابقَ متيقظًا. وستمضي المأدبة كالمعتاد».
ووقف ليغادر.
«لكنها أيضًا قاعة ميندس الخاصة بدوق بحيرة النجوم.
«وإن حدث شيء، فسيتحمل صاحب السمو الجزء الأكبر من اللوم حتمًا».
واستدار مالوس ببطء ونظر فوغل في عينيه مباشرة: «رجالي هم من سيتحمل المسؤولية».
وتكلم ببطء شديد.
وتوقف فوغل في مكانه.
ورفع نائب القائد ذراعه عن الطاولة وجلس من جديد.
«رجالك؟»
وهذه المرة سخر فوغل ببرود ولم تعد نبرته مهذبة.
«يا مالوس، أظن أنك أنت وعصابتك الصغيرة من أبناء الأثرياء المدللين، عليكم أن تعرفوا مكانكم».
وشحب وجها غلوفر ودويل.
وقطب تاليس جبينه.
عصابة صغيرة من أبناء الأثرياء المدللين…
واستمع مالوس بلا تعبير، لكن نظرة فوغل كانت حازمة: «حتى لو تغير موقعكم، فأنتم ما زلتم حراسًا ملكيين.
«وأنا رئيسكم.
«تمامًا كما أن قاعة ميندس تابعة لقصر النهضة».
وذُهل تاليس عند هذه الكلمات.
قاعة ميندس تابعة لقصر النهضة…
وأرسلت كلمات فوغل قشعريرة في ظهورهم: «لا تنسَ هذا أبدًا أبدًا،
«أيها الحارس الأعلى».
ولم يتفاعل مالوس.
كما لم يتفاعل تاليس.
وتوقف الزمن بضع ثوانٍ.
وفي هذا الجزء من العالم، تجمد غلوفر ودويل في مكانيهما كالخشب.
ولم يفعل غير مالوس أن شهق، وأغمض عينيه ثم فتحهما: «بالطبع يا سيدي،
«لا أجرؤ ولن أنسى»، قال باحترام.
وأومأ فوغل إيماءة خفيفة؛ وبدا راضيًا.
حتى تابع مالوس بهدوء دون أثر انفعال: «لكن إن كانت ذاكرتي تسعفني، ففي حالة الطوارئ…
«فإن الحارس الموروث في الحرس، يُعد في رتبة مساوية لنائب القائد؟
«أليس كذلك يا سيدي؟»
وهذه المرة، كان فوغل هو من شحب وجهه.
ولجزء من الثانية، ظن تاليس أن الحرارة قد انخفضت بشدة وأن الهواء لم يعد يتدفق.
وبعد بضع ثوانٍ، حدق نائب القائد ببرود في مالوس وقال بنبرة خافتة دقيقة: «بالفعل. ووفق «مدونة الحراس» السرية في «العهد المقدس للحرس الملكي»، يمكن للحراس، وينبغي لهم، في بعض «حالات الطوارئ» أن يتخذوا قرارات مستقلة،
«وليس لي حق في التدخل».
وذُهل تاليس.
«مدونة الحراس» السرية.
في بعض «حالات الطوارئ».
يمكن للحراس، وينبغي لهم…
أن يتخذوا قرارات مستقلة؟
وعند سماع هذه الكلمات، أحس تاليس بانقباض في قلبه.
وخفض فوغل صوته وقال ببرود: «لكن هل تعلم، آخر مرة احتج فيها الحرس الملكي باللوائح في حالة طوارئ، وفعّل هذه المدونة السرية ومنح الحراس سلطة مطلقة مستقلة عن فرقة القيادة…
«كم مضى على ذلك؟»
وفي تلك اللحظة، شرد تاليس وفكر فجأة في زاكرييل المجهول المصير.
ذلك فارس القضاء.
«إن من يستحق حقًّا أن يتحمل جريمة التواطؤ مع العدو، لكنه أخفى الحقيقة بخسة ثماني عشرة سنة… الخائن المخزي الحزين المنافق المقزز، الذي يتظاهر بالتعالي والتقوى، ويتصرف بخلاف ما يبدو عليه… هو أنا».
وصُعق تاليس.
وانقبضت حدقتا فوغل.
ورفع كأس نبيذه ومال نحو أذن مالوس وقال بصوت مكبوت: «وهل فكرتَ جيدًا…
«أنك تريد أن تعلن حالة الطوارئ بالقوة هنا، أمامي؟ وتحتج بـ«مدونة الحراس»؟»
وحدق مالوس فيه بصمت.
ولم يسمع غلوفر ودويل كلمات فوغل بوضوح، لكن هذا لم يؤثر في حكمهما على التوتر بين رئيسهما ونائب القائد.
وحبسا أنفاسهما رعبًا.
وبدا كأن دهرًا مضى قبل أن يضحك مالوس أخيرًا: «بالطبع…»
ولوهلة، صارت نظرة فوغل جليدية.
وشحب وجها غلوفر ودويل.
حتى بعد بضع ثوانٍ، خفض الحارس رأسه برفق وضحك ضحكة خافتة: «…لا».
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.