الفصل 546: ألا نهلك للأعداءً (1)
بالفعل. لقد مضى زمن طويل جدًّا منذ فكر تاليس في هذا الاسم.
سيرينا كورليوني.
بل اضطر إلى الاعتراف بأنه في مرات كثيرة حبسه عمدًا في أعماق ذاكرته.
لم يرغب في التفكير فيه، وكره التفكير فيه.
لكن حين فكر فيه من جديد، ظل يحس بالقلق النابع من أعماق قلبه.
«الخيانة هي جوهر التحالف الحقيقي».
وحين وضحت الذاكرة، وهمّ ذلك الوجه أن يظهر من جديد في ذهنه، رفع تاليس رأسه فجأة وركز انتباهه على ما أمامه مباشرة.
«ماذا تريد؟» نظر الأمير إلى زايين بشك: «لماذا ذكرتها؟»
وفي وسط القاعة، كان حفل تنصيب الفرسان ما زال جاريًا. ومن حين إلى آخر، كان نبيل يصعد الدرجات ويركع أمام مقعد الملك.
وابتسم دوق زهور السوسن ابتسامة خفيفة ورفع كأسه للشاب: «هذه، يا صاحب السمو، يمكنك أن تعدها… هدية مأدبة مني».
وبقي تاليس ساكنًا ونظرته باردة.
وانتظر زايين وقتًا طويلًا لكن الفتى لم تظهر منه أي نية لرفع كأسه ردًّا.
فتجاهل الأمر، وابتسم ووضع كأسه.
لكنه قطب جبينه فجأة ونظر حوله: «أهو وهم مني، أم أن حراستك أكثر توترًا وإحكامًا من المعتاد؟
«ماذا، أيظنون أنني سأؤذي الأمير؟»
وتوتر تاليس لكنه لم يتأثر: «قائد حرسي الشخصي مجتهد وصارم مع رجاله».
وابتسم تاليس نحو مالوس وغلوفر، وأشار إليهما مرارًا أن يهدآ.
والتفت دوق بحيرة النجوم؛ واتقدت عيناه.
«أما الشك فيك… حسنًا، لا يمكنك أن تلومهم فعلًا،
«تعلم، تلك الهدية التي قدمتَها لي قبل ست سنوات، ما زلتُ لم أهضمها تمامًا».
وابتسم زايين: «إذن أنت تحتاج إلى هذه الهدية أكثر—فهي ستساعدك على هضم السابقة».
«كيف؟» سخر تاليس بسخرية.
وبمشاعر لا يسبر غورها الغرباء، حدق كل منهما في الآخر بصمت بضع ثوانٍ.
وأخيرًا سأل تاليس بهدوء: «إذن، سيرينا، أين هي؟»
وابتسم زايين.
ورفع يده برشاقة، ونادى نادلًا وطلب حصة من لحم البقر وتاليس ينظر بتذمر. وفي أصداء رنين أدوات الطعام الخافتة على الصحون، بدأ يتحدث على مهل: «منذ أن تسببت لنا في خسائر فادحة قبل ست سنوات، ظلت تلك الميكيافيلية القاسية من مملكة الليل تتعافى في الكوكبة مدة من الزمن».
كأنه حديث عفوي عادي.
وفكر تاليس قليلًا.
«إنها جريئة.
«بعد أن سببت كل هذه المتاعب وأساءت إلى كل هؤلاء الناس»، وتذكر تاليس تهديداتها له والأذى الذي ألحقته به وسخر: «تجرؤ على البقاء في الكوكبة؟»
لكن تاليس توقف.
ورفع بصره وحدق في زايين بعدم تصديق.
وتناول زايين قطعة لحم وابتسم له.
وبدأ تاليس يفهم.
«أنت».
وقطب جبينه بدهشة خفيفة وتابع: «أخمن أنه حين انهارت علاقتك بعائلة كورليوني، صارت تلك المرأة قبيحة الوجه—أعني سيرينا كورليوني التي خانت عائلتها وتركتها—صارت حليفتك الطبيعية؟»
وأخذ زايين قطعتين وتوقف. وحافظ على ابتسامته وهو يمسح زاويتي شفتيه بمفرش الطاولة.
«بعد أن طردتَها أنت يا صاحب السمو، قدمتُ للادي سيرينا، أم، مأوى».
بالفعل.
وتراجعت الدهشة تدريجيًّا عن وجه تاليس.
«أذكر أن أحدهم قال لي هذا»، ونظر الفتى إليه باحتقار: «إن شاركتَ قاربًا مع ابن آوى وذئب، فأنت تخاطر بأن ينقلب قاربك».
وفي تلك اللحظة، تجمد وجه زايين قليلًا.
«خصوصًا قبل أن تقع في الغرام وتتورط عاطفيًّا مع سيرينا كورليوني»، وسخر تاليس بنصف صدق ونصف تهكم: «صدقني، أتكلم من تجربة».
وصمت زايين قليلًا.
لكن في جزء من الثانية، رفع دوق زهور السوسن بصره وأجاب بابتسامة لائقة.
«نعم، هذا صحيح جدًّا»، وأومأ بأدب: «اكتشفتُ ذلك بنفسي لاحقًا،
وكان في عيني زايين برودة خفيفة: «خصوصًا بعد أن تحررت من قيودها، واستنزفت بضعة من رجالي وتركتني دون أن تودعني».
تحررت من قيودها…
وفهم تاليس: «يبدو أن المأوى الذي قدمتَه لم يكن جيدًا جدًّا».
لكنها سيرينا، ومجرد أن توضع عليها القيود…
نعم، يا زايين الشاب.
وأبدى الأمير له إعجابه في قلبه:
أحسنت.
وفي القاعة، انتهى حفل تنصيب الفرسان أخيرًا.
وسُمعت الموسيقى مجددًا وعاد المؤدون إلى المسرح. وعادت الحيوية والضجة هي موضوع المأدبة من جديد. ولعل مرور الوقت هو السبب، فقد بدأ الضيوف يسكرون، وإما أنهم جمعوا أصدقاءهم أو صاروا في مجموعات صغيرة فقلّت قيودهم أكثر فأكثر.
ولاحظ تاليس حتى أن كثيرًا من الضيوف، رجالًا ونساءً، يختفون من المكان نفسه واحدًا تلو الآخر، ولا يعودون حتى بعد وقت طويل.
وعاد الملك كيسل إلى مقعده، لكن الملكة كانت قد غادرت منذ وقت طويل. وبدا وحيدًا قليلًا.
ونظر الملك إلى تاليس ثانية واحدة ثم أشاح بوجهه.
وبدا الحراس الملكيون إلى جانبه صارمين كالمعتاد، لكن تاليس، الذي يعلم ما يجري، استطاع أن يحس بوضوح بارتياحهم الشديد.
لم يظهر القاتل.
وهذا خبر سار.
وسيئ.
ورفع زايين كأسه قليلًا وفي عينيه نظرة خفية، فأعاد تاليس إلى الحديث الذي بين يديه.
«طريق البحر في شبه الجزيرة الشرقية مربح»، وشم دوق زهور السوسن عبق نبيذه بخفة: «ومنذ المصيبة قبل ست سنوات، ما زالت عائلة كوفينديير تبحث عن فرصة لاستعادة العلاقات مع عائلة كورليوني والعودة إلى علاقة طيبة معهم،
«فأفكر أن المجرمة المطلوبة من العائلة، التي يبحثون عنها، قد تكون نقطة اختراق».
ورفع تاليس حاجبيه.
«العودة إلى علاقة طيبة؟ بعد أن حاولتَ أن تجعل ملكة الليل تقتل أمير الكوكبة نيابة عنك؟»
وتكلم الأمير بالحقيقة بلا عبء نفسي، ونبرته ساخرة: «أخشى ألا يكون الأمر بتلك السهولة».
«سأحاول مع ذلك»، وابتسم زايين مجددًا، في غاية الأناقة.
«فلنمت أصدقاء بدلًا من أن نهلك أعداءً».
وهز تاليس رأسه استنكارًا.
لكن في قلبه صوتًا صغيرًا قال:
لا.
فلو نجحت عائلة كوفينديير حقًّا في القبض على تلك الساحرة العجوز القبيحة وأرسلتها هدية إلى أختها…
وسحب تاليس نظره من زايين وقطب جبينه.
فربما تكون لهما فرصة حقيقية للمصالحة.
ولحسن الحظ، تحررت سيرينا من قيودها ولم يمسك بها زايين.
نعم، يا قبيحة الوجه.
وأومأ تاليس سرًّا استحسانًا لخصمته:
أحسنتِ.
ووضع الأمير قطعة خس في فمه وهو يتأمل هذا: «لكنك ذكرتَ أن لديك آخر الأخبار عنها؟»
وأومأ زايين: «على أي حال، بعد ذلك، أولينا اهتمامًا خاصًّا بمكان اللادي سيرينا،
«وطوال السنوات الست الماضية، لم يكن مكان هذه الشخصية المنفية من مملكة الليل معروفًا بدقة. ويبدو أنها كانت في كل مكان من مدينة ريفول إلى سانلاست. وحتى قبل أيام قليلة، شوهدت في تحالف الحرية».
تحال…
وتجمد تاليس لحظة قبل أن يرفع رأسه فورًا.
«أين؟»
وابتسم زايين.
«نعم. إن تحالف الحرية، الذي وقع في ضائقة، يفعل كل ما يستطيع ليبقى. فمن دون اعتبار للكرامة والثمن، يطلب بيأس ممن لديهم طموح أن ينضموا إلى نضاله العادل، بصرف النظر عن أصولهم وماضيهم،
«من المجرمين إلى المرتزقة، ومن البلطجية إلى الأوغاد، يقبلون أي شخص، ويريدون الجميع، من أجل مقاومة العدوان الظالم من إكستيدت،
«واللادي سيرينا واحدة منهم. بل كُرّمت ضيفة مهمة».
المرأة قبيحة الوجه في… تحالف الحرية؟
تساعد في القتال ضد إكستيدت؟
وومض في ذهنه الخبر الذي حمله غيلبرت، عن هزيمة إكستيدت ومصير قائدها الأعلى المجهول.
وظهر أمام عينيه أيضًا وجه ساروما، الشجاع الصبور.
لكن ما جاء بعد ذلك كان صورة تزداد وضوحًا؛ تجمع الوقار والجمال، والبهاء والقسوة؛ وجهان، أحدهما كبير والآخر صغير—صورة سيرينا كورليوني.
وغاص قلب تاليس وأحس بالفوضى في داخله.
«مستحيل؟
«أهذه أنتِ مرة أخرى أيتها الساحرة العجوز؟»
وكان إحساس غريب في عنقه ومعصمه وكل جزء عضته فيه .
«وبالطبع، هذا الأمر يتعلق بإكستيدت، فلعلك تفهمه أفضل مني. ما رأيك؟» ورشف زايين رشفة نبيذ.
وحدق تاليس في كأس زايين وهز رأسه باحتقار.
«سيكون كمن يشرب السم ليروي ظمأه.
«لكن مهما كان ما تتورط فيه تلك الساحرة العجوز، فلن يكون خيرًا».
ورفع زايين حاجبيه؛ ولم ينكر هذا.
وغرق تاليس في التفكير ولم يتكلم زايين. وجلس الاثنان متقابلين في صمت بعض الوقت.
حتى أفاق تاليس: «هذا كل شيء؟ لا شيء آخر؟»
ونظر زايين إليه: «هذا كل شيء».
وزم تاليس شفتيه وأومأ، يريد أن يصرف ضيفه: «إن كان الأمر كذلك…»
وفي هذه اللحظة، رفع زايين ذراعًا وأشار إلى نبيل في الجمع كان أنفه أحمر من الشراب لكنه في معنويات عالية والجميع يهنئه.
«انظر، هذه عائلة رورتشينانتر. بعد جيلين، صاروا أخيرًا تابعين موروثين.
وكانت نبرة زايين ممطوطة: «لكن من يدري كم سيدوم هذا؟»
وعقد تاليس حاجبيه قليلًا وهو يفكر فيما يريد زايين قوله.
لكن في اللحظة التالية، فاجأته كلمات دوق زهور السوسن.
«تاليس»، وكان زايين ما زال ينظر إلى اللورد رورتشينانتر في الجمع بنظرة عميقة، وقال بخفوت: «هل تعلم كيف نشأت العلاقة بين الحاكم الأعلى وتابعيه؟»
وراع هذا تاليس.
فهذه أول مرة الليلة يخاطب فيها زايين تاليس باسمه مباشرة، دون ألقاب.
وتفحصه الأمير بحيرة.
وبدا الدوق الحارس للساحل الجنوبي غارقًا في التفكير وهو يتابع بشرود: «حين كان البشر قد خرجوا لتوّهم من العصر غير المتحضر، قبل ولادة الإمبراطورية وحين كان يحكم عدة ملوك، لم يكن العالم مسالمًا،
«وفي عصر الحرب والاضطراب، ألحق الضعفاء أنفسهم بالملوك أصحاب القوة والجيوش والأراضي وأقسموا لهم الولاء طلبًا للحماية.
«وفي المقابل، كان على المحميين أن يقودوا أسرهم وأصدقاءهم للعمل في أرض الملك لإنتاج المحاصيل، فيقدمون العمل مقابل الحماية».
وحوّل زايين انتباهه إلى جماعات الضيوف التي تقترب من الملك.
«البلد القديم المتعصب، والشمال، وحافة الصخر، و رودول، والجبل البعيد، وسورنلان… كل ممالك البشر القديمة أُسست هكذا، بلا استثناء،
وضيق زايين عينيه ونظر إلى الملك كيسل من بعيد.
«الأمن واجب الملك، وحق التابع».
الأمن.
وتذكر تاليس فجأة العهود التي قطعها الملك تشابمان في قصر الأرواح البطولية يوم تتويجه.
«بصفتي شماليًّا، سأتحمل المسؤوليات الجسام ملكًا على هذه المملكة، لأقف في مقدمتها بحكمتي وسعة صدري».
ملكًا على هذه المملكة.
أقف في مقدمة المملكة…
حقًّا؟
وتذكر تاليس اليوم الذي وضع فيه تشابمان التاج الملطخ بالدماء ونظر إلى الحشد المعجب من أعلى.
«والعمل، على العكس، واجب التابع، وحق الملك».
وابتسم زايين ابتسامة خفيفة، متعاليًا قليلًا.
«أرأيت، إن جوهر التسلسل بين الحاكم والتابع هو مجرد صفقة.
«أنا أعطيك العمل، وأنت تمنحني الحماية».
وحدق نحو الطبقات الدنيا من قاعة المأدبة في الضيوف السكارى المرحين.
«فإن عجز التابع عن تقديم العمل والخدمة العسكرية والضرائب، فللملك الحق في طرد التابع واسترداد أرضه،
وأدار وجهه مجددًا نحو أعلى طبقة حيث كيسل الخامس، الذي ينظر إلى الأسفل بلا مبالاة.
«وإن لم يعد الملك قادرًا على الدفاع ضد الغزوات الأجنبية وضمان الأمن، فللتابع الحق في التخلي عن الملك والبحث عن سيد آخر،
وقطب تاليس جبينه بشدة.
وأخيرًا عرف ما يرمي إليه زايين.
واستدار زايين وحدق بهدوء في الأمير.
«وهذا الحق امتياز وعرف».
وانتابه وهم أن دوق الساحل الجنوبي، الذي كان في البداية ودودًا سهل المنال، بدأ يظهر بأسه.
«التابعون وحاكمهم الأعلى، والإقطاعيون ورعاياهم، كلهم هكذا. وهذا حجر أساس حكمنا، عقد، وفوق ذلك عهد».
وتابع زايين بخفوت: «ثنائي، متبادل، متآزر، كفتا ميزان، طرفا طريق.
«لكن حين يميل الميزان،
«عليك أن تضيف وزنًا إلى أحد الجانبين ليعود إلى حالة التوازن».
وحدق زايين في تاليس. وكانت نبرته ونظرته هادئتين، لكن تاليس أحس لسبب ما أنه مقيد بإحكام.
ونظر الأمير إلى قاعة المأدبة الحيوية واستمع إلى الموسيقى الباذخة وهو يستنشق ببطء.
«لا أستطيع أن أقول إنك مخطئ».
والتفت تاليس لينظر إلى زايين وقال بجدية: «على الأقل، ليس تمامًا».
ونظر إليه زايين بضع ثوانٍ قبل أن يضحك ضحكة خافتة، ولم يتضح هل كانت النكتة هي ما أضحكه أم تاليس.
واستدار الدوق كوفينديير، صاحب السلوك الدقيق والسمعة الطيبة، ورفع كأس نبيذه، وصارت طريقته تدريجيًّا عفوية مسترخية.
«ومن المثير للاهتمام، أنه مقارنةً بنا، فإن أماكن كثيرة في الشرق، من هانبول إلى مان إي نوكس، ومن اتحاد ليغدرن إلى خانية داي سونغ، لها حكام مطلقون استبداديون ديكتاتوريون.
«كالآلهة.
وارتشف بضع رشفات من النبيذ وختم بخفوت: «ويتفوقون على الإمبراطوريات».
وزفر تاليس: «تذكرتُ الآن. قلتَ لي من قبل إنك سافرتَ في أنحاء شبه الجزيرة الشرقية».
صحيح، إنه سلحفاة عائدة 1.
وسخر زايين قليلًا وأدار كأس نبيذه.
ورأى تاليس سلوك زايين العفوي على غير العادة فرفع حاجبيه: «إذن؟»
وكانت عينا زايين متقدتين وهو يتابع: «مما رأيتُ وسمعتُ، الناس هناك بسطاء طيبون، لكنهم لا مبالون صبورون. ومن أعلى المستويات إلى أدناها في المجتمع، يخشون السلطة العليا ويوقرونها، بل يعبدونها ويُعجبون بها،
«ومن قبل الولادة إلى ما بعد الموت يؤمنون بأن الملك الذي يحكمهم مقدس تقديسًا عظيمًا. ويؤمنون بأن الامتثال لتقاليد الأجداد بالغ الأهمية، وأنهم بصفتهم رعايا عليهم واجب أن يصبروا ويتحملوا مدى الحياة—أو بالأحرى، شرف؟»
وأطبقت أصابع زايين على كأس النبيذ بإحكام.
«وأسمى فضائلهم أن يتمنوا أن يكون الملك الأعلى عادلًا رحيمًا، وأن يأملوا أن يكون البيروقراطيون الذين يحكمون الأرض منصفين. وحين يتصرف الملك بلا ضمير، يخاطر وزراؤه بحياتهم لينصحوه، ويؤثروا فيه تأثيرًا عميقًا حتى يغير رأيه—كتبهم مليئة بقصص كهذه، بوصفها نموذجًا يُحتذى.
«وقال لي أحدهم إن هذا تاريخهم وتقاليدهم. وما تحدده طبيعتهم وعادتهم مبرَّر بالضرورة. مع أنني أرى أنه في أغلب الأحيان ليس إلا خداعًا للنفس عن عجز».
ولم يتكلم تاليس.
واستدار زايين.
وهذه المرة، ترك ذكراه البعيدة ونظر بجدية إلى الأمير تاليس أمامه.
«وأثناء أسفاري، لم أستطع إلا أن أفكر في أنه في مكان كهذا، حين تبلغ انحرافات الملك ذروتها، وحين يبلغ فساد الحكومة أقصاه، هل تكون مظالم الرعايا والخدم غير معقولة بسبب التقاليد، وبالتالي ضعيفة غير مؤذية؟»
وبردت نبرته: «أم تصير أكثر عنفًا ودمًا بسبب القمع الطويل دون تنفيس، فتحرق كل الجسور؟»
وذُهل تاليس.
وفي تلك اللحظة، أحس كأنه نُقل إلى برج الأمير الشبح، وأن الشخص أمامه هو فاكنهاز المقزز.
«الحصان لا يخضع للسوط، والحوذي لا يتخلى عن الجلد».
«أهذا أفضل منا؟
«أم أسوأ؟»
وحدق فيه زايين كأنه يضغط على الأمير للحصول على جواب.
«نحن وهم.
«أيهما أكثر انسجامًا مع مستقبل العالم؟»
وصمت تاليس طويلًا.
وفي هذه المدة، نسي حتى أنه ما زال في المأدبة، وأن الملك ما زال حاضرًا، وأن مرؤوسيه المخلصين ما زالوا يعملون بجد للعثور على قاتل محتمل، وأن الفتاة التي خاض معها الحياة والموت ربما تكون أسيرة على بعد أميال.
وانتظره زايين بهدوء فقط، ونظرته عميقة لكن نواياه غامضة.
وأخيرًا أخذ تاليس نفسًا عميقًا وبدأ يتكلم ببطء.
«لا أظن أننا مؤهلان، ولا أن من الضروري، أن نحكم ونقارن.
«فضلًا عن أن نحدد للمستقبل».
وقطب زايين جبينه، يبدو خائب الأمل.
لكن تاليس رفع رأسه ونظر إلى الجمع الذي يروح ويغدو كالضباب في قاعة المأدبة وتابع بجدية: «لكنني أومن بأن لكل شيء سببًا.
«وأومن بأن الثابت الوحيد هو التغير.
«وأومن بأن لكل نصيبه».
وازداد تقطيب زايين.
«وأومن أيضًا بأنه، بصرف النظر عن الزمان والمكان والحال والشخصية»، ونظر إليه تاليس بنظرة حازمة: «فإن التاريخ نفسه سيختار المستقبل الذي يناسبك أكثر».
وفكر زايين لحظة ثم ابتسم.
«التاريخ؟
«تتكلم كأنه كائن حي مستقل».
ورفع تاليس حاجبيه: «أليس كذلك؟»
وبدا زايين حائرًا.
لكن تاليس اكتفى بالتقاط قطعة خس ودقق فيها.
«لقد انتهى العصر غير المتحضر، وصار عصر الملوك المتعددين والتقويم الإمبراطوري تاريخًا منذ زمن بعيد».
وتابع بشرود: «ومع ازدياد عدد التابعين واتساع الأراضي المحكومة، صارت شؤون الحكم الأساسية أكثر تعقيدًا شيئًا فشيئًا. ومهما بلغت قوة الملك، فثمة جوانب خارج متناوله؛ فلا يستطيع أن يكون كل شيء لكل الناس».
وفكر تاليس فجأة في الملك نوفين.
لكن لا الملك المولود المهيب الشرس.
بل الرجل العجوز الخَرِب الموحش الذي جلس معه على الدرجات والنبيذ في يده بعد المبارزة.
«ولذلك، في مسائل كثيرة على الأرض، اضطر التابعون إلى وضع معاولهم واتخاذ قراراتهم بأنفسهم،
وتابع تاليس بخفوت: «وبعد موت التابع، لم يكن لدى الملوك وقت ولا طاقة لاسترداد كل قطعة أرض صغيرة وتعيين تابع آخر».
ورفع الأمير بصره، وصار وجهه كئيبًا ببطء.
«فصارت الأراضي التي عُهد بها في الأصل إلى التابعين وراثية تدريجيًّا، تنتقل من جيل إلى جيل. وصار من التقليد شيئًا فشيئًا أن تُحسم الأمور في الأرض الإقطاعية بهم وحدهم».
«وبالتالي صارت الممتلكات على الأرض الإقطاعية ملكية خاصة للإقطاعيين، لا يستطيع الملك مصادرتها بسهولة ولا يأخذها الآخرون».
ونظر تاليس نحو دوق زهور السوسن.
«وهكذا، تحرك الإقطاعيون أمثالك ببطء إلى دائرة الضوء وصاروا أبطال التاريخ، يتنافسون بطموح، ويتقدمون ويفتحون آفاقًا جديدة».
«ونتيجة لذلك، تطورت المملكة، وتوسعت الحضارة بأثر التساقط، وانتفع النظام».
وختم تاليس بجدية: «وبذلك أُنشئت الكوكبة اليوم».
وصار وجه زايين جادًّا هو الآخر.
لكن دون علم دوق الساحل الجنوبي، لم تكن الكوكبة هي ما فكر فيه تاليس في تلك اللحظة.
بل فكر في إكستيدت.
لو لم يقسم البطل رايكارو حق حكم المملكة بين الفرسان التسعة الآخرين الموهوبين الطموحين تحت رايته، ويدعهم يرفعون راياتهم ويخرجون في حملات لتوسيع أراضيه في كل اتجاه ونشر سمعة الشمال…
فهل كانت مملكة إكستيدت ستملك هذه الأرض الواسعة والسمعة المهيبة؟
بل أكثر من ذلك، هل كانت ستكون هناك مملكة أصلًا؟
وسخر زايين بخفوت.
«مثير للاهتمام. إذن أتظن أن استقلالنا نحن التابعين وحكمنا الذاتي واعتمادنا على أنفسنا طبيعي ومبرر في ذاته؟»
ونظر إلى تاليس باهتمام.
وأفاق تاليس من شروده وابتسم.
«لم أنتهِ بعد».
«حين صارت الملكية الخاصة للأرض الإقطاعية إجماعًا، بلغت حقوق التابعين ذروتها»، أوضح تاليس.
«وأشدهم تطرفًا استطاعوا حتى أن يقفوا في وجه الملوك».
وظهر مرة أخرى أمام عينيه مشهد تتويج الملك تشابمان. كان الملك قاتل الأقارب يقف شامخًا فخورًا، ونظرته جليدية وفي داخله نار متقدة.
وجلس تاج حراشف التنين بثبات على رأسه.
لكن…
ورفع تاليس بصره وزم شفتيه بخفة.
ففي ذلك المشهد، لم يكن الواقف بهدوء أمام تشابمان لامبارد هو الملك نوفين آنذاك.
بل ذلك الذي يتعالى على قمة جبل سحاب التنين، الذي نجا من آلاف السنين من الرياح والأمطار، الساكن المهيب…
قصر الأرواح البطولية.
وأحس تاليس أن تنفسه يتعثر.
وأمامه، بدا الملك تشابمان، الذي كان مرعبًا جدًّا ذات يوم، شخصية وحيدة هزيلة، تبدو تافهة.
وصر تاليس على أسنانه: «لكن بسبب هذا الاتجاه المتنامي بالذات، تفككت السلطة تدريجيًّا، وتغير التقليد شيئًا فشيئًا. ولم تعد الأرض الإقطاعية ملكية ائتمان جامدة في يد الملك. بل تحررت، وصارت صك ملكية للأرض، تتداول وتتحول بين أيدٍ مختلفة، وتؤثر في أرزاق ناس لا يحصون استقروا عليها، وتثير صراعات لا تنتهي حول السلطة والمصالح.
«وهكذا كان للتابعين طموحات خاصة، واختار الناس أسيادهم، وحارب الإقطاعيون بعضهم بعضًا، وتبدلت الأراضي بين الأيدي وتحركت الحدود بسهولة. وهكذا نشأ كل هذا».
وومض أمام عينيه الدوق الأكبر بوفريت الذي كُسر عنقه في المبارزة، ورأس الملك نوفين المقطوع في بركة دم.
وعينا تشابمان لامبارد الباردتان الساطعتان.
«وحين تزداد النزاعات الإقليمية عددًا وشدة، وحين تتلاشى الحدود بين الملك والتابعين تدريجيًّا، وحين يبطل عقد الأمن مقابل العمل شيئًا فشيئًا، وحين يختفي آخر ما بقي من نزاهة التقليد، فإن المملكة القائمة على هذه الأرض ستقف على حافة أزمة»،
وأخذ نفسًا عميقًا وتابع: «وعندها، فإن التقاليد والمؤسسات التي أُنشئت في الأصل من أجل الأمن، كما ذكرتَ قبل قليل، ستصير أكثر من اللازم حتى تنهار على نفسها…
«…فتنهي الأمن الذي وفرته».
وفي عين ذهنه، نظر تاليس بصمت إلى ذلك الملك المرعب الذي يواجه قصر الأرواح البطولية وحده.
وكانت خطواته مصرة لا تتزعزع، دون أي أثر ضعف.
لكن، يا عزيزي تشابمان لامبارد.
ما عليك أن تواجهه هو…
لكن في اللحظة التالية، صُدم تاليس!
ففي جزء من الثانية، تغير المشهد أمامه.
فلم يعد الظل أمامه الملك تشابمان.
بل فتى لم يقابله قط لكنه مألوف جدًّا.
وكان الفتى يقف منتصبًا طويلًا، لكنه وحيد تمامًا.
وتجمد تاليس.
ورأى التاج الفضي المتألق على رأس الفتى، مزينًا بشارة النجمة التساعية.
وأمام الفتى…
واحتاج تاليس إلى جهد ليحول نظره.
ورأى، مرتفعًا فوق الفتى…
هرمًا أسود هائلًا مهيبًا، هادئًا لكنه ساكن سكون الموت، شاسعًا لكنه ثقيل، فخمًا لكنه عسير الحمل.
وتوقف تاليس عن التنفس قليلًا.
صابرًا منعزلًا تحت النجوم، راسخًا قبل الغروب، صلبًا لا يلين في العاصفة…
إنه قصر النهضة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.