الفصل 549: إلى الدوق تاليس
دوّى! ارتطام!
وسُمعت أصوات ارتطام عالية من المأدبة، مصحوبة بصرخات الجمع المذعورة.
ولأنه كان مستعدًّا، لم يذعر تاليس. لكنه ما إن نهض بلا وعي حتى دفعه مالوس الذي إلى جانبه دفعًا قاسيًا!
وكانت شدة القوة كفيلة بأن توحي لتاليس تقريبًا أن قائد حرسه الشخصي هو القاتل.
وسقط تاليس على كتفي غلوفر العريضتين. وقبل أن يتفاعل، ظهر من العدم الأقوياء الثلاثة في فرقة الدفاع لحراس بحيرة النجوم—باستيا وفرانزوكه وفيري—وشكلوا مع غلوفر أربعة جدران حول دوق بحيرة النجوم، ملتصقين به بإحكام كالختم.
«تأهب شديد! فرقة الدفاع، خذوا مواقعكم! فرقة الطليعة، أبلغوا!»
ومر صوت مالوس عبر الفجوات بين الرجال الأربعة الأقوياء: «على أي حال…
«احموا صاحب السمو، وأوصلوه إلى مكان آمن!»
فبدأت الجدران الأربعة، وتاليس محشور بينها، تتحرك بخرق وعنف.
ولم يكن تاليس يرى أمامه إلا الظلام. وكان نصف وجهه مضغوطًا على عضلات باستيا الصلبة ومتألمًا من الاحتكاك بدرعه.
وطوال خمس ثوانٍ كاملة، لم يستطع أن يفعل شيئًا إلا أن يكافح ليمد ذراعيه داخل الجدران البشرية السميكة الأربعة ليصنع بعض المساحة.
«أع، أعطوني بعض المساحة هنا…»
وسمع الاضطراب يتصاعد، بما فيه الارتطامات الخافتة لاصطدام الأثاث، وصرخات الضيوف وبكاؤهم بين الحين والآخر.
«يا حاكمي!»
«افصلوهما!»
«لا! أيها البارون!»
تبًّا، ما الذي يحدث!
ولحسن الحظ، بعد أن تخبط تاليس محبطًا بضعة أمتار، سُمع صوت نائب القائد فوغل القلق يقول: «تبًّا، أيها الحراس الملكيون، اهدؤوا!
«إنه ليس اغتيالًا. نحن على مسافة جيدة منه…»
وبدا كأنه نشيد ملاك منقذ للحياة.
وأحس تاليس أن أقدام الجدران توقفت عن الحركة.
«انتظروا»، قال مالوس: «لنراقب قليلًا بعد».
وفي الثانية التالية، عاد الضوء أمام عيني تاليس.
ومع أنه ما زال محاطًا بعدة حراس، فقد استعاد حقه في التنفس، فتمسك بكتف فيري واعتدل في وقفته.
«ما الذي حدث…»
وانتهز تاليس علو مقعد دوق بحيرة النجوم ونظر نحو مركز الاضطراب.
ورأى ضيوفًا في قاعة المأدبة يقفون على أطراف أصابعهم ويحيطون بفضول ببقعة ما.
وفي وسط الحشد، مساحة خالية: طاولة طويلة انقلبت، والأطباق وأدوات المائدة متناثرة حولها، وعدة ضيوف سقطوا يساعدهم من حولهم على النهوض بخرق.
ما الذي يجري؟
ولم يفهم تاليس ما حدث في المأدبة.
لكنه رأى أن هناك قلقًا في طاولة الدوقين الطويلة أيضًا:
فقد عزل الحراس الملكيون زايين غير المتأثر إلى زاوية، بينما تبعه كبير خدمه بهدوء حاملًا كأس نبيذ سيده.
ودفع «التنين ذو العين الواحدة» كوشدر بغضب حارسين كانا يحاولان إخراجه، ولم يجرؤ الحارسان على عصيانه.
وتلقى الدوق أروند المعاملة نفسها التي تلقاها تاليس، وأحاط به حراس فرقة حملة الراية إحاطة محكمة.
وكان قائدا الحراس الحاضران في غاية اليقظة وبدا عليهما الوقار. وكان مالوس يتواصل بقلق مع حراس بحيرة النجوم. وكان فوغل يصيح بالأوامر على رجال قصر النهضة؛ وكان الأخيرون يوزعون الرجال باستمرار والأول يجمعهم من جديد.
«أسرعوا واعرفوا ما حدث. إن كان سكرًا وشغبًا، فاقمعوه مهما بلغت خطورته ونتعامل معه غدًا…» قال فوغل.
«ابقوا في حالة تأهب شديد»، أمر مالوس بيقظة: «حافظوا على سلامة صاحب السمو. فقد يكون هذا حاكماءً صنعه القاتل بحثًا عن فرصة للهجوم…»
وكان دويل منزعجًا في البداية لأنه لم يستطع أن يندس في فريق حماية تاليس المؤلف من أربعة رجال، لكنه حين سمع أمر مالوس أجاب بثقة: «اعتمد علي يا سيدي!»
وشق طريقه إلى تاليس.
«ما دمتُ هنا، فحتى لو نُسفت قاعة ميندس بأكملها، فلن يستطيع أحد أن يمس صاحب السمو…»
لكن في تلك اللحظة بالذات.
«يا دويل…»
وحدق فرانزوكه، الأطول بينهم وصاحب أفضل مجال رؤية، في الحشد وقال بتردد: «يبدو كأنه… أبوك».
وتجمد دويل.
«ماذا؟»
وشق طريقه خارج تشكيل فرقة الدفاع، ووقف على أطراف أصابعه وتمسك بكتف فرانزوكه.
ولم يكن دويل وحده. فقد صُدم الجميع.
وتلعثم فرانزوكه الذي كان يرى كل شيء بوضوح: «أظنه ثملًا و… دخل في شجار مع أحد؟»
وضيق تاليس عينيه.
وبالفعل، رجل يشبه البارون دويل العجوز طُرح أرضًا ويُجر وهو يركل ويصرخ.
واندفع أحدهم في محاولة لوقف هذا، لكن بلا جدوى.
وكان الحشد المحيط يصيح ويتراجع باستمرار كلما انتقل مركز الصراع.
«يا للهول، ليس في هذه المناسبة»، وصار دويل يرى الوضع بوضوح الآن. فضرب الأرض بقدميه غضبًا وحك رأسه بتوتر: «أيها الأب اللعين… عليّ حقًّا أن أرفع لك القبعة…»
ووضع دويل يده على سلاحه وأراد غريزيًّا أن يندفع إلى الأسفل، لكن مالوس دفعه إلى جانب تاليس وصاح بغضب: «ابقَ في موقعك يا دانيال دويل!»
وعند هذا، تمالك دويل نفسه وعاد إلى التشكيل بخجل.
«بالفعل، إنه ذلك البارون العجوز الماكر الانتهازي»، وجاء فوغل إلى مالوس وقال عابسًا: «أيستطيع حقًّا أن يقاتل أحدًا؟»
وأسرع بضعة خدم لمساعدة الضيوف المتأثرين بالمشادة وهم يحاولون الحفاظ على النظام.
لكن في اللحظة التالية، استدار الرجل الذي يجر البارون دويل العجوز وقذف خادمين لعدة أمتار!
«يا حاكمة الغروب!»
«توقفا أنتما الاثنان!»
«أحسنت! واصل! اضربه! نحن أهل الشمال ندعمك!»
«ساعدوه!»
«ابتعدوا! لا شيء للمشاهدة هنا!»
وحاول عدة ضيوف ذوي مكانة وفضل أعلى جهدهم أن يحفظوا النظام ويبعدوا الجميع. وتراجع الحشد قليلًا وهو لا يزال يصيح.
وقطب مالوس وفوغل جبينيهما.
حسنًا، لم يكن تاليس يعلم هل يستطيع البارون دويل العجوز أن يقاتل أحدًا حقًّا.
لكن بحسب ما يراه، فإن خصم البارون يقاتل بمهارة فائقة.
وكان دويل كتلة من الأعصاب.
«مرروا الأمر: واصلوا التأهب الشديد»، أمر مالوس بنبرة خافتة بعد أن تلقى التقارير.
وكان واضحًا أن فوغل لم يعد في مزاج يأمر فيه مالوس، فقال بالجدية نفسها: «ركزوا، وانتبهوا إلى كل مشتبه به. هذا وقت جيد للصيد في الماء العكر—وحافظوا على سلامة الدوقات والنبلاء الآخرين،
«أرسلوا فريق الطوارئ. لا يهمني أهو شجار نشأ من الغيرة أم عراك سكارى، اقمعوه…»
لكن…
«لا يا اللورد تالون»، وحدق مالوس في الاثنين المشتبكين وقاطع: «أعرف تلك النظرة».
وأثارت كلماته التالية توتر الجميع.
«إنه القاتل».
وذُهل تاليس.
«ماذا؟»
وفتح دويل عينيه على اتساعهما صدمة: «أبي؟ قاتل؟»
وضحك دويل ضحكة مرة.
«هيهي، لا يا سيدي. كفّ عن المزاح. بلياقته هذه، لا يستطيع حتى أن يقاتل قطة زوجة أبي الأليفة…»
لكن دويل أدرك شيئًا في منتصف جملته.
وشحب ونظر نحو وسط المأدبة بلا وعي.
«آآآه لا لا لا إنه يقتله!» صرخ صوت أنثوي حاد!
«دم! إنه ينزف!»
ولم يستطع تاليس أن يرى إلا وميض نصل. وتراجع الحشد مجددًا.
وفي الثانية التالية، أحاط به سرب من الحراس الملكيين من جديد، ولم يسمع إلا صيحات الحشد.
«أوقفوهما أحد!»
«النجدة!»
«أحدهم مصاب!»
«لا داعي لهذا!»
واستطاع تاليس أن يفتح فجوة صغيرة ورأى لمحة من الوضع في الخارج من تحت إبط غلوفر.
«لا تذعروا. علينا فقط أن نبقى في مواقعنا ونحمي صاحب السمو وسائر النبلاء. اتركوا الآخرين يتعاملون مع الحادثة»، أمر مالوس بصرامة.
«لكن يا سيدي، أبي—» وبدا دويل ما زال يتوسل بقلق.
وفي تلك اللحظة، كسر صوت رجل غاضب عميق الكآبة وتردد في قاعة المأدبة كلها: «اصمتوا!
«لا أريد أن أؤذي أيًّا منكم!
«ابتعدوا إن كنتم لا تريدون الموت!»
وحجب غلوفر الرؤية عن تاليس فلم يستطع أن يرى بوضوح، لكن ضجيج الحشد توقف فجأة، ثم تحول إلى همهمات.
«يا سيدي، علينا أن نوقف هذا فورًا…» تكلم دويل ثانية. وكان قلقًا للغاية. وسُمعت خطواته بعد ذلك مباشرة.
وصاح مالوس بنفاد صبر: «تبًّا يا غلوفر. أوقفه!»
وابتعد الجسد الذي أمام تاليس فاستعاد رؤية ما أمامه: أمسك غلوفر دويل من خصره ليمنعه من الاندفاع وطرحه أرضًا.
أما قاعة المأدبة…
«ما الذي يحدث؟»
ونظر فوغل نحو وسط قاعة المأدبة بذهول:
نبيل شاب يحدق بغضب، ذراعه اليسرى تقبض على البارون دويل العجوز المصاب بكدمات والمرتجف، ويمينه تلوح بسيف قصير حاد كالموسى.
«ابتعدوا! جميعكم!» حذر.
وظل السيف القصير يشير نحو الحشد من حوله وهو يدور.
وحيث وُجه السيف القصير، تراجع الحشد شيئًا فشيئًا، حتى اتسعت المساحة الخالية ولم يبقَ إلا البارون وهو.
«ذلك السيف… كيف حصل على سلاح؟ كل ضيوفنا…»
وكان فوغل غاضبًا. فاستدعى رجاله.
«لم يعد هذا مهمًّا»، ولم يبدُ أن مالوس يكترث كثيرًا بهذا «القاتل» من الجهة الأخرى.
والتفت الحارس ليتفحص تاليس فوجد دوقًا أشعث الشعر قليلًا يبدو فضوليًّا.
«المهم أنه حصل عليه».
وكان تاليس، «المحبوس» داخل الجدار البشري ذي الأضلاع الثلاثة، يطرف بشدة وهو يراقب مشهد احتجاز الرهينة هذا: «ما هذا—دعه ينهض يا غلوفر، كفّ عن الضغط عليه».
ونهض غلوفر ورفع دويل الغاضب وربّت على كتفيه.
وفي القاعة، تقدم بعض الضيوف ذوي المكانة الأعلى نسبيًّا ليقنعوا الشاب آخذ الرهينة.
«اهدأ يا سيد…»
«لا حاجة إلى اللجوء إلى العنف…»
«مهما كانت شكواك، نستطيع حلها…»
«أيها الجميع، ما أجمل هذا اليوم، فلنجلس ونشرب؟»
وبينما يتكلمون، انتهز حارسان من قاعة ميندس الفرصة وقفزا على آخذ الرهينة من الخلف في محاولة لإخضاعه!
لكن تاليس رأى الفتى يضرب البارون دويل العجوز بمقبض السيف، فيسقط الأخير على الأرض متألمًا، بينما يقف الفتى من جديد فورًا!
وومضت النصال.
كلانك! كلانك!
وسُمعت أصوات صلصلة وجسد الفتى يمر خاطفًا بين الحارسين المهاجمين. فسقط أحد الحارسين على ركبتيه متألمًا وطار عدة أمتار بركلة. وصرخ الآخر ألمًا، وأسقط سلاحه وتراجع وهو يمسك بذراعه النازفة.
وعند رؤية الدم، صاح الحشد من جديد.
وبعد جزء من الثانية وصلت التعزيزات. فشق ثلاثة حراس طريقهم بين الحشد لكنهم توقفوا وهم على وشك أن يهجموا على الفتى.
«خطوة أخرى إلى الأمام!»
وأمسك الفتى البارون دويل العجوز من ياقته ووضع السيف القصير على حلقه.
«وسيموت».
وبدا غير لافت، لكن نظرته أظهرت عزمًا شديدًا.
وتبادل الحشد الهمسات وتركزت عليه نظرات لا تحصى، منها نظرات كثير من الضيوف المهمين.
وحده تاليس عقد حاجبيه.
هذا الرجل، هذا «القاتل»…
يبدو مألوفًا.
وصارت نظرة مالوس قاتمة: «هذه المهارة…»
وأومأ فوغل، الذي شهد تطور الوضع بذهول: «مبهرة.
«ولها أناقة.
«وضعيته جميلة، وحركاته دقيقة، وزواياه معقدة»، تمتم مالوس: «إنه أسلوب سيف «الوردة» من برج الإبادة».
«مهارات من برج الإبادة… تعني»، وكان وجه فوغل كئيبًا: «نبيلًا أجنبيًّا؟»
وأومأ مالوس: «ربما».
وفي هذه اللحظة، صرخ صوت أنثوي حاد: «أيها الوغد الخسيس!»
وشقت سيدة نبيلة متبرجة بكثافة طريقها من الحشد، ورفعت صحن عشاء واندفعت نحو القاتل كمجنونة!
وفزع الحراس وآخذ الرهينة على حد سواء.
«سأنازلك أنا—»
وضربت السيدة الفتى مرارًا بصحن العشاء. ولم يرد الفتى بل اكتفى بجر البارون العجوز معه في تراجع، في هيئة بائسة.
حتى لم يعد يحتمل، فزأر غضبًا وضربها ضربة مقابلة أطاحت بها متدحرجة مترين.
وصاح البارون العجوز مذعورًا.
«من الأفضل أن تبتعدي أيتها السيدة دويل»، قال الفتى وهو يصر على أسنانه ويمسك السيف بثبات على البارون دويل المرتجف: «لم أعتد ضرب النساء».
وكانت السيدة دويل محرجة وباكية، لكنها استطاعت أن تنهض من جديد وولولت: «إن أردتَ أن تؤذي زوجي!
«فعليك أن تمر علي أولًا!»
وصر الفتى على أسنانه، بينما زفر البارون الأسير من الألم.
«تبًّا لك أيتها العجوز. ما نفعك؟» صاح البارون العجوز: «ابتعدي!»
وكانت السيدة دويل جالسة على الأرض تبكي في البداية، لكن تعبيرها تغير فورًا عند سماع هذه الكلمات: «ماذا؟
«ماذا ناديتني؟»
وبدت شرسة.
وارتجف البارون دويل العجوز غريزيًّا.
«ما أردتُ قوله، يا عزيزتي، لماذا لا تتراجعين بضع خطوات»، لان صوت البارون وهو يتصنع ابتسامة خلف النصل الحاد: «أصغي إليه، وتراجعي، واحمي نفسك.
«عندها فقط أستطيع أن أبقى حيًّا».
وفي تلك اللحظة، سُمعت خطوات مستعجلة مع صوت رجل غاضب يصيح: «أطلقه!
«أطلق أبي!»
وذُهل تاليس. فقد أدرك لتوّه أن دويل أفلت من قبضة غلوفر دون أن يلاحظ أحد، وغادر التشكيل واندفع نحو المأدبة.
نحو أبيه!
وقطب فوغل جبينه نحو مالوس، بينما حدق الأخير بغلوفر الخجول باستنكار.
وصاح الحشد في المأدبة من جديد؛ ولم يلتفت أحد إلى الحراس الذين يعملون بجد لحفظ النظام وإخلاء الحشد.
واندفع دويل مارًّا بالحراس وسل سيفه الطويل!
كلانك!
ولم يجد الفتى بدًّا من صد ضربة دويل.
«تعال إلي واترك أبي!»
ولوّح دويل بسيفه غضبًا.
«أيها المتنمر الجبان!»
وكانت هذه أول مرة يرى فيها تاليس دويل يقاتل بالسيف.
وعلى عكس انطباعه المعتاد المتلعثم الكسول، بدت مهارات دويل في السيف مستقيمة مشرقة مهيبة.
وكانت خطواته ثابتة وحركاته انسيابية ووضعيتا هجومه ودفاعه حسنتي التكوين.
ولم يستغرق الأمر إلا ضربتين حتى اضطر آخذ الرهينة إلى التراجع.
«أبوك؟»
وفي هاتين الثانيتين، سخر الفتى وهو يدافع عن نفسه.
«أبوك! متنمر؟ هاهاها!»
لكن القتال لم يكن عادلًا.
فقد ركل الفتى كأس نبيذ نحو دويل. وحين حاول الأخير أن يتفادى الكأس الطائر نحوه، كان سيف آخذ الرهينة قد صار ضاغطًا على عنق البارون العجوز.
«ابتعد وإلا قتلته في هذه اللحظة!»
ودفع الفتى البارون أمامه ليحجب رؤية دويل.
وكان صوته يرتجف وأشد غضبًا من صوت دويل!
وكان دويل مستشيطًا؛ وارتجف سيف الفارس في يده: «آآآه… جبان!»
لكن الفتى لم يتراجع، بل جذب شعر البارون العجوز تهديدًا.
بل إن البارون العجوز هو من بصق باحتقار.
«يا فتى»، وكان وجه البارون دويل كله كدمات وبالكاد استطاع الكلام: «هذه شؤون أبيك… خذ أمك وغادر!»
واستنشق دويل بألم، لكنه أنزل سيفه الطويل في النهاية وتراجع ليساعد زوجة أبيه على النهوض.
ولم يستطع تاليس إلا أن يتكلم: «اللورد مالوس، ربما ينبغي أن…»
لكن مالوس قاطعه في اللحظة التالية ببرود، وكانت كل كلمة منه تنضح بصقيع لا يحتمل: «أنتم… اذهبوا واسحبوا ذلك الأحمق إلى هنا، ولو اضطررتم إلى كسر ساقه».
وعجز تاليس عن الكلام.
ونظر حراس بحيرة النجوم بعضهم إلى بعض. وتقدم ثلاثة منهم وذهبوا كما أُمروا.
ولعل دويل كان بارعًا إلى حد ما، لكن قبضتين لا تضاهيان ست قبضات. فأبطل بروكا مقاومته؛ وكبّله كومودور؛ ولكمه نيس الشاب، الأكثر مباشرة، في بطنه، ولكمه ثانية حين بدا أن الأولى غير مجدية.
حتى سُحب دويل الذي يكاد يفقد وعيه، وسط نحيب زوجة أبيه، إلى تشكيل الحراس.
وفي البعيد، كان لكل دوق تعبير مختلف: بدا زايين متأملًا؛ وبدا «التنين ذو العين الواحدة» غاضبًا؛ وبدا الدوق فال لا مباليًا، بل في مزاج أن يصب لنفسه كأس نبيذ.
وفي طبقة أدنى، كان تابعو النجوم اليشمية السبعة، التابعون مباشرة لسلطة الإقليم الأوسط، ما زالوا في مقاعدهم وليسوا بهذا الهدوء.
فعند رؤية أحد زملائهم من تابعي النجوم اليشمية السبعة رهينة، تمتم الفيكونت أدريان بقلق شيئًا للوزانو غلوفر؛ وصر البارون ستون على أسنانه؛ وأمسكت السيدة بارني، «الوتد الحديدي الصغير الابن»، بيد ابنها بإحكام وواست لوثر بارني الذي انكمش باكيًا حين بدأ الصراع.
وكان الفيكونت باترسون، العجوز ثقيل السمع، يحاول أن يصغي إلى وريثيه وهما يبلغانه بذعر عن الأزمة المتطورة. وخففت استفساراته العالية المتقطعة الجو المتوتر في الواقع بعض الشيء.
«أيها الشاب، هذه مأدبة ملكية، والدوق المبجل تاليس حاضر».
ومن بين الحاضرين، تقدم عضو مرموق في حزب الملك وكونت فخري مسؤول عن الاستقبال في المأدبة الملكية، غودوين، وقال بصوت هادئ لطيف: «مهما كانت أسبابك، فإن فعلًا كهذا بعيد عن الحكمة، وقد يؤذي كثيرين.
«سواء كان البارون دويل أو أنت نفسك».
وأمام إقناع الكونت غودوين، ضحك آخذ الرهينة. وكان ضحكه قاتمًا ويائسًا.
مما أقلق تاليس.
لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، أخذ الفتى نفسًا عميقًا وحاول أن يخفي جنونه وغضبه.
«أعتذر أيها الكونت العزيز.
«لكن أيها الجميع، لا تفزعوا».
وبدأ الحشد المذعور يهدأ، وكبح الحراس أمامه نيتهم في الهجوم. وأخذ الفتى يلهث قليلًا ثم تابع بصوت عال: «اسمعوني».
وألقى آخذ الرهينة بالبارون العجوز على الأرض، ونظر حوله، وقال بين أسنانه المطبقة: «أنا متعلم، وأعرف الآداب. ولا أنوي إيذاء الأبرياء في مأدبة قاعة ميندس.
«الظروف أجبرتني على اللجوء إلى هذا!»
وعند قدمي الفتى، سخر البارون دويل العجوز: «بف…»
لكن نظرة الفتى صارت عنيفة. وخفض رأسه وركل البارون دويل بلا رحمة!
«اخرس أيها الحقير العجوز!»
وصاح الحشد من جديد.
«الحراس هنا لا يستطيعون التعامل مع الوضع، علينا أن نفعل شيئًا». وإلى جانب تاليس، أمر نائب القائد فوغل ساعيه العسكري بنبرة خافتة: «تحكموا بالمحيط، وأخلوا الحشد بهدوء وتدريجيًّا، وراقبوا ما حولكم، ولا تسترخوا—ولا تُكتشفوا من آخذ الرهينة».
وغادر عدة رجال بأمره.
والتفت فوغل وسأل: «أأنت متأكد أنه هو؟
«أيمكن أن يكون شخصًا آخر، وهو مجرد طعم؟»
وأومأ مالوس بهدوء: «من نظرته، أنا متأكد».
وتجاهل الحارس دويل الذي ما زال يمسك به حارسان ويغلي بصمت: «أخطأتُ في أمر واحد فقط: لم يكن هدفه صاحب السمو، بل البارون دويل».
«فماذا نفعل؟» لم يستطع تاليس إلا أن يتكلم: «أندعه يحتفظ بالرهينة؟
«الملك ليس هنا. فلعل صاحب أعلى رتبة، دوق بحيرة النجوم، سيد هذا المكان، ينبغي أن يتقدم…»
«لا»، رد مالوس فورًا وبحزم: «اسمع يا صاحب السمو. ابقَ هنا بالضبط».
وعجز تاليس عن الكلام.
وقطب نائب القائد الذي إلى جانبه جبينه.
والتفت مالوس وبنظرة ثاقبة قال بحسم: «غلوفر، اجمع مورغان وإيطاليانو وبيدروسي فورًا… آه، وكذلك توليدو وشيفانوف».
وحدق غلوفر فيه بذهول وبدا شاكًّا.
ففي حراس بحيرة النجوم، كان مورغان محاربًا قديمًا في فرقة الطليعة. وكان هذا مفهومًا.
لكن إيطاليانو من فرقة الإمداد، وبيدروسي خادم الضابط العقابي باترسون.
أما توليدو وشيفانوف فقد كانا من فرقة القيادة سابقًا وعملا تحت إمرة مالوس سنوات، وواصلا العمل ساعيين عسكريين له بعد وصولهما إلى قاعة ميندس.
لكن هذا الاختيار الذي يبدو غير مترابط…
«كلهم خبراء في الاستطلاع والقنص»، وضح مالوس الصارم الوجه بجملة واحدة: «جهزوا أنفسكم بالأقواس. وبقيادتك، تقسموا إلى ثلاث مجموعات واصعدوا إلى المنصة العالية. تمركزوا حيث تستطيعون التسديد جيدًا وانتظروا إشارتي. ومن الأفضل أن تُسقطوه بسهم واحد، وحتى سهمان لا بأس…»
لكن وجه فوغل تغير تغيرًا حادًّا.
«لقد جننت!»
وأمسك نائب القائد غلوفر الذي كان على وشك تنفيذ الأمر، وقال لمالوس بين أسنانه المطبقة: «انظر حولك، من تابعي النجوم اليشمية السبعة إلى الكونتات والدوقات!»
ونظر تاليس إلى الضيوف بلا وعي فأدرك أن كثيرين منهم يختلسون النظر نحو هذا الاتجاه فعلًا.
«قاعة ميندس، مأدبة ملكية، نبلاء العاصمة المرموقون ومسؤولوها كلهم حاضرون. هذا يعني أن المملكة كلها تشاهد!»
ونظر فوغل حوله بقلق وتابع بصوت خافت: «لو طعن أحدًا دون أن ينطق بكلمة فلا بأس. لكنه أخذ رهينة وهو يتفاوض الآن مع الكونت غودوين…»
وقطب مالوس جبينه.
«شيء أن يكون عراك سكارى أو ثأرًا شخصيًّا. لكن أن نتجاهل الرهينة ونطلق النار عليه علنًا، ونقتل شخصًا ونسفك دمًا، وفوق ذلك على يد العائلة المالكة، فهذا شيء آخر…»
وأومأ مالوس: «هذه أقل الطرق إزعاجًا…»
وقطعه فوغل: «هذا سيسبب متاعب هائلة!»
ولما رأى الحراس الملكيون المحيطون صدامًا آخر في الآراء بين قائديهم، أصابهم الوجل ولم يجرؤوا حتى على الزفير.
وحتى تاليس، الذي استرخى في البداية بعد أن اكتشف أنه ليس هدف الاغتيال، بدأ يتوتر من جديد.
وحدق نائب القائد في الحارس: «لا تنسَ أن صاحب السمو هو مضيف هذه المأدبة! وإن مات أحد تابعي النجوم اليشمية السبعة هنا، فسيقع هذا عليه!»
وصُدم تاليس.
«وفضلًا عن ذلك، إن فشلتَ في قتله وانطلق الرجل في موجة قتل وبدأ يهاجم الحشد، فسيخرج الوضع عن السيطرة…»
وصارت نبرة فوغل أكثر حذرًا: «وسيتورط كل من هنا، حتى الأطفال…»
ولم يتأثر مالوس وهو يراقب تخطيط المكان: «نستطيع أن نماطل في التفاوض ونخلي المكان تدريجيًّا لنحصل على رمية أفضل، ونقلل نطاق التورط وما يرافقه من أذى…
«ليس الأمر مجرد «أذى» جسدي!» وازداد صوت فوغل إلحاحًا، وكان واضحًا أنه يفقد صبره: «بحق الغروب والقمر المضيء والليل المظلم!
«هذا مجرد شجار مأدبة، فلا تحوّله إلى انقلاب في القصر أو حرب دموية!»
وسرت قشعريرة في ظهر تاليس.
انقلاب في القصر، حرب دموية…
وحدق نائب القائد في مالوس بشراسة.
«بعد كل هذه السنوات، هذه أول مأدبة ملكية بعد عودة وريث المملكة. وآخر ما نحتاج إليه، وما لا ينبغي أن يحدث، هو وضع كهذا وانطباع كهذا!
«هل تفهم؟»
وهذه المرة، صمت مالوس.
وتقبل توبيخ فوغل دون رد.
«لقد تقدم الكونت غودوين، وأفضل نتيجة الآن هي حل بالتفاوض»،
وكبح فوغل انفعالاته ونظر نحو المأدبة: «واللجوء إلى القتل سيكون أسوأ حل».
ومن جهة أخرى، كان التفاوض بين الكونت غودوين وآخذ الرهينة مستمرًّا.
«أيها الشاب، أمامك مستقبلك كله، فلماذا تلقي به كله؟»
وكانت نبرة الكونت غودوين لطيفة ودودة، مما جعل كلماته تبدو صادقة: «ضع سلاحك، وأطلق البارون دويل، ولنتحدث في هذا. أقسم بسمعتي أنك ستنال المساعدة التي تحتاج إليها».
ومسح الفتى الدم عن وجهه ونظر إلى البارون العجوز عند قدميه.
«أيها الكونت غودوين العزيز، سمعتك طيبة، وأنا ممتن لاهتمامك ومساعدتك».
وكانت نظرته مليئة باللامبالاة والاستياء.
«لكن آسف، لا تستطيع مساعدتي.
«لا أحد يستطيع».
«لا تحصر نفسك في زاوية أيها الشاب»، وأشار الكونت غودوين للحراس ألا يستفزوا الفتى وتابع بحرارة: «أولًا، من أنت؟»
وصمت الفتى قليلًا.
وفي الثانية التالية، أمسك كتف البارون العجوز بيد واحدة، فأرعبه حتى ارتجف.
«أنا أنكر بيراييل».
ورفع آخذ الرهينة وجهه الملطخ بالدم، لكن كلماته نضحت بالكبرياء.
«من عائلة بيراييل في مدينة نعيق الغراب في الصحراء الغربية».
وتابع الفتى الذي سمى نفسه أنكر بيراييل بصوت مرتجف: «خادم مخلص لجلالة الملك كيسل، ومحارب شجاع، و…
وخفت صوته: «رعية لا يُعتد بها».
ورفع أنكر رأسه ببطء ورمى الجميع بنظرة ثاقبة.
«وأبي أحد آلاف إقطاعيي الكوكبة، البارون الشرعي لمدينة نعيق الغراب».
وحدثت جلبة صغيرة في الحشد. فالتفت كثير من الضيوف ليجدوا أصدقاءهم من الصحراء الغربية أو من يعرفون الإقليم جيدًا، في محاولة لجمع معلومات.
«تبًّا، إنه نبيل وراثي من الأقاليم»، ولوّح نائب القائد فوغل بيده على عجل ليستدعي حارسًا من فرقة حملة الراية: «تحقق من هذا، وأبلغ قصر النهضة فورًا».
وتشاور الكونت غودوين مع بضعة أصدقاء.
«أنكر، أهذا اسمك؟ من عائلة بيراييل…»
«ما دمتَ نبيلًا ومتعلمًا منذ الصغر»، والتفت الكونت غودوين، وتحولت نبرته تدريجيًّا من اللطف إلى الصرامة: «فينبغي أن تعلم…
«أن أخذ العجوز الضعيف رهينة، أو الاغتيال الخسيس، أو إفزاع الضيوف أو إهانة مضيف المأدبة، سيجلب العار على عائلتك!»
ولهث أنكر شاردًا قليلًا.
«أرجو أن تسامحوني. لقد خاطرتُ وأفزعتُ الجميع، لكن هذا لأنني يائس فقط».
وكان صوته أجش من جفاف حلقه.
ينضح باليأس.
ورفع أنكر، بوجه ملؤه الاستياء، سيفه وضغطه ثانية على حلق البارون العجوز.
«لأنني لا أستطيع الإمساك بهذا الحقير العجوز التعيس إلا هنا!
«وإجباره على مواجهتي شخصيًّا!»
وعند رؤية نظرة الفتى الحازمة، تخطى قلب تاليس نبضة!
«أيها الحقير…» وكان دويل، الذي تعافى قليلًا، ما زال ذراعاه ممسوكتين من زملائه. فكافح وقال بين أسنانه المطبقة: «أتحداك أن—»
لكنه لم يتمكن من إتمام جملته، لأن مالوس استدار فجأة وصفعه على وجهه بلا رحمة!
طاخ!
وذُهل دويل.
وحدق في مالوس بنظرة مشوشة.
«إن أردتَ أن يُقتل أبوك، فاستمر في الكلام!»
وأمر الحارس ببرود: «أطلقوه! أريد أن أرى كم حماقة أخرى يستطيع أن يأتي بها اليوم!»
وتردد بروكا الذي كان يمسك به قليلًا قبل أن يخفف قبضته، بينما ترك كومودور دويل ببساطة.
وأخذ الأخير بضعة أنفاس مذهولًا، ولمس وجهه المنتفخ، ونظر مرتجفًا نحو أبيه المحتجز رهينة، ثم صر على أسنانه أخيرًا وركع بألم.
وكانت حركة مالوس سريعة مباشرة، فقطب فوغل جبينه بشدة وفزع تاليس.
لكن دوق بحيرة النجوم تمالك نفسه ونظر نحو المشهد في المأدبة.
وكان تركيزه على جزء آخر.
القاتل—أنكر بيراييل.
كان هو.
ونظر تاليس بجدية: لقد عرفه.
ففي بداية المأدبة، ألقى الأمير خطبة افتتاحية ارتجالية.
وبعد «تبًّا لك يا تشابمان لامبارد» الجريئة، كان نبيل شاب أول من رد برفع كأسه والصياح:
«من أجل الدوق تاليس!
«من أجل سعة صدره وحكمته وكبر قلبه وشجاعته—وشبابه!»
كان هو.
وكان ردّه السخي المؤيد هو ما أثار موجة من الردود والبركات من الضيوف على دوق بحيرة النجوم.
وتذكر تاليس المشهد السابق ونظر إلى الفتى بمشاعر مختلطة. فقد رفع الشاب سيفه بيد واحدة وأمسك البارون دويل الخامل باليد الأخرى، وتعبيره حازم.
تمامًا كما قال مالوس…
لا يخشى الموت.
«يا أنكر، قلتَ إن أباك إقطاعي، وبارون مدينة نعيق الغراب»، قال الكونت غودوين ببطء: «أكان يريد أن يراك هكذا؟»
وارتجف أنكر.
«أبي، بارون بيراييل من مدينة نعيق الغراب…»
وقبض على عنق البارون العجوز بقوة. وكانت نظرته مشوشة وهو يتمتم: «لم يكن يريد، ولن يستطيع أن يرى ذلك بعد الآن».
وتجمد الكونت غودوين.
وأخذ أنكر نفسًا عميقًا وعاد غاضبًا مركزًا وهو ينظر إلى الجميع.
«قبل بضعة أشهر، لبّى أبي، بوصفه أحد إقطاعيي الصحراء الغربية، نداء الدوق فاكنهاز.
«وقاد جيشًا غربًا في حملة داخل الصحراء ليعزز هيبة المملكة على بعد آلاف الأميال».
وذُهل تاليس.
«حملة داخل الصحراء؟ أليس هذا—»
وتردد صوت أنكر في أرجاء القاعة، مدويًا مشتعلًا.
«قاد جيشه بتلك الأوامر! ليمهد الطريق لعودة الأمير تاليس…»
وتجمد تاليس.
وتوجهت إلى الأمير نظرات لا تحصى، مجموعة متنوعة.
وكان منها نظرة زايين المهتمة، ونظرة «التنين ذي العين الواحدة» النافذة، ونظرة الدوق فال اللامبالية.
لحظة.
وكبح تاليس صدمته وهو يتذكر رحلته عبر الصحراء الغربية.
فقبل بضعة أشهر، المجندون الإقليميون لدوقات الصحراء الغربية الذين طهّروا الصحراء مع القوات النظامية للعائلة المالكة، انتهى بهم الأمر إلى…
«حتى ذلك الصباح، قبل ساعات قليلة من العثور أخيرًا على الدوق تاليس…» تابع أنكر شاردًا: «انتهز شعب العظم القاحل والأورك غياب الجناح الأسطوري وشنوا هجومًا واسعًا واجتاحوا معسكر أنياب النصل.
«وكان أبي، الذي ما زال في المعسكر، قد هوجم في نومه.
«وكاد جيشه يُباد بالكامل.
«وأصيب هو إصابة بالغة».
معسكر أنياب النصل…
وارتجف تاليس في داخله.
الجناح الأسطوري—ظهرت أمامه عينا البارون رومان القاتلتان.
مع كلماته المرعبة:
«سنهاجم المعسكر!… بصرف النظر عمن تلاقي… بشرًا، أو مختلطي الأعراق…»
«سل! ليك! كا!»
وتعثر تنفس تاليس.
«وبصفته قائد جيش مهزوم، عاد أبي إلى بلده كئيبًا. وفي مدينة نعيق الغراب، تحمل وطأة اللوم…»
وأخذ القاتل وآخذ الرهينة أنكر بيراييل نفسًا عميقًا ورفع بصره، فبانت عيناه الحمراوان الدامعتان.
«وبعد وقت قصير، ساءت إصابته. ومع عذاب جسدي ونفسي…»
ونظر الفتى، وسيفه مرفوع، نحو تاليس الذي يعلوه وصاح: «مات في عذاب».
وعلى الجانب الآخر من نظرة الفتى، صر تاليس على أسنانه وأغمض عينيه.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.