الفصل المئة وخمسة عشر: جرس قياس الاستعداد الروحي (2)
كان أول من يتقدم لاختبار الاستعداد الروحي، بطبيعة الحال، ولي عهد شيا العظمى؛ فهو لم يبلغ الثلاثين بعد.
بدا أتباع ولي العهد في غاية الحماسة، وأعينهم تلاحقه وهو يتقدم ببطء نحو جرس قياس الاستعداد الروحي. فما إن ينجح في الالتحاق بإحدى طوائف الخالدين حتى ترتفع مكانة أتباعه معه!
كانت القرينة هوا متوترة، وراحت بعض المحظيات يواسينها متملقاتٍ، مؤكداتٍ أن ولي العهد سينجح حتمًا في الالتحاق بالطائفة. ومع استمرارهن في طمأنتها، بدأت تستعيد هدوءها تدريجيًا، ثم ألقت نظرة على الإمبراطورة، وقالت بابتسامة:
«لو أتيحت هذه الفرصة آنذاك، فربما كان ابنك لا يزال حيًا.»
تبدلت ملامح المحظيات المحيطات بهما.
لماذا تفتح هذا الجرح بالذات؟
كان عامة الناس في البلاد يعرفون أن الإمبراطورة لم تُنجب، لكنهم لم يعلموا أنها أنجبت طفلًا من قبل، وأنه مات في الثانية من عمره إثر مرض غريب.
تعمد إمبراطور شيا العظمى التهوين من شأن الحادثة، فلم يعد أحد يتحدث عنها.
ألقت الإمبراطورة نظرة على القرينة هوا، ثم قالت ببرود:
«انتبهي إلى سلوكك يا قرينة هوا. لا أريد أن أصفعك أمام كل هؤلاء المعلّمين الخالدين؛ فهذا سيحرج جلالته، ولن يكون في صالحك أنت أيضًا.»
«أنتِ!»
اشتعل غضب القرينة هوا، لكنها ألقت نظرة لا إرادية على السلف الإمبراطوري الجالس في مقعده، ثم ابتسمت فجأة وقالت:
«أمام كل هؤلاء المعلّمين الخالدين، حتى دوق شيا نفسه مضطر إلى الجلوس في مكانه مطيعًا. أتجرئين على صفعتي؟»
«أتريدين أن تجرّبي؟»
أجابتها الإمبراطورة ببرود.
«أيتها المجنونة! لن أضيّع وقتي في الجدال معك.»
شخرت القرينة هوا باستخفاف، ثم عادت تتابع ولي العهد. فما إن يلتحق بالطائفة حتى ترتفع مكانتها هي الأخرى بلا شك!
وقف ولي العهد أمام جرس قياس الاستعداد الروحي، وفي داخله شيء من التوتر. لم يتخيل قط أنه سيصبح قريبًا إلى هذا الحد من طريق الخلود.
قال السلف الإمبراطوري مبتسمًا ابتسامة خفيفة:
«لا داعي إلى التوتر. ما عليك إلا أن تضرب الجرس حتى يرنّ، وعندها نعرف أن لديك موهبة للزراعة. من رنة واحدة إلى ثلاث رنات تعني موهبة منخفضة، ومن أربع إلى ست رنات تعني موهبة متوسطة، أما ما زاد على ست رنات فيعني موهبة عليا! إذا استطعت أن تجعله يرنّ سبع مرات، فلن يكون التحاقك بطائفة تياننان مشكلة.»
«أمرك أيها السلف.»
أخذ ولي العهد نفسًا عميقًا، ثم قبض يده وضرب الجرس بلكمة واحدة، في حركة متصلة لا تردد فيها.
«طنّ!»
رنّ الجرس.
تهللت وجوه الحاضرين؛ فلم يتوقعوا أن يثبت أول من خضع للاختبار، ولي العهد، امتلاكه موهبة للزراعة، وإن لم يحقق سوى رنة واحدة!
وازداد وجه القرينة هوا إشراقًا.
«تابع، ولا تتوقف!»
صاح ولي العهد، ثم وجّه لكمة أخرى إلى الجرس.
«طنّ!»
«طنّ!»
أومأ الشيخ جيننان ومن معه.
«لا عجب أن هذه المنطقة هي التي ظهر فيها النخاع الروحي؛ فأول من يخضع للاختبار استطاع بالفعل أن يقرع الجرس ثلاث مرات.»
في اختبارات سابقة أجروها لتلاميذ في أماكن أخرى، كان من النادر العثور على من يستطيع قرع الجرس ثلاث مرات. بل إن هذه النتيجة وحدها كانت كافية لتجعل بعض الطوائف تقبله تلميذًا، حتى لو توقف عن الاختبار عند هذا الحد.
لكن ولي العهد لم يتوقف.
«طنّ!»
كانت تلك الرنة الرابعة!
وهذا يعني أن موهبته متوسطة.
انفرجت أسارير الوزراء وأقارب الأسرة الإمبراطورية وعامة الناس المحيطين بالمكان. فولي العهد هو أمير شيا العظمى، وكلما ارتفعت موهبته، دلّ ذلك في نظرهم على ازدياد حظوة المملكة وقوتها!
«أمعقول أنه استطاع قرع الجرس أربع مرات؟»
تمتم الداوي لي بملامح غريبة، ثم ألقى نظرة لا إرادية على فانغ تشين. وحين رأى وجهه هادئًا كما هو، سأله بصوت خفيض:
«ألا تقلق؟»
ابتسم فانغ تشين ابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى ولي العهد.
«وما الذي يدعو إلى القلق؟»
كان ولي العهد يزداد حماسة، فضرب الجرس مجددًا.
«طنّ!»
الرنة الخامسة!
«طنّ!»
الرنة السادسة!
«موهبة متوسطة مرتفعة!»
نهض الداوي الغراب من مقعده دون أن يشعر، لكنه رأى الشيخ جيننان ومن معه جالسين في ثبات تام، فعاد إلى مقعده مبتسمًا ابتسامة محرجة.
قال الشيخ جيننان بابتسامة خفيفة:
«الموهبة المتوسطة المرتفعة جيدة بالفعل، لكن لا تنسوا أن هذا هو المكان الذي ظهر فيه النخاع الروحي. لا يمكن أن تكون هذه أعلى مرتبة هنا.»
أومأت رئيسة الدير تشو يوي تلقائيًا. ففي مكان عادي، كان العثور على صاحب موهبة متوسطة مرتفعة أمرًا نادرًا للغاية، حتى إن الطوائف كلها كانت سترحب بقبوله تلميذًا لديها.
أما هنا، فلم تكن الموهبة المتوسطة المرتفعة كافية لتكون في القمة. فقد أفاد النخاع الروحي هذه المنطقة، ومن المنطقي أن يظهر فيها من هم أشد قوة.
«أما أنا في الماضي… فلم أستطع أن أجعل الجرس يرنّ سوى مرتين.»
نظر السلف الإمبراطوري إلى ولي العهد، ذلك المنحدر من ذريته بعد أجيال كثيرة، ولم يسعه إلا أن يتنهد في نفسه بابتسامة مريرة. لولا أنه تناول الدواء الروحي، ثم قدّم نبتة منه إلى طائفة تياننان، لما أتيحت له فرصة الالتحاق بطائفة من طوائف الخالدين.
ولربما لم يكن قد بلغ اليوم حتى المستوى الثالث أو الرابع من تنقية تشي.
ومع ذلك، فإن المستوى الثامن من تنقية تشي يكاد يكون الحد الأقصى لقدراته، ولم يعد تأسيس الأساس ممكنًا له في هذه الحياة.
وكأن ولي العهد شعر بنظرات الحاضرين المتجهة إليه، فاشتعل حماسه، وأطلق صيحة عالية قبل أن يوجّه لكمة أخرى إلى الجرس.
«طنّ!»
سبع رنات!
موهبة عليا!
تسارعت أنفاس الشيخ جيننان قليلًا. فمنذ عقود، لم تضم طائفة تياننان إلى صفوفها عبقريًا من أصحاب الموهبة العليا. وكانت آخر مرة حدث فيها ذلك عند ظهور النخاع الروحي في مملكة اللهب المشتعل!
وفي تلك المرة، ظهر في مملكة اللهب المشتعل شخصان من أصحاب الموهبة العليا العليا؛ التحق أحدهما بطائفة تياننان، بينما التحق الآخر بوادي الروح الوحشية.
«موهبتي من الفئة العليا!»
كاد ولي العهد يطير من الفرح، فضرب الجرس بقبضته مرة أخرى. لكن الجرس لم يتحرك هذه المرة، ولم يصدر عنه أي صوت.
تجمدت ملامح ولي العهد.
لم يستسلم، وواصل توجيه اللكمات.
لكن الجرس ظل صامتًا.
وحين رأى السلف الإمبراطوري ذلك، أوقفه قائلًا:
«يكفي. موهبتك من الفئة العليا، وإذا لم تبلغ الفئة العليا العليا، فلن يصدر الجرس أي رنين آخر.»
شعر ولي العهد بشيء من خيبة الأمل، لكنه سرعان ما استعاد حماسه. فموهبته من الفئة العليا، وهذا يعني أنه يستطيع الالتحاق بإحدى طوائف الخالدين، ومن الآن فصاعدًا سيصبح مزارعًا!
جالت عيناه بين الحاضرين، حتى استقرتا أخيرًا على فانغ تشين. واكتسبت نظرته طابعًا عدوانيًا، كأنها نظرة قائد عاد منتصرًا من الحرب إلى جنود مهزومين.
لاحظ رجال الدولة في شيا العظمى ذلك، فارتسمت على وجوههم تعابير معقدة. فبعد اليوم، سيصبح ولي العهد تلميذًا لطائفة من طوائف الخالدين، وستفوق مكانته مكانة فانغ تشين بكثير.
ومع ذلك، كانوا يتطلعون أيضًا إلى معرفة نتيجة اختبار فانغ تشين.
«جيد.»
صفق الشيخ جيننان برفق، ثم جال بنظره على الحاضرين وقال:
«ستضم طائفة تياننان هذا التلميذ. هل لدى أحدكم اعتراض؟»
قالت المرأة التي تحمل الدجاجة العجوز ببرود:
«أيها الشيخ جيننان، لمَ لا تتركه لوادي الروح الوحشية؟»
التزم الداوي الغراب والخالدة سحابة النار وغيرهما الصمت. فقد عرفوا أن أصحاب الموهبة العليا لن يكونوا من نصيبهم على الأرجح، ولذلك لم يروا فائدة في المنافسة عليهم.
ابتسم الشيخ جيننان وقال:
«لن يكون المرشح الوحيد. ما رأيك أن أترك لك المرشح التالي؟»
فكرت المرأة الحاملة للدجاجة العجوز بضع لحظات، ثم أومأت ببطء.
«إذا كان المرشح التالي من أصحاب الموهبة العليا العليا، فسيكون من نصيب وادي الروح الوحشية أيضًا. إن وافقت، اتفقنا.»
تغيرت ملامح الشيخ جيننان قليلًا. تأمل الأمر مليًا، ثم حسم قراره أخيرًا.
«حسنًا، اتفقنا.»
ثم التفت إلى ولي العهد وقال:
«تعال إلى هنا.»
ذكّره السلف الإمبراطوري:
«اذهب بسرعة. هذا هو الشيخ جيننان من طائفة تياننان؛ فلا تنسَ آدابك.»
«أمرك.»
أومأ ولي العهد على عجل، ثم أسرع إلى الشيخ جيننان وانحنى أمامه باحترام.
«يتشرف تلميذكم الأصغر بلقائكم أيها الشيخ جيننان.»
«حسنًا. عندما تنتهي الأمور هنا، سترافقني إلى طائفة تياننان لتتلمذ رسميًا.»
ابتسم الشيخ جيننان وأومأ.
العودة إلى طائفة تياننان.
خطر لولي العهد فجأة أمر آخر: إذا غادر، فماذا سيحل بمنصب ولي العهد؟
بدا أن الشيخ جيننان قد أدرك ما يدور في ذهنه، فقال بهدوء:
«ألا ترغب في التخلي عن منصب ولي العهد؟ إن المزارع يسعى إلى عمر يطاول عمر الشمس والقمر. أفلا تستطيع التخلي عن شؤون الدنيا هذه؟ أمتعُ لك ثراء الدنيا ومجدها، أم مئات السنين من الحرية والانطلاق؟»
صحيح! ألن يكون العيش مئات السنين أفضل من منصب ولي العهد؟ وحين أبلغ مرتبة عالية في الزراعة، إذا لم أستطع التخلي عن الدنيا، فيمكنني العودة لأصبح إمبراطورًا!
وعندها… ماذا سيكون فانغ تشين بالنسبة إليّ؟
اشتعلت عيناه حماسة، وقال على الفور:
«التلميذ مستعد لاتباعكم إلى طائفة تياننان.»
«جيد.»
ابتسم الشيخ جيننان ابتسامة خفيفة، ثم قال له:
«واصل.»
بعد ذلك، تقدم الأمراء والأميرات واحدًا تلو الآخر لاختبار استعدادهم الروحي. استطاع بعضهم جعل الجرس يرنّ ثلاث مرات، بينما لم يتمكن آخرون من إصدار أي صوت. وبعد اختبار عشرين أو ثلاثين منهم، لم تستطع سوى الأميرة السادسة أن تحقق أربع رنات، أما الباقون فلم يبلغوا أربعًا!
فتبددت حماسة الجميع دفعة واحدة. فقد ظنوا أن نجاح ولي العهد في قرع الجرس سبع مرات يعني أن الأمراء والأميرات سيملكون، في الحد الأدنى، موهبة متوسطة.
لكن النتيجة لم تكن كذلك؛ فلم يمتلك الموهبة المتوسطة سوى شخص واحد…
وهكذا، كلما قارنوا نتائج الآخرين برنات ولي العهد السبع، ازداد وضوح ندرة موهبته. ولم يستطع الحاضرون منع أنفسهم من النظر إليه بشيء من التوقير.
كانت تلك النظرات شبيهة بتلك التي اعتادوا توجيهها إلى فانغ تشين في الماضي. ولم يسبق لولي العهد أن حظي بمثل هذا التقدير؛ فأخذته نشوة التفوق، وامتلأ صدره بالرضا.
عاد ينظر إلى فانغ تشين، فبادله فانغ تشين النظرة. لكن نظرة فانغ تشين بقيت كما هي، هادئة لا تتغير، وإن بدا فيها شيء من النفور والاشمئزاز الخفيف.
«ما إن أبلغ مرتبة في الزراعة حتى يكون أول من أقتله هو أنت.»
قالها ولي العهد في نفسه ببرود.
كان يكره نظرة فانغ تشين أكثر من أي شيء آخر. فحتى بعد أن فقد بصره، ظل ينظر إليه بالنظرة ذاتها التي طالما أثارت كراهيته!
قبلت الخالدة سحابة النار الأميرة السادسة، التي قرعت الجرس أربع مرات، ولم ينافسها أحد عليها. فقد عرف الحاضرون أن أصحاب الموهبة المتوسطة سيظهرون بين الحين والآخر، ولا يستحق الأمر أن يتنافسوا جميعًا عليهم.
أما بعض الأمراء الذين لم يحققوا سوى ثلاث رنات، فلم تقبلهم أي طائفة، فعادوا إلى أماكنهم ووقفوا هناك، وقد غمر الإحباط وجوههم. ولم تكن أمهاتهم من المحظيات أقل حزنًا منهم.
كانت الأميرة السادسة صغيرة السن، بل تصغر فانغ تشين ببضع سنوات. وحين مرت بجانبه، التفتت إليه فجأة وقالت ببرود:
«يا دوق شيا، لولا مساعدتك لي آنذاك، لما نجوت من الزواج بالفيكونت تشو شيو من مملكة لونغدو. ولو تزوجته حينها، لما كنت هنا اليوم.»
بدت كلماتها وكأنها تعبير عن الامتنان، لكن نبرتها كانت تنضح بالتعالي.
تبادل المسؤولون المدنيون والعسكريون المحيطون بهما نظرات غريبة.
ابتسم فانغ تشين وقال:
«لا داعي إلى الشكر يا صاحبة السمو. طريق الخلود غريب ومتعرج، وليس سهلًا سلوكه. لعلنا نلتقي مجددًا إن جمعتنا الأقدار.»
ضحكت الأميرة السادسة ضحكة خفيفة.
«إذا كنت تملك أنت أيضًا موهبة للزراعة يا دوق شيا، فربما التقينا مجددًا يومًا ما.»
ثم مضت ووقفت إلى جوار الخالدة سحابة النار.
قال إمبراطور شيا العظمى فجأة:
«أيها السلف الإمبراطوري، إن دوق شيا موهوب أيضًا في فنون القتال، ولعل موهبته في الزراعة ليست سيئة.»
ما إن سمع السلف الإمبراطوري ذلك حتى التفت إلى فانغ تشين وقال:
«تقدم لاختبار استعدادك الروحي.»
انصبت أنظار الحاضرين على فانغ تشين، وقد غمرها الفضول. فهو أقوى رجل في شيا العظمى، فكم رنة سيستطيع أن يحقق؟ وهل ستكون نتيجته أعلى من نتيجة ولي العهد؟
كان الجميع يتوق إلى معرفة الإجابة، حتى ولي العهد نفسه ظل يحدق في فانغ تشين. جزء منه لم يكن يريد له أن يخضع للاختبار، وجزء آخر كان يتوق إلى رؤيته؛ فظل قلبه يتأرجح بين الرغبتين.
«يبدو أنهم لا يعرفون أنه مزارع بالفعل بل إن الشيخ جيننان ومن معه لم يتمكنوا من اكتشاف ذلك أيضًا. لولا أن تشينغهي أخبرتني، ولولا قدرته على صنع تعويذة البرق الأرجواني، لما استطعت أنا نفسي أن أتبين حقيقته، لا بد أن هذا الكنز السحري الذي يكتم الهالة ليس رديء الجودة.»
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه رئيسة الدير تشو يوي. لم تكن تنوي إخبار الحاضرين بأن فانغ تشين مزارع بالفعل، فالتحدي الذي ينتظره هو مواجهة مزارع من طائفة الروح الدموية بلغ مرتبة تأسيس الأساس.
وبينما كانت تفكر في ذلك، جالت عيناها بلا اكتراث على آلاف الأشخاص المحيطين بالمكان.
وسط الحشد، كان هناك جد وحفيده يتابعان المشهد أيضًا. بدا الحفيد شارد الذهن، في حين كان الجد المسن للغاية يتابع ما يجري باهتمام بالغ.
لم يكن هذا المشهد غريبًا وسط الحشد، إذ وُجدت بين الناس مجموعات كثيرة تشبههما، فلم يلفتا انتباه أحد.
ربّت الرجل العجوز ذو الشعر الخفيف على رأس الطفل وقال:
«يا بني، أهذا هو فانغ تشين؟»
«نعم.»
أومأ الطفل بجمود.
ابتسم الرجل العجوز. فقد ورد اسم فانغ تشين في المعلومات التي نقلها إليه الراهب تشو يي من قبل، ولذلك احتفظ به في ذاكرته.
في المرة السابقة، حين وصلت إليه ست حبات من حبوب روح الدم، كان لهذا الاسم دور مهم في الأمر.
اتسعت ابتسامته، لكن شعورًا بالأسف تسلل إلى نفسه؛ فبعد الآن، لن يكون من السهل اتخاذ شيا العظمى أتونًا لصقل الحبوب.
وتحت أنظار الجميع، تقدم فانغ تشين ببطء حتى وقف أمام جرس قياس الاستعداد الروحي.
قال ولي العهد ببرود:
«اضربه بقبضتك فحسب؛ لا حاجة إلى استخدام الطاقة الداخلية.»
أومأ فانغ تشين. كان هو الآخر فضوليًا لمعرفة مستوى موهبته. وبحسب تقديره، ربما لم تتجاوز الفئة الدنيا.
جمع قوته في قبضته، ثم وجّه لكمة إلى الجرس.
شعر بوضوح بقوة روحية تنبعث من الجرس وتدخل جسده، ثم تدور فيه قبل أن تحاول العودة إلى الجرس؛ لكنها تلاشت داخل جسده قبل أن تبلغه، فظل الجرس صامتًا.
«إذًا، أنا عاجز حتى عن جعل الجرس يرنّ.»
ارتسمت على وجه فانغ تشين ابتسامة مريرة خفيفة.
لولا ما واجهه في جبل الممالك الثلاث، لربما كان حقًا يفتقر إلى أي موهبة في الزراعة.
ساد الصمت بين الحاضرين.
أحقًا لم يصدر عن الجرس أي صوت؟
كان ولي العهد على وشك أن يقول شيئًا، لكن الجرس دوّى فجأة بصوت يفوق رنينه المعتاد بكثير، وبدأت تظهر على سطحه شقوق دقيقة.
«طنّ!»
تجمد الجميع في أماكنهم. كان هذا الصوت مختلفًا تمامًا عن الرنين السابق؛ فما الذي حدث؟
حتى الشيخ جيننان نفسه بدا مذهولًا.
أما فانغ تشين، فوقف للحظة في حيرة. لقد شعر قبل قليل بقوة اندفعت من داخل جسده وضربت الجرس، لكنه لم يسبق أن أحس بوجود هذه القوة من قبل!
وفي اللحظة التي ظل فيها الجميع مذهولين، ظهر طيف فوق الجرس، ثم
صرخ فيهم بغضب:
«من الذي يجرؤ على انتزاع تلميذي منّي؟!»
اجتاحت المكان هالة مرعبة لا مثيل لها. وتحت ضغطها المفاجئ، سقط جميع المزارعين الحاضرين على الأرض، بمن فيهم رئيسة الدير تشو يوي.
أما البشر العاديون، فبدا أنهم لم يتأثروا بها. وبين الحشد، كان رجل عجوز منطرحًا على الأرض، وقد ارتسم الذعر في عينيه، وكأنه لا يصدق ما يراه!
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.