انتهى الممر عند جدار رخامي مصمت.
بدا عاديًا تمامًا، امتدادًا آخر من الحجر الذي رافقه طوال الطريق، لولا التفصيل الذي زرعه فاليريوس في ذاكرته قبل أن يبدأ المهمة. تحسس أورِن الزاوية السفلية من النحت، بحثًا عن نتوء صغير لا يشبه بقية النقش المحيط به.
وجده.
ضغط عليه، فسمع صوت احتكاك خافتًا من داخل الحجر، وبدأت بلاطة ضخمة تنزلق إلى الداخل ببطء، بلا صرير حاد، بلا ضوء يخرج منها، كأنها آلية استُخدمت مرات لا تُحصى عبر زمن طويل.
دخل.
كان هذا الممر مختلفًا عن سابقه. حجره أكثر خشونة، رطوبته أوضح، ورائحة معدن قديم تختلط برائحة أخرى لا يعرفها، كأن السحر نفسه ترك أثرًا في الهواء بعد أن تراكم هنا لسنوات طويلة داخل مكان مغلق.
سار، بلا معرفة دقيقة بما ينتظره في نهايته، ثم دخل داخل حجرة .
في الأعلى، دوّت الأبواق الذهبية.
توقفت الموسيقى في منتصف مقطع، والأحاديث المتناثرة خفتت دفعة واحدة، وتراجع الخدم إلى جوانب القاعة بحركة منظمة تشي بأنها تُمارَس كثيرًا. وقف الحراس عند مواقعهم بثبات أكبر، وانحنت رؤوس بعض الحاضرين قبل أن يعلن المنادي بصوت يملأ القاعة:
“ليبدأ طقس التهنئة والمبايعة… بحضور جلالة الإمبراطور.”
انفتحت الأبواب الضخمة في نهاية القاعة.
ظهر الإمبراطور.
لم يكن هناك ضوء مبهر، ولا هالة تُرى بالعين، لكن ثقلاً غريبًا امتلأ به الهواء بمجرد دخوله، شعر به كل من في القاعة تقريبًا، بعضهم في صدره، وبعضهم في كتفيه، انحناءة إضافية في ظهور من حوله دون أن يقصدها أحد بشكل واعٍ. صمتت القاعة كلها، ضحكات النبلاء التي كانت تملأ المكان قبل دقائق اختفت تمامًا، وكأن هيبته وحدها كافية لتذكير الجميع بترتيب العالم الذي يعيشون فيه.
سار الإمبراطور نحو عرشه بخطى هادئة، وجلس، ونظر إلى القاعة بأكملها بنظرة واحدة لم تستقر على أحد بعينه.
اقترب أحد كبار الحاشية، وقرأ من لفافة طويلة أسماء بعض الحاضرين المدعوين للتقدم وتقديم فروض الولاء، بصوت رسمي رتيب اعتاد الجميع سماعه في مناسبات كهذه. تقدم أحدهم، انحنى، تلا عبارات معتادة، ثم تراجع ليحل محله آخر. لم يكن هناك ما يوحي بأن هذه المراسم ستطول أو تقصر عن المعتاد؛ كانت جزءًا من إيقاع القصر نفسه، متكررًا، مألوفًا لكل من حضره من قبل.
بين الحاضرين، انحنى فاليريوس، بابتسامة مناسبة تمامًا، وانحناءة لا تقل عن انحناءة أي نبيل آخر حوله، صورة رجل يعرف مكانه جيدًا أمام سلطة أعلى منه. حين جاء دوره ليقترب، فعل ذلك بخطى محسوبة، ونطق كلمات الولاء بنبرة لا تختلف عن نبرة من سبقه، ثم تراجع إلى مكانه بين الصفوف دون أن يلفت انتباهًا زائدًا.
كانت الحجرة التي وصل إليها أورِن في نهاية الممر أوسع بكثير مما توقع.
سقفها مرتفع، يختفي في ظلام لا يصله ضوء المشاعل القليلة المثبتة على الجدران. الغبار تراكم في الزوايا، لكن المكان لم يكن مهجورًا بالكامل، أثر خطوات حديثة على الأرضية الحجرية أكد ذلك.
في منتصف الحجرة، على قاعدة حجرية منخفضة، كان هناك صندوق أسود.
لم يكن ضخمًا، لكنه بدا ثقيلاً بطريقة يصعب تفسيرها بمجرد النظر إليه، مغلقًا بسلاسل معدنية داكنة وأختام منقوشة لا يعرف أورِن معناها.
لم يكن وحده في الحجرة.
بالقرب من الصندوق، وقف طفل.
لم يتعرف عليه أورِن فورًا. شيء في وقفته بدا مألوفًا، الطريقة التي يميل بها رأسه قليلاً، حركة يده الصغيرة وهي تلامس حافة القاعدة الحجرية بفضول حذر.
ثم تجمعت الصورة في ذهنه: عربة صغيرة تصطدم بطاولة، طفل يلعق حلوى، أمه تسحبه بعيدًا معتذرة، ونظرة أخيرة تركت أثرًا لم يفهمه حينها.
إنه الطفل نفسه.
نظر إليه الطفل في اللحظة نفسها تقريبًا، وتجمد كلاهما.
“أنت.” قال الطفل، بصوت طفولي لا يخلو من مفاجأة حقيقية. “لم أتوقع أن أراك هنا.”
لم يجب أورِن. حوّل نظره إلى الصندوق.
اقترب خطوة.
لم يحدث شيء في البداية.
خطوة أخرى.
اهتز الخاتم على إصبعه.
لم يكن اهتزازًا خفيفًا كالذي عرفه من قبل. كان واضحًا، مفاجئًا، يمتد من إصبعه إلى عظام يده كلها. توقف، ونظر إلى يده، فرأى ومضة خافتة تتحرك تحت سطح المعدن، تظهر وتختفي بسرعة.
اهتز مرة أخرى، أقوى.
تقدم أورِن خطوة أخرى نحو الصندوق، ليس لأن شيئًا يسحبه، بل لأنه شعر، بيقين لا يستطيع تفسيره، أن هذا هو الاتجاه الصحيح، أن الخاتم يريد هذا الصندوق بشدة لا يفهم مصدرها.
راقب الطفل الحركة بعينين متسعتين قليلاً، ينتقل نظره بين يد أورِن والصندوق، وبين الصندوق ويد أورِن، وتوتر جسده الصغير بشكل واضح.
“ماذا تفعل؟” سأل الطفل، بصوت أقل ثقة مما بدا عليه قبل لحظات.
لم يجب أورِن. عيناه على الصندوق، والخاتم يهتز بإيقاع متزايد، تسللت منه، للحظة، ومضة ضوء أخفت لونها الأسود المعتاد بشيء أقرب إلى الرمادي المتوهج، ثم عادت إلى سوادها من جديد.
اقترب أورِن خطوة أخرى من القاعدة الحجرية، وشعر أن الطفل يتحرك، بحذر، ليقف بينه وبين الصندوق مباشرة، لا كتهديد صريح، بل كعائق صغير يحاول أن يفرضه بجسده وحده.
“هذا ليس لك.” قال الطفل، بنبرة تحاول أن تبدو أكثر حزمًا مما يسمح به صوته الصغير.
لم يرد أورِن. لم يكن لديه وقت ليشرح لطفل لا يعرف عنه شيئًا لماذا وصل إلى هنا، ولا حتى يعرف هو نفسه تمامًا سبب استجابة الخاتم بهذا الشكل. بقي واقفًا، يراقب الطفل والصندوق معًا، محاولاً أن يفهم إن كان عليه أن يتجاوزه بلطف أو أن ينتظر.
وقف الطفل بينه وبين القاعدة الحجرية، بلا حركة واضحة نحو الهجوم أو الهروب، فقط يراقب، حذرًا، كمن يقيس المسافة بين ما يريده وما يحدث أمامه.
ثم تحرك فجأة.
مدّ الطفل يده الصغيرة نحو خاتم أورِن.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.