الفصل 51: اللانهائي
“المعرفة تلد مزيدًا من المعرفة. وتمضي بلا نهاية ما دام المرء لا يكفّ عن طلبها.”
— الساحر الأعظم لوثر
تخطّى سولومون جثة الإله ودخل الحجرة الخفية الكامنة داخل المكتب الخفي. دخل الدائرة السحرية ووضع إحدى يديه على كل جانب من الجرم المملوء بسحب دوّامية، والمنبعث منه مانا هائلة. ضخّ فيه شيئًا من ماناه، وبعد لحظة من العتمة وجد نفسه واقفًا من جديد في المستودع.
امتدت الرفوف، بعلو أسوار القلاع، إلى أقصى ما تستطيع عيناه بلوغه، ورأى فوقه سحبًا دوّامية بلون تلك التي لمحها قبل قليل داخل الجرم. كان يحرز تقدمًا مطّردًا؛ يتجه يمينًا أو يسارًا بحثًا عن تعاويذ يستطيع تمييزها أو تبدو مألوفة، لكن حظه كان متفاوتًا. قرر أن يجرّب هذه المرة نهجًا مختلفًا.
مشى نحو أقرب خزانة كتب، ومدّ إحدى يدي الدمية كاملة المفاصل إلى أعلى ما يستطيع، وأسند قدمه إلى أحد الرفوف ثم جذب نفسه إلى الأعلى. لم يفلح في بلوغ نهاية الرف من أيّ من جانبيه، حتى بعد أن قضى نحو نصف ساعة يمشي بمحاذاته؛ لذا قرر أن يحاول تسلّق أحد الرفوف بدلًا من ذلك.
تحرك ببطء وتروٍ. لم تكن أبعاد جسد الدمية الذي يسكنه مماثلة لأبعاد جسده، فكان عليه أن يتوخّى الحذر في مواضع يديه وقدميه. فلم يرد، على وجه الخصوص، أن تطأ قدمه كتابًا بطريق الخطأ، فيحترق جسده الخشبي حتى التفحّم أو يتمزق إربًا.
بعد نحو عشر دقائق، بلغ منتصف الرفوف تقريبًا فألقى نظرة حوله. وكما في الطوابق السفلى، لم يبدُ ان ثمة طريقة لتنظيم الكتب واللفائف. فقد كانت مبعثرة بلا نظام: مجلدات رسمية مجلّدة بالجلد إلى جوار لفائف من اللحم، وإلى جوارها رزم من الورق مربوطة على نحو بدائي بخيط.
كان ممتنًا لأن التسلق يتم بجسد الدمية. فلم يكن بحاجة إلى التنفس فيه، ولم يكن يشعر بأي ألم أو إرهاق في أطرافه، كما استطاع الحفاظ على توازنه بسهولة أكبر بكثير. فكانت حركته مدفوعة بالمانا لا باللحم والدم. ولو كان في جسده الطبيعي لسقط وتهشم ظهره قبل أن يبلغ ربع الطريق.
تابع صعوده، وصار الأمر أيسر بعد أن اعتاد المسافة بين الرفوف وهيئته. لمح حافة أعلى رف، فضاعف جهده. بلغها وصعد بحذر، متأكدًا من وجود متسع يكفيه للوقوف؛ فاتضح له ذلك إذ كان وراء الرف الذي تسلقه رف آخر مباشرة.
نهض وراح يجيل ببصره في الأنحاء. من موضعه، استطاع أن يرى الرفوف تمتد أميالًا في كل اتجاه. وعلى مسافة بعيدة، بدت وكأنها تنحني وتتشوّه حتى تحولت الصفوف المنتظمة إلى ما يشبه المتاهة. وخلفها لمح ظلال مبانٍ تحجبها السحب ذاتها التي تدور فوقه. كان بعضها أبراجًا زاهية الألوان، وبعضها الآخر أشبه بالقلاع، وظهرت مبانٍ أخرى بهيئات لم يستطع التعرف عليها، فهى لا تشبه أي بناء رآه أو سمع به من قبل.
بينما كان يستوعب ما يراه، لمح في البعيد المباني والرفوف وهي ترتفع قليلًا جدًا. كانت الحركة طفيفة إلى حد ظن معه أنه لم يكن ليلاحظها لولا علوه. انتشرت الحركة، فارتفع كل ما حوله على نحو يكاد لا يُرى، ثم هبط من جديد. كأن المستودع يتنفس.
استدار لينظر إلى الجانب الآخر من الرف، حين لمح فجأة شيئًا بطرف عينه. التفت فرأى مجموعة من الأجسام تتحرك نحوه. لم يعرف ماهيتها، فقفز الي الحافة المقابلة للرف وتعلّق بها محاولًا الاختباء. لم يكن قد رأى حتى ذلك الحين أي كائن حي آخر في المستودع، فلم يدرِ ما الذي يمكن أن يتوقعه.
بعد لحظات، ظهرت الأشياء المقتربة في مجال رؤيته. كانت عيونًا، بحجم رأس إنسان، ذات قزحيات تتلألأ بألوان متغيرة وتبدو وكأنها تقذف الضوء حيثما وقع نظرها. وأحاطت بها كتل من الضباب بلون السحب في الأعلى.
ظلّ سولومون ساكنًا وهو يراقب العيون حتى توقفت في الموضع الذي كان يقف فيه قبل قليل. أطلقت أشعتها في الأرجاء كما لو كانت تبحث عنه. ثم تفرقت، وانطلقت في اتجاهات مختلفة عبر امتداد الرفوف.
انتظر سولومون دقائق معدودة، ثم أنزل نفسه بحذر إلى الجانب الآخر من الرف. فوجد أن النزول أسرع بكثير من الصعود، فاختار أن يقفز الأقدام الثمانية الأخيرة ليختصر الوقت. وعلى الجانب الآخر، لم يرَ اختلافًا كبيرًا عما كان عليه المكان الذي بدأ منه. كانت آلاف الكتب واللفائف تصطف على الجدران، وتملأ كل شبر من الرفوف.
تفحصها بعناية، آملًا أن يعثر على نص بالدراكثية أو على شيء آخر يعرفه. وقع بصره على لفافة عند طرفها أحرف بدت له دراكثية. مدّ يده وأخذها، فوجدها مختومة. تهيّأ للأسوأ، ثم كسر الختم بحذر وبسطها.
“الطُعم” أنشئ هيئةً من المانا على صورتك لتضليل الأعداء. لا تستطيع هذه الهيئة التفاعل مع العالم المادي أو التحرك، كما لا يمكنها إصدار أي صوت.
المتطلبات: شظية من مرآة مكسورة أمسك شظية المرآة بيد، وحرّك المانا إلى أطراف أصابعك. ضع يدك الأخرى في منتصف صدرك، ثم ادفعها إلى الخارج، متخيلًا صورتك في ذهنك وأنت تفعل ذلك. ستتلاشى شظية المرآة عند تكوّن الهيئة. ويلزم تدفق مستمر من المانا لإبقائها قائمة. “هذه اللفافة ملك للاتحاد. أعدها إن عثرت عليها، وإلا فواجه الملاحقة القضائية.”
قرأ سولومون اللفافة عشرات المرات، حافظًا كل جزء منها ومتدربًا على حركات اليد المفصلة فيها. كان قلقًا من مقدار المانا اللازمه لإبقاء الطُعم، نظرًا إلى عدم استقرار ماناه، لكن التعليمات اكتفت بالقول إن تدفقًا مستمرًا مطلوب، لا أن يكون متوازنًا. لم تكن تعويذة كرة نارية، وهي ما كان يأمل العثور عليه، لكنها كانت بالتأكيد مما يستطيع الانتفاع به في مواجهة سيد الغابة السوداء وفي مواضع أخرى.
بعد أن أتم حفظها، حوّل انتباهه إلى الملاحظة في أسفل اللفافة. لم يكن قد أمعن التفكير كثيرًا في أمر المستودع: ما هو وكيف يعمل؛ فقد ظلّ ما يمكن أن يقدمه له أولوية، على الأقل في الأمد القريب. لكن بعدما رأى اتساع المكان كله، اشتد فضوله، ولم تزدْه ملاحظة الاتحاد في أسفل اللفافة إلا فضولًا. استبعد أن يكون الاتحاد قد وضع اللفافة هنا، بل شك حتى في أن أحدًا وضعها هناك أصلًا.
كان قد قرأ لفافة من جلد بشري، وكتاب تعاويذ بدا كأنه متمم لكتاب نظرية الهومونكولوس الذي قرأه، وها هي هذه اللفافة الآن. بدا له أن كل تعويذة تُكتب أو تُسجّل تُحفَظ نسخة من سجلها في المستودع. كانت تلك نظريته، على أي حال. لم يكن لديه سبيل لإثباتها صراحةً، ولن تخبره صحة النظرية بماهية المستودع حقيقةً، لكنها زادت وضوحه عن مدى قوته. غير أن المشكلة كانت في اتساع المعرفة التي يضمها؛ فمقابل كل شيء مفيد وقابل للاستخدام، كان هناك ألف شيء لا يصلح، أو ربما يصلح لكنه يتطلب معرفة لا يملكها حتى يتمكن من الوصول إليه أو استخدامه.
أعاد اللفافة بعناية إلى الموضع الذي وجدها فيه، ثم بدأ يتسلق الرف من جديد. كان يستطيع العودة إلى مونفالو إما بالموت أو بالعودة إلى أحد التوابيت. كان يفضّل أن يبقي الدمى في حالة جيدة اذا استطاع؛ فكلما فقد منها واحدة، قلّت فرصه في اكتساب المعرفة.
بلغ القمة فوجد نفسه فجأة قبالة إحدى العيون التي مرّت به من قبل. كانت مغمضة، لكن ما إن رآها حتى انفتحت جفونها فجأة، فأعماه نور ساطع.
فتح سولومون عينيه من جديد في مونفالو، ويداه لا تكادان تفارقان الجرم الذي نقله إلى المستودع. رمش وأدار كتفيه، شاعراً بالتيبس والألم من بقاء جسده ساكنًا طوال هذا الوقت. يبدو أن عليه أن يقلق في المستودع من أمور تتجاوز الكتب.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.