الفصل 52: الخادم
“يزعم كثيرون أنه لا شيء أهم من العائلة. وهذا غير صحيح. فأهم ما في الأمر هو اسم العائلة ذاته، وإرثها.”
— الدوق الأكبر مورو
خرج سولومون من الغرفة. لا بد أنه أمضى وقتًا أطول مما ينبغي مختبئًا، فكان عليه أن يتناول العشاء ويستعد لليوم التالي. أدّى تحية للهومونكولوس الخاصين به وهو يغادر، فردّوا عليه بمثلها. ثم غادر المكتب، ووجّه كلمة شكر أخيرة إلى حارسه الصامت قبل أن يعود إلى مبنى الضيعة الرئيسي. مرّ بعدد من الخادمات وهنّ يُكملن تنظيف المكان لهذا اليوم، في طريقه إلى حجرته. وبعد وقت قصير، أحضرت له ميليسا وجبته المسائية، فلم يلبث أن شعر بما يكفي من النعاس ليخلد إلى النوم.
مرّ صباح اليوم التالي بلا أحداث تُذكر؛ فقد مضت الخطط المدنية التي وضعها مع فايست وفانتوس بسلاسة في غيابه. وكان الأهالي ممتنين لأعمال إصلاح الطرق، باستثناء قلة تذمروا من الضجيج ومن تعطيل مساراتهم المعتادة سيرًا على الأقدام أو بالعربات.
ما إن فرغ حتى قصد الكنيسة، وطلب من ميليسا انتظاره عند المدخل بينما توجّه هو إلى الداخل. كانت معظم الكنائس تظل مفتوحة للرجال والنساء كي يحتموا من العوامل الجوية أو يصلّوا ويتأملوا فحسب. وكان يوجد فيها أحيانًا كاهن، لكنها كانت خالية من رجال الدين، إذ ظل هايندز مريضًا وكان لوتيرن في إتلينغ. جلس ثرين في أحد المقاعد الوسطى شاخصًا أمامه لا يتحرك. وفي ضوء الكنيسة بدت بشرته الشاحبة متوهجة تقريبًا، فأضفت عليه هيئة سماوية غريبة.
جلس سولومون إلى جواره، وثبّت عصاه أمامه.
“وصلتني رسالتك.”
“أشكرك على مجيئك.”
“بالطبع. كنت أريد أن أطرح عليك بضعة أسئلة أخرى عن عمي على أي حال.”
طرق الأرض بعصاه مرة واحدة.
“ما الأمر؟”
“أنا قلق على سلامة وهناء سيدتي السيدة بريور.”
انحنى سولومون إلى الأمام عابسًا.
“لماذا؟ ماذا حدث؟”
“لم يحدث شيء بعد، لكنني قلق مما قد يحدث. ستزور أسرتها قريبًا، وستطيل الإقامة.”
“أتظن أنهم يشكلون خطرًا عليها؟ حين تحدثت إليها، لم تبدُ قلقة منهم، سوى استيائها لأنهم لا يزورونها بما يكفي.”
“السيدة بريور طيبة القلب جدًا. وهي دائمًا ترى أفضل ما في الآخرين.”
خالف سولومون ثرين الرأي بشدة، استنادًا إلى ما عرفه من تعامله مع المرأة، لكنه تركه يُكمل.
“كثيرًا ما يطلب منها أبناؤها المال لإعالتهم. في الماضي، كانت طلباتهم تصل كل أسبوع تقريبًا. ويبدو أنهم أحرزوا بعض النجاح مؤخرًا، فكفّوا عن الطلب، لكنهم أشاروا مرارًا، مع طلبهم زيارتها، إلى أن لديهم فرصة مثيرة للاهتمام يريدون إطلاعها عليها. وبحسب خبرتي بهم، فذلك يعني المال.”
“وهل تستجيب عادةً لهذه الطلبات المالية؟ تبدو قادرة تمامًا على تدبير أمورها، بصرف النظر عن طيبة قلبها.”
“لديها نقطة ضعف خاصة تجاه أسرتها. لا ترى فيهم عيبًا، وتمنحهم المال كلما طلبوه.”
“إذًا، فالخطر مالي لا جسدي؟”
“في الوقت الراهن، لكنني أخشى أن يتفاقم الأمر. لم ترفض سيدتي قط أن تدفع لهم ما طلبوه، غير أنني أظن أن المبلغ الذي سيطلبونه هذه المرة سيكون كبيرًا إلى حد يضطرها إلى الرفض حفاظًا على مستوى معيشتها المريح. فما استطاعت الحفاظ على نمط الرفاهية الذي تنعم به الآن إلا بفضل قدرتي على تولّي شؤون الضيعة بنفسي. وإذا رفضت طلبهم، فقد تلجأ أسرتها إلى وسائل أخرى، كالمطالبة بالميراث.”
وضع سولومون مقبض عصاه تحت ذقنه وأخذ يفكر في كلام ثرين. لم يبدُ أن ثرين يحسن تقدير شخصية السيدة بريور، لذا ربما كان يبالغ في الخطر الذي تمثله أسرتها عليها. ومع ذلك، لم يكن سولومون يريد تعريضها للخطر. فقد استلطف المرأة، وكان يعلم أنها مورد لا يُقدّر بثمن لمعرفة تاريخ مونفالو.
“سأبذل ما بوسعي لمساعدتها. لكن لمساعدتي ثمن.”
“وما هو؟”
“لديّ بضعة أسئلة أريد أن أطرحها عليك؛ عن الضيعة، وعن عمي، وعنك. إن أجبت عنها بصدق وبما يرضيني، فسأبذل كل ما أستطيع لحماية السيدة بريور.”
كان سيحميها على أي حال، لكن لا داعي لأن يفوّت فرصة الخروج بشيء من ذلك.
“حسنًا.”
ابتسم سولومون.
“أأنت هومونكولوس؟”
ظلّ ثرين ساكنًا للحظات، وبدأت المانا في داخله تنبض وتتقلب بعنف.
“نعم.”
أومأ سولومون؛ فقد كان هذا ما ظنه.
“فيكتور هو من صنعك؟”
“نعم.”
“أكان جميع خدمه من الهومونكولوس؟”
“منذ جئنا إلى هنا، نعم.”
“حين قلت إنك التقيت به في ليندال، أكان ذلك كذبًا؟”
“لا. صنعنا هناك بينما كان منهمكًا في أبحاث أخرى.”
“كيف صُنعت؟”
“لا أعرف كل التفاصيل. أعلم أن جلدي من جلد خنزير، وشعري من شعر حصان. بعض أجزائي من حجر، وبعضها الآخر من أحجار كريمة. أعتقد أن صنع هومونكولوس مثلي ومثل رفاقي عملية بالغة التعقيد وتستغرق وقتًا طويلًا.”
“كيف مات عمي حقًا؟”
“لا أعلم. طلب منا جميعًا أن ننتظر خارج الضيعة بسبب قدوم ضيف. لم أرَ أحدًا يصل، لكن أصواتًا مروعة صدرت من داخل الضيعة لساعات. وحين خمدت، دخلنا جميعًا فوجدناه ميتًا. ولم تكن على جثته أي آثار.”
قطّب سولومون حاجبيه. فقد رأى ما يشير إلى وقوع صراع سحري، لكن ما وصفه ثرين بدا أضخم شأنًا بكثير مما رآه هو.
“ماذا حدث للهومونكولوس الآخرين؟”
“بعد أن انتهينا من نقل جثة فيكتور، خبت المانا في داخلهم، فدفن كلٌّ منهم نفسه قبل أن يموت.”
“لكنّك لم تفعل؟”
“لا. ولا أعرف السبب.”
“هل تعرف شيئًا عن المستودع؟ أو عن الأركانا؟”
هزّ رأسه.
“لم أسمع بأيٍّ منهما قط. لم يكن السيد فيكتور يتحدث إلينا إلا نادرًا، وما كان يقوله لا يتعدى الأوامر. فلم يكن يعدّنا كائنات تفكر أو تشعر.”
أومأ سولومون من جديد، متأملًا ما قاله ثرين.
“هل توجد حجرات خفية في الضيعة؟”
“توجد واحدة في المكتبة. لم يُسمح لي بدخولها قط، لكن آخرين كُلّفوا بالعمل فيها أو بالمساعدة في التجارب.”
“ماذا كان يفعل عمي في ليندال؟ ما نوع أبحاثه؟”
“لست متأكدًا. أظن أن معظمها كان قد اكتمل حين صُنعت.”
أومأ سولومون وأسند ظهره إلى المقعد.
“شكرًا لك. قد تكون لديّ أسئلة أخرى، لكن يمكنها أن تنتظر الآن. متى ستصل أسرة السيدة بريور؟”
“يعتزمون المجيء بعد أربعة أشهر. بعضهم في إتلينغ، أما الآخرون ففي العاصمة.”
“مفهوم. عندما يقترب الموعد، سنضع خطة. لن أسمح بأن يصيبها أذى.”
نهض ثرين وانحنى له انحناءة خفيفة، ثم أسرع بالخروج من الكنيسة.
بقي سولومون دقائق أخرى، يدوّر عصاه وهو يتأمل ما أخبره به ثرين. لقد صدّق كلامه، فقد هدأت المانا في داخله ما إن بدأ يتحدث. كان مؤسفًا أن عمه لم يكن من النوع الذي يتحدث بصوت مرتفع أو يخاطب الأشياء الجامدة، وإلا لربما استطاع أن يعرف منه الكثير. ومع ذلك، لم تكن معرفة أنه كان يجري أبحاثًا في ليندال، وأن جميع خدمه كانوا هومونكولوس، وأنه قُتل في مواجهة سحرية مما ترك جثته بلا جروح، أمرًا عديم الفائدة. لقد حصل على هذه المعلومات مقابل وعدٍ بفعل أمر كان ينوي فعله على أي حال.
دفع نفسه قائمًا من المقعد وبدأ يغادر، أومأ إلى ميليسا التي كانت تقرأ كتابًا في الركن وهو يقترب منها.
أغلقت الكتاب على عجل ودسّته في سترتها قبل أن تفتح له الباب. خرج إلى العربة وصعد إليها. كان كل يوم يحمل تحديًا جديدًا ولغزًا جديدًا.
مدّت ميليسا يدها إلى كتابها في جيب سترتها لتخرجه، ثم توقفت.
“هل لي أن أسأل عمّا أراده ثرين؟”
تردد سولومون. لم تكن تتطفل عادةً، لكنه أقرّ بأن الأمر يثير الفضول، ولم يستطع لومها على رغبتها في معرفة التفاصيل.
“تنتظر السيدة بريور زيارة بعض أفراد أسرتها بعد بضعة أشهر. يقلقه طبعهم، وكان يأمل أن أساعده بطريقة ما.”
“وهل تستطيع؟”
“نعم. وسأفعل.”
أومأت راضية عن جوابه، وأخرجت من سترتها كتاب “جرائم في ضوء القمر” لتتابع قراءته.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.