حين لاحظ للمرة الثانية هذا الخلل في العدد من حوله، أدرك يانغ جيان فورًا أن قلقه السابق صار واقعًا.
في البداية شك في أن المشكلة في ذلك الفندق.
ولهذا غادر احتياطًا قبل أن يكمل الطعام، وطلب من تشانغ وي أن يدفع الحساب.
وبعد خروجه وضع الأمر جانبًا مؤقتًا. فإن كانت في ذلك الفندق حادثة خارقة حقًا فلا شأن له بها، فهذا صداع تشاو كاي مينغ، وهو ليس طيبًا إلى حد أن يعالج حادثة خارقة نيابةً عنه.
لكن الوضع الآن لم يزل بمغادرتهم الفندق.
بل تبعهم إلى الكاريوكي.
«أهي حادثة خارقة أخرى؟» صار يانغ جيان متأكدًا في قلبه.
شيء ما يبقى بجانبهم بطريقة لا يلاحظونها، ويتبعهم من البداية حتى الآن.
ظهر معهم في الفندق من قبل.
وها هو يظهر الآن… في الكاريوكي.
«أيكون شبحًا أيضًا؟» نظر يانغ جيان إلى علب البيرة على الطاولة وبدأ يفكر.
لم يكن مذعورًا كثيرًا.
فلو كان هناك شبح حقًا، ومع كل هذا الوقت الذي تبعهم فيه لم يبدأ بالقتل، فهذا يعني أن مستوى رعبه منخفض. وإلا لما بقي الجميع بسلام.
وبعد ما مرّ به من حوادث، يعرف يانغ جيان أن التصرف بتهور دون فهم الوضع قد يقتل الناس.
وما دام الوضع هادئًا الآن، فيمكن أن يترك وجود ذلك الخامس مؤقتًا، ما دام لم يبدأ بالقتل.
«وإن كان هناك شبح حقًا، فمن الذي جاء به؟» مسح يانغ جيان بنظره من في الغرفة.
العدد ليس كبيرًا.
لكن يمكن أن يستبعد ميو شياو شان وابن خالها شانغ قوان يون أولًا.
فقد وصلا آخر الجميع في الفندق، وكان الطقم قد ظهر على الطاولة قبل وصولهما، فالشبح لم يأتِ خلفهما بالتأكيد.
«هل جاء الشبح مع تشانغ وي أو تشاو لي، أم جاء معي أنا؟»
تحركت عيناه: «لكن الشبهة عليّ أضعف ما تكون. فأنا مروّض أشباح، وأسخّر شبحين الآن، ولو كان هناك شبح حقًا فلن يختارني هدفًا أول.»
«فالأرجح أن الشبح ظهر مع تشانغ وي أو تشاو لي.»
نظر يانغ جيان مجددًا إلى تشانغ وي الذي يغني، وإلى تشاو لي الجالس بجانبه يشرب بصمت.
قال تشانغ وي من قبل إنه لعب مع المرآة قبل أيام وفاز طوال الليل، وإنه ضرب وجهه بنفسه حتى انتفخ.
وهي براعة في التصرف، لكنه إن كان صادقًا فشبهته كبيرة.
غير أن شبهة تشاو لي ليست صغيرة أيضًا.
فقد كان مهتمًا بالحوادث الخارقة في الفترة الماضية، وذهب يحقق في أماكن كثيرة، وزار الحي السكني المغلق والحديقة المغلقة، وكأنه محترف في البحث عن الموت، وهي براعة في التصرف كذلك، فاحتمال أن يكون شبح قد تعلّق به قائم.
«ما دمت أرجّح أن تشانغ وي أو تشاو لي هو من جاء بالحادثة الخارقة، فيمكنني أن أحاول العثور على الشبح، وعلى الأقل أن أعرف هل ما زال في هذه الغرفة.»
نظر إلى الغرفة الصغيرة، وحين تخيل أن شبحًا لا يراه يجلس في مكان ما منها ويشاركهم الجلسة، أحس ببرد.
وفي اللحظة التالية.
شقّت عين الشبح جلد جبهته وانفتحت ببطء.
ثم انتقل المشهد الذي تراه إلى دماغه.
عالم يغمره ضوء أحمر، وكأن الغرفة كلها صُبغت بالدم، وحتى الأشخاص يحيط بهم ضوء أحمر خافت.
وفجأة رفعت وانغ شانشان الهادئة بجانبه رأسها ونظرت إليه.
أو بالأحرى نظرت إلى عين الشبح على جبهته.
قال يانغ جيان وهو ينظر إليها بشيء من الدهشة: «أنظر إن كان في هذه الغرفة شخص لا نراه.»
أتراها أحسّت فورًا بأنه استخدم قدرة عين الشبح؟
ثم إنه في اللحظة التي انفتحت فيها عين الشبح، نشأ بينه وبين وانغ شانشان اتصال غامض.
مصدر هذا الاتصال وسم عين الشبح على معصمها.
ومن خلال ذلك الوسم بدا أن يانغ جيان يستطيع التحكم بها كلها.
جرّب ذلك بدافع الفضول.
وفجأة.
وقفت وانغ شانشان بجانبه بلا مقدمات، وعلى وجهها ذهول وخدر.
«ماذا فعلت قبل قليل؟»
اهتز تعبيرها، ورأت نفسها واقفة فجأة فاستغربت وارتابت.
قال يانغ جيان بهدوء: «شردتِ قليلًا ولم تفعلي شيئًا.»
إذن هو كما ظن.
يستطيع أن يتحكم بوانغ شانشان مباشرة، وهي نفسها لا تعرف ما جرى، كأن شيئًا انتزع منها السيطرة على جسدها في لحظة.
قالت وانغ شانشان: «حقًا؟ نعم، شردت قبل قليل. وماذا رأيت أنت؟»
قال: «لا شيء، كل شيء طبيعي.»
لم تر عين الشبح عند يانغ جيان ذلك الشخص غير الموجود في الغرفة.
لكنه استغرب.
فما دام هو نفسه لا يراه، فلماذا لا يخطئ النادل هنا حين يأتي بالبيرة؟
لا بد أن النادل حسب عددهم.
لكن كيف حسب شخصًا غير موجود ضمنهم؟
النادل بلا شك إنسان عادي، ولا يمكن أن يملك قدرة خاصة.
قال: «سأخرج قليلًا.»
رأى يانغ جيان أن عليه أن يستوضح الأمر، فنهض فورًا وخرج من الغرفة.
وحاولت وانغ شانشان تلقائيًا أن تتبعه.
قال لها: «ابقي هنا، وراقبي الوضع لي.»
قالت وانغ شانشان وهي تومئ: «حسنًا.»
لم يخف يانغ جيان أن يحدث شيء بعد ذهابه. فلو كان سيحدث شيء لحدث منذ زمن، ولما انتظر حتى هذه اللحظة.
وبعد جولة وجد النادل في المكان.
كان شابًا في أوائل العشرينات يضع نظارة، ويبدو مهذبًا.
سأله يانغ جيان: «عذرًا، كم شخصًا جاء إلى غرفتنا قبل قليل؟ أرى أنكم أرسلتم لنا سبع زجاجات بيرة، فهل أخطأت؟»
قال النادل باستغراب: «لا خطأ. أنتم سبعة في المجموع، كيف أخطئ في العد؟»
وما إن سمع يانغ جيان ذلك حتى قطّب جبينه.
كما ظن.
هذا النادل رأى الشبح المختبئ بينهم.
أراد يانغ جيان أن يسأله عن ملامح ذلك الشخص.
لكن الكلام وقف عند طرف لسانه.
سؤال سخيف. فالنادل لا يعرف أيًّا منهم، فكيف يعرف من الإنسان ومن الشبح؟ وسؤاله عن الملامح عبث.
وهل يمكن بالكلام وصف الملامح بدقة؟
سأل: «وكم من السبعة نساء؟»
قال النادل متسائلًا: «اثنتان على ما أظن، واحدة بشرتها بيضاء جدًا، وأخرى لطيفة الشكل. ما الأمر؟ ألا تعرف هاتين الجميلتين؟»
قال يانغ جيان: «لا، إنهما زميلتاي، سألت فقط. لن أشغلك، تفضل إلى عملك.»
قال النادل: «حسنًا، ناديني إن احتجت شيئًا.»
وبعد أن استوضح يانغ جيان الأمر صار الوضع واضحًا في ذهنه تقريبًا.
الشبح يمكن الحكم من مظهره الخارجي أنه… رجل.
لكن الأسئلة في صدره لم تقل.
هل هذا النادل يستطيع أن يرى ذلك الشبح بنفسه، أم أن الشبح تعمّد أن يُظهر نفسه له؟
إن كان الثاني فلا حاجة إلى أن يتعب يانغ جيان نفسه، أما إن كان الأول فإن قدرة النادل على رؤية الشبح تعني أنه استوفى شرط رؤية الشبح.
فما هو هذا الشرط؟
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.