الفصل 56: العبادة
“أفضل وقت لسرقة شخص ما؟ ربما عندما لا يكون في منزله”
— إيمريل فارلو في المذيب اللانهائي
مرت عدة أيام دون مشاكل، مما سمح لسولومون بتفقد تقدم توسيع الطرق في الصباح ومتابعة دراساته السحرية في المساء. أصبح الآن يشعر بأن لديه الأدوات اللازمة لمواجهة سيد الغابة السوداء. فقد كان شاغله الأكبر هو التأكد من كيفية استخدام تلك الأدوات. واصل ملء القوارير بالدم، وجمع عددًا من الدراكات الذهبية ليحتفظ بها على شخصه أثناء التدرب على تصويب بالدراكات النحاسية، وعمل على الحصاد القادم للهومونكولوس. لم يقضِ أي وقت إضافي في المستودع، فقد كان قلقًا من أن ينشغل أكثر من اللازم ويفقد تركيزه على تحسين ما اكتسبه بالفعل. وإلى جانب التدرب على التعاويذ، تمكن من العثور على كتاب قديم عن الأسلحة النارية. بدا قديمًا بعض الشيء، إذ أن الأنواع الأحدث لم تكن تتطلب منه إشعال فتيل، لكنه ساعده على الشعور بألفة أكبر معها. لم يكن بديلًا عن الممارسة الفعلية، لكن في ظل القيود التي واجهها، كان سيقبل بأي شيء يمكنه الحصول عليه.
في نهاية ذلك الأسبوع، وجد نفسه يركب العربة متوجهًا إلى الكنيسة برفقة غالبية خدمه، ولم يترك خلفه سوى فيليسيتي التي كانت تشعر بالمرض، وكلير، إلى جانب عدد قليل من الحراس المؤقتين. ركب البقية في العربات لحضور القداس.
ترجل سولومون من العربة موجهًا تحية سريعة للرجال والنساء الذين كانوا يتجهون إلى الداخل. لقد لاحظ أن العديد منهم بدا بحال أفضل قليلًا من حيث التغذية. فقد كانوا سخاءً في أجورهم لمن عملوا على الطرق. لقد كان حلًا مؤقتًا لقلة الفرص داخل مونفالو، لكنه أمل أن أولئك المستعدين لحفر الأجزاء القديمة من الحجارة لن يترددوا في حمل فأس لقطع الحطب، أو معول لتكسير الصخور.
لقد هلوس مجددًا برؤية عدد منهم بآذان مدببة. وتساءل عما إذا كانت هذه الرؤى ستكون دائمة أو أنها ستتلاشى يومًا ما عندما تصبح المانا أكثر تخصيصًا له وأقل ارتباطًا بالإله الذي سرقها منه. وحتى إن ظلت على حالها، فسيظل يتقبل تلك الأداة لما تمنحه من مزايا.
داخل الكنيسة، كان هناك جو حيوي أكثر بكثير مما اعتاد عليه. كان لوتيرن يقف في الممرات، يصافح الجميع ويتحدث بحماس مع كل شخص تمكن من الوصول إليه. بدا وكأن طاقة جنونية تملكته وهو يتحدث، ووجه ابتسامة واسعة تقريبًا لسولومون أثناء دخوله. لم تكن الابتسامة التملقية المعتادة التي تميز بها، بل بدت وكأنها مفعمة بكمية غير طبيعية من الفرح. إما أن العمل الذي شارك فيه في إتلينغ قد أفاده حقًا، أو أنه قد حطمه كليًا.
اتجه نحو الطرف الأقصى حيث وجد السيدة بريور جالسة بالفعل وبجانبها ثرين.
“صباح الخير يا سيدتي بريور. كيف حالك؟” سأل وهو يمنحها انحناءة خفيفة قبل أن يجلس.
ابتسمت قائلة: “أنا بخير تمامًا. ويسعدني أنك نجوت من التعرض للهجوم أثناء تواجدك في إتلينغ”.
ابتسم لمدى خطأ ظنها. “لا. لقد كانت فترة مريحة للغاية في الواقع. ربما يمكنك مرافقتي المرة القادمة؟ قد يساعدني ذلك في ترسيخ سمعتي كقائد حدودي لو رافقتني امرأة مخيفة”.
ضحكت وهزت رأسها. “ربما في المرة القادمة”. ثم توقفت للحظة قصيرة. “لدي طلب أود طرحه في الواقع”.
“أه؟”
“خلال عدة أشهر، سيزورني عدد كبير من أفراد عائلتي. كنت أتمنى لو أستطيع استعارة بعض خدمك لمساعدة ثرين. سأتكفل بتوفير احتياجاتهم وأدفع لك ثمن خدمتهم”.
“بالطبع. متأكد من أننا يمكننا ترتيب أمر ما… كما تعلمين، لدي الكثير من المساحات الإضافية في قصري إذا كنت ترغبين في إقامة بعضهم معي. قاعة الاحتفالات الخاصة بي تكاد تنتهي أعمال ترميمها أيضًا، وربما يمكنني استضافتك أنت وعائلتك لحفل صغير”.
“هذا كرم بالغ منك”.
“المساحة لا تُستغل حاليًا على أي حال. أفضّل ألا تذهب هدرًا”.
أومأت برأسها قائلة: “أنا أقدر هذا العرض. سأفكر فيه بالتأكيد”.
ابتسم وأومأ لها برأسه، ملاحظًا نظرة خاطفة من ثرين الذي أومأ له بدوره بمهارة.
بعد لحظات قليلة، أنهى لوتيرن أحاديثه مع المصلين وشق طريقه عائداً إلى المذبح، وكان هايندز خلفه بمسافة قصيرة وهو يجلس. بدا وكأن وجهه يكتسب لونًا أصح. أمل سولومون أن يعني ذلك أنه بدأ يشعر بتحسن.
“ليغنيك المبشّّر في طريقك للأمام” قال لوتيرن وهو يأخذ مكانه خلف المنصة.
“وليجدك صوته بخير” ردد الحضور.
انتظر صدى كلمات الجميع يستقر في صمت قبل أن يتحدث لوتيرن مجددًا.
“أريد أن أتحدث اليوم عن موضوع يثير الكثير من الجدل والقلق. إنه أمر تكرر مرارًا وتكرارًا في إتلينغ خلال زيارتي. لم تمر وجبة دون مناقشة الموضوع، ولم تمر نزهة دون إثارته مجددًا. ما أود التحدث عنه اليوم هو صلاح الآلهة”.
توقف للحظة وأخذ نفسًا عميقًا.
“الآلهة، الآلهة الحقيقية، تلك التي ليست مجرد أرواح محلية أو جنيات أنهار لطيفة. إنها لا تستطيع فعل سوى الخير. عندما يقوم إله حقيقي مثل العامل، أو المبشّر، أو حتى النذيرة بعمل ما، يكون ذلك العمل خيرًا ولا يمكن أن يكون إلا خيرًا. إننا كبشر مجردين لا نرى الخير إلا من خلال إطارنا المحدود مرجعيًا. فنحن نرى رجلًا يعطي عملة معدنية لمتسول فنمتدح لطفه. لكن الآلهة ترى أكثر مما يمكننا استيعابه قط. عندما يحمل المبشّر صلاة من أجل لعنة أخر إلى قاعة ملكة اللعنات، قد نراه فعلًا شريرًا، لكنه ليس كذلك. وليس فقط لأنه يرى أكثر مما نرى، بل لأن الآلهة هي التي تقرر ما هو الخير حقًا”.
قاوم سولومون الرغبة في رفع حاجبه. كان بإمكان رؤية عدد من الثغرات فيما كان لوتيرن يقوله، لكنه لم يرغب في جعل ذلك واضحًا. على الأقل، قُدمت هذه العظة المحددة بنوع من الإخلاص لم يكن يعتقد أن الرجل قادر عليه.
“عندما تفكرون في الخير، فكروا فقط في إرادة الآلهة”.
أنهى عظته وفوجئ سولومون بوجود استجابة حماسية أكثر من المعتاد، مع تعبيرات موافقة صاخبة تنطلق من خلفه. لقد كان هناك ما هو أكثر في الهراء المتحمس مما اعتمده من تقدير سابق.
بعد أن فرغ لوتيرن، نزل مجددًا من المذبح وبدأ يتحدث إلى المصلين. تفاجأ سولومون بأنه تخطاه هو والسيدة بريور، لكن بدا أن الرجل قد مر ببعض التغيرات. وبعضها بدا أنه للأفضل.
تبادل الوداع مع السيدة بريور وبدأ يتجه نحو عربته. كاد أن يصل إليها عندما رأى رجلًا ممزقًا يركض في الشارع، ويصطدم حذاؤه بالحجارة بشدة. نظر إليه باهتمام، ملاحظًا أن ملابسه وجلده بدا وكأن الرماد قد غطاهما. وبمجرد أن اقترب، تعرف عليه باعتباره أحد الحراس الذين تُرِكوا خلفهم في القصر.
“هناك حريق! حريق في القصر!”
شعر سولومون بقشعريرة تسري في مؤخرة عنقه. فالتفت إلى دنكان.
“أطلق سراح أحد حصاني العربة لأمتطيه”.
أومأ دنكان وبدأ في فك الأربطة عن الحصان الأكبر حجمًا.
“يا لورد؟” سألت ميليسا.
التفت إليها.
“ماذا يمكنك أن تفعل وحدك ضد حريق؟”
لقد كان سؤالًا منطقيًا، وسؤالًا لم يستطع الإجابة عليه دون تعريض عدد من الأشخاص والخطط للخطر.
“الحصان جاهز” قال دنكان ببساطة.
نظر سولومون ورأى أن سرجًا قد ثُبِّت بالفعل بطريقة ما. صعد بحذر على السرج وأمسك بالأحزمة، دافعًا قدميه في جنبي الحصان مرة واحدة بينما استقر في وضعية الركوب. انطلق الحصان في عدو سريع وبدأ يوجهه بحذر نحو القصر. وبما أنه أصبح ينظر الآن، فقد استطاع رؤية الدخان الأسود يتصاعد من اتجاهه.
لم يكن أفضل الفرسان بين أفراد عائلته ممن ذهبوا إلى فون أو ثيودوسيا، لكن جميع أبناء عائلة مورو كانوا ملزمين بتلقي دروس الفروسية منذ الصغر، ولهذا شعر بالراحة في السرج تمامًا كما يشعر بعض الفرسان. بدأ صعود الطريق الجبلي نحو القصر واستطاع تمييز حريق على الجانب الأيسر منه. لم يكن قد احترق لمسافة بعيدة، فشعر بالارتياح لملاحظة قلة الأضرار. غير أن شيئًا آخر كان خاطئًا. فقد استشعر أن الحريق لم يكن المشكلة الوحيدة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.