Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الباحث عن الآثار 26

ظل في وضح النهار

ظل في وضح النهار

كان صباحاً بارداً عندما وقف نورد أمام مبنى نقابة المغامرين في أفير. لم يكن المبنى كبيراً، مجرد بناء حجري من طابقين، واجهته متواضعة ومدخله خشبياً بالياً. لكنه كان المكان الذي يسجل فيه المغامرون أسماءهم، ويستلمون المهام، ويصرفون جوائزهم. وكانت تُديره امرأة لا يُستهان بها.

“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.

 

“ولا تقلق. أقبل التقسيط. فائدة عشرة بالمئة لمدة شهرين.” عادت ابتسامتها. “لكن لا تحاول الهروب في النهاية. أنا مغتالة، كما تعلم.”

نورد دفع الباب الخشبي الثقيل، ودخل. القاعة الرئيسية كانت شبه فارغة في هذا الوقت من الصباح. طاولة خشبية كبيرة في الوسط، وخلفها سكرتيرة شابة تكتب في دفتر ضخم. إلى اليمين، درج حلزوني حديدي يصعد إلى الطابق العلوي. إلى اليسار، باب مغلق عليه لافتة صغيرة: “خاص. ممنوع الدخول”.

 

 

 

“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”

أخرج نورد من كيس جيبه كيساً صغيراً من القماش. فتحه، وأخرج منه ست عشرة قطعة ذهبية. عدها أمام أيملي. أعاد واحدة إلى جيبه، ودفع الخمس عشرة الباقية إليها في الكيس.

 

 

رفعت السكرتيرة رأسها، ونظرت إليه من فوق نظارتها. كانت في العشرين من عمرها، شعرها بني مربوط في كعكة، وعيناها زرقاوان باردتان.

 

 

 

“هل لديك موعد؟”

بعد ساعة، كان متعباً ذهنياً أكثر مما كان متعباً جسدياً في أي معركة خاضها.

 

 

“لا. لكن الأمر مهم.”

 

 

 

“ما اسمك؟”

 

 

 

“نورد كاسيان.”

 

 

“هل يمكننا التحدث في مكان خاص؟” سأل نورد بصوت منخفض.

توقفت السكرتيرة عن الكتابة، ونظرت إليه بانتباه أكبر. “ابن فيرس؟ المقاتل المراهق الذي تحدث عنه الجميع؟”

 

 

 

“ربما.”

 

 

 

ضحكت السكرتيرة ضحكة خفيفة. “انتظر لحظة. سأخبرها.”

“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.

 

 

نهضت من كرسيها وصعدت الدرج الحلزوني. اختفت خلف باب في الطابق العلوي، وتركته واقفاً ينتظر.

 

 

قلق نورد قليلاً. المستوى الثالث. مثل سارجيس. مثل أفاران. إذا قابل أحدهما، فقد يكتشف أمره.

نورد كانت عيناه تتجولان في القاعة. كانت الجدران مغطاة بإعلانات المهام المطلوبة: “صيد وحوش في الغابة الجنوبية – أجر 5 قطع فضية”، “مرافقة قافلة تجارية إلى مدينة جورجان – أجر 12 قطعة فضية”، “بحث عن نبتة نادرة في الغابة الداخلية – أجر قطعتان ذهبيتان”. كان يتأمل الإعلانات، ويحسب في رأسه أجر كل مهمة مقارنة بالمخاطرة.

جلست أيملي على حجر مائل في الحديقة، وأشارت إلى نورد أن يجلس أمامها على الأرض. جلس، وعيناه مثبتتان عليها.

 

“لأن عينيك صادقتين،” قالت ببساطة. “نادراً ما أرى عيوناً صادقة في عمري. ورأيت الكثير من العيون.”

مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.

ثم التفت، ومشت نحو الباب، وتركت نورد واقفاً في الحديقة المهملة.

 

“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”

بدأ نورد يشعر بالقلق. هل رفضت مقابلته؟ هل ضحكت السكرتيرة عليه وأخبرتها أنه مجرد صبي صغير يضيع وقته؟

أغمض عينيه مجدداً. ركز على يديه. تخيل آلاف الثقوب الصغيرة على سطح جلده. تخيل طاقة بيضاء تخرج منها كالضباب.

 

 

عندما وصلت الدقيقة الخامسة عشرة، سمع وقع أقدام. لم يكن صوت أحذية ثقيلة كالجنود، بل صوتاً خفيفاً كخطوات قطة على أرضية رخامية.

ضحك نورد. “لا أعتقد أنني سأقابل واحداً منهم قريباً. هم لا ينبتون في أطراف جورجان مثلاً.”

 

 

نزلت من الدرج امرأة.

تراجع نورد خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صفعته على وجهه. “لا! لا طبعاً. لن أقتل أحداً. أنا فقط… أحتاجها للتدريب وزيادة قدراتي. هذا كل شيء.”

 

حاول نورد. كان الأمر أصعب بكثير من مجرد الشعور. كلما أغلق ثقباً، كان آخر يفتح. كلما ركز على يديه، كانت قدماه تنسيان. كلما نجح في جزء من جسده، كان جزء آخر يفشل.

كانت في بداية الثلاثينات، شعرها أسود قصير مصفف بشكل حاد يلامس فكيها. عيناها كانتا سوداوين أيضاً، عميقتين، مستدقتين في الأطراف كأنها رسمت بقلم حاد. وجهها كان جميلاً بطريقة غير تقليدية، لا ناعمة ولا قاسية، فقط حادة وواضحة المعالم. كانت ترتدي سروالاً جلدياً أسود وسترة سوداء أيضاً، وخنجراً صغيراً معلقاً على حزامها. لم تكن ترتدي أي مجوهرات، ولا أي ألوان. كانت كظل تحول إلى جسد.

“هل تريد خدمات خاصة؟”

 

 

هذه كانت أيملي. نائبة مدير نقابة المغامرين في أفير. مستوى نجمتين منخفض في القتال، ونجمة واحدة متوسطة في الذهن. واحدة من أقوى خمسة مقاتلين في البلدة. وكانت تعمل أحياناً… مغتالة.

“لكن،” تابعت أيملي، “كخصم لك لأنك لطيف… سأحسبها فقط خمس عشرة قطعة ذهبية.”

 

 

ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.

 

 

“جيد،” قالت أيملي. “هذه هي الهالة. الآن، حاول أن تحبسها. تخيل أنك تغلق هذه الثقوب واحداً تلو الآخر. ليس بقوة، بل بإرادة. كما تغلق عينيك عندما تريد ألا ترى شيئاً.”

نزلت الدرج ببطء، وعيناها مثبتتان على نورد. وقفت أمامه، ووضعت يديها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.

نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.

 

أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.

“نورد كاسيان،” قالت بصوت ناعم، كالقطيفة على جدار حجري. “همم. ماذا أتى بشاب لطيف وموهوب مثلك للقائي؟”

 

 

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأحد حاجبيها ارتفع قليلاً. ثم غمزت له.

“لأحسن مهاراتي كمقاتل. أريد أن أتدرب دون أن يشعر الآخرون بمستواي الحقيقي.”

 

“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”

“هل تريد خدمات خاصة؟”

 

 

 

شعر نورد بحرارة تخجل وجهه. احمرت وجنتاه قليلاً، وعيناه هبطتا إلى الأرض لثانية قبل أن تعودا لمواجهتها.

ثم التفت، ومشت نحو الباب، وتركت نورد واقفاً في الحديقة المهملة.

 

“عشرون قطعة ذهبية.”

“لا، سيدة أيملي. أريد أن أتعلم شيئاً منك.”

 

 

“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”

تظاهرت أيملي بالحزن. رسمت على وجهها تعبيراً مصطنعاً، ووضعت يدها على صدرها كأنها تألمت.

رفعت السكرتيرة رأسها، ونظرت إليه من فوق نظارتها. كانت في العشرين من عمرها، شعرها بني مربوط في كعكة، وعيناها زرقاوان باردتان.

 

“لا بأس،” قالت أيملي، وكأنها قرأت تقييم الشريحة. “أنت تتحسن بسرعة. معظم الناس يحتاجون إلى أسبوعين ليصلوا إلى ما وصلت إليه في ساعة. ربما لأنك ذهني مبتدئ، وهذا يساعدك.”

“أوه. حسناً. اعتقدت أنه شيء آخر.”

 

 

 

ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”

 

 

هذه كانت أيملي. نائبة مدير نقابة المغامرين في أفير. مستوى نجمتين منخفض في القتال، ونجمة واحدة متوسطة في الذهن. واحدة من أقوى خمسة مقاتلين في البلدة. وكانت تعمل أحياناً… مغتالة.

نظر نورد حوله. السكرتيرة كانت لا تزال تجلس خلف الطاولة، وكانت تنظر إليهما بفضول واضح.

اتسعت عينا نورد. “هذا غالٍ جداً!”

 

 

“هل يمكننا التحدث في مكان خاص؟” سأل نورد بصوت منخفض.

 

 

كانت تمارين صعبة، تحتاج إلى تركيز هائل. أولاً، كان عليه أن يشعر بهالته. أغلق عينيه، وركز على جسده من الداخل. كان صعباً في البداية. لم يشعر بشيء سوى نبض قلبه وتنفس رئتيه.

رفعت أيملي حاجبها. نظرت إلى السكرتيرة، ثم إلى نورد، ثم أشارت بيدها. “تعال.”

 

 

“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”

مشيا معاً عبر القاعة، وفتحت أيملي الباب الخلفي الذي يؤدي إلى حديقة صغيرة خلف المبنى. كانت الحديقة مهملة بعض الشيء، أعشابها طويلة، وشجرتها الوحيدة كانت مائلة كأنها على وشك السقوط. لكنها كانت فارغة. لا أحد هناك. لا نوافذ تطل عليها من المباني المجاورة.

 

جلست أيملي على حجر مائل في الحديقة، وأشارت إلى نورد أن يجلس أمامها على الأرض. جلس، وعيناه مثبتتان عليها.

وقفت أيملي في وسط الحديقة، وذراعاها متقاطعتان على صدرها.

 

 

لكن أيملي، وكأنها تقرأ أفكاره، تابعت: “لا تقلق. إذا لم يركز محارب أو ساحر أو ذهني من المستوى الثالث تركيزاً تاماً عليك، فلن ينتبه لمستوى تدريبك الحقيقي. هالتك ستكون مخفية بما يكفي لتبدو عادياً. لكن احذر من الأساتذة الكبار. عندهم خبرة تكفي ليشموا الكذب من على بعد كيلومترات.”

“حسناً. لا أحد يسمعنا الآن. ماذا تريد؟”

“غداً،” قالت دون أن تلتفت. “لا تتأخر.”

 

 

تنفس نورد بعمق. “أريد أن أتعلم تقنية إخفاء الهالة والطاقة.”

 

 

 

صمتت أيملي للحظة. عيناها السوداوان حفرتا في وجه نورد كأنها تبحث عن شيء خلف عينيه.

 

 

 

“لماذا؟”

 

 

ضحكت السكرتيرة ضحكة خفيفة. “انتظر لحظة. سأخبرها.”

“لأحسن مهاراتي كمقاتل. أريد أن أتدرب دون أن يشعر الآخرون بمستواي الحقيقي.”

 

 

مرت دقائق. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.

“كاذب،” قالت أيملي ببرود. لكن ابتسامة صغيرة كانت لا تزال على وجهها. “هل تريد اغتيال أحد؟”

لكنه كان مستعداً.

 

“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”

تراجع نورد خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صفعته على وجهه. “لا! لا طبعاً. لن أقتل أحداً. أنا فقط… أحتاجها للتدريب وزيادة قدراتي. هذا كل شيء.”

 

 

 

نظرت إليه أيملي طويلاً. كانت تقرأ وجهه، لغة جسده، نبرة صوته. كانت خبيرة في كشف الكذب، وكان نورد يعرف ذلك.

 

 

نورد كانت عيناه تتجولان في القاعة. كانت الجدران مغطاة بإعلانات المهام المطلوبة: “صيد وحوش في الغابة الجنوبية – أجر 5 قطع فضية”، “مرافقة قافلة تجارية إلى مدينة جورجان – أجر 12 قطعة فضية”، “بحث عن نبتة نادرة في الغابة الداخلية – أجر قطعتان ذهبيتان”. كان يتأمل الإعلانات، ويحسب في رأسه أجر كل مهمة مقارنة بالمخاطرة.

لكن هذه المرة، كان صادقاً.

 

 

 

“حسناً،” قالت أيملي أخيراً. “سأعلمك. بشرط واحد.”

 

 

 

“ما هو؟”

 

 

حاول نورد. تخيل. لم يحدث شيء.

“عشرون قطعة ذهبية.”

 

 

أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.

اتسعت عينا نورد. “هذا غالٍ جداً!”

 

 

 

“هذا سعري أيها الشاب اللطيف.” ابتسمت ابتسامة عريضة، وأشارت إلى المبنى خلفها. “النقابة لا تقدم هذه الخدمة مجاناً. والسيدات الجميلات مثلي لا يعملن بالمجان أيضاً.”

 

 

 

نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.

 

 

 

“لكن،” تابعت أيملي، “كخصم لك لأنك لطيف… سأحسبها فقط خمس عشرة قطعة ذهبية.”

ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.

 

لكن هناك حدود. هذه التقنية لا تنجح مع محاربين المستوى الثالث. عندهم حدس قوي جداً، يكاد يكون خارقاً للطبيعة. قد لا يرون هالتك، لكنهم سيحسون أن هناك شيئاً غير طبيعي فيك. مثل شعورك بأن هناك من يراقبك وأنت وحيد في غرفة مظلمة.”

ارتاح نورد قليلاً.

 

 

“أحسست بشيء،” قال نورد.

“ولا تقلق. أقبل التقسيط. فائدة عشرة بالمئة لمدة شهرين.” عادت ابتسامتها. “لكن لا تحاول الهروب في النهاية. أنا مغتالة، كما تعلم.”

 

 

“الأساتذة الكبار؟” سأل نورد.

نظر نورد إليها بعينين جادتين. “سيدتي، لا حاجة لكل هذا. حقاً. أنا أملك المال. جمعته منذ فترة خصيصاً لأتعلم هذه التقنية.”

أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.

 

وقف نورد أيضاً. كان يشعر بالتعب، لكنه كان يشعر بالأمل أيضاً.

رفعت أيملي حاجبها. يبدو أن هذه المعلومة فاجأتها. شاب في السادسة عشرة، من عائلة متواضعة، لديه خمس عشرة قطعة ذهبية مدخرة؟ هذا لم يكن أمراً عادياً.

خرج من الحديقة الخلفية، والتفت إلى الشارع الرئيسي، وسار عائداً إلى المنزل. كان يشعر بثقل جديد على كتفيه، ليس ثقل المال أو الأعشاب، بل ثقل المعرفة. كان يعرف الآن أكثر مما كان يعرف قبل يوم. وكان يعرف أنه كلما زادت معرفته، زادت مسؤوليته.

 

 

أخرج نورد من كيس جيبه كيساً صغيراً من القماش. فتحه، وأخرج منه ست عشرة قطعة ذهبية. عدها أمام أيملي. أعاد واحدة إلى جيبه، ودفع الخمس عشرة الباقية إليها في الكيس.

 

 

رفعت أيملي حاجبها. نظرت إلى السكرتيرة، ثم إلى نورد، ثم أشارت بيدها. “تعال.”

أخذت أيملي الكيس، ووزنته في كفها، وابتسمت.

ثم التفت، ومشت نحو الباب، وتركت نورد واقفاً في الحديقة المهملة.

 

 

“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”

 

 

نورد كان يفكر بسرعة. عشرون قطعة ذهبية كانت نصف ما جمعه من الذهب الخام في كهف الغوفار. لكن قيمتها الفعلية كانت أقل من قيمة زهرة العضل الغريب الواحدة. مقارنة بما حصل عليه، كان هذا المبلغ مقبولاً.

جلست أيملي على حجر مائل في الحديقة، وأشارت إلى نورد أن يجلس أمامها على الأرض. جلس، وعيناه مثبتتان عليها.

 

 

بدأ يشعر بشيء. كان خفيفاً جداً، بالكاد ملحوظاً. لكنه كان هناك.

“تقنية إخفاء الهالة والطاقة ليست سحراً، وليست قتالاً، وليست ذهناً خالصاً. هي مزيج من الثلاثة معاً.” بدأت تشرح.

 

 

بدأ يشعر بشيء. كان خفيفاً جداً، بالكاد ملحوظاً. لكنه كان هناك.

“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.

حاول مجدداً. المسامات في اليدين أسهل للشعور بها.

 

 

أما تقنية الإخفاء، فمبدأها بسيط: تعلم كيف تحبس هذه الطاقة داخل جسدك. لا تمنعها من الخروج كلياً، فهذا سيقتلك. فقط قلل كمية الخارجة إلى أدنى حد ممكن. تخيل أن جسدك إناء مثقوب، والطاقة هي الماء بداخله. التقنية تعلمك كيف تسد هذه الثقوب مؤقتاً.

“صباح الخير،” قال نورد للسكرتيرة. “أريد لقاء السيدة أيملي.”

 

 

النتيجة: هالتك تصبح أضعف بكثير مما هي عليه في الحقيقة. الآخرون يشعرون أنك مجرد شخص عادي، أو في مستوى أقل بكثير من مستواك الحقيقي.

 

 

 

لكن هناك حدود. هذه التقنية لا تنجح مع محاربين المستوى الثالث. عندهم حدس قوي جداً، يكاد يكون خارقاً للطبيعة. قد لا يرون هالتك، لكنهم سيحسون أن هناك شيئاً غير طبيعي فيك. مثل شعورك بأن هناك من يراقبك وأنت وحيد في غرفة مظلمة.”

 

 

 

قلق نورد قليلاً. المستوى الثالث. مثل سارجيس. مثل أفاران. إذا قابل أحدهما، فقد يكتشف أمره.

وقفت أيملي في وسط الحديقة، وذراعاها متقاطعتان على صدرها.

 

رفعت السكرتيرة رأسها، ونظرت إليه من فوق نظارتها. كانت في العشرين من عمرها، شعرها بني مربوط في كعكة، وعيناها زرقاوان باردتان.

لكن أيملي، وكأنها تقرأ أفكاره، تابعت: “لا تقلق. إذا لم يركز محارب أو ساحر أو ذهني من المستوى الثالث تركيزاً تاماً عليك، فلن ينتبه لمستوى تدريبك الحقيقي. هالتك ستكون مخفية بما يكفي لتبدو عادياً. لكن احذر من الأساتذة الكبار. عندهم خبرة تكفي ليشموا الكذب من على بعد كيلومترات.”

نزلت من الدرج امرأة.

 

 

“الأساتذة الكبار؟” سأل نورد.

“لأحسن مهاراتي كمقاتل. أريد أن أتدرب دون أن يشعر الآخرون بمستواي الحقيقي.”

 

تراجع نورد خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صفعته على وجهه. “لا! لا طبعاً. لن أقتل أحداً. أنا فقط… أحتاجها للتدريب وزيادة قدراتي. هذا كل شيء.”

“لقب لأصحاب المستوى الرابع. هم حقاً أساتذة كبار. يحكمون مقاطعة كاملة، أو يصبحون جنرالات في الجيش الملكي. قلة قليلة جداً في المملكة كلها.”

صفقة جيدة.

 

 

ضحك نورد. “لا أعتقد أنني سأقابل واحداً منهم قريباً. هم لا ينبتون في أطراف جورجان مثلاً.”

“نورد كاسيان.”

 

“لقب لأصحاب المستوى الرابع. هم حقاً أساتذة كبار. يحكمون مقاطعة كاملة، أو يصبحون جنرالات في الجيش الملكي. قلة قليلة جداً في المملكة كلها.”

ضحكت أيملي أيضاً. “أنت محق. الأساتذة الكبار لا يأتون إلى أماكن مثل أفير إلا إذا احترقت المملكة. ومملكتنا لا تحترق كثيراً.”

 

 

 

“إذاً لنبدأ التدريب؟”

 

 

“هل لديك موعد؟”

“لنبدأ.”

تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.

 

“غداً،” قالت دون أن تلتفت. “لا تتأخر.”

بدأت أيملي بتعليم نورد تقنية الإخفاء.

 

 

 

كانت تمارين صعبة، تحتاج إلى تركيز هائل. أولاً، كان عليه أن يشعر بهالته. أغلق عينيه، وركز على جسده من الداخل. كان صعباً في البداية. لم يشعر بشيء سوى نبض قلبه وتنفس رئتيه.

“يبدو أنك مهتم حقاً بهذه التقنية. حسناً. سأعلمك.”

 

 

توجيه: ركز على المسامات. تخيل الطاقة تخرج منها كبخار الماء من قدر يغلي.

“إذاً لنبدأ التدريب؟”

 

كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.

حاول نورد. تخيل. لم يحدث شيء.

وكل ذلك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية.

 

نورد كانت عيناه تتجولان في القاعة. كانت الجدران مغطاة بإعلانات المهام المطلوبة: “صيد وحوش في الغابة الجنوبية – أجر 5 قطع فضية”، “مرافقة قافلة تجارية إلى مدينة جورجان – أجر 12 قطعة فضية”، “بحث عن نبتة نادرة في الغابة الداخلية – أجر قطعتان ذهبيتان”. كان يتأمل الإعلانات، ويحسب في رأسه أجر كل مهمة مقارنة بالمخاطرة.

حاول مجدداً. المسامات في اليدين أسهل للشعور بها.

 

 

 

أغمض عينيه مجدداً. ركز على يديه. تخيل آلاف الثقوب الصغيرة على سطح جلده. تخيل طاقة بيضاء تخرج منها كالضباب.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأحد حاجبيها ارتفع قليلاً. ثم غمزت له.

 

 

بدأ يشعر بشيء. كان خفيفاً جداً، بالكاد ملحوظاً. لكنه كان هناك.

رفعت أيملي حاجبها. يبدو أن هذه المعلومة فاجأتها. شاب في السادسة عشرة، من عائلة متواضعة، لديه خمس عشرة قطعة ذهبية مدخرة؟ هذا لم يكن أمراً عادياً.

 

 

“أحسست بشيء،” قال نورد.

نظر نورد إليها بعينين جادتين. “سيدتي، لا حاجة لكل هذا. حقاً. أنا أملك المال. جمعته منذ فترة خصيصاً لأتعلم هذه التقنية.”

 

ثم عادت إلى ابتسامتها الطبيعية، وتابعت: “إذاً أخبرني ماذا تريد. وكم ستدفع.”

“جيد،” قالت أيملي. “هذه هي الهالة. الآن، حاول أن تحبسها. تخيل أنك تغلق هذه الثقوب واحداً تلو الآخر. ليس بقوة، بل بإرادة. كما تغلق عينيك عندما تريد ألا ترى شيئاً.”

 

 

ليس لأنها شريرة، بل لأن السوق كان يحتاج إلى مغتالين أحياناً. لصوص يسرقون من التجار، قطاع طرق يقطعون الطرق، خونة يبيعون أسرار بلداتهم لأعدائهم. أيملي كانت تنظف هذه القذارة دون ضجة، ودون محاكمات، ودون سجون. كانت تختار أهدافها بعناية، وكانت تأخذ أجراً عالياً، وكانت لا تترك أثراً.

حاول نورد. كان الأمر أصعب بكثير من مجرد الشعور. كلما أغلق ثقباً، كان آخر يفتح. كلما ركز على يديه، كانت قدماه تنسيان. كلما نجح في جزء من جسده، كان جزء آخر يفشل.

 

 

 

بعد ساعة، كان متعباً ذهنياً أكثر مما كان متعباً جسدياً في أي معركة خاضها.

 

 

وكل ذلك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية.

تقييم التقدم: 12% من متطلبات إتقان التقنية. التقدير للوصول إلى مستوى مقبول (إخفاء نجمتين): 3-4 أسابيع من التدريب اليومي لمدة ساعتين.

“جيد،” قالت أيملي. “هذه هي الهالة. الآن، حاول أن تحبسها. تخيل أنك تغلق هذه الثقوب واحداً تلو الآخر. ليس بقوة، بل بإرادة. كما تغلق عينيك عندما تريد ألا ترى شيئاً.”

 

 

“لا بأس،” قالت أيملي، وكأنها قرأت تقييم الشريحة. “أنت تتحسن بسرعة. معظم الناس يحتاجون إلى أسبوعين ليصلوا إلى ما وصلت إليه في ساعة. ربما لأنك ذهني مبتدئ، وهذا يساعدك.”

 

 

عندما وصلت الدقيقة الخامسة عشرة، سمع وقع أقدام. لم يكن صوت أحذية ثقيلة كالجنود، بل صوتاً خفيفاً كخطوات قطة على أرضية رخامية.

“شكراً لك يا سيدة أيملي.”

“حسناً. لا أحد يسمعنا الآن. ماذا تريد؟”

 

حاول نورد. تخيل. لم يحدث شيء.

“لا تشكرني. أنت دفعت ثمناً باهظاً.” وقفت أيملي، ونفضت التراب عن سروالها. “تعال غداً في نفس الوقت. وسأعلمك المرحلة التالية. واليوم بعد غد، والتي تليه. حتى تتقن الأساسيات.”

“لنبدأ.”

 

 

وقف نورد أيضاً. كان يشعر بالتعب، لكنه كان يشعر بالأمل أيضاً.

“ولا تقلق. أقبل التقسيط. فائدة عشرة بالمئة لمدة شهرين.” عادت ابتسامتها. “لكن لا تحاول الهروب في النهاية. أنا مغتالة، كما تعلم.”

 

 

“سؤال أخير،” قال نورد. “لماذا توافقين على تعليمي هذه التقنية؟ أنتِ مغتالة. التقنية سلاحك السري. لماذا تشاركينه مع شخص غريب؟”

 

 

 

نظرت إليه أيملي بعينيها السوداوين العميقتين. للحظة، رأى نورد شيئاً فيها لم يكن قد رآه من قبل. ليس بخل، ولا حب مال، ولا قسوة. كان شيئاً آخر. ربما طيبة.

 

 

 

“لأن عينيك صادقتين،” قالت ببساطة. “نادراً ما أرى عيوناً صادقة في عمري. ورأيت الكثير من العيون.”

 

 

“لقب لأصحاب المستوى الرابع. هم حقاً أساتذة كبار. يحكمون مقاطعة كاملة، أو يصبحون جنرالات في الجيش الملكي. قلة قليلة جداً في المملكة كلها.”

ثم التفت، ومشت نحو الباب، وتركت نورد واقفاً في الحديقة المهملة.

 

 

 

“غداً،” قالت دون أن تلتفت. “لا تتأخر.”

 

 

 

دخلت المبنى، وأغلقت الباب خلفها.

 

 

“الجسم البشري ينتج طاقة باستمرار. هذه الطاقة تخرج من مسام الجلد، من التنفس، من حركة العضلات، حتى من مجرد التفكير. معظم الناس لا يستطيعون التحكم بهذه الطاقة، فتخرج منهم بشكل عشوائي، ويشعر بها الآخرون كـ”هالة”. كلما كان الشخص أقوى، كلما كانت هالته أوضح وأثقل.

بقي نورد واقفاً، ينظر إلى الباب المغلق. كان يشعر بالارتياح. كان قد وجد ما يبحث عنه. تقنية ستخفي قوته الحقيقية عن العالم. تقنية ستحمي سره. تقنية ستسمح له بالتحرك في الظل دون أن يراه أحد.

توجيه: ركز على المسامات. تخيل الطاقة تخرج منها كبخار الماء من قدر يغلي.

 

 

وكل ذلك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية.

“هذا سعري أيها الشاب اللطيف.” ابتسمت ابتسامة عريضة، وأشارت إلى المبنى خلفها. “النقابة لا تقدم هذه الخدمة مجاناً. والسيدات الجميلات مثلي لا يعملن بالمجان أيضاً.”

 

 

صفقة جيدة.

 

 

لكن أيملي، وكأنها تقرأ أفكاره، تابعت: “لا تقلق. إذا لم يركز محارب أو ساحر أو ذهني من المستوى الثالث تركيزاً تاماً عليك، فلن ينتبه لمستوى تدريبك الحقيقي. هالتك ستكون مخفية بما يكفي لتبدو عادياً. لكن احذر من الأساتذة الكبار. عندهم خبرة تكفي ليشموا الكذب من على بعد كيلومترات.”

خرج من الحديقة الخلفية، والتفت إلى الشارع الرئيسي، وسار عائداً إلى المنزل. كان يشعر بثقل جديد على كتفيه، ليس ثقل المال أو الأعشاب، بل ثقل المعرفة. كان يعرف الآن أكثر مما كان يعرف قبل يوم. وكان يعرف أنه كلما زادت معرفته، زادت مسؤوليته.

 

 

 

لكنه كان مستعداً.

دخلت المبنى، وأغلقت الباب خلفها.

 

كان مستعداً لأي شيء.

 

 

 

نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.

نام تلك الليلة مبكراً، وعيناه على السقف، وقلبه ينبض بهدوء.

 

نهضت من كرسيها وصعدت الدرج الحلزوني. اختفت خلف باب في الطابق العلوي، وتركته واقفاً ينتظر.

كان يحلم بالظلال التي تخفي من بداخلها نوراً عظيماً.

 

“نورد كاسيان،” قالت بصوت ناعم، كالقطيفة على جدار حجري. “همم. ماذا أتى بشاب لطيف وموهوب مثلك للقائي؟”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط