بلا جسد
استمر إيرولد ومن معه في طريقهم. كانت جاسمين هي الحلقة الأضعف في هذا السباق ضد الزمن. تعثرت خطواتُها مراراً، حتى توقفت تماماً وهي تلهث بصعوبة، وقالت بنبرةٍ غلب عليها الإعياء:“أرجوكم، إني متعبة.”
توجه إيرولد لخيمته. و استلقى جلجامش أمام النار.
لوس بهدوء:” آسف يا صغيرة، لكن يجب أن نتحرك.”
في تلك اللحظة، جاء الصوتُ من الخلف؛ بارداً. قال جلجامش وهو يراقب المشهد: “هنالك طريق مختصر نحو البحر، سنصل هناك أسرع بكثير من المتوقع، لذا دعوها تستريح.”
ساد الصمتُ الثقيل في أرجاء المخيم، ولم يقطع هدوء الليل سوى أنفاس إيرولد المتلاحقة. كان عرقٌ بارد يغطي جبينه، وقلبه يدقُّ بعنفٍ داخل صدره. جاءه صوت “آرثر” من الداخل، هادئاً هذه المرة : “لا تكترث له. لقد استنزفتَ طاقتك بما يكفي اليوم، اذهب للنوم يا إيرولد.”
ساد صمتٌ مباغت. التفت أرجوس نحو جلجامش، وقال بتعجب: “في النهاية أظنه يمتلك قلبًا!”
فتح دانتي قبضته اليمنى ببطء، لينبثق منها ضياءٌ أرجواني باهت تشكّل بسرعة على هيئة آرثر، الذي كان يرتجفُ من الغضب والإنهاك. صرخ آرثر بمجرد أن استعاد صوته، ونظراته تشتعل حنقاً نحو دانتي: “إيرولد! لقد احتجزني هذا الوغد!”
أما جاسمين، فقد أشرق وجهُها بابتسامةِ امتنانٍ رغم الإرهاق، وصرخت بصوتٍ مبهج وهي تنظر لجلجامش:”شكرًا لككك!”
خيم السكون على محيط الكهف، ولم يعد يُسمع سوى طقطقة الأخشاب في النار التي أشعلها جلجامش، وتأوهات التعب المنبعثة من رفاقه وهم يشدون أوتاد خيامهم. كان جلجامش يجلس في عزلته المعتادة، كتمثالٍ من صخرٍ يراقب ألسنة اللهب، قبل أن تقترب منه جاسمين بخطواتٍ مترددة.
ذهبت جاسمين لإيقاظ لوس، وقالت في نفسها: “إذا لم يستيقظ، لن يبقى له شيء.” دخلت جاسمين الخيمة، لتجد لوس غارقاً في نومٍ عميق، كأن ضجيج العالم بالخارج لا يعنيه وصرخت بأقصى قوتها: “لوووس! استيقظ، الفطور!”
وقفت جاسمين أمام الأمير ، وقالت بنبرة تحمل احترام : “يمكنك النوم في الداخل، وأنا سوف أنام في الخارج.”
أعدت جاسمين السمك المشوي. استيقظ إيرولد و أرجوس على رائحة السمك. جرى أرجوس خارج الخيمة بسرعة: ” أين هو الفطور؟”
ارتسمت على وجه جلجامش تلك الابتسامة الساخرة ورد دون أن يزيح نظره عن النار : “ليس لكوني أميراً يعني أنني قضيتُ حياتي أنامُ فوق الحرير وتحت السقوف يا صغيرة.. لقد كانت الأرضُ فراشي والسماءُ غطائي في ساحات القتال أكثر مما تتصورين. ”
ليصرخ آرثر باكيًا ليحتضن إيرولد ويصرخ: “إيرولد! كيف سوف تبقيني مع هذا المختل؟ أرجوك لا تتركني يا إيرولد!”
لم تتراجع جاسمين، بل اقتربت أكثر حتى لمع ضوء النار في عينيها الواسعتين اللتين امتلأتا بفضولٍ طفولي جارف. ارتبك جلجامش من نظرتها، وتراجع بجسده قليلاً كمن يحاول تفادي هجومٍ غير مرئي، وقال بذعرٍ مكتوم: “ماذا؟! لماذا تنظرين هكذا؟“
اتسعت عينا جاسمين بذهولٍ : “واااه! هل يوجد أحد بهذه القوة؟”
جاء صوتُ إيرولد من بعيد، ممتزجاً بضحكةٍ خفيفة وهو يراقب الموقف: “لقد ورَّطتَ نفسك! تلك النظرة تعني شيئاً واحداً…. يجب عليك إخبارها قصتك الآن.”
جلجامش بصوت مرتفع: ” لقد اقتربنا من المدينة.”
لوس بهدوء:” آسف يا صغيرة، لكن يجب أن نتحرك.”
تحولت ملامح جلجامش إلى الجدية المطلقة، وبردت نبرته فجأة: “لا، لن أفعل. اذهبي للنوم.”
مسح أرجوس فمه بيده، وسأل بنبرةٍ ممتلئة بالغيرة والاحتجاج: “ولِمَ هذا التعامل المميّز مع لوس؟”
لتقترب منه جاسمين وتتوسل: “أرجوك… أرجوك. أخبرني فقط بالقليل. “
ليقترب الصوت ويتضح أنه لوس. يدخل لوس الغرفة ويقول: “ها أنت ذا! ”
تعابير جلجامش لم تتغير، وقال بكلمة قاطعة: “اخلدي للنوم.”
بينما تبعه إيرولد بهدوء وهو يقول: “اهدأ يا صاح، كل منا له حصته.”
انفجرت جاسمين غضباً، وضربت الأرض بقدمها وهي تبتعد، وصرخت بمرارة: “إنه لا يهم! حتى أرجوس المعتوه لم يفعل هذا.”
انفجرت جاسمين غضباً، وضربت الأرض بقدمها وهي تبتعد، وصرخت بمرارة: “إنه لا يهم! حتى أرجوس المعتوه لم يفعل هذا.”
رفع “أرجوس” رأسه ، ونظر إليها من بعيد بذهولٍ تام، وصاح متذمراً : “ما الذي فعلته بحق الجحيم؟!”
لتقترب منه جاسمين وتتوسل: “أرجوك… أرجوك. أخبرني فقط بالقليل. “
دخلت جاسمين خيمتها وأغلقتها بعنف، بينما انسحب أرجوس إلى خيمته بأسىً يفيضُ بالبؤس، وهمس لنفسه وهو يغمض عينيه: “إن هذا العالم لا ينصفني.”
تتبسم جاسمين وتجيب:”أنا من وضعته عليك يا سيد.”
أما لوس تنهد و قال بهدوء : “سوف أتجول لبعض الوقت.”
رفع “أرجوس” رأسه ، ونظر إليها من بعيد بذهولٍ تام، وصاح متذمراً : “ما الذي فعلته بحق الجحيم؟!”
توجه إيرولد لخيمته. و استلقى جلجامش أمام النار.
لتذهب لتعطي الإفطار إلى لوس. في ذلك الوقت، يقف جلجامش ليقول: “هيا، انهوا طعامكم. يجب أن نتوجه للمدينة، إنها تبعد ما يقارب ساعتين على سرعتكم هذه.”
استلقى إيرولد فوق فراشه، محاولاً إغماض عينيه المتعبتين، لكنَّ السكينة لم تدم طويلاً. فجأة، شعر بانقباضٍ حاد في صدره، كأنَّ يداً غير مرئية تعتصرُ أنفاسه. وفي عمق وعيه، انطلق صوت آرثر؛ لم يكن ساخراً ولا متهكماً هذه المرة، بل كان صوتاً مخنوقاً، يرتجفُ ذعراً وألماً :“إ… إيرولد!”
ندفع “إيرولد” نحو الأمام وصوته يرتجفُ بالغضب: “يا هذا! كيف تجرؤ على حبس آرثر؟”
انتفض إيرولد جالساً، والذعرُ يتصبب من جبينه. صرخ بهمسٍ حارق : “آرثر! ماذا حصل لك؟”
توقف دانتي لثانية، وبحركةٍ متعالية من كف يده، لوّح في الهواء دون أن يلتفت، وقال بنبرةٍ قاطعة كالسيف: “اغرب عن وجهي.”
لكنَّ الرد لم يأتي بكلمات، بل بظاهرةٍ غريبة جمدت الدماء في عروقه. من منتصف صدره، بدأ “خيطٌ رفيع” يتكونُ ببطء؛ خيطٌ يلمعُ بضياءٍ باهت مائلٍ للزرقة، يمتدُّ في الهواءِ حدق إيرولد في الخيط المرتعش، وسأل بصوتٍ متهدج: “ما هذا؟ هل هذا منك يا آرثر؟”
اتسعت عينا جاسمين بذهولٍ : “واااه! هل يوجد أحد بهذه القوة؟”
أعدت جاسمين السمك المشوي. استيقظ إيرولد و أرجوس على رائحة السمك. جرى أرجوس خارج الخيمة بسرعة: ” أين هو الفطور؟”
اتبع إيرولد الخيط خارج الخيمة، يتلفت حوله ليجد الخيط يدله نحو الكهف. إيرولد: “أقسم أني أعرف ماذا سوف يحصل. كارل… آرثر… أهذه ألاعيب منكم؟ توقفوا عن اللعب، أريد النوم!”
يدخل إيرولد الكهف ويتعمق فيه، متبعًا الخيط، ليجده يدله نحو غرفة داخل الكهف ذات باب خشبي. فتح الباب وقال: “هاها! كم أنتم مسلّين!”
وسأل إيرولد دانتي باحتقار: “ومن عساك أن تكون سوى مدعٍ؟”
اتسعت عينا إيرولد بذهولٍ لم يعرفه من قبل، وتراجع خطوةً إلى الوراء حتى ارتطم ظهره بالباب الخشبي الذي فتحه للتو. وجد دانتي بهيئته مُجسَّدًا أمامه. قال دانتي بصوت عميق:”أنا لا ألعب. أنا من جلبك لهنا.”
انهارت قوى إيرولد تحت وطأة الصراع الداخلي العنيف، فسقط على ركبتيه فوق صخور الكهف الباردة، بينما كان صدى صراخ دانتي الغاضب يتردد في جمجمته كالعاصفة، محاولاً كسر إرادته. لكن في وسط ذلك السواد، كان صوت لوس هو الحبل الوحيد الذي يربطه بالواقع.
صرخ إيرولد بصوتٍ متهدج، يملؤه الارتباك والخوف:”ما أنت؟”
وقفت جاسمين أمام الأمير ، وقالت بنبرة تحمل احترام : “يمكنك النوم في الداخل، وأنا سوف أنام في الخارج.”
قاطعه دانتي بضحكةٍ خافتة، وتقدم خطوةً جعلت الخيطَ الرفيق المتصل بصدر إيرولد يرتعش بابتسامة ساخرة: “أنا دانتي. هل نسيتني؟”
ثبّت “دانتي” نظراته العميقة في عيني إيرولد، وسأله بصوتٍ هادئٍ: “هل تذكر يوم ولادتك يا هذا؟”
خرجت جاسمين من الخيمة كالإعصار، واتجهت مباشرة نحو “أرجوس” و”إيرولد” اللذين كانا يأكلان بشراهةٍ منقطعة النظير. وبحركةٍ خاطفة ومباغتة، مدّت يدها وسط ذهولهما وسحبت سمكةً كاملة من أمامهما. توقف الاثنان عن المضغ، وصرخا بصوتٍ واحد والدهشة تملأ وجوههما: “أعيديها! هذه حصتنا! لم يتبقَ غيرها! ”
اشتعلت النيران في عيني إيرولد، وصرخ بصوتٍ اهتزت له جدران الكهف: “أنت هو ذلك اللعين الذي سيطر على جسدي!”
بعد ساعةٍ من المسير المجهد تحت شمسٍ بدأت تشتد، مالت جاسمين نحو “إيرولد” وسألته بصوتٍ خفيض يملؤه الفضول: ” هل تعتقد أنه يستطيع الوصول إلى هناك في عشر دقائق؟”
لم يحرك “دانتي” ساكناً، بل رمقه بنظرةٍ باردة كأنها نصلُ جليد، ويرد ببرود:”سيطرة؟ أنا من أملك هذا الجسد. أتسمي استرداد جسدي سيطرة؟”
ضحك إيرولد بسخريةٍ مريرة، رغم الرعب الذي بدأ يتسلل إلى أعماقه: “هل تتوهم أيها الغبي؟ أنا من أملك هذا الجسد.”
بعد ساعةٍ من المسير المجهد تحت شمسٍ بدأت تشتد، مالت جاسمين نحو “إيرولد” وسألته بصوتٍ خفيض يملؤه الفضول: ” هل تعتقد أنه يستطيع الوصول إلى هناك في عشر دقائق؟”
في تلك اللحظة، بدأت حلقةٌ غامضة تتوهج فوق رأس دانتي، دارت بسرعةٍ خاطفة ثم توقفت فجأة لتنبعث منها طاقةٌ رد دانتي بحدة: “يا هذا، الزم أدبك عندما تحدثني. أنت لا تعقل مع من تتحدث.”
ضحك إيرولد بسخريةٍ مريرة، رغم الرعب الذي بدأ يتسلل إلى أعماقه: “هل تتوهم أيها الغبي؟ أنا من أملك هذا الجسد.”
وسأل إيرولد دانتي باحتقار: “ومن عساك أن تكون سوى مدعٍ؟”
وسأل إيرولد دانتي باحتقار: “ومن عساك أن تكون سوى مدعٍ؟”
رفع دانتي رأسه بفخرٍ يضاهي الجبال، وقال بصوتٍ عميق تردد صداه في عقل إيرولد: “أنا هو دانتي يورشا، أمير مملكة يوشا العظيمة، من سيجلب مجد المملكة مرة أخرى.”
مسح إيرولد الدم عن شفته، وحاول الوقوف بتثاقل وهو يرسم ابتسامةً زائفة ومرهقة، مجيباً بنبرةٍ يحاول جعلها طبيعية: “لا، لا. لقد كنت أتحدث مع آرثر وتعـاركنا قليلًا. ما الذي تفعله هنا؟“
ردَّ إيرولد بنبرةٍ حملت شماتة : “لسوء حظك يا صاح، لقد دُمِّرت المملكة.”
صرخت جاسمين لتحرك الجميع من ذهولهم: “هيا بنا يا رفاق! لنجمع أغراضنا ولنتحرك!” وبدأ الجميع بتحميل الأمتعة فوق ظهر عتمة ليتحركوا جميعًا.
لم تهتز ثقة دانتي، بل أجاب بيقينٍ مخيف: “أعلم هذا، لكن بعد أخذ جسدي سوف أفعل.”
استعد آرثر لقول: ” أطعني أيها الوقـ…ت“، لكن قبل أن يكمل، وضع دانتي يده على فم آرثر، وأشار بإصبعه على فمه بإشارة السكوت وقال: ” ش…ش…ش… يا فتى، دعنا لا نصعب الوضع أكثر من هذا. ”
توسعت عينا إيرولد بصدمة: “هل قلت للتو إنك تريد أخذ جسدي؟ لحظة! أين آرثر؟ ماذا فعلت به؟”
لتبتسم جاسمين: “حسنًا يا جلجامش.”
فتح دانتي قبضته اليمنى ببطء، لينبثق منها ضياءٌ أرجواني باهت تشكّل بسرعة على هيئة آرثر، الذي كان يرتجفُ من الغضب والإنهاك. صرخ آرثر بمجرد أن استعاد صوته، ونظراته تشتعل حنقاً نحو دانتي: “إيرولد! لقد احتجزني هذا الوغد!”
ندفع “إيرولد” نحو الأمام وصوته يرتجفُ بالغضب: “يا هذا! كيف تجرؤ على حبس آرثر؟”
ندفع “إيرولد” نحو الأمام وصوته يرتجفُ بالغضب: “يا هذا! كيف تجرؤ على حبس آرثر؟”
تجاهل دانتي صراخ إيرولد تماماً، وبدأ يتحركُ في الغرفة بخطواتٍ موزونة، واضعاً يديه خلف ظهره بوقارٍ ملكي لا يتناسب مع عتمة الكهف. توقف والتفت نحو آرثر، وسأله بنبرةٍ حملت فضولاً بارداً ومريباً : “لطالما تساءلت عنك يا آرثر. منذ متى وأنت مع هذا من يسمي نفسه إيرولد؟”
انحنى “لوس” بهدوء، ومدَّ كفّه نحو إيرولد؛ تلك اليد التي بدأت تبدو لإيرولد وكأنها المرفأ الوحيد وسط أمواج الجنون التي تضربه. قال لوس بنبرةٍ دافئة وثابتة: “هيا يا إيرولد.. لنعد لا وقت للتوقف هنا ثمة مدينةٌ قريبة يمكننا ركوب البحر منها لنتوجه الى الشمال. ”
انفجر “آرثر” في نوبة غضب، ولم يعد يهتم بخطورة الموقف: “ وما دخلك أنت بحياتنا؟ وبأي حق تسأل؟.. لكن لحظة!” سكت آرثر فجأة وكأنَّ ذكرياتٍ قديمة بدأت تطفو على السطح، ثم أكمل بنبرةٍ حادة: “لقد تذكرت.. لقد كنتُ معه منذ اللحظة الأولى؛ منذ لحظة سجنه. كنت أرى كل شيء، لكني غير قادر على الكلام، فقط مُراقِب.”
ردت جاسمين وهي تقلب الأسماك فوق الجمر بحرص: ” لا تتحمس كثيراً يا أرجوس لا نملك الكثير.”
اتسعت ابتسامة دانتي، ابتسامةٌ حملت الكثير من المعاني المظلمة، وقال وهو يرفع حاجبه بإعجاب: “مثير للإعجاب.”
تململ لوس في فراشه، وبصوتٍ يغلبه النعاس والغياب عن الواقع، همس وهو لا يزال مغمض العينين: “ليس الآن أيها الملاك الصغير، لا أريد الذهاب.”
لم يتراجع آرثر، بل طار ليصبح في مستوى عيني دانتي وصرخ: “ كفَّ عن الألغاز! ألن تخبرنا من أنت؟”
أجابه دانتي بهدوءٍ : “أخبرتكم. أنا مالك هذا الجسد.”
حاول أرجوس تدارك الموقف، فغيّر نبرة صوته إلى رقّةٍ مصطنعة لا تليق به، ورسم ابتسامةً بائسة على وجهه وهو يمد يده: “هل يمكنني الحصول عليها أيها الملاك؟”
ردَّ إيرولد بحدة: “كلام فارغ… لا تملكُ سوى الأكاذيب.”
ليرد لوس بهدوء: “طبعًا، لأن هذا غير منطقي. ”
ثبّت “دانتي” نظراته العميقة في عيني إيرولد، وسأله بصوتٍ هادئٍ: “هل تذكر يوم ولادتك يا هذا؟”
انفتح الباب، ودخل “لوس” بخطواته الهادئة المتزنة. تسمّر لوس في مكانه وهو يرى إيرولد جاثياً على الأرض، ملابسه ممزقة، ووجهه يحمل آثار كدماتٍ زرقاء وكأنه خاض معركةً طاحنة مع خصمٍ غير مرئي. سأله لوس باستغرابٍ ممزوج بالريبة: “ما الذي حصل لك؟ هل هاجمك أحد؟“
أجاب إيرولد بسخريةٍ :”طبعًا لا. من يذكر يوم ولادته؟”
عمَّ الصمتُ قليلاً، ولم يقطعه سوى صوتُ وقعِ أقدامهم على الطريق الترابي. فجأة، التفتت جاسمين إليه وسألت بفضولٍ ذكي: “صحيح، أين ذهبت في الأمس يا إيرولد؟”
هزَّ دانتي رأسه ببطء ليجيب:” أنا أذكرُها.. أذكرُ كل تفصيلةٍ فيها. لقد رأيتُ جثة والدتي، ثم سوادًا. بقيتُ بهذا السواد حتى دُمجتُ به.”
ليقول آرثر بتوتر : “لقد حاول، لكنه لا يستطيع. لا أعلم لماذا.”
يتجاهله إيرولد ويقول: “ما هذا الكلام الفارغ؟”
اتسعت ابتسامة دانتي، ابتسامةٌ حملت الكثير من المعاني المظلمة، وقال وهو يرفع حاجبه بإعجاب: “مثير للإعجاب.”
قال دانتي بهدوء مرعب: “ أتعلم ماذا؟ تبًا لهذا! لقد اكتفيت من الحديث. ”
لم يتراجع آرثر، بل طار ليصبح في مستوى عيني دانتي وصرخ: “ كفَّ عن الألغاز! ألن تخبرنا من أنت؟”
شعر إيرولد و آرثر بتوتر، اندفع دانتي كظلٍّ منبثقٍ من العدم. مسدد لكمةً ثقيلةً حطمت دفاعات إيرولد وأطاحت به أرضاً، ليرتطمَ جسدُه بصخورِ الكهف الباردة. صرخ آرثر: “أيها اللعين! ”
ردت جاسمين وهي تقلب الأسماك فوق الجمر بحرص: ” لا تتحمس كثيراً يا أرجوس لا نملك الكثير.”
استعد آرثر لقول: ” أطعني أيها الوقـ…ت“، لكن قبل أن يكمل، وضع دانتي يده على فم آرثر، وأشار بإصبعه على فمه بإشارة السكوت وقال: ” ش…ش…ش… يا فتى، دعنا لا نصعب الوضع أكثر من هذا. ”
جاء صوتُ إيرولد من بعيد، ممتزجاً بضحكةٍ خفيفة وهو يراقب الموقف: “لقد ورَّطتَ نفسك! تلك النظرة تعني شيئاً واحداً…. يجب عليك إخبارها قصتك الآن.”
نظر آرثر إلى عيني دانتي. لقد شعر بشيء لأول مرة: الخوف الداخلي، كما لو أن دانتي قد تجسَّد ليكون الرعب في داخل إيرولد.
تنفّس إيرولد الصعداء، لكن تلك الطمأنينة كانت قشرةً خارجية تخفي وراءها اضطراباً أعظم. بمجرد وصولهما، انسحب لوس إلى خيمته مثقلاً بالتعب، بينما سقط إيرولد على ظهره، تاركاً عينيه ترحلان في سماء الليل.. .ليغمض عينيه ليجد نفسه بين جانبين: جانب مُشع وجانب مُظلم.
وقف إيرولد بغضب ينظر الى دانتي ليرى نورًا يشع من صدره، ليتضح أنها العلامة. ليختفي آرثر ودانتي من أمامه.
لم تهتز ثقة دانتي، بل أجاب بيقينٍ مخيف: “أعلم هذا، لكن بعد أخذ جسدي سوف أفعل.”
سكن كل شيء حول إيرولد، لكنَّ الضجيج الحقيقي بدأ في الداخل. لم يعد دانتي يقف أمامه، بل صار يسكنه. اهتز وعي إيرولد بصوت دانتي الذي انساب كالأفعى في تلافيف عقله، صوتاً بارداً يقطرُ سماً: ” اقتل نفسك. العالم سيكون مكاناً أنقى بدون مسخٍ مثلك. أنت لست سوى خطأ في سجلات الوجود، فافعل المعروف الأخير.. وانهِ حياتك. ”
ليمسك إيرولد جاسمين ويضعها على كتفه وبدأ في إخبارها ما حدث مع دانتي عن الأمير الذي يطالبُ بجسده، وعن المواجهة
قبض إيرولد على رأسه بكلتا يديه، محاولاً إسكات ذلك الصوت الذي بدأ ينهش إرادته، ليفاجئه صوتٌ واقعي يأتي من خلف الباب الخشبي: “إيرولد! ”
في تلك اللحظة، شعر إيرولد بدفعةٍ مهولة من الطاقة تطرده من أعماق نفسه، وكأنَّ جسده قد قذفه الخارج. انتفض إيرولد في الواقع، وفتح عينيه فزعاً وهو يصرخ بجنون وسط هدوء المخيم: “أيها اللعين دعنا نتحدث!”
ليقترب الصوت ويتضح أنه لوس. يدخل لوس الغرفة ويقول: “ها أنت ذا! ”
خافت جاسمين، جلجامش بصوت خافت: “لا تقولي سيد، ناديني بـ جلجامش فقط.”
انفتح الباب، ودخل “لوس” بخطواته الهادئة المتزنة. تسمّر لوس في مكانه وهو يرى إيرولد جاثياً على الأرض، ملابسه ممزقة، ووجهه يحمل آثار كدماتٍ زرقاء وكأنه خاض معركةً طاحنة مع خصمٍ غير مرئي. سأله لوس باستغرابٍ ممزوج بالريبة: “ما الذي حصل لك؟ هل هاجمك أحد؟“
جاء صوتُ إيرولد من بعيد، ممتزجاً بضحكةٍ خفيفة وهو يراقب الموقف: “لقد ورَّطتَ نفسك! تلك النظرة تعني شيئاً واحداً…. يجب عليك إخبارها قصتك الآن.”
مسح إيرولد الدم عن شفته، وحاول الوقوف بتثاقل وهو يرسم ابتسامةً زائفة ومرهقة، مجيباً بنبرةٍ يحاول جعلها طبيعية: “لا، لا. لقد كنت أتحدث مع آرثر وتعـاركنا قليلًا. ما الذي تفعله هنا؟“
أومأ إيرولد برأسه مثقلاً، وردَّ بصوتٍ متهدج : “ في الحقيقة نعم. آرثر ودانتي يتعاركان طيلة الوقت، لكن هنالك شيء اختلف في آرثر.”
يجيب لوس: “لقد كنت أتجول، وفي طريقي للعودة وجدتك تدخل الكهف فتبعتك لكي لا يتكرر ما حصل مع ذلك الجان. ”
انشقَّ سكونُ المخيم بصوتِ شهقةٍ قادمة من داخل الخيمة، وخرج “لوس” مسرعاً وهو لا يزال يحاول استيعاب ما سمعه، وعيناه متسعتان بذهولٍ لم يره الفريق عليه من قبل، وصاح بصدمة : “مستحيل!”
انهارت قوى إيرولد تحت وطأة الصراع الداخلي العنيف، فسقط على ركبتيه فوق صخور الكهف الباردة، بينما كان صدى صراخ دانتي الغاضب يتردد في جمجمته كالعاصفة، محاولاً كسر إرادته. لكن في وسط ذلك السواد، كان صوت لوس هو الحبل الوحيد الذي يربطه بالواقع.
التفتت إليهما جاسمين، وعيناها تشرران غضباً، وصرخت فيهما بصوتٍ هزَّ أرجاء المكان: “اخرسوا أيها الملاعين! هذه لـ لوس، ولن يجرؤ أحدكم على لمسها! ”
انحنى “لوس” بهدوء، ومدَّ كفّه نحو إيرولد؛ تلك اليد التي بدأت تبدو لإيرولد وكأنها المرفأ الوحيد وسط أمواج الجنون التي تضربه. قال لوس بنبرةٍ دافئة وثابتة: “هيا يا إيرولد.. لنعد لا وقت للتوقف هنا ثمة مدينةٌ قريبة يمكننا ركوب البحر منها لنتوجه الى الشمال. ”
أما جاسمين، فقد أشرق وجهُها بابتسامةِ امتنانٍ رغم الإرهاق، وصرخت بصوتٍ مبهج وهي تنظر لجلجامش:”شكرًا لككك!”
رفع إيرولد رأسه، ونظر إلى يد لوس الممدودة. في تلك اللحظة، خفتَ صوتُ دانتي قليلاً، أمسك إيرولد بيده، واتكأ عليه لينهض، وقال بصوتٍ متهدج يملؤه الامتنان: “شكرًا لك يا لوس. ”
انفجر “آرثر” في نوبة غضب، ولم يعد يهتم بخطورة الموقف: “ وما دخلك أنت بحياتنا؟ وبأي حق تسأل؟.. لكن لحظة!” سكت آرثر فجأة وكأنَّ ذكرياتٍ قديمة بدأت تطفو على السطح، ثم أكمل بنبرةٍ حادة: “لقد تذكرت.. لقد كنتُ معه منذ اللحظة الأولى؛ منذ لحظة سجنه. كنت أرى كل شيء، لكني غير قادر على الكلام، فقط مُراقِب.”
ابتسم لوس ابتسامةً حنونة، ابتسامةً أخوية وقال وهو يربت على كتفه: ” لا داعي لهذا. نحن أصدقاء يا إيرولد. ”
لتقترب منه جاسمين وتتوسل: “أرجوك… أرجوك. أخبرني فقط بالقليل. “
تبسم إيرولد للمرة الأولى بصدق منذ لقائه بدانتي، وشعر بشيءٍ من السكينة يعود لقلبه: “معك حق. هيا بنا. ”
هزَّ إيرولد رأسه بحيرة: “ لا أدري.”
عاد إيرولد ولوس إلى المخيم بخطىً مثقلة. وبينما كان جسد إيرولد يسيرُ على الأرض، كان عقله غارقاً في مناداة ذلك الصديق المختبئ في أعماقه.
ندفع “إيرولد” نحو الأمام وصوته يرتجفُ بالغضب: “يا هذا! كيف تجرؤ على حبس آرثر؟”
ينادي إيرولد بقلق على آرثر ليسمع صوتًا خافتًا، صوت آرثر يقول: ” لا تقلق، لا يمكنه لمسي هنا. هنالك حاجز بيننا.” ليطمئن إيرولد.
جاسمين: “لقد وجد منافسًا آخر، صحيح؟”
تنفّس إيرولد الصعداء، لكن تلك الطمأنينة كانت قشرةً خارجية تخفي وراءها اضطراباً أعظم. بمجرد وصولهما، انسحب لوس إلى خيمته مثقلاً بالتعب، بينما سقط إيرولد على ظهره، تاركاً عينيه ترحلان في سماء الليل.. .ليغمض عينيه ليجد نفسه بين جانبين: جانب مُشع وجانب مُظلم.
يجيب لوس: “لقد كنت أتجول، وفي طريقي للعودة وجدتك تدخل الكهف فتبعتك لكي لا يتكرر ما حصل مع ذلك الجان. ”
مكان مقسومٍ بدقة مرعبة إلى نصفين : الجانبُ الأيمن كان يفيضُ بنورٍ أبيض دافئ، نورٍ يشبه الفجر الصادق، وهناك كان آرثر يقف بهيئته المألوفة. أما الجانبُ الأيسر، فكان تجسيداً للسواد المطلق، لكنه لم يكن مظلماً تماماً؛ بل كان سواداً عميقاً مرصعاً بنقاطٍ مضيئة باردة، تشبه النجوم البعيدة في فضاءٍ سحيق. وفي قلب هذا العدم الجميل والمخيف،
انفجرت جاسمين غضباً، وضربت الأرض بقدمها وهي تبتعد، وصرخت بمرارة: “إنه لا يهم! حتى أرجوس المعتوه لم يفعل هذا.”
ذهل إيرولد، وتراجع بصره بين الضياء والظلام وهو يتمتم بذهول: “ما هذا بحق الجحيم؟”
ليصرخ آرثر باكيًا ليحتضن إيرولد ويصرخ: “إيرولد! كيف سوف تبقيني مع هذا المختل؟ أرجوك لا تتركني يا إيرولد!”
يجيب لوس: “لقد كنت أتجول، وفي طريقي للعودة وجدتك تدخل الكهف فتبعتك لكي لا يتكرر ما حصل مع ذلك الجان. ”
لينظر إيرولد لدانتي بتعجب : ” ألا يمكنه العبور هنا؟”
ليمسك إيرولد جاسمين ويضعها على كتفه وبدأ في إخبارها ما حدث مع دانتي عن الأمير الذي يطالبُ بجسده، وعن المواجهة
ليقول آرثر بتوتر : “لقد حاول، لكنه لا يستطيع. لا أعلم لماذا.”
بين صدمة الجميع، يقول إيرولد: “وووه! إنها أول مرة أرى فيها لوس بهذا التفاجؤ!”
ينظر إليهم دانتي بازدراء، ليلتفت وينغمس في الظلام. يتوجه له إيرولد ويناديه: “دانتي! لنتحدث.”
تبسم إيرولد للمرة الأولى بصدق منذ لقائه بدانتي، وشعر بشيءٍ من السكينة يعود لقلبه: “معك حق. هيا بنا. ”
توقف دانتي لثانية، وبحركةٍ متعالية من كف يده، لوّح في الهواء دون أن يلتفت، وقال بنبرةٍ قاطعة كالسيف: “اغرب عن وجهي.”
ردَّ إيرولد بنبرةٍ حملت شماتة : “لسوء حظك يا صاح، لقد دُمِّرت المملكة.”
في تلك اللحظة، شعر إيرولد بدفعةٍ مهولة من الطاقة تطرده من أعماق نفسه، وكأنَّ جسده قد قذفه الخارج. انتفض إيرولد في الواقع، وفتح عينيه فزعاً وهو يصرخ بجنون وسط هدوء المخيم: “أيها اللعين دعنا نتحدث!”
ينادي إيرولد بقلق على آرثر ليسمع صوتًا خافتًا، صوت آرثر يقول: ” لا تقلق، لا يمكنه لمسي هنا. هنالك حاجز بيننا.” ليطمئن إيرولد.
ساد الصمتُ الثقيل في أرجاء المخيم، ولم يقطع هدوء الليل سوى أنفاس إيرولد المتلاحقة. كان عرقٌ بارد يغطي جبينه، وقلبه يدقُّ بعنفٍ داخل صدره. جاءه صوت “آرثر” من الداخل، هادئاً هذه المرة : “لا تكترث له. لقد استنزفتَ طاقتك بما يكفي اليوم، اذهب للنوم يا إيرولد.”
خرجت جاسمين من الخيمة كالإعصار، واتجهت مباشرة نحو “أرجوس” و”إيرولد” اللذين كانا يأكلان بشراهةٍ منقطعة النظير. وبحركةٍ خاطفة ومباغتة، مدّت يدها وسط ذهولهما وسحبت سمكةً كاملة من أمامهما. توقف الاثنان عن المضغ، وصرخا بصوتٍ واحد والدهشة تملأ وجوههما: “أعيديها! هذه حصتنا! لم يتبقَ غيرها! ”
أرخى إيرولد كتفيه المشدودتين، ومسح وجهه بيده، وزفر زفرةً طويلة أخرجت كل التوتر من رئتيه:
لم يتراجع آرثر، بل طار ليصبح في مستوى عيني دانتي وصرخ: “ كفَّ عن الألغاز! ألن تخبرنا من أنت؟”
“أجل، معك حق.”
لكنَّ الرد لم يأتي بكلمات، بل بظاهرةٍ غريبة جمدت الدماء في عروقه. من منتصف صدره، بدأ “خيطٌ رفيع” يتكونُ ببطء؛ خيطٌ يلمعُ بضياءٍ باهت مائلٍ للزرقة، يمتدُّ في الهواءِ حدق إيرولد في الخيط المرتعش، وسأل بصوتٍ متهدج: “ما هذا؟ هل هذا منك يا آرثر؟”
ليصرخ آرثر باكيًا ليحتضن إيرولد ويصرخ: “إيرولد! كيف سوف تبقيني مع هذا المختل؟ أرجوك لا تتركني يا إيرولد!”
توجه إيرولد إلى فراشه، واستلقى أغمض عينيه أخيراً، تاركاً النور والظلام يتصارعان خلف أجفانه
التفتت إليه جاسمين، ورسمت على وجهها ابتسامةً عريضة وهي تصدر صوتاً طفولياً: “هيهيهي” ، وفجأة، تحول وجهها إلى برودٍ قاطع كالجليد وقالت بكلمة واحدة: “ لا. ”
قبل شروق الشمس، استيقظت جاسمين بكامل نشاطها. خرجت من خيمتها لتنظر إلى جلجامش النائم أمام النار التي أصبحت رمادًا بلا غطاء. ذهبت لتجلب له غطاءً لتضعه عليه وهو نائم.
تجمدت جاسمين في مكانها، واشتعلت وجنتها حمرةً من الخجل المباغت. وصفعت الهواء، وقالت بصوت خجل: “سوف أحضر لك الطعام لهنا.”
ثم ذهبت جاسمين لإعداد الفطور، لم تجد سوى سمك. باشمئزاز، قالت: “سمك للإفطار؟! يذكرني هذا في السيد كاراي!”
تتبسم جاسمين وتجيب:”أنا من وضعته عليك يا سيد.”
لتتبسم وتقول: “من أجلك يا سيد كاراي، سوف أعد السمك.”
ليتقدم إيرولد ويقول لجاسمين: “سوف نكمل الحديث لاحقًا.” ليضعها على ظهر عتمة. بعد نصف ساعة، ليقول جلجامش ان المدينة بعد هذا المنحدر.
أعدت جاسمين السمك المشوي. استيقظ إيرولد و أرجوس على رائحة السمك. جرى أرجوس خارج الخيمة بسرعة: ” أين هو الفطور؟”
نظر آرثر إلى عيني دانتي. لقد شعر بشيء لأول مرة: الخوف الداخلي، كما لو أن دانتي قد تجسَّد ليكون الرعب في داخل إيرولد.
بينما تبعه إيرولد بهدوء وهو يقول: “اهدأ يا صاح، كل منا له حصته.”
ردّت جاسمين بغضب:” لقد وصفني بالملاك الصغير! أما أنتما.. فلا تجيدان سوى وصفي بالشيطان المتقلص كلما رأيتماني! لذا، موتا جوعاً! ”
ردت جاسمين وهي تقلب الأسماك فوق الجمر بحرص: ” لا تتحمس كثيراً يا أرجوس لا نملك الكثير.”
يدخل إيرولد الكهف ويتعمق فيه، متبعًا الخيط، ليجده يدله نحو غرفة داخل الكهف ذات باب خشبي. فتح الباب وقال: “هاها! كم أنتم مسلّين!”
جرى إيرولد نحو الطعام، بينما أخذت جاسمين نصف السمكة وذهبت لجلجامش لتوقظه وتقول: “سيد جلجامش، استيقظ.”
قبض إيرولد على رأسه بكلتا يديه، محاولاً إسكات ذلك الصوت الذي بدأ ينهش إرادته، ليفاجئه صوتٌ واقعي يأتي من خلف الباب الخشبي: “إيرولد! ”
فتح عينيه لتمتزج عيناه بشمس ليجلس يجد نفسه مغطى. قال: “من أين حصلت على هذا؟”
جرى إيرولد نحو الطعام، بينما أخذت جاسمين نصف السمكة وذهبت لجلجامش لتوقظه وتقول: “سيد جلجامش، استيقظ.”
تتبسم جاسمين وتجيب:”أنا من وضعته عليك يا سيد.”
ليصرخ آرثر باكيًا ليحتضن إيرولد ويصرخ: “إيرولد! كيف سوف تبقيني مع هذا المختل؟ أرجوك لا تتركني يا إيرولد!”
مدت الطبق له على الفور وقالت: “الفطور.”
انفجرت جاسمين غضباً، وضربت الأرض بقدمها وهي تبتعد، وصرخت بمرارة: “إنه لا يهم! حتى أرجوس المعتوه لم يفعل هذا.”
أخذ جلجامش الطبق، وهمّت جاسمين بالذهاب، فقال: “توقفي قليلًا.”
التفتت إليهما جاسمين، وعيناها تشرران غضباً، وصرخت فيهما بصوتٍ هزَّ أرجاء المكان: “اخرسوا أيها الملاعين! هذه لـ لوس، ولن يجرؤ أحدكم على لمسها! ”
خافت جاسمين، جلجامش بصوت خافت: “لا تقولي سيد، ناديني بـ جلجامش فقط.”
تجمدت جاسمين في مكانها، واشتعلت وجنتها حمرةً من الخجل المباغت. وصفعت الهواء، وقالت بصوت خجل: “سوف أحضر لك الطعام لهنا.”
لتبتسم جاسمين: “حسنًا يا جلجامش.”
ليرد لوس بهدوء: “طبعًا، لأن هذا غير منطقي. ”
ذهبت جاسمين لإيقاظ لوس، وقالت في نفسها: “إذا لم يستيقظ، لن يبقى له شيء.” دخلت جاسمين الخيمة، لتجد لوس غارقاً في نومٍ عميق، كأن ضجيج العالم بالخارج لا يعنيه وصرخت بأقصى قوتها: “لوووس! استيقظ، الفطور!”
“أجل، معك حق.”
تململ لوس في فراشه، وبصوتٍ يغلبه النعاس والغياب عن الواقع، همس وهو لا يزال مغمض العينين: “ليس الآن أيها الملاك الصغير، لا أريد الذهاب.”
توقفت جاسمين عن الحركة، ومالت برأسها بفضول وهي تسأل: “وعلى سرعتك يا جلجامش، كم ستكون؟“
تجمدت جاسمين في مكانها، واشتعلت وجنتها حمرةً من الخجل المباغت. وصفعت الهواء، وقالت بصوت خجل: “سوف أحضر لك الطعام لهنا.”
خرجت جاسمين من الخيمة كالإعصار، واتجهت مباشرة نحو “أرجوس” و”إيرولد” اللذين كانا يأكلان بشراهةٍ منقطعة النظير. وبحركةٍ خاطفة ومباغتة، مدّت يدها وسط ذهولهما وسحبت سمكةً كاملة من أمامهما. توقف الاثنان عن المضغ، وصرخا بصوتٍ واحد والدهشة تملأ وجوههما: “أعيديها! هذه حصتنا! لم يتبقَ غيرها! ”
جاسمين: “لقد وجد منافسًا آخر، صحيح؟”
التفتت إليهما جاسمين، وعيناها تشرران غضباً، وصرخت فيهما بصوتٍ هزَّ أرجاء المكان: “اخرسوا أيها الملاعين! هذه لـ لوس، ولن يجرؤ أحدكم على لمسها! ”
ساد صمتٌ مباغت. التفت أرجوس نحو جلجامش، وقال بتعجب: “في النهاية أظنه يمتلك قلبًا!”
مسح أرجوس فمه بيده، وسأل بنبرةٍ ممتلئة بالغيرة والاحتجاج: “ولِمَ هذا التعامل المميّز مع لوس؟”
تتبسم جاسمين وتجيب:”أنا من وضعته عليك يا سيد.”
ردّت جاسمين بغضب:” لقد وصفني بالملاك الصغير! أما أنتما.. فلا تجيدان سوى وصفي بالشيطان المتقلص كلما رأيتماني! لذا، موتا جوعاً! ”
أومأ إيرولد برأسه مثقلاً، وردَّ بصوتٍ متهدج : “ في الحقيقة نعم. آرثر ودانتي يتعاركان طيلة الوقت، لكن هنالك شيء اختلف في آرثر.”
حاول أرجوس تدارك الموقف، فغيّر نبرة صوته إلى رقّةٍ مصطنعة لا تليق به، ورسم ابتسامةً بائسة على وجهه وهو يمد يده: “هل يمكنني الحصول عليها أيها الملاك؟”
التفتت إليهما جاسمين، وعيناها تشرران غضباً، وصرخت فيهما بصوتٍ هزَّ أرجاء المكان: “اخرسوا أيها الملاعين! هذه لـ لوس، ولن يجرؤ أحدكم على لمسها! ”
التفتت إليه جاسمين، ورسمت على وجهها ابتسامةً عريضة وهي تصدر صوتاً طفولياً: “هيهيهي” ، وفجأة، تحول وجهها إلى برودٍ قاطع كالجليد وقالت بكلمة واحدة: “ لا. ”
ليقول آرثر بتوتر : “لقد حاول، لكنه لا يستطيع. لا أعلم لماذا.”
لتذهب لتعطي الإفطار إلى لوس. في ذلك الوقت، يقف جلجامش ليقول: “هيا، انهوا طعامكم. يجب أن نتوجه للمدينة، إنها تبعد ما يقارب ساعتين على سرعتكم هذه.”
تراجع لوس بوقار وقال بنبرةٍ اعتذارية صادقة: “اعذرني جلالتك، لم أقصد التقليل منك.”
توقفت جاسمين عن الحركة، ومالت برأسها بفضول وهي تسأل: “وعلى سرعتك يا جلجامش، كم ستكون؟“
اتبع إيرولد الخيط خارج الخيمة، يتلفت حوله ليجد الخيط يدله نحو الكهف. إيرولد: “أقسم أني أعرف ماذا سوف يحصل. كارل… آرثر… أهذه ألاعيب منكم؟ توقفوا عن اللعب، أريد النوم!”
نظر جلجامش إلى الأفق البعيد، وأجاب بصوتٍ عميقٍ وواثق لم يتردد للحظة: “عشر دقائق.”
وقفت جاسمين أمام الأمير ، وقالت بنبرة تحمل احترام : “يمكنك النوم في الداخل، وأنا سوف أنام في الخارج.”
انشقَّ سكونُ المخيم بصوتِ شهقةٍ قادمة من داخل الخيمة، وخرج “لوس” مسرعاً وهو لا يزال يحاول استيعاب ما سمعه، وعيناه متسعتان بذهولٍ لم يره الفريق عليه من قبل، وصاح بصدمة : “مستحيل!”
خرجت جاسمين من الخيمة كالإعصار، واتجهت مباشرة نحو “أرجوس” و”إيرولد” اللذين كانا يأكلان بشراهةٍ منقطعة النظير. وبحركةٍ خاطفة ومباغتة، مدّت يدها وسط ذهولهما وسحبت سمكةً كاملة من أمامهما. توقف الاثنان عن المضغ، وصرخا بصوتٍ واحد والدهشة تملأ وجوههما: “أعيديها! هذه حصتنا! لم يتبقَ غيرها! ”
بين صدمة الجميع، يقول إيرولد: “وووه! إنها أول مرة أرى فيها لوس بهذا التفاجؤ!”
لم تهتز ثقة دانتي، بل أجاب بيقينٍ مخيف: “أعلم هذا، لكن بعد أخذ جسدي سوف أفعل.”
ليرد لوس بهدوء: “طبعًا، لأن هذا غير منطقي. ”
ليصرخ آرثر باكيًا ليحتضن إيرولد ويصرخ: “إيرولد! كيف سوف تبقيني مع هذا المختل؟ أرجوك لا تتركني يا إيرولد!”
ليضع جلجامش عينه في عين لوس ويقول : “منذ متى كان هناك شيء منطقي في هذا العالم؟ ثم لست مضطرًا أن أثبت لأي شخص فيكم ما أنا قادر على فعله. ”
انتفض إيرولد جالساً، والذعرُ يتصبب من جبينه. صرخ بهمسٍ حارق : “آرثر! ماذا حصل لك؟”
شعر الجميع بتوتر، حتى عتمة الذي كان يأكل من العشب توقف عن الأكل متفاجئًا يحدق بصمت كما لو كان يفهم الموقف. ليقف أرجوس ويقول: “اهدأ! اهدأ يا صاح، لا نُرِد العراك بيننا.”
ردَّ إيرولد بنبرةٍ حملت شماتة : “لسوء حظك يا صاح، لقد دُمِّرت المملكة.”
تراجع لوس بوقار وقال بنبرةٍ اعتذارية صادقة: “اعذرني جلالتك، لم أقصد التقليل منك.”
ردت جاسمين وهي تقلب الأسماك فوق الجمر بحرص: ” لا تتحمس كثيراً يا أرجوس لا نملك الكثير.”
ليسير جلجامش ضامًا ذراعيه ويقول: “هيا، سوف أنتظركم في الأمام.”
استعد آرثر لقول: ” أطعني أيها الوقـ…ت“، لكن قبل أن يكمل، وضع دانتي يده على فم آرثر، وأشار بإصبعه على فمه بإشارة السكوت وقال: ” ش…ش…ش… يا فتى، دعنا لا نصعب الوضع أكثر من هذا. ”
صرخت جاسمين لتحرك الجميع من ذهولهم: “هيا بنا يا رفاق! لنجمع أغراضنا ولنتحرك!” وبدأ الجميع بتحميل الأمتعة فوق ظهر عتمة ليتحركوا جميعًا.
لم تهتز ثقة دانتي، بل أجاب بيقينٍ مخيف: “أعلم هذا، لكن بعد أخذ جسدي سوف أفعل.”
بعد ساعةٍ من المسير المجهد تحت شمسٍ بدأت تشتد، مالت جاسمين نحو “إيرولد” وسألته بصوتٍ خفيض يملؤه الفضول: ” هل تعتقد أنه يستطيع الوصول إلى هناك في عشر دقائق؟”
ذهل إيرولد، وتراجع بصره بين الضياء والظلام وهو يتمتم بذهول: “ما هذا بحق الجحيم؟”
ليجيب إيرولد: “مِن سمعته وما أراه منه، هناك قوة كبيرة تخرج منه وهو يحاول كبحها. لذا نعم، أعتقد أنه يستطيع.”
اتسعت عينا جاسمين بذهولٍ : “واااه! هل يوجد أحد بهذه القوة؟”
اتسعت عينا جاسمين بذهولٍ : “واااه! هل يوجد أحد بهذه القوة؟”
ذهل إيرولد، وتراجع بصره بين الضياء والظلام وهو يتمتم بذهول: “ما هذا بحق الجحيم؟”
شردَ ذهنُ “إيرولد” بعيداً، ومرَّ أمام عينيه طيفُ “آشورا”؛ تلك القوة التي لا تُوصفُ بالكلمات، والتي تجعلُ حتى العواصفَ تنحني أمامها. أجاب بنبرةٍ غامضة: “نعم، وربما أقوى.”
ندفع “إيرولد” نحو الأمام وصوته يرتجفُ بالغضب: “يا هذا! كيف تجرؤ على حبس آرثر؟”
عمَّ الصمتُ قليلاً، ولم يقطعه سوى صوتُ وقعِ أقدامهم على الطريق الترابي. فجأة، التفتت جاسمين إليه وسألت بفضولٍ ذكي: “صحيح، أين ذهبت في الأمس يا إيرولد؟”
لتذهب لتعطي الإفطار إلى لوس. في ذلك الوقت، يقف جلجامش ليقول: “هيا، انهوا طعامكم. يجب أن نتوجه للمدينة، إنها تبعد ما يقارب ساعتين على سرعتكم هذه.”
ليمسك إيرولد جاسمين ويضعها على كتفه وبدأ في إخبارها ما حدث مع دانتي عن الأمير الذي يطالبُ بجسده، وعن المواجهة
استلقى إيرولد فوق فراشه، محاولاً إغماض عينيه المتعبتين، لكنَّ السكينة لم تدم طويلاً. فجأة، شعر بانقباضٍ حاد في صدره، كأنَّ يداً غير مرئية تعتصرُ أنفاسه. وفي عمق وعيه، انطلق صوت آرثر؛ لم يكن ساخراً ولا متهكماً هذه المرة، بل كان صوتاً مخنوقاً، يرتجفُ ذعراً وألماً :“إ… إيرولد!”
شهقت جاسمين وهي تتمسكُ بكتفه، وقالت بتأثر: “يا إلهي، كما لو أن هنالك حربًا في داخلك.”
أما لوس تنهد و قال بهدوء : “سوف أتجول لبعض الوقت.”
أومأ إيرولد برأسه مثقلاً، وردَّ بصوتٍ متهدج : “ في الحقيقة نعم. آرثر ودانتي يتعاركان طيلة الوقت، لكن هنالك شيء اختلف في آرثر.”
تنفّس إيرولد الصعداء، لكن تلك الطمأنينة كانت قشرةً خارجية تخفي وراءها اضطراباً أعظم. بمجرد وصولهما، انسحب لوس إلى خيمته مثقلاً بالتعب، بينما سقط إيرولد على ظهره، تاركاً عينيه ترحلان في سماء الليل.. .ليغمض عينيه ليجد نفسه بين جانبين: جانب مُشع وجانب مُظلم.
جاسمين: “لقد وجد منافسًا آخر، صحيح؟”
هزَّ إيرولد رأسه بحيرة: “ لا أدري.”
لم تتراجع جاسمين، بل اقتربت أكثر حتى لمع ضوء النار في عينيها الواسعتين اللتين امتلأتا بفضولٍ طفولي جارف. ارتبك جلجامش من نظرتها، وتراجع بجسده قليلاً كمن يحاول تفادي هجومٍ غير مرئي، وقال بذعرٍ مكتوم: “ماذا؟! لماذا تنظرين هكذا؟“
جلجامش بصوت مرتفع: ” لقد اقتربنا من المدينة.”
بين صدمة الجميع، يقول إيرولد: “وووه! إنها أول مرة أرى فيها لوس بهذا التفاجؤ!”
ليتقدم إيرولد ويقول لجاسمين: “سوف نكمل الحديث لاحقًا.” ليضعها على ظهر عتمة. بعد نصف ساعة، ليقول جلجامش ان المدينة بعد هذا المنحدر.
التفتت إليهما جاسمين، وعيناها تشرران غضباً، وصرخت فيهما بصوتٍ هزَّ أرجاء المكان: “اخرسوا أيها الملاعين! هذه لـ لوس، ولن يجرؤ أحدكم على لمسها! ”
نكشف المشهد أمامهم بعد تجاوز المنحدرات : كانت المدينة ملاذًا هادئًا على حافة البحر، كأنها وُلدت من رحم الطبيعة. لم تكن الأسوار أو الأبراج تحيط بها، بل كانت تحضنها مروج خضراء كثيفة تمتد بلا نهاية، تحتضنها أشجار النخيل المتمايلة التي تلوح بأغصانها مع كل نسمة.
لتبتسم جاسمين: “حسنًا يا جلجامش.”
كانت البيوت هنا بسيطة، مصنوعة من الخشب الأبيض المُبيَّض بملح البحر وسعف النخيل المنسوج بعناية، مما يمنحها رائحة دافئة من الخشب والدخان والملح. لم تكن الطرق مرصوفة، بل ممرات من الرمال الذهبية النظيفة التي تؤدي مباشرة إلى الشاطئ.
تعابير جلجامش لم تتغير، وقال بكلمة قاطعة: “اخلدي للنوم.”
في كل زاوية، كانت ترى أزهارًا برية متفتحة بألوان زاهية، وكأنها ترفض أن تخضع لجدب الحياة.
ثم ذهبت جاسمين لإعداد الفطور، لم تجد سوى سمك. باشمئزاز، قالت: “سمك للإفطار؟! يذكرني هذا في السيد كاراي!”
أما السكان، فقد كانوا كجزء من هذا المشهد الهادئ. يرتدون أثوابًا بسيطة بألوان الأرض والبحر، ووجوههم تحمل تجاعيد الحكمة والرضا. كانت عيونهم تتسم بـ الهدوء الغريب،
ردّت جاسمين بغضب:” لقد وصفني بالملاك الصغير! أما أنتما.. فلا تجيدان سوى وصفي بالشيطان المتقلص كلما رأيتماني! لذا، موتا جوعاً! ”
رفع دانتي رأسه بفخرٍ يضاهي الجبال، وقال بصوتٍ عميق تردد صداه في عقل إيرولد: “أنا هو دانتي يورشا، أمير مملكة يوشا العظيمة، من سيجلب مجد المملكة مرة أخرى.”
